(33) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (أ) ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبداً . (ب) رجوت أف تكوف البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحق لي في نفسي . (جػ) لما سمع ابن عم سيده يقوؿ : "يزعموف أنو نبي" قاؿ : "فلما سمعتها أخذتني العُرَ واء ...". (د) لما غضب عليو سيده ولكمو لكمة شديدة، ثم نهره، وطلب منو أف يقبل على عملو قاؿ سلماف : "لاشيء إنما أردت أف استثبت عما قاؿ" . (ٔٙٔ) ىناؾ أسباب في الدخوؿ في الدين منها الإعجاب حيث قاؿ سلماف "أعجبني صلبتهم" ومنها الرغبة حيث قاؿ سلماف : "ورغبت في أمرىم" وىذاف الأمراف رأيناىما وسمعناىما كثيراً من الأخوة الذين دخلوا في الإسلبـ ، فمثلبً يعجب من صلبة المسلمين ، أو يعجب بأخلبؽ المسلمين ، أو يعجب بصلة الرحم بينهم ، فيدعوه ىذا الإعجاب إلى الانتقاؿ إلى المرحلة الثانية وىي الرغبة إلى الدخوؿ في الدين . (ٕٙٔ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "فو الله ما ترك تهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضَيْعة أبي ولم آتها"الواجب تقديم طاعة الوالد ، على أي عمل ما لم يكن لله . ولقد قرف الله طاعتو بطاعة الوالدين لعظم حقهما : قاؿ سبحانو"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا"(ٔ) . (ٖٙٔ) قولو : "ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي و ش غلتو عن عملو كلو " ىذا يدؿ على أنهم أخذوا يبحثوف عنو في كل مكاف ولم يجدوه ، فا نشغل والده بتأخره ، و أنشغل أكثر بأنو بحث عنو فلم يجد لو أي أثر ، حتى عاد ىو من نفسو . (ٗٙٔ) إف الإنساف ليعجب حقيقة من قوة نفس سلماف رضي الله عنو على الغربة وفقده لحناف الأـ وعطف الأب ومجالسة إخوتو واللعب معهم ، و العيش في ظل حياة الأسرة ، واللهو والمرح ، فقرار واحد نسف كل ىذا ، بل لم ي ذ كر طيلة رحل تو والديو وإخوتو وأقاربو وقريتو، والحنين إلى الوطن ، بل ولم يفكر بعد إسلبمو أف يذىب إلى بلبد فارس وينظر في وضع والديو وأسرتو ، كل ىذا لا يو جد في كل المصادر التي ترجمت لحياة سلماف رضي الله عنو . (1) سورة الإسراء آٌة23.
عدد الصفحات ٣٣(34) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (٘ٙٔ) مع أف سلماف رضي الله عنو من عائلة تعبد النار، وفي مجتمع يقدس النار ويعبدىا من دوف الله، إضافة على أنو تولى منصب "خادـ النار" رغم حداثة سنّو إلاّ أف الله قذؼ في قلبو كره عبادة النار . (ٙٙٔ) قولو : "وبعثت إل ى النصارى " يبدو _والله أعلم _ أف سلماف بدأ في التخطيط للخروج من المأزؽ الذي وُضع فيو منذ أف صو درت حريتو في أوؿ أمره عندما قيدت قدماه بعدىا مباشرة اشت غل فكرهُ في طريقة تخلصّو مما ىو فيو ، والالتحاؽ بدين النصارى ، فبدأ بتنفيذ مخططو بأف يبعث للنصارى إذا قدـ علي هم ركب تجار من الشاـ ، فلما أخبروه ، شرع في الخطوة الثانية : أنهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلبدىم فأخبروني الخطوة الثالثة : جاءه الخبر بأنهم يريدوف الرجعة إلى بلبدىم ، الخطوة الرابعة : اتخاذ القرار الحاسم و المصيري بأف يخرج معهم مما جعلو يلقي الحديد من رجل يو . (ٚٙٔ) قولو : "ركب من الشاـ تجار "وخص ركب التجار ، لأف قافلة التجار عادة ما تكوف مأىولة بالناس ، وكذلك تكوف في حماية من أشخاص مخصصين لأمن ىذه القافلة من اللصوص أو قطاع الطر يق ، فهو يريد أف يكوف في مأمن . (ٛٙٔ) منذ أف بعث إلى النصارى بأف يخبروه بقدوـ الرك ب الذي سيأتي من الشاـ إلى أف خرج معهم ، خلبؿ ىذه الفترة الزمنية بين قدومهم وقضاء حوائجهم إلى أف التحق بهم فهو خلبؿ ىذه الفترة في حالة تأىب وانتظار وترقّ ب توجّ س وخوؼ من أف يحاؿ بينو وبين الخروج معهم . (ٜٙٔ) اختزؿ سلماف رضي الله عنو في قصتو بعض الأحداث والمواقف ، لأنو قد ر أى أنو لا أىمية لها مثلبً : لما خرج مع ركب التجار المتوجو إلى الشاـ لم يذكر لنا أي شئ البتة عن رحلتو من أصفهاف إلى الشاـ، مع أنها استغرقت وقتاً ، وىل قطعها مشياً على الأقداـ، أو ركب الإبل ونحو ذلك ، وكما قلت فهو اختصرىا بقولو : ثم خرجت معهم حتى قدم ت الشاـ ، ولم يز د على ذلك . (ٓٚٔ) قولو : فلما قدمتها قلت : من أفضل ىذا الدين ؟ كأف لساف حال و يقوؿ : لا وقت لدي أضيّ عو ، أنا أتيت من أجل أمر واحد ، فلب مكاف لأي شئ غيره فكلبمو بشي بأنو لم يجلس
عدد الصفحات ٣٤(35) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو ، ولم يرتح ، ولم يتحدث مع أحد ، ولما ذكروا لو الأسقف ، ذىب إليو مباشرة وعرض عليو ما عنده ، لذا على المسلم الحرص على الوقت ؛ لأف وقت المسلم ىو حياتو . (ٔٚٔ) تقلب سلماف رضي الله عنو في الخدمة بين طائفتين : طائفة اليهود وطائفة النصارى ،فخدـ مجموعة من الأساقفة النصارى ، وىذه خدمة اختيارية يحس فيها بكيانو، ثم انتقل إلى خدمو الرؽ مع مجموعة من اليهود ، وىذه خدمة إجبارية، يحس فيها بالذلة والمهانة . (ٕٚٔ) قوؿ سلماف رضي الله عنو: "أزىد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة"الزىد في الدنيا والرغبة في الآخرة مطلب شرعي . (ٖٚٔ) قوؿ الأسقف : "لقد ىلك الناس ،وبدّلوا ،وتركوا أكثر ما كانوا عليو "ىذه ثلبثة أمور تحتاج منا إلى وقفة تأمل ، إف ىذا الكلبـ يصدر من إنساف عالم ، وإنساف خبير بالأمور ، يقوؿ: لقد ىلك الناس، قد يقصد أف الناس أىلكتهم الذنوب والمعاصي والبعد عن الله ، و قد يقصد بذلك أف الناس ىم العلماء، وأىل الدين وأنهم ماتوا وانقرضوا ولم يبق منهم أحد. وقولو بدلوا : أي حرّ فوا وغيروا الدين ، فلم يعد أحد يعرؼ الدين النصراني بسبب التحريف والتبديل ،والبعد عن الدين ثم يقوؿ : وتركوا أكثر ما كانوا عليو "فبسبب ىلبؾ العلماء والتبديل والتحريف لم يعد ىناؾ شيء صحيح يتمسكوف بو فتخلوا عن المبادئ والقواعد الصحيحة التي كاف عليهم أف يسيرو ا ويحافظوا عليها. (ٗٚٔ) شدة حفظ ابن عباس رضي الله عنو لهذه القصة العجيبة. (٘ٚٔ) قولو : "فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم "ثم بعد ذلك دخل عليهم وأعجب بعملهم . إف إسماع الصوت مهم في أمر الدعوة فعلى الداعية إلى الله أف يسمع الناس صوت الحق ، وأف يختار لذلك العبارات والكلمات المؤثرة . لذلك يقوؿ الله سبحانو : "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله"(ٔ) . (ٙٚٔ) إف قرار سلماف الصائب بهروبو وخروجو من بلده للبحث عن الحق ؛ أنقذه بذلك من النار التي كاف خادماً لها. (1) سورة فصلت أٌة33.
عدد الصفحات ٣٥(36) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٚٚٔ) قولو عن الأسقف الأوؿ الذي في الكنيسة"فكاف رجل سوء "لنتأمل ىذا الوصف الدقيق فلم يقل : "فكاف الرجل سي ئاً "أو"فكاف رجل فيو سوء "لأنو لو قاؿ ذلك لكاف السوء خصلة فيو أو أنو جزء منو ، لكنو أطلق السوء كلو في الرجل ، فكأف الرجل من قبح عملو السوء مجتمع فيو كلو، فهو رجل سوء كلو قلباً وقالباً ، فخالطو السوء وأصبح ىو السوء نفسو تعبير بليغ بديع. (ٛٚٔ) قولو : "فأعجبني ما رأيت من دينهم "على الداعية أف يظهر محاسن الدين الإسلبمي ويطبق ذلك على أرض الواقع بلب زيف ولا خداع ، لأف في إظهار محاسن الدين رفعو للدين ومن ثم تزيينو وتحسينو في نظر الناس حتى يحبوه ويدخلوا في الإسلبـ. (ٜٚٔ) السير على نهج واحد بين مجموعة أشخاص متباعدي المكاف فيو صعوبة بالغة، وخاصة في ذلك العهد ما قبل الإسلبـ ، وندرة المواصلبت وصعوبة التواصل ، والتفرؽ والتبديل والتحريف في الديانة النصرانية ولكن ىؤلاء الأساقفة من الثاني إلى آخر واحد كانوا على نهج واحد ، وطريقة واحدة ، وسمت واحد، لذلك أثنى عليهم سلماف رضي الله عنو كلهم ، وحمد طريقتهم ، فما اختلف واحد عن صاحبو. (ٓٛٔ) قولو : "فكنت في النار التي توقد"صورة بليغة ، من شدة حرصو على خدمة النار وألا يتركها تخمد ، صوّ ر نفسو كأنو فيها ، و إلا ىو في الحقيقة خارجها إذ لو دخل فيها لأحرقتو ولم يخرج. (ٔٛٔ) قولو من : "ذىب و ورؽ"يبين أىمية وقيمة الذىب والفضة منذ ذلك الزمن إلى وقتنا الحاضر ، وىما وسيلة النقد والتعامل التجاري والمالي بين الناس . (ٕٛٔ) قولو : "وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيتو "لابد أف يكوف ىناؾ توازف في أمر التربية ، فلب ينبغي للمربي قطع الاتصاؿ الخارجي ع ن الشخص الموجود في الداخل حتى لا يكوف في جهل وعمى عما يجري حولو في أرض الواقع ، وحتى لا يتفاجأ فيما لو خرج مستقبلبً بأمور تؤثر فيو ، أو يصطدـ بما يسمع أو يرى فيكوف لها ردة فعل يبقى صداىا في النفس ولو بعد حين. (ٖٛٔ) قولو : "وسمعت أصواتهم ، دخلت عليهم أنظر ما يصنعوف نقف عند ثلبثة أمور ونرى النتيجة بعد ذلك :
عدد الصفحات ٣٦(37) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو أولاً : السماع : فالسمع منفذ مهم لتلقي الأصوات وتلقي الأوامر وىو عضو حساس في الجسد ، وعضو فاعل في التلقي. ثانياً : الدخوؿ : سماع ثم دخوؿ ىذه حركو تلقائية جاءت بعد التأثر ، شئ غريب سمعتو يتلوه فعل وخطوات تجر الإنساف إلى شئ طيب أو شئ سيء، لذا قاؿ الله تعالى في الأمر السيء : "لا تتبعوا خطوات الشيطاف" والطيب : "ومن أتاني يمشى أتيتو ىرولة" . ثالثاً : "أنظر ما يصنعوف" النظر إلى فعلهم ، والنظر أيضاً عضو فاعل جداً و لو شأف عظيم في الجسد وفي حياة الإنساف ، فكانت النتيجة بعد ىذه الأمور الثلبثة : السماع ، الدخوؿ ، النظر أف أعجب سلماف بصلبتهم فدخل معهم في الدين . (ٗٛٔ) قولو : "وتركت ضيعة أبي ولم آتها" تحس بين الأحرؼ والكلمات بالندـ على ما حصل ، والتأسف على ما فات ، لأنو أخطأ في تقدير الأشياء ، فقدـ شيئاً على شئ فكاف من أثر ذلك الندـ ولا شك أف الندـ توبة. (٘ٛٔ) قولو : "ورغبت في أمرىم وقلت : ىذا والله خير من الدين الذي نحن فيو"الفطرة لها أثر على حياة الإنساف ، مهما غيبت أو ماتت لابد أف تخرج في وقت من الأوقات، فمباشرة وبلب تردد دخل في الدين النصراني ، فالأصل أف الله خلق الناس على الفطرة ، فاجتالتهم الشياطين(ٔ)، وقوؿ النبي صلى الله عليو و سلم : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانو ، أو يمجسانو ، أو ينصرانو"(ٕ) فسلماف ولد على الفطرة لكن والده أدخلو في المجوسية دينو ودين آبائو . (ٙٛٔ) قولو : "فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس "من شدة تأثره بما رأى ، وقوة إعجابو بما سمع ، حلف بالله أنو ما تركهم حتى غربت الشمس ، ىو لا يود أف يتركهم ، لكن لأنو صغير والظلبـ مخيف فآخر حده ىو غروب الشمس ، وقد يكوف الطريق إلى البيت بعيد ، شعر أف الوضع لا يحتمل جلوسو في الليل لذا قرر أف يتركهم مع رغب تو الأكيدة في البقاء. (1) الحدٌث القدسً أخرجه مسلم2565، ونصّه : "وإنً خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشٌاطٌن فاجتالتهم عن دٌنهم وحرمت علٌهم ما أحللت لهم ..." واجتالتهم : صرفتهم عن الهدى . (2) البخاري1355،1355، مسلم2655.
عدد الصفحات ٣٧(38) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٚٛٔ) قو لو : "وتركت ضيعتو أبى ولم آتها "ىذا ىو الأثر الذي ترتب على بقائو في الكنيسة طيلة النهار ، أنو أضاع أمر أبيو الذي أوصاه بو ،والذي من أجلو فك عنو الحبس في البيت . ىنا فقو الأولويات وىو مطلب مهم ، ويحتاجو الداعية في حياتو، حتى لا يقدـ شئ حقو التأخير ، ويؤخر شئ وكاف حقو التقديم وحتى لا يتبعثر الجدوؿ اليومي ، تقديم الأىم ثم المهم. (ٛٛٔ) قولو : "يأمرىم بالصدقة"كذلك ديننا الإسلبمي يأمرنا و يحثنا على الصدقة لأف فيها طهر ة للنفس ونماء للماؿ . منها قولو صلى الله عليو وسلم : "ما نقصت صدقو من ماؿ(ٔ) . (ٜٛٔ) قولو : "ولم يعطو المساكين"فمن أىل الزكاة وأىل الصدقة ىم المساكين الذين لا يجدوف كفايتهم ، فإعطاؤىم منها يدؿ على وجود التكافل الاجتماعي في المجتمع ، وحرمانهم من ذلك بلبء وشر مستطير. (ٜٓٔ) قولو : "وقد بعث في طلبي ، وشغلتو عن عملو كلو "أمراف حصلب لوالده من جراء تأخر ابنو وغيابو . أ- أنو بعث في طلبو ب- شغلو عن عملو كلو (ٜٔٔ) قلق واضطر اب وانشغاؿ ، صورة بليغة جداً عن حاؿ والده ، كيف أف غياب ولده ، أثر عليو ، وطغى على كل شيء ، وأصبح ىمو الوحيد وشغلو الشاغل أف يجد ولده. (ٕٜٔ) قولو : "فبعثت إلى النصارى"أرسل مبعوثاً إلى النصارى ليخبروه عن مجئ ركب التجار وطلب منهم أف يخبروه بقدوـ الركب ثم بعد ذلك أخبروه ، يدؿ على أف التعاوف أساس النجاح في ىذه الحياة. (ٖٜٔ) حرص النصارى على ىذا المهتدي الجديد ، فلذلك طلب منهم أف يخبروه بقدوـ الركب ثم بعد ذلك بعثوا إليو وأخبروه بقدوـ ال ركب لتجار النصارى ، ثم بعد ذلك أخبروه بانتهائهم من قضاء حوائجهم ، فمن المهم جداً على الدعاة الاىتماـ بالمسلمين الجدد لأنهم يحتاجوف إلى من يوجههم، ويفقههم حتى يثبتوا على الإسلبـ . (ٜٗٔ) نجد في القصة المثابرة والمتابعة والإلحاح ، فمثلبً متابعة أخبار القافلة ، الإلحاح في طلب الدين الصحيح ، والمثابرة والمتابعة في خدمة الأساقفة ، والمثابرة والمتابعة والإلحاح لتلك الرحلبت المتعاقبة بمجرد موت الأسقف ودفنو. (1) مسلم2555.
عدد الصفحات ٣٨(39) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٜ٘ٔ) اللقاء الأوؿ مهم جداً في أي مقابلة، لذا لابد لمن يريد شيئاً سواء طلب وظيفة ، أو التعرؼ على شخص، أف يحرص كل الحرص ، وأف يهتم كل الاىتماـ باللقاء الأوؿ وأف يعطيو حقو وقدره فنجد أف سلماف رضي الله عنو حشد للقاء الأوؿ مع الأسقف مجموعو خصاؿ جميلة ومحببة للنفوس ، وىي : (ٔ) الرغبة في الدين النصراني. (ٕ) قولو : "أحببت أف أكوف معك". (ٖ)أخدمك في كنيستك. (ٗ)أتعلم منك. (٘) أصلي معك. ىذه خمسة أمور عظيمو جعلت الأسقف مباشرة يوافق على أف يكوف معو. ثم بعد ذلك في اللقاءات الأخرى اكتفى بتوصية الأساقفة الذين زكوه ، وأثنوا عليو. (ٜٙٔ) رغم طوؿ رحلة سلماف رضي الله عنو نجد أنو ليس لو دار إقامة بناىا أو استأجرىا وإنما ىو يقيم مع الأساقفة في الكنيسة ، مما يجعلو قريبا منهم يعػػػػػػػرؼ أحوالهم، ويصف لنا أوضاعهم . (ٜٚٔ) ذكر لنا سلماف رضي الله عنو كلمة "فلبف"تسعة عشر مرة ، فأبهم لنا أسماء الأساقفة الذين تقلب بينهم في الخدمة والصلبة معهم ولم يذكر لنا اسم أي واحد منهم ، وك ذلك أسماء العرب الذين خرج معهم في رحلة طويلة إلى وادي القرى وىم الذين ظلموه وباعوه على أنو عبد لهم ، وكذلك لم يذكر لنا أسماء اليهود الذين عمل عندىم رقيقاً ،كل ذلك يذكرىم بػ"فلبف" فقد يكوف بعضهم ليس لو قيمة، أو أنو لا يستأىل أنو يذكر أصلبً كالعرب الذين ظلموه ، والأسقف ذلك الرجل السيئ ، وقد يكوف من باب الستر عليهم لأنهم زىدوا في الدنيا فلب يريدوف أف يعرفوا فلم يذكرىم لذلك ، أو أنو نسي أسماءىم فلم يستطيع تذكرىا لطوؿ الزمن ، أو أف ذكر الأسماء أمر لا يعنينا ، إذ الهدؼ ىو أخذ العظة والعبرة والفائدة ويبدو لي ىذا الأخير ىو الأقرب والله أعلم . (ٜٛٔ) تلطف العالم بالتلميذ يؤخذ من قوؿ الأساقفة : "أي بني والله ما أعلم..." .
عدد الصفحات ٣٩(41) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٜٜٔ) لما أسلم سلماف رضي الله عنو، وعتق نسي ما كاف قد لاقاه في رحلتو من تعب وىم وخدمة ورؽ ونحو ذلك ، فكلو انتهى ولم يبق منو إلا الذكريات التي سطرىا من خلبؿ ذاكرتو، ورواىا عنو ابن عباس رضي الله عنهما ، مع أف القصة ذكرىا سلماف أماـ النبي صلى الله عليو وسلم في جمع من الصحابة فلم يروىا إلا ابن عباس رضي الله عنو . (ٕٓٓ) كلما قرأت ىذه القصة وكررتها أحس ست بعظم ىذا الإنساف سلماف الفارسي، وكيف أنو كاف عظيماً قبل الإسلبـ ثم أزدادت عظمتو بعد إسلبمو. (ٕٔٓ) قولو : "ولا أدأب ليلبً ونهاراً " في دين النصارى أشياء ابتدعوىا لم يأمرىم الله بها قاؿ تعالى : "ورىبانية ابتدعوىا ما كتبناىا عليهم " (ٕٕٓ) حلف كل أسقف بقولو : "والله ما أعلم أحداً اليوـ على ما كنت عليو "ىو يحلف على حد علمو القاصر ، وإلا فقد يكوف ىناؾ بعض الأشخاص الذين يدينوف بالنصرانية وىم لا يعلموف عنهم شيئاً ، مثاؿ ذلك ورقة بن نوفل ، وغيره . (ٖٕٓ) الهدية دليل على إكرامك للشخص وتقديرؾ لو . (ٕٗٓ) قولو للؤعراب الذين حملوه : "فقلت لهم : تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي ىذه وغنيمتي ؟"فيو جواز العرض على شخص ليحملك بعوض يتفق عليو . (ٕ٘ٓ) لما بدأ سلماف رضي الله عنو يتحرؾ من أجل الحرية ، ويتخلص من الرؽّ ، تغيرت لغة الخطاب من كلمة سيدي إلى كلمة "صاحبي". (ٕٙٓ) أوؿ المشاىد التي جاىد فيها سلماف رضي الله عنو ، وشارؾ مع النبي صلى الله عليو وسلم كجندي من جنود الإسلبـ كانت غزوة الخندؽ ، وأنو ىو الذي أشار بحفر الخندؽ(ٔ). (ٕٚٓ) قوؿ النبي صلى الله عليو وسلم لسلماف : "خذ ىذه فأدّبها ما عليك"ثم يؤكدىا مرة آخرى : "خذىا فإف الله عز وجل سيؤدي بها عنك" تبين لنا الثقة الكاملة من النبي صلى الله عليو وسلم بأف الله سيؤدي عن سلماف الماؿ ، وتُفكّ بذلك رقبتو . فعلى الداعية المسلم أف يكوف عنده تلك الثقة في الله . (1) أسد الغابة2/262.
عدد الصفحات ٤٠(40) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٕٛٓ) قولو : "فأتى رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذىب"تصوير بليغ حيث شبّو قطعة الذىب ببيضة الدجاجة . (ٜٕٓ) قولو "من بعض المغازي" ىذا يدؿ على أف البيضة التي أعطاىا النبي صلى الله عليو وسلم ، لفكاؾ سلماف كانت غنيمة من غزوة غزاىا النبي صلى الله عليو وسلم، فآثر إعطاءىا سلماف للتعجيل بفكاكو . (ٕٓٔ) ىكذا بعبارة قصيرة وسريعة "فأو فيتهم حقهم وعتقت" بواو العطف، ولم يقل ثم عتقت ، وإنما مباشرة بمجرد إعطاءىم حقهم في نفس اللحظة تم العتق ، إنها لحظة التحرر وفرحة الخلبص من رؽ العبودية . (ٕٔٔ) لم يذكر لنا الفترة الزمنية التي قضاىا بين أداء النخل وأداء ما بقي عليو من الماؿ، لكن فيما يبدو أف الفترة قصيرة جداً وقد تعدّ بالأياـ ، لأنو لم يعقبّ على ذلك بقولو : "ثم مكثت" أو "ثم بقيت". (ٕٕٔ) قولو : "ثم لم يفتني معو مشهد"يبيّن أنو لم يفتو أو يتخلف بعد إسلبمو عن مشهد من المشاىد مع النبي صلى الله عليو وسلم ، وكأنو يشير بهذا إلى أنو يريد أف يعوّض عمّا فاتو من المشاىد بسبب انشغالو بالرؽّ ، فها ىو ذا قد أصبح حراً فلب يسوغ لو أف يفوتو حضور مثل تلك المشاىد . (ٖٕٔ) سلماف الفارسي رضي الله عنو تعب حتى وصل إلى الإسلبـ ، فلم يأتو الإسلبـ، ولم يقدـ لو على طبق من ذىب ، وىناؾ أناس كُثر ولدوا من أبوين مسلمين ، وعاشوا في مجتمع مسلم ، بل والبيئة التي من حولهم كلها مسلمة موحدة ، ومع ذلك ىم لم يحسوا أو يشعروا بقيمة الإسلبـ ، ولم يعطوا الإسلبـ أي أىمية تذكر (ٔ) . (ٕٗٔ) إف كل الأساقف ة الذين خدمهم سلماف رضي الله عنو لم يكن عندىم زوجات ولا أبناء ، ويبدو أف ىذا مما ابتدعوه في دينهم ، فحرمو ا عليهم شيئاً قد أباحو الله لهم، لذا نجد في زماننا انتشار الفاحشة بين الأساقفة في الكنائس . (1) أفادٌنها أخً الشٌخ العمٌد / علً بن أحمد الزهرانً مساعد مدٌر الشؤون الدٌنٌة للقوات المسلحة.
عدد الصفحات ٤١(42) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٕ٘ٔ) قوؿ الأسقف لسلماف رضي الله عنو : "قد أظلك زماف نبي .." تشبيو بليغ فقد شبو قرب بعثة النبي صلى الله عليو وسلم بالظلة أي السحابة التي تظل الشخص والمعنى : دنو زماف بعثتو . تقوؿ : أظلك فلبف إذا دنا منك كأنو ألقى عليك ظلو (ٔ). (ٕٙٔ) طلب سلماف رضي الله عنو من العرب التجار أف يحملوه معهم إلى أرض العرب ، فيو أنو كاف في كرب وشد ة من أجل تحقيق ىدفو ، فلما حملوه كأنهم فرجوا عنو ونفسوا لو . (ٕٚٔ) قوؿ سلماف رضي الله عنو :"فو الله ما ىو إلا أف رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي" تحس بين سطور ىذه الكلمات بفر حة غامرة تملؤ جوانب نفسو أنو قد أصبح في الأرض التي وصفت لو والتي سيخرج منها النبي صلى الله عليو وسلم . (ٕٛٔ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "ثم ىاجر النبي صلى الله عليو وسلم إلى المدينة"كانت ىذه الهجرة المباركة سبباً في إسلبـ سلماف رضي الله عنو ، فلولا الله ثم ىذه الهجرة لم يسمع سلماف شيئاً عن النبي صلى الله عليو وسلم ، وقد يكوف تأخر إسلبمو . (ٜٕٔ) قولو : "لا أعلم اليوـ على مثل ما كنا عليو "الإنساف يحكم على الشيء بقدر علمو لأف علم محدود . (ٕٕٓ) قولو : "فأقمت معو ، أعمل في نخلو "على الإنساف أف يعمل ، و بقدر عمل الإنساف يشرؼ ويرتفع ، فالعمل للدنيا مطلوب لتقيم أمر دنياؾ ، والعمل للآخرة مطلوب لتقيم أمر آخرتك، والله أمر بالعمل : "وقل اعملوا فسير ى الله عملكم"(ٕ)وكذلك أمر رسولو صلى الله عليو وسلم بالعمل"اعملوا فكل ميسر لما خلق الله"(ٖ). (ٕٕٔ) ترؾ سؤاؿ المهدي ؛ من أي لك ىذا ؟ فالنبي صلى الله عليو وسلم لم يسأؿ سلماف حينما قدـ لو التمر كهدية ىذا السؤاؿ ، وىذا من الفقو، لأف الْ مهدى إليو لا شأف لو بهذا، فهو أمر لا يعنيو إنما عليو قبوؿ الهدية، وشكر المهدي على ذلك(ٗ) . (1) المقاٌٌس فً اللغة لابن فارس ص615، باب الظاء (بتصرف) . (2) سورة التوبة آٌة105. (3) البخاري4242، مسلم4726. (4) الروض الأنف للسهٌلً1/375 بتصرف.
عدد الصفحات ٤٢(43) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٕٕٕ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "فلما رأيتهم أعجبني صلبتهم" أقوؿ ىذه صلبة النصارى وفيها ما فيها حيث يتمايل فيها أىلها ، وينشدوف داخل الكنيسة بأصوات مرتفعة قد يكوف فيها شرؾ واستغاثات بغير الله، ولا تجد فيها تلك الطمأنينة والخشوع ، فأعجبتو وىذا حاؿ صلبتهم، فكيف بصلبة المسلمين والتي يجد فيها الإنساف الراحة والسكينة في آف واحد، وفيها الخشوع والطمأنينة إلى غير ذلك من الأركاف والواجبات والسنن المشروعة فيها . (ٖٕٕ) لا تلتفت إلى الوراء وانظر أمامك ، فسلماف رضي الله عنو لو جلس يفكر فيما لاقاه من الصعاب، والصدمات، وغير ذلك لتقوقع على نفسو، و قتل كل طموح عنده ، لكنو نسف كل شيء لاقاه وواجهو ، وخلف ذلك وراء ظهره، ومضى قدماً نحو المستقبل المشرؽ . (ٕٕٗ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "إف ىذا كاف رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم في ها" فيو : أف على الداعية أف يأمر الناس بالخير ويرغبهم فيو، ويبدأ أولاً بنفسو فينهاىا عن الشر، ويلزمها طريق الخير ليكوف قدوة حسنة لغيره . (ٕٕ٘) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "فإذا جئتموه بها اكتنزىا لنفسو ولم يعط المساكين منها شيئاً" يؤخذ منو : أف على الإنساف الذي وكل بالصدقة أف يبادر إلى توزيعها على مستحقيها، وألا يجعلها تبقى عنده، أو يؤخرىا إلاّ لمصلحة شرعية . (ٕٕٙ) أربعة أفعاؿ جرت لسلماف رضي الله عنو تحتاج وقفة وتأمل وتحليل متأفٍ ، لأنها أحداث مهمة جداً تمثل لحظة اكتشاؼ الحقيقة، ومعرفة النبي الحق صلى الله عليو وسلم، فنجد مشهداً حياً يتمثل أمامنا كأنو واقع ا حيّ ا، إنها أىم مرحلة ، ومنعطف في حياتو رضي الله عنو، يقوؿ : (أ) فرأيت الخاتم : رؤية بصرية مادية، وىو شيء أمامو محسوس وملموس، يؤكد تأكيداً قاطعاً لاشك فيو ولا ريب تلك الأوصاؼ التي وصفت لو من قبل آخر أسقف خدمة، فالرؤية البصر ية أعظم حاسة للئدراؾ والعلم . (ب) فقبّلتو : حركة تلقائية ذاتية أعقبت العلم واليقين والطمأنينة بما شاىد، والتقبيل دليل على الحب، ودليل مادي ملموس فيو التقاء بين شفتي سلماف وخاتم النبوة الناتىء في ظهر النبي صلى الله عليو وسلم، فترجم حبّو بحركة وفعل .
عدد الصفحات ٤٣(44) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (جػ) فأجلسني بين يديو : تدؿ العبارة على أف النبي صلى الله عليو وسلم لم يأمر سلماف بالجلوس، وإنما أخذه بيديو الشريفتين وأداره من خلف ظهره، وأتى بو بين يديو، فأجلسو أمامو تجليس المحب الشفيق بو، فما أجمل ىذا الموقف ؛ إنو مشهد رائع يتجلى فيو اللين والرفق والحب من قبل النبي صلى الله عليو وسلم . (ٕٕٚ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "ورجوت أف تكوف البلد الذي وصف لي صاحبي" الرجاء والأمل ملبذ للمبتلى ، وملجأ بعد الله للمكلوـ، وبلسم للمحروـ، ولولا الأمل بالله، والثقة بما عنده ؛ لم يكن للحياة طعم ولا معنى . (ٕٕٛ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "ظلمو ني فباعوني" الظلم ىو الطغياف وتجاوز الحد، والتعدي على الآخرين، وىو من كبائر الذنوب التي حرّ مها الله، وحرّ ـ الظلم على نفسو سبحانو . (ٜٕٕ) قوؿ سلماف رضي الله عنو : "فجعلت أقوؿ لابن عمو ... ماذا تقوؿ؟ ماذا تقوؿ؟" في حاؿ الاندىاش والاستغراب من الموقف الذي يراه الإنساف ؛ قد يكرر الكلبـ على المتحدث للتثبت وللتأكد من صدقو . (ٖٕٓ) الرضا بالقضاء والقدر، فقدر الله على سلماف رضي الله عنو أموراً كثيرة، من الخروج من البيت إلى الالتحاؽ بركب الشاـ إلى خدمة الأساقفة ، و رحل تو إلى المدينة وبيعو في الطريق، كل ىذا أمور قدّرىا الله وقضاىا ع لى سلماف رضي الله عنو فعلى المسلم أف يرضى بالقضاء والقدر لأنو ركن من أركاف الإيماف ، ولا يتم إيماف العبد إلاّ بو . (ٖٕٔ) إنها قصة رائعة وجميلة، وفيها تشويق وجذب، وعرضت بأسلوب بسيط وسلس، رغم أف سلماف ليس عربياً لكنو عرضها لنا بعبارات سهلة بلب تكلف.
عدد الصفحات ٤٤(45) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو الخاتمػػػة
عدد الصفحات ٤٥(46) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو فهرس الموضوعات الموضوع رقم الصف حة المقدمة ٕ المبحث الأوؿ: نبذة مختصرة عن سلماف الفارسي ٗ المبحث الثاني : قصة سلماف الفارسي ٜ المبحث الثالث :الدروس والعبر والفوائد المستنبطة من قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو ٖٔ الخاتمة
عدد الصفحات ٤٦