231 |مختصر السيرة النبوية وكان رسولُ الله ﷺ قلما يخرج في غزوةٍ إلا كنَّ ى عنها، وأخبر أنه يريد غيرَ الوجه الذي يصمُ د له، إلا ما كان من غزوةِ تبوكٍ ، فإنه بيَّ نها للناس؛ لبُ عد الشُّ قَّ ةِ ، وشدَّ ةِ الزمان، وكثرةِ العدوِّ الذي يصمد له، ليتأهب الناسُ لذلك أُ هْ بَ تَ ه، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يُ ريد الرومَ . وقال قومٌ من المنافقين بعضُ هم لبعضٍ : لا تَ نفروا في الحرِّ ، زهادَ ةً في الجهاد، وشكا ا في الحقِّ ، وإرجافً ا برسولِ الله ﷺ، فأنزل اللهُ تبارك وتعالى فيهم: (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) [25-25]. قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم إن رسولَ الله ﷺ جَ دَّ في سفرِ ه، وأمر الناسَ بالجهاز والانكماشِ ، وحض أهلَ الغنى على النفقة والحُ ملان في سبيل الله، فحمل رجالٌ من أهلِ الغنى واحتَ سبوا، وأنفق عثمانُ بنُ عفان في ذلك نفقةً عظيمةً ، لم ينفق أحدٌ مثلَ ها. قالَ ابنُ إسحاقَ : وجاءه المُ عذِّ رون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يَ عذِ رهم اللهُ تعالى، وقد ذُ كر لي أنهم نفرٌ من بني غِ فارٍ . ثم استتب برسولِ الله ﷺ سفرُ ه، وأجمعَ السيرَ ، وقد كان نفرٌ من المسلمين أبطأت بهم النيَّ ةُ عن رسولِ الله ﷺ حتى تخلفوا عنه، عن غيرِ شكٍّ ولا ارتيابٍ ، منهم: كعبُ بن مالك بن أبي كعب، ومُ رارةُ بن الربيعِ ، وهلالُ بن أميةَ ، وأبو خَ يثمةَ ، وكانوا نفرَ صدقٍ ، لا يُ تهمون في إسلامِ هم.
عدد الصفحات ٢٣١مختصر السيرة النبوية|230 فلما خرجَ رسولُ الله ﷺ ضبَ عسكرَ ه على ثنيةِ الوداعِ ، وضب عبدُ الله بن أبيٍّ معه على حِ دةٍ عسكرَ ه أسفلَ منه، وكان فيما يَ زعمون ليس بأقلِّ العسكرين، فلما سارَ رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي، فيمن تخلف من المنافقين وأهلِ الريب. قالَ ابنُ إسحاقَ : وقد كان رسولُ الله ﷺ حين مَ رَّ بالحِ جر نزلَا، واستقى الناسُ من بئرها، فلما راحوا قال رسولُ الله ﷺ: «لا تشبوا من مائها شيئا، ولا تتوضَّ ؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فاعلِ فوه الإبلَ ، ولا تأكلوا منه شيئ ا، ولا يرُ جن أحد منكم الليلةَ إلا ومعه صاحب له». ثم مضى رسولُ الله ﷺ سائرً ا، فجعل يتخلف عنه الرجلُ ، فيقولون: يا رسولَ الله، تخلف فلانٌ ، فيقول: «دعوه، فإن يكُ فيه خير فسيُ لحقه اللهُ تعالى بكم، وإن يك غيرَ ذلك فقد أراحَ كُ م اللهُ منه». قالَ ابنُ إسحاقَ : وقد كان رهطٌ من المنافقين منهم: وديعةُ بن ثابت، ومخُ شِّ نُ بن حمَُيرِّ ، يشيرون إلى رسولِ الله ﷺ وهو مُ نطلقٌ إلى تبوكَ ، فقال بعضُ هم لبعض: أتحسِ بون جِ لاد بني الأصفرِ كقِ تال العرب بعضِ هم بعضً ا! والله لكأنا بكم غدً ا مقرَّ نين في الحبال؛ إرجافً ا وترهيبً ا للمؤمنين. فقال مخُ شِّ نُ بن حمَُيرِّ : والله لوددتُ أني أقاضي على أن يُ ضب كلُّ رجل منا مئةَ جلدةٍ ، وإنا ننفلتُ أن ينزل فينا قرآنٌ لمقالَ تِ كم هذه. وقال رسولُ الله ﷺ -فيما بلغني- لعمارِ بن ياسرٍ : «أدرك القومَ، فإنهم قد احتَ قوا، فسلْ هُ م عما قالوا، فإن أنكروا فقُ ل: بلى، قلتم كذا وكذا».
عدد الصفحات ٢٣٢232 |مختصر السيرة النبوية فانطلقَ إليهم عمارٌ ، فقال ذلك لَم: فأتوا رسولَ الله ﷺ يَ عتذرون إليه، فقال وديعةُ بنُ ثابتٍ -ورسولُ الله ﷺ واقفٌ على ناقته فجعل يقول وهو آخذٌ بِ حَ قَ بها-: يا رسولَ الله، إنما كنا نخوضُ ونلعبُ ، فأنزل اللهُ :(ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) [61]. وقال مخُشِّ نُ بن حمَُ يرِّ : يا رسولَ الله، قعد بي اسمِ ي واسمُ أبي، وكأن الذي عُ في عنه في هذه الآية مخُ شِّ ن بن حمَُيرِّ ، فتسمى عبدَ الرحمن، وسأل اللهَ تعالى أن يقتُ لَ ه شهيدً ا لا يُ علم بمكانه، فقُ تل يومَ اليمامةِ ، فلم يوجد له أثرٌ . ولما انتهى رسولُ الله ﷺ إلى تبوكَ ، أتاه يحُ نَّ ةُ بن رُ ؤبةَ ، صاحبُ أيْ لَ ةَ ، فصالح رسولَ الله ﷺ، وأعطاه الجزيةَ ، وأتاه أهلُ جَ رباء وأَ ذرُ ح، فأعطوه الجزيةَ ، فكتب رسولُ الله ﷺ لَم كتابً ا، فهو عندهم. فأقام رسولُ الله ﷺ بتبوكَ بضعَ عشرةَ ليلةً ، لم يجاوزها، ثم انصرفَ قافلاً إلى المدينةِ . 17- أمرُ مسجدِ الضرار عند القُ فول من غزوة تبوكَ قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم أقبل رسولُ الله ﷺ حتى نزل بذِ ي أوانٍ -بلدٍ بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهار - وكان أصحابُ مسجدِ الضار قد كانوا أتوه وهو يتجهَّ ز إلى تبوكَ ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنا قد بنينا مسجدً ا لذي العلة والحاجة والليلةِ المَ طيرةِ والليلةِ الشاتيةِ ، وإنا نحب أن تأتيَ نا، فتصلي لنا فيه فقال: «إني ع جَ ناح سفرٍ ، وحال شغلٍ -أو كما قال ﷺ- ولو قد قدِ منا إن شاء اللهُ لأتيناكم، فصلَّ ينا لكم فيه».
عدد الصفحات ٢٣٣مختصر السيرة النبوية|233 فلما نزل بذي أوانٍ ، أتاه خبرُ المسجدِ ، فدعا رسولُ الله ﷺ مالكَ بن الدُّ خشُ م، ومعنَ بن عديٍّ ، أ و أخاه عاصمَ بنَ عدي ، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجدِ الظالم أهلُ ه، فاهدماه وحرَّ قاه». فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالمِ بن عوفٍ ، وهم رهطُ مالكِ بن الدخشُ م، فقال مالكٌ لمعنٍ : أنظرني حتى أخرُ جَ إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهلِ ه، فأخذ سعفً ا من النخل، فأشعل فيه ن ارً ا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهلُ ه، فحرَّ قاه وهدماه، وتفرَّ قوا عنه، ونزل فيهم من القرآنِ ما نزل: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ) [547] إلى آخر القصة 18- أمرُ وفدِ ثقيفٍ وإسلامها في شهرِ رمضانَ سنةَ تسع قالَ ابنُ إسحاقَ : وقدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ من تبوكَ في رمضانَ ، وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ . فلما أسلموا وكتب لَم رسولُ الله ﷺ كتابهَ م، أمَّ رَ عليهم عثمانَ بن أبي العاص، وكان من أحدَ ثِ هم سنا ا، وذلك أنه كان أحرصَ هم على التفقُّ ه في الإسلامِ ، وتعلُّ م القرآن. 19- حج أبي بكر بالناس سنةَ تسعٍ قالَ ابنُ إسحاقَ : ث م أقام رسولُ الله ﷺ بقيَّ ة شهر رمضانَ وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرً ا على الحج من سنة تسعٍ ، ليقيم للمسلمين حجَّ هم، والناسُ من أهل الشرك على منازِ لَم من حجِّ هم، فخرج أبو بكرٍ ومن معه من المسلمين.
عدد الصفحات ٢٣٤234 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ رضوان الله عليه، أنه قال: لما نزلت براءةٌ على رسولِ الله ﷺ، وقد كان بعث أبا بكرٍ الصديقَ ليقيمَ للناس الحجَّ ، قيل له: يا رسولَ الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: «لا يُؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي». ثم دعا ع بنَ أبي طالب رضوانُ الله عليه، فقال له: «اخرجبهذه القصَّ ةِ من صدر براءةٍ ، وأذن في الناس يومَ النحر إذا اجتمعوا بمن ى، أنه لا يدخل الجنةَ كافر ، ولا يحج بعد العام مشك ، ولا يطوَ بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسولِ الله ﷺ عهد فهو له إلى مُ دَّ ته». قالَ ابنُ إسحاقَ : فكان هذا من براءةٍ فيمن كان من أهل ا لشرك من أهلِ العهد العامِّ ، وأهل المدة إلى الأجلِ المسمى. قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم أمر اللهُ رسولَ ه ﷺ بجهاد أهلِ الشرك، ممن نقض من أهل العهدِ الخاصِّ ، ومن كان من أهلِ العهد العامِّ ، بعد الأربعةِ الأشهرِ التي ضب لَم أجلاً إلا أن يعدو فيها عادٍ منهم، فيُ قتل بعَ دائه. 21- ذِكرُ سنةِ تسع وتسميتُ ها: سنة الوفودِ قالَ ابنُ إسحاقَ : لما افتتح رسولُ الله ﷺ مكَّ ةَ ، وفرغ من تبوكَ ، وأسلمت ثقيفٌ وبايعت، ضبت إليه وفودُ العرب من كلِّ وجه. قالَ ابنُ إسحاقَ : وإنما كانت العربُ تربَّ صُ بالإسلام أَ مْ رَ هذا الحيِّ من قريشٍ وأمْ رَ رسولِ الله ﷺ، وذلك أن قريشً ا كانوا إمامَ الناس وهادُم، وأهلَ البيت الحرام، وصريحَ ولدِ إسماعيلَ بن إبراهيم عليهما السلامُ ، وقادةَ العرب لا يُ نكَ رون ذلك، وكانت قريشٌ هي التي نصبَ ت لحرب رسولِ الله ﷺ وخلافِ ه.
عدد الصفحات ٢٣٥مختصر السيرة النبوية|235 فلما افتُتحت مكةُ ، ودانت له قريشٌ ، ودوَّ خها الإسلامُ ، وعرفت العربُ أنه لا طاقةَ لَم بحربِ رسولِ الله ﷺ ولا عداوتِ ه، فدخلوا في دين الله، كما قال : (ﭽ)، يضِ بون إليه من كلِّ وجهٍ ، يقول الله تعالى لنبيِّ ه ﷺ: (ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ) [5-3] أي: فاحمد اللهَ على ما أظهرَ من دينِ ك، واستغفرْ ه إنه كان توابً ا.
عدد الصفحات ٢٣٦236 |مختصر السيرة النبوية [ وابتداءشكوى رسول الله ﷺ] 1- حَجَّةُ الوَ داعِ قالَ ابنُ إسحاقَ : فلما دخل على رسولِ الله ﷺ ذو القَ عدة، تهَّ ز للحج، وأمر الناسَ بالجهاز له. قالَ ابنُ إسحاقَ : ثم مضى رسولُ الله ﷺ على حجِّ ه، فأرى الناسَ مناسكَ هم، وأعلمَ هم سُ نن حجِّ هم، وخطب الناسَ خُ طبته التي بينَّ فيها ما بين، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناسُ، اسمعوا قول؛ فإني لا أدري لعلِ لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقفِ أبد ا. أيها الناسُ ، إن دماءَ كم وأموالَ كم عليكم حرام إلى أن تلقَ وا ربكم، كحُ رمة يومِ كم هذا، وكحرمةِ شهرِ كم هذا، وإنكم ستلقون ربَّ كم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عندَ ه أمانة فليؤدِ ها إلى من ائتمنه عليها. وإن كلَّ رب ا موضوع ، ولكن لكم رءوسُ أموالِ كم لا تَ ظلمون ولا تُ ظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباسِ بن عبد المطلب موضوع كل ه. وإن كل دمٍ كان في الجاهلية موضوع ، وإن أوَّ لَ دمائِ كم أضعُ دمَ ابن ربيعةَ بن الحارث بن عبد المطلبِ ، وكان مُ ستضع ا في بني ليثٍ ، فقتلته هُ ذيل ، فهو أول ما أبدأ به من دماءِ الجاهلية. أما بعدُ ، أيها الناسُ ، فإن الشيطانَ قد يئس من أن يُ عبدَ بأرضِ كم هذه أبد ا، ولكنه إن يُ طَ ع فيما سوى ذلك فقد رَ ضَ به مما تحَ قِ رون من أعمالِ كم، فاحذروه على دينِ كم.
عدد الصفحات ٢٣٧مختصر السيرة النبوية|237 أيها الناسُ إن النسيءَ زيادة في الكفر، يُ ضل به الذين كفروا، يحُ لونه عام ا ويحُ رمونه عام ا، ليواط ئوا عدَّ ةَ ما حرَّ مَ الله، فيُ حلوا ما حرم اللهُ ، ويحُ رِ موا ما أحل اللهُ، وإن الزمانَ قد استدار كهيئتِ ه يومَ خلق اللهُ السمواتِ والأرضَ ، وإن عدَّ ةَ الشهور عند الله اثنا عشَ شهر ا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجبُ مضرَ ، الذي بين جمُ ادى وشعبانَ . أما بعدُ ، أيها الناسُ ، فإن لكم على نسائكم حق ا، وهمن عليكم حق ا، لكم عليهن ألا يوطِ ئن فُ رُ شكم أحد ا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشةٍ مُ بينة، فإن فعلن فإن اللهَ قد أذِ ن لكم أن تَ جُ روهن في المضاجِ عِ وتَ ضربوهن ضرب ا غيرَ مُ برِ ح، فإن انتهين فلهن رزقُ هن وكسوتُ ن بالمعروَِ ، واستوصوا بالنساء خير ا، فإنهن عندكم عوانٍ لا يم لِ كن لأنفسهن شيئ ا، وإنكم إنما أخذتوهن بأمانةِ الله، واستحلَ لتُ م فُروجهن بكلمات الله. فاعقلوا أيها الناسُ قول، فإني قد بلَّ غت، وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُ م به فلن تضل وا أبد ا، أمر ا بيِ ن ا: كتابَ الله وسنةَ نبيِ ه. أيها الناسُ ، اسمعوا قول واعقِ لوه، تَ علَ مُ نَّ أن كُ لَّ مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئٍ من أخيه إلا ما أعطاه عن طِ يبِ نفسٍ منه، فلا تَ ظلمُ نَّ أنفسَ كم، اللهمَّ هل بلَّ غتُ ؟». فذُكر لي أن الناسَ قالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسولُ الله ﷺ: «اللهم اشهد».
عدد الصفحات ٢٣٨238 |مختصر السيرة النبوية 2- خروجُ رسلِ رسولِ الله إلى الملوكِ قال ابنُ هشامٍ : وقد كان رسولُ الله ﷺ بعث إلى الملوك رسُ لاً من أصحابِ ه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلامِ . فبعث دِ حيةَ بن خليفةَ الكلبيَّ إلى قيصر ملكِ الروم، وبعث عبدَ الله بن حُ ذافةَ السهميَّ إلى كسرى ملك فارسَ ، وبعث عمرو بنَ أمية الضمريَّ إلى النجاشيِّ ملكِ الحبشة، وبعث حاطبَ بن أبي بَ لتعةَ إلى المقوقسِ ملكِ الإسكندرية، وبعث عمرَ و بن العاص السهميَّ إلى جَ يفرٍ وعيَّ ادٍ ابني الجُ لُ ندى الأزديين ملكي عُ مانَ ، وبعث سَ ليطَ بن عمرٍ و أحدَ بني عامر بن لؤي، إلى ثُ مامةَ بن أُ ثالٍ وهَ وذةَ بن عليٍّ الحنفيين ملكي اليمامةِ ، وبعث العلاءَ بن الحضميِّ إلى المُ نذرِ بن سَ اوى العبديِّ ملك البحرين، وبعث شُ جاعَ بن وهبٍ الأسديَّ إلى الحارث بن أبي شِ مْ رٍ الغسَّ انيِّ ملك تخُ وم الشأم. قال ابنُ هشامٍ : بعث شُ جاعَ بن وهب إلى جبلةَ بن الأُمِ الغسانيِّ ، وبعث المُ هاجرَ بن أبي أميةَ المخزوميَّ إلى الحارث بن عبدِ كُ لالٍ الحِ ميريِّ ملك اليمنِ . 3- بَعثُ أسامةَ بن زيدٍ إلى أرضِ فلسطين وهو آخرُ البعوثِ قالَ ابنُ إسحاقَ : وبعث رسولُ الله ﷺ أسامةَ بنَ زيد بن حارثةَ إلى الشأم، وأمره أن يُ وطِ ئَ الخيلَ تخُ ومَ البلقاءِ والدارومِ من أرض فلسطين، فتجهز الناسُ ، وأوعب مع أسامةَ المهاجرون الأولون.
عدد الصفحات ٢٣٩مختصر السيرة النبوية|239 4- ابتداءُ شكوى رسولِ الله ﷺ قالَ ابنُ إسحاقَ : فبينا الناسُ على ذلك ابتُ دئ رسولُ الله ﷺ بشَ كوِ ه الذي قبضه اللهُ فيه، إلى ما أرادَ به من كرامتِ ه ورحمته، في ليالٍ بقين من صفرٍ ، أو في أولِ شهرِ ربيعٍ الأول، فكان أوَّ لَ ما ابتُ دئ به من ذلك -فيما ذُ كر لي- أنه خرجَ إلى بقيعِ الغَ رقدِ ، من جوفِ الليل، فاستغفرَ لَم، ثم رجعَ إلى أهلِ ه، فلما أصبح ابتدئ بوجعِ ه من يومِ ه ذلك. قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ قالت: رجع رسولُ الله ﷺ من البَ قيع فوجدني وأنا أجد صُ داعً ا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا والله يا عائشةُ وا رَ أساه». قالت ثم قال: «وماكِ لو مُ تِ قبل، فقمتُ عليك وكفَّ نتك، وصلَّ يت عليك ودفنتُ ك؟». قالت: قلت: و الله لكأني بك، لو قد فعلتَ ذلك، لقد رجعتَ إلى بيتي، فأعرستَ فيه ببعضِ نسائِ ك، قالت: فتبسم رسولُ الله ﷺ، وتتامَّ به وجعُ ه، وهو يدورُ على نسائِ ه، حتى استُ عِ زَّ به(1)، وهو في بيتِ مَ يمونةَ ، فدعا نساءَ ه، فاستأذنهن في أن يُ مرَّ ض في بيتي، فأَ ذِ نَّ له. 5- ذِكرُ أزواجِ ه ﷺ أمَّ هاتِ المؤمنين قال ابنُ هشامٍ : وكن تسعً ا: عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ ، وحفصةُ بنت عمرَ بن الخطاب، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيان بن حربٍ ، وأمُّ سلمةَ بنت أبي أميةَ بن المغيرة، (1) استُعِ زَّ به: أي غلبه وجعُ ه.
عدد الصفحات ٢٤٠241 |مختصر السيرة النبوية وسودةُ بنتُ زمعةَ بن قيس، وزينبُ بنتُ جحشِ بن رئابٍ ، وميمونةُ بنتُ الحارث بن حزن، وجويريةُ بنتُ الحارث بن أبي ضِ ار، وصفيةُ بنتُ حُ ييِّ بن أخطبَ . وكان جميعُ من تزوَّ ج رسولُ الله ﷺ ثلاثَ عشرةَ . فهؤلاء اللاتي بنى بهن رسولُ الله ﷺ إحدى عشرْ ةَ ، فمات قبله منهن ثنتانِ : خديجةُ بنتُ خويلد، وزينبُ بنت خُ زيمةَ . وثنتان لم يدخل بهما: أسماءُ بنت النعمان الكنديةُ ، تزوجها فوجد بها بَ ياضً ا(1)، فمتعها وردَّ ها إلى أهلِ ها، وعَ مرةُ بنت يزيدَ الكلابية وكانت حديثةَ عهدٍ بكفرٍ ، فلما قدمت على رسولِ الله ﷺ، استعاذَ ت من رسولِ الله ﷺ، فقال رسولُ الله ﷺ: «مَنيع عائذ الله»، فردها إلى أهلِها. 6- تَمريضُ رسولِ الله في بيت عائشةَ قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ قالت: فخرجَ رسولُ الله ﷺ يمشي بين رَ جلين من أهلِ ه: أحدُ هما: الفضلُ بن العباس، ورجلٌ آخر، عاصبً ا رأسَ ه، تخُ طُّ قدماه، حتى دخل بيتي ، ثم غُ مر رسولُ الله ﷺ، واشتدَّ به وجعُ ه، فقال: «هريقوا عل سبعَ قِ رب من آبارٍ شتَّ ى، حتى أخرجَ إلى الناسِ فأعهدَ إليهم». قالت: فأقعدناه في مخِ ضَ بٍ (2) لحفصةَ بنت عمر، ثم صببنا عليه الماءَ حتى طفق يقول: «حسبُكم حسبُ كم». (1) البَيَ اض: البرص. (2) المِخْ ضَ ب: المركن، وهو إناء يغتسل فيه.
عدد الصفحات ٢٤١مختصر السيرة النبوية|240 قالَ ابنُ إسحاقَ : عن أيوب بن بشيرٍ أن رسولَ الله ﷺ خرجَ عاصبً ا رأسَ ه حتى جلسَ على المِ نبر، ثم كان أول ما تكلَّ م به أنه صلى على أصحابِ أحُ دٍ ، واستغفرَ لَم، فأكثرَ الصلاةَ عليهم، ثم قال: «إن عبد ا من عبادِ الله خيرَّ ه اللهُ بين الدنيا وبين ما عندهُ ، فاختار ما عند الله». قال: ففهمها أبو بكر، وعرَف أن نفسَ ه يُ ريد، فبَ كى وقال: بل نحن نَ فديك بأنفسِ نا وأبنائِ نا، فقال: «على رِسلِ ك يا أبا بكر». ثم قال«انظروا هذه الأبوابَ اللاَّ فِ ظةَ في المسجدِ (1)، فسُ دوها إلا بيتَ أبي بكر، فإني لا أعلمُ أحد ا كان أفضلَ في الصحبةِ عندي يد ا منه». وقالَ ابنُ إسحاقَ : عن عُ روةَ بن الزبير وغيرِ ه من العلماء، أن رسولَ الله ﷺ استبطأ الناسَ في بعثِ أسامةَ بن زيدٍ ، وهو في وجعِ ه، فخرج عاصبً ا رأسَ ه حتى جلسَ على المِ نبر، وقد كان الناسُ قالوا في إمرةِ أسامةَ : أمَّ رَ غلامً ا حدثً ا على جِ لَّ ةِ المهاجرين والأنصارِ . فحمد اللهَ وأثنى عليه بما هو له أهلٌ ، ثم قال: «أيها الناسُ ، أنفِ ذوا بعثَ أسامةَ ، فلَ عمري، لئن قُ لتم في إمارته لقد قلتُ م في إمارةِ أبيه من قبلِ ه، وإنه لخليق للإمارةِ ، وإن كان أبوه لخليق ا هما». قال: ثم نزلَ رسولُ الله ﷺ، وانكمشَ الناسُ (2) في جهازهم، واستعز برسولِ الله ﷺ وَ جعُ ه، فخرج أسامةُ ، وخرج جيشُ ه معه حتى نزلوا الجُ رفَ من (1) الفِ ظَ ة في المسجد: يعني النافذة إليه. (2) انكَمَ شَ الناس: أسرعوا.
عدد الصفحات ٢٤٢242 |مختصر السيرة النبوية المدينة على فرسخٍ ، فضبَ به عسكرَ ه، وتتامَّ إليه الناسُ ، وثَ قُ ل رسولُ الله ﷺ، فأقام أسامةُ والناسُ ؛ ليَ نظُ روا ما اللهُ قاضٍ في رسول الله ﷺ. وقالَ ابنُ إسحاقَ : عن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ أن رسولَ الله ﷺ قال - يومَ صلى واستغفرَ لأصحابِ أحُ دٍ ، وذكر من أمرِ هم ما ذكر مع مقالتِ ه يومئذ-: «يا معشَ المهاجرين، استوصوا بالأنصارِ خير ا، فإن الناسَ يَ زيدون، وإن الأنصارَ على هيئتها لا تَ زيدُ ، وإنهم كانوا عَ يبتي التي أويتُ إليها، فأحسِ نوا إلى محُ سِ نهم، وتاوزوا عن مُ سيئِ هم». قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ كثيرً ا ما أسمعُ ه يقول: «إن اللهَ لم يقبض نبي ا حتى ييرِ ه». قالت: فلما حُض رسولُ الله ﷺ كان آخرُ كلمة سمعتُ ها منه وهو يقول: «بل الرفيقَ الأعلى من الجنةِ ». قالت: فقلت إذن، والله لا يخَ تارُ نا، وعرفت أنه الذي كان يقول لنا: «إن نبي ا لم يُ قبض حتى يُ يرَّ ». عن عائشةَ قالت: لما استُ عزَّ برسولِ الله ﷺ قال: «مُروا أبا بكرٍ فليُ صلِ بالناس». قالَ ابنُ إسحاقَ : عن أنسِ بن مالكٍ أنه لما كان يومُ الاثنين الذي قبض اللهُ فيه رسولَ ه ﷺ، خرج إلى الناسِ وهم يُ صلُّ ون الصبحَ ، فرفع الستر، وفتح البابَ ، فخرجَ رسولُ الله ﷺ، فقامَ على باب عائشةَ ، فكاد المسلمون يَ فتتنون في صلاتهِ م برسولِ الله ﷺ حين رأوه فَ رَ حً ا به، وتفرجوا، فأشارَ إليهم أن اثبُ توا على صلاتِ كم.
عدد الصفحات ٢٤٣مختصر السيرة النبوية|243 قال فتبسم رسولُ الله ﷺ سرورً ا لما رأى من هيئتهم في صلاتهِ م، وما رأيت رسولَ الله ﷺ أحسنَ هيئةً منه تلك الساعةَ ، قال: ثم رجع وانصرف الناسُ وهم يرون أن رسولَ الله ﷺ قد أفْ رَ قَ (1) من وجعِه، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسُّ نحِ . قالَ ابنُ إسحاقَ : عن عائشةَ قالت: رجع إليَّ رسولُ الله ﷺ في ذلك اليومِ حين دخل من المسجدِ ، فاضطجع في حِ جري، فدخل عليَّ رجلٌ من آل أبي بكر، وفي يده سواكٌ أخضُ ، قالت: فنظرَ رسولُ الله ﷺ إليه في يده نظرً ا عرفت أنه يريدُ ه. قالت: فقلت: يا رسولَ الله، أتحبُّ أن أعطيَ ك هذا السواكَ ؟ قال: «نعم». قالت: فأخذته فمضغتُ ه له حتى ليَّ نتُ ه، ثم أعطيتُ ه إياه، قالت: فاستنَّ به كأشد ما رأيتُ ه يستن بسواكٍ قط، ثم وضعه. ووجدت رسولَ الله ﷺ يثقُ ل في حِ جري، فذهبتُ أنظرُ في وجهِ ه، فإذا بصرُ ه قد شَ خَ ص، وهو يقول: «بل الرفيقَ الأعلى من الجنةِ ». قالت: فقلت: خُيرِّ تَ فاخترتَ والذي بعثك بالحقِّ . قالت: وقُ بض رسولُ الله ﷺ. (1) أَفْ رَ قَ : أي أقبل.
عدد الصفحات ٢٤٤244 |مختصر السيرة النبوية قالَ ابنُ إسحاقَ : عن أبي هريرةَ قال: لما توفي رسولُ الله ﷺ قام عمرُ بن الخطاب، فقال: إن رجالاً من المنافقين يَ زعمون أن رسولَ الله ﷺ قد تُ وفيِّ ، وإن رسولَ الله ﷺ ما ماتَ ، ولكنه ذهبَ إلى ربِّ ه كما ذهبَ موسى بن عِ مران، فقد غاب عن قومِ ه أربعين ليلةً ، ثم رجعَ إليهم بعد أن قيل: قد ماتَ ، ووالله ليرجعنَّ رسولُ الله ﷺ كما رجعَ موسى، فليَ قطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلَ هم زعموا أن رسولَ الله ﷺ مات. قال: وأقبل أبو بكرٍ حتى نزلَ على باب المسجدِ حين بلغه الخبرُ ، وعمرُ يكلم الناسَ ، فلم يلتفت إلى شيءٍ حتى دخلَ على رسولِ الله ﷺ في بيتِ عائشةَ ، ورسولُ الله ﷺ مُ سجا ى في ناحية البيتِ ، عليه بُ ردُ حِ برَ ةٍ ، فأقبل حتى كشف عن وجهِ رسولِ الله ﷺ، قال: ثم أقبل عليه فقبَّ له، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتةُ التي كتبَ اللهُ عليك فقد ذُ قتَ ها، ثم لن تصيبَ ك بعدها موتةٌ أبدً ا. قال: ثم رد البرُ دَ على وجه رسول الله ﷺ، ثم خرج وعمرُ يكلم الناسَ ، فقال: على رِ سلِ ك يا عمرُ ، أنصِ ت، فأبى إلا أن يتكلَّ م، فلما رآه أبو بكر لا يُ نصتُ أقبلَ على الناسِ ، فلما سمعَ الناسُ كلامَ ه أقبلوا عليه وتركوا عمرَ ، فحمِ دَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: أُا الناسُ ، إنه من كان يعبدُ محمدً ا فإن محمدً ا قد مات، ومن كان يعبد اللهَ فإن الله حي لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [ن500].
عدد الصفحات ٢٤٥مختصر السيرة النبوية|245 قال: فوالله لكأن الناسَ لم يعلموا أن هذه الآيةَ نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ ، قال: وأخذها الناسُ عن أبي بكرٍ ، فإنما هي في أفواههم. قال: فقال أبو هريرةَ : قال عمرُ : والله ما هو إلا أن سَ مِ عتُ أبا بكر تلاها، فعَ قِ رْ تُ حتى وقعتُ إلى الأرضِ ما تحملُ ني رجلاي، وعرفت أن رسولَ الله ﷺ قد مات. 7- أمرُ سَقيفةِ بني ساعدةَ قالَ ابنُ إسحاقَ : ولما قُ بضَ رسولُ الله ﷺ انحازَ هذا الحيُّ من الأنصارِ إلى سعدِ بن عُ بادةَ في سقيفةِ بني ساعدةَ ، واعتزلَ عليُّ بن أبي طالب والزبيرُ بن العوَّ ام وطلحةُ بن عبيد الله في بيت فاطمةَ ، وانحازَ بقيَّ ةُ المهاجرين إلى أبي بكرٍ ، وانحازَ معهم أُ سيدُ بن حُ ضير في بني عبدِ الأشهل، فأتى آتٍ إلى أبي بكرٍ وعمرَ ، فقال: إن هذا الحيَّ من الأنصارِ مع سعدِ بن عبادةَ في سقيفةِ بني ساعدةَ قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمرِ الناسِ حاجةٌ فأدركوا قبل أن يَ تفاقم أمرُ هم ورسولُ الله ﷺ في بيته لم يُ فرغ من أمرِ ه قد أَ غلق دونه البابَ أهلُ ه. قال عمرُ : فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخوانِ نا هؤلاء من الأنصارِ ، حتى ننظُ ر ما هم عليه. قالَ ابنُ إسحاقَ : قال عمرَ بن الخطابِ : فانطلقنا نَ ؤمُّ هم حتى لقِ يَ نا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القومُ ، وقال: أين تُ ريدون يا معشرَ المهاجرين؟
عدد الصفحات ٢٤٦