. قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو دروس وعبر الدكتور إبراىيم بن فهد بن إبراىيم الودعاف
عدد الصفحات ١(2) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلبة والسلبـ على أشرؼ الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آلو وصحبو أجمعين، أما بعد: فهذه ورقات كتبتُها حوؿ قصة الصحابي الجليل سلماف الفارسي _رضي الله عنو_ ذلكم الصحابي المجاىد والمكافح، والمناضل من أجل البحث عن الحقيقة. وقد كنت منذ أكثرَ من عشر سنوات أتمنى أف أقرأ ىذه القصة العظيمة وأتأملها وأدرسها وأعيش بين سطورىا وعباراتها، وتحقق لي ذلك _ولله الحمد والمنة_ حيث قرأت القصة قريباً من عشر مرات، وفي كل مرة يتبيَّن لي شيءٌ، وفي كل مرة أستنبط فائدة واستلهم فكرة. إنها قصة عظيمة عاشها صاحبها بظروفها وآلامها بحلوىا ومرّىا، ولكم أف تتصورا حدثاً صغيراً يهرب من أبويو لا يلوي على شيءٍ سوى الدين الصحيح، يخرج إلى مستقبل مغيّبٍ، وعالم مجهوؿ، لكن يحدوه الأمل، وتسبقو ىمةٌ عالية. ولا أدعي أنني استقصيت كل واردة وشاردة، وسجلت كل خاطرة وفائدة، ولكني أحسب أنّي حققت شيئاً كاف يجيش في خاطري حباً لهذه القصة، ووفاءً وإجلبلاً لهذا الرجل العظيم الذي سبق الفُرْس في إسلبمو، وقد حاولت دراسة بعض العبارات التي وردت في القصة دراسة تحليلية نفسية لوصف الحالة التي كاف يعيشها سلماف رضي الله عنو في ذلك الموقف . وأحب أف أشير إلى أنني سأورد رواية الإماـ أحمد في مسنده(ٔ) لأني استفدت في استخراج ىذه الفوائد والدروس منها وقد أذكر بعض السياؽ من رواية ابن الأثير في أسد الغابة(ٕ) للبختلبؼ في بعض السياؽ بينهما، وأنبّو عليو في الحاشية ،وتكونت خطة البحث من : مقدمة، ذكرت فيها سبب تأليف الكتاب وثلبثة مباحث : فالمبحث الأوؿ : ذكرت فيو نبذة مختصرة عن سلماف الفارسي، والمبحث الثاني : ذكرت فيو قصة سلماف الفارسي، والمبحث الثالث : ذكرت فيو الدروس والعبر والفوائد المستنبطة من قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو ثم الخاتمة وفهرس الموضوعات . (1) 5/515 رقم الحدٌث23722 . (2) 2/265 رقم الترجمة2142،والحدٌث صحٌح، فقد صححه ابن حجر فً الإصابة فً تمٌٌز الصحابة فً ترجمة سلمان 2/62 وحسن إسناده الالبانً فً سلسلة الأحادٌث الصحٌحة2/522 .
عدد الصفحات ٢(3) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو ىذا والله أسأؿ أف يجعل ىذا العمل خالصاً لوجهو الكريم وأف ينفع بو كاتبو وقارئو وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد . د.إبراىيم بن فهد الودعاف ص.ب : ٖٖٔٔٛ الرمز : ٜ٘ٗٔٔ الرياض ebrahim.f.w@gmail.com
عدد الصفحات ٣(4) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو نبذة مختصرة عن سلماف الفارسي اسمو وكنيتو: ىو سلماف بن الإسلبـ، وكنيتو أبو عبد الله الفارسي مولى رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم، ويعرؼ بسلماف الخير، سئل عن نسبو فقاؿ: أنا سلماف بن الإسلبـ. واسمو في السابق: ما بو بن بوذخشاف بن مورسلب بن بهبوذاف بن فيروز بن شهرؾ من ولد آب الملك(ٔ) . سابق أىل أصبهاف وفارس إلى الإسلبـ مولى رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم. مولده ونشأتو: ولد بمدينة رامهرمز بقرية منها يقاؿ لها: "جي" بأصبهاف، ونشأ في المدينة التي ولد بها، وكاف أبوه رئيس قرية "جي" وكاف يعيش في سعة من العيش ، لذا أرسلتو أمو إلى الكتاب ليدرس الفارسية(ٕ). رحلتو: خرج من بلده "أصبهاف" إلى الشاـ، ثم سار بعد ذلك إلى الموصل ثم إلى "نصيبين" ومن بعدىا إلى "عمورية" ومكث فيها بعد موت الأسقف ماشاء الله أف يمكث ثم ارتحل إلى "أرض العرب" ومن بعدىا وصل إلى المدينة حتى أسلم على يدي النبي صلى الله عليو وسلم(ٖ). الثناء عليو: احتج المهاجروف والأنصار في سلماف الفارسي وكاف رجلبً قوياً، فقاؿ المهاجروف سلماف منّا، وقالت الأنصار: لا بل سلماف منَّا، فقاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم سلماف منَّا أىل البيت(ٗ). _ وقاؿ صلى الله عليو وسلم"سلماف سابق فارس"(٘) . (1)تهذٌب الكمال للمزي3/232، سٌر أعلام النبلاء للذهبً1/505 . (2) المرجعان السابقان. (3) انظر قصته ورحلته فً مسند الإمام أحمد5/515 رقم الحدٌث23722 . (4) الطبقات الكبرى لابن سعد 4/360 . والحاكم فً المستدرك3/525، وضعفه الألبانً فً ضعٌف الجامع 1/450 رقم3272 . (5) الطبقات الكبرى لابن سعد4/360، وضعفه الألبانً فً ضعٌف الجامع1/450 رقم3271 .
عدد الصفحات ٤(5) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو _ عن أبي ىريرة_ رضي الله عنو_ قاؿ: كنَّا ج لوساً عند النبي صلى الله عليو وسلم فأنزلت عليو سورة الجمعة(ٔ) قاؿ: قلت: من ىم يا رسوؿ الله ؟ فلم يراجعو حتى سأؿ ثلبثاً وفينا سلماف الفارسي، وضع رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم يده على سلماف ثم قاؿ: "لو كاف الإيماف عند الثريا لنا لو رجاؿ أو رجل من ىؤلاء "(ٕ). علمو: روى عن النبي صلى الله عليو وسلم أحاديث كثر، ذُكِرَ لو ستوف حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلبثة منها، انفرد البخاري بواحد، ومسلم بثلبثةٍ (ٖ) . وكاف من فضلبء الصحابة وعلمائهم رضي الله عنهم – يدؿ على ذلك إقرار النبي صلى الله عليو وسلم لو كما في حديث أبي جحيفة عن أبيو قاؿ : آخى النبي صلى الله عليو وسلم بين سلماف وأبي الدرداء، فرأى أـ الدرداء متبذلة، فقاؿ لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوؾ أبو الدرداء ليس لو حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع لو طعاماً ، فقاؿ : كل؟ قاؿ : فإني صائم ، قاؿ : ما أنا بآكل حتى تأكل، قاؿ : فأكل، فلما كاف الليل ذىب أبو الدرداء يقو ـ، قاؿ : نم، فناـ، ثم ذىب يقو ـ فقاؿ : نم، فلما كاف من آخر الليل قاؿ سلماف : قم الآف ، فصلّيا، فقاؿ لو سلماف : إف لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأىلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقو ، فأتى النبي صلى الله عليو وسلم فذكر ذلك لو ، فقاؿ النبي صلى الله عليو وسلم : "صدؽ سلماف"(ٗ) ويؤيد علميّة سلماف الفارسي ما قالو معاذ بن جبل رضي الله عنو : "التمسوا العلم عن أربعة رىط : وذكر منهم سلماف الفارسي"(٘). وعن أبي ىريرة _ رضي الله عنو_ قاؿ: كاف سلما ف صاحب الكتابين قاؿ قتادة: يعني الإنجيل والفرقاف"(ٙ) . (1) سورة الجمعة أٌة3 . (2) البخاري4527، مسلم6445 . (3) انظرسٌر أعلام النبلاء للذهبً 1/505،تهذٌب الأسماء واللغات للنووي 1/212،الفتح الربانً للساعاتً 22/261 . (4) البخاري1265،6132 . (5) الترمذي3504 وقال / حسن صحٌح غرٌب، وصححه الألبانً فً صحٌح سنن الترمذي3/230 رقم رقم 2221. (6) الترمذي3511 وقال : حدٌث حسن غرٌب صحٌح، وصححه الألبانً فً صحٌح سنن الترمذي 3/231 رقم2225 .
عدد الصفحات ٥(6) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو تلبميذه: روى عنو جمع من الصحابة – رضي الله عنهم – كأنس وكعب بن عجرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو الطفيل عامر الدوسي. ومن التابعين : أـ الدرداء الصغرى، وأبو عثماف ال نهدي، وزا ذاف أبو عمر ال كندي وجماعة(ٔ). جهاده: أوؿ مشاىده مع النبي صلى الله عليو وسلم غزوة الخندؽ وىو الذي أشار على النبي صلى الله عليو وسلم بحفر الخندؽ، ولم يتخلف مع النبي صلى الله عليو وسلم في مشاىده بعد ذلك كلها(ٕ) . وشارؾ في فتوحات المسلمين في عهد أبي بكر رضي الله عنو وكذلك ف ي عهد عمر إلى أف توفي في خلبفة عثماف بن عفاف رضي الله عنو. زىده: كاف عطاؤه خمسة آلاؼ وقيل ستة آلاؼ درىم ومع ذلك إذا استلمو فرقو على المساكين والمحتاجين، وكاف يعمل الخوص بيده ويبيعو ويأكل منو. حتى إنو رضي الله عنو لم يسكن بيتاً، وإنما كاف يستظل بالفيء حيث مادار(ٖ). تواضعو: مع أنو كاف أميراً على المدائن إلا أف ىذا لم يزده إلا ترفعاً عن الدنيا و تواضعاً لله ثم لخلقو، ذكر أف رجلب أتى السوؽ فاشترى علفاً بدرىم، وبحث عن رجل ليحملو فرأى سلماف رضي الله عنو ولم يعرفو، فطلب منو أف يحمل العلف ومرَّ على أناس عرفوا سلماف، فقالوا: نحمل (1) تهذٌب الكمال للمزي3/232 . (2 )تهذٌب الأسماء واللغات1/212 . (3) سٌر أعلام النبلاء2/574، أسد الغابة2/265 .
عدد الصفحات ٦(7) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو عنك يا أبا عبدالله فسألهم عن الرجل فقالوا: ىذا سلماف صاحب رسوؿ الله فقاؿ لسلماف: لم أعرفك، ضعو، فأبى رضي الله عنو حتى أتى بو منزؿ الرجل (ٔ). وفاتو: قيل توفي سنة ٖ٘ىػ في المدائن في آخر خلبفة عثماف، وقيل سنة ٖٙىػ ، وقيل مات سنة ٖٖىػ وىذا القوؿ أقرب للصواب يؤيده الحافظاف المزِّي وابن حجر وغيرىما لأف عبد الله بن مسعود كاف ممن دخل عليو يعوده في مرض موتو، ولا خلبؼ في أف عبد الله بن مسعود مات في خلبفة عثماف سنة ٕٖىػ أو ٖٖىػ، وأنو لم يبق إلى سنة ٖٗىػ (ٕ). قيل كاف من المعمرين وأنو عاش ٕٓ٘سنة واختلفوا فيما زاد عليها(ٖ). ولكن الإماـ الذىبي رحمو الله يشكك في ىذا العمر، ويرى أنو لم يتجاوز المئة ولعلو الأقرب، يقوؿ – رحمو الله - "وقد فتشت فما ظفرت في سنِّوِ بشيء سوى قوؿ البحراني(ٗ)، وذلك منقطع لا إسناد لها، ومجموع أمره وأحوالو وغزوه، وىمتو، وتصرفو، وسفّو للجريد، وأشياء مما تقدـ ينبىء بأنو ليس بمعمّر ولا ىرـ، فقد فارؽ وطنو وىو حدث، ولعلو قدـ الحجاز ولو أربعوف سنة أو أقل، فلم ينشب أف سمع بمبعث النبي صلى الله عليو وسلم ثم ىاجر، فلعلو عاش بضعاً وسبعين سنة، وما أراه بلغ المئة، فمن كاف عنده علم فليفيدنا، وقد نقل طوؿ عمره، أبو الفرج بن الجوزي وغيره، وما علمت في ذلك شيئاً يركن إليو". ثم ذكر أثراً يؤيد ما قاؿ من عمره عن ثابت البناني قاؿ: لما مرض سلماف، خرج سعد من الكوفة يعوده فقدـ، فوافقو وىو في الموت يبكي فسلّم وجلس، وقاؿ: ما يبكيك يا أخي؟ ألا تذكر صحبة رسوؿ الله صل ى الله عليو وسلم؟ ألا تذكر المشاىد الصالحة؟ قاؿ: والله ما يبكيني واحدة من اثنتين، ما أبكي حباً بالدنيا ولا كراىية للقاء الله، قاؿ سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ (1 )الطبقات الكبرى لابن سعد4/362،سٌر أعلام النبلاء2/546 . (2) تهذٌب الكمال3/241،تهذٌب التهذٌب4/121،الإصابة فً تمٌٌز الصحابة2/63 . (3) المصادر السابقة، تهذٌب الأسماء واللغات1/212، أسد الغابة2/262 . (4 )هو العباس بن ٌزٌد بن أبً حبٌب البحرانً"صدوق ٌخطىء" "تقرٌب التهذٌب" ص237 رقم3124 .
عدد الصفحات ٧(8) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو قاؿ : يبكيني أف خليلي عهد إلى عهداً قاؿ: ليكن بلبغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب " وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا. قاؿ الذىبي_رحمو ا _ :"وىذا يوضح لك أنو من أبناء الثمانين، وقد ذكرت في تاريخي الكبير أنو عاش مئتين وخمسين سنة، وأنا الساعة لا أرتضي ذلك ولا أصححو"(ٔ) . (1 )سٌر أعلام النبلاء2/555 وما بعدها .
عدد الصفحات ٨(9) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس قاؿ: حدثني سلماف الفارسي قاؿ: كنت رجلب فارسيًّا من أىل أصبهاف من أىل قرية منها ، يقاؿ لها جي(ٔ)، وكاف أبي دىقاف (ٕ) قريتو، وكنت أحب خلق الله إليو ، فلم يزؿ بو حبو إياي حتى حبسني في بيتو، أي ملبزـ النار، كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار (ٖ) الذي يوقدىا لا يتركها تخبو ساعة، قاؿ: وكانت لأبي ضيعة عظيمة . قاؿ: فشغل في بنياف لو يوماً ، فقاؿ لي : يا بني إني قد شغلت في بنياني ىذا اليوـ عن ضيعتي، فاذىب فاطلعها و آمرني فيها بعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعتو، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وىم ي صلوف، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيتو، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعوف، قاؿ: فلما رأيتهم أعجبتني صلبتهم ورغبت في أمرىم وقلت ىذا والله خير من الذي نحن عليو فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت ل هم أين أصل ىذا الدين قالوا بالشاـ، قاؿ: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلتو عن عملو كلو فلما جئتو قاؿ أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قاؿ: قلت يا أب تِ مررت بناس يصلوف في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندىم حتى غربت الشمس قا ؿ أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منو، قلت كلب والله إنو لخير من ديننا، قاؿ فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيتو، قاؿ وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدـ عليكم ركب من الشاـ تجار من النصارى فأخبروني بهم، قاؿ فقدـ عليهم ركب من الشاـ تجار من النصارى، قاؿ فأخبروني بهم، قاؿ : فقلت لهم : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلبدىم فآذنوني بهم، قاؿ فلما أرادوا الرجعة إلى بلبدىم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشاـ فلما قدمتها قلت من أفضل أىل ىذا الدين؟ قالوا الأسقف (ٗ) في الكنيسة، قاؿ فجئتو فقلت إني قد رغبت في ىذا الدين وأحببت أف أكوف معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قاؿ فادخل، فدخلت معو، قاؿ فكاف رجل سوء يأمرىم (1) جً : قرٌة من قرى أصبهان. (2) الدهقان : بكسر الدال، رئٌس القرٌة. (3) قطن النار : خازنها وخادمها. (4) الأسقف : رئٌس من رؤسائهم فً الدٌن.
عدد الصفحات ٩(01) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليو منها شيئًا اكتنزه لنفسو ولم يعطو المساكين حتى جمع سبع قلبؿ من ذىب، قاؿ وأبغضتو بغضًا شديدًا لما رأيتو يصنع، قاؿ ثم مات فاجتمعت إليو النصارى ليدفنوه فقلت لهم إف ىذا كاف رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزىا لنفسو ولم يعط المساكين منها شيئًا قالوا وما علمك بذلك؟ قلت أنا أدلكم على كنزه، قالوا فدلنا عليو، قاؿ فأريتهم موضعو، قاؿ فاستخرجوا منو سبع قلبؿ مملوءة ذىبًا وورقا، قاؿ : فلما رأوىا قالوا : والله لا ندفنو أبدًا، قاؿ : فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانو، فما رأيت رجلب يصلي الخمس أرى أنو أفضل منو وأزىد في الدنيا ولا أرغب في الآخر ة ولا أدأب ليلب ونهارًا منو، قاؿ : فأحببتو حبًّا لم أحبو من قبل فأقمت معو زمانًا ثم حضرتو الوفاة قلت لو يا فلبف، إني كنت معك فأحببتك حبًّا لم أحبو أحداً من قبلك وقد حضرتك الوفاة فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قاؿ أي بني، والله ما أعلم أحدا اليوـ على ما كنت ع ليو لقد ىلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليو إلا رجلب بالموصل وىو فلبف وىو على ما كنت عليو فالحق بو، قاؿ فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت لو يا فلبف إف فلبنًا أوصاني عند موتو أف ألحق بك وأخبرني أنك على أمره، قاؿ : فقاؿ لي : أقم عندي، قاؿ : فأقمت عنده فوجدتو خير رجل على أمر صاحبو، فلم يلبث أف مات فلما حضرتو الوفاة قلت لو: يا فلبف إف فلبنًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوؽ بك وقد حضرؾ من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قاؿ : أي بني، والله ما أعلم رجلب على مثل ما كنا عليو إلا رجلب بنصيبين (ٔ) و ىو فلبف فالحق بو، قاؿ : فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرتو بما جرى وما أمرني بو صاحبي، قاؿ : فأقم عندي فأقمت عنده فوجدتو على أمر صاحبيو فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أف نزؿ بو الموت فلما حضر قلت لو يا فلبف، إف فلبنًا كاف أوصى بي إلى فلبف ثم أوصى بي فلبف إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني قاؿ : أي بني، والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرؾ أف تأتيو إلا رجلب بعمورية (ٕ) فإنو على مثل ما نحن عليو فإف أحببت فأتو فإنو على مثل أمرنا، قاؿ : فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرتو خبري فقاؿ : أقم عندي فأقمت عند رجل على ىدي أصحابو وأمرىم، قاؿ : وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قاؿ ثم نزؿ بو أمر الله عز وجل فلما حضر قلت لو : يا فلبف إني كنت مع فلبف فأوصى بي إلى فلبف وأوصى بي فلبف إلى (1) تصٌبٌن : مدٌنة كبٌرة على شاطئ الفرات. (2) عمورٌة : بلدة تقع جنوب تركٌا.
عدد الصفحات ١٠(00) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو فلبف وأوصى بي فلبف إلى فلبف وأوصى بي فلبف إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قاؿ: أي بني، والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليو أحد من الناس آمرؾ أف تأتيو ، ولكنو قد أظلك زماف نبي مبعوث بدين إبراىيم يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين (ٔ) بينهما نخل بو علبمات لا تخفى : يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيو خاتم النبوة ، فإف استطعت أف تلحق بتلك البلبد فافعل، قاؿ ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أف أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي ىذه وغنيمتي ىذه قالوا نعم فأعطيتهم إياىا وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني لرجل من يهود فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أف يكوف البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي (ٕ) في نفسي، فبينا أنا عنده قدـ عليو ابن عم لو من المدينة من بني قريظة فابتاعني منو فاحتملني إلى المدينة فوالله ما ىو إلا أف رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث الله رسولو فأقاـ بمكة ما أقاـ لا أسمع لو بذكر مع ما أنا فيو من شغل الرؽ، ثم ىاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذؽ لسيدي أعمل فيو بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم لو حتى وقف عليو فقاؿ، فلبفُ قاتلَ اللهُ بني قيلة! (ٖ) والله، إنهم الآف لمجتمعوف بقباء على رجل قدـ عليهم من م كة اليوـ يزعموف أنو نبي، قاؿ فلما سمعتها أخذتني العرواء(ٗ) حتى ظننت أني ساقط على سيدي، قاؿ ونزلت عن النخلة فجعلت أقوؿ لابن عمو ماذا تقوؿ؟ قاؿ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقاؿ ما لك ولهذا أقبل على عملك، قاؿ : قلت لا شيء إنما أردت أف أستثبتو عما قاؿ، وقد كاف شيء عندي قد جمعتو فلما أمسيت أخذتو ثم ذىبت بو إلى رسوؿ الله وىو بقباء فدخلت عليو فقلت لو : إنو قد بلغني أنك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وىذا شيء كاف عندي للصدقة فرأيتكم أحق بو من غيركم، قاؿ فقربتو إليو فقاؿ رسوؿ الله لأصحابو كلوا وأمسك يده ىو فلم يأكل، قاؿ فقلت في نفسي ىذه واحدة، ثم انصرفت عنو فجمعت شيئًا وتحوؿ رسوؿ الله إلى المدينة ثم جئتو بو فقلت إني رأيتك لا تأكل الصدقة وىذه ىدية أكرمتك بها فأكل رسوؿ الله منها وأمر أصحابو فأكلوا معو، قاؿ : فقلت في نفسي ىاتاف اثنتاف، قاؿ ثم (1) الحرة : أرض ذات حجارة سود وهً المدٌنة المنورة. (2) أي : رجوت ذلك ولم أستٌقنه . (3) قٌلة : اسم أم قدٌمة للأوس والخزرج. (4) الرعدة والخوف.
عدد الصفحات ١١(02) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو جئت رسوؿ الله وىو ببقيع الغرقد(ٔ) قاؿ : و قد تبع جنازة من أصحابو عليو شملتاف وىو جالس في أصحابو فسلمت عليو ثم استدرت أنظر إلى ظهره ىل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسوؿ الله استدبرتو عرؼ أني أستثبت في شيء وصف لي، قاؿ: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفتو فانكبب ت عليو أقبلو وأبكي، فقاؿ رسوؿ الله "تحوؿ" فتحولت فقصصت عليو حديثي كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسوؿ الله أف يسمع ذلك أصحابو، ثم شغل سلماف الرؽ حتى فاتو مع رسوؿ الله بدر وأحد، قاؿ : ثم قاؿ لي رسوؿ الله "كاتب سلماف" فكاتبت صاحبي على ثلبثمائة نخلة أحييها لو بالفقير(ٕ) وبأربعين أوقية فقاؿ رسوؿ الله لأصحابو : "أعينوا أخاكم " فأعانوني بالنخل: الرجل بثلبثين ودية (ٖ) والرجل بعشرين والرجل بخمسة عشر والرجل بعشرة والرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلبثمائة ودية فقاؿ لي رسوؿ الله : "اذىب يا سلماف ففقر(ٗ) لها فإذا فرغت أكوف أنا أضعها بيدي"، قاؿ : ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئتو فأخبرتو، فخرج رسوؿ الله معي إليها فجعلنا نقرب لو الودي ويضعو رسوؿ الله بيده فوا الذي نفس سلماف بيده ما مات منها ودية واحدة فأديت النخل فبقي علي الماؿ، فأتى رسوؿ الله بمثل بيضة الدجاجة من ذىب من بعض المعادف فقاؿ : "ما فعل الفارسي المكاتب" قاؿ : فدُعِيْتُ لو، و قاؿ : "خذ ىذه فأد بها ما عليك يا سلماف"، فقلت : وأين تقع ىذه يا رسوؿ الله مما علي؟ قاؿ : "خذىا فإف الله عز وجل سيؤدي بها عنك"، قاؿ : فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلماف بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسوؿ الله الخندؽ ثم لم يفتني معو مشهد(٘). (1) بقٌع الغرقد : مقبرة المدٌنة، والغرقد : شجر. (2) الفقٌر : موضع قرب خٌبر. (3) الودٌة : النخلة الصغٌرة. (4)أي : أحفر (5) سبق التخرٌج فً المقدمة، ومعانً كلمات القصة مستفادة من بلوغ الأمانً من أسرار الفتح الربانً للساعاتً (مطبوع مع الفتح الربانً له) 22/261 وما بعدها.
عدد الصفحات ١٢(03) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو الدروس والعبر و الفوائد المستنبطة من قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو : (ٔ) حرص الصحابي عبد الله بن عباس على أخذ العلم من مظانّ ة ، وتلقيو من مصدره مباشر ة وبدوف واسطة ،و التأكيد على ذلك في مطلع الرواية بقولو : "حديثو من فيو"، فابن عباس رضي الله عنهما، أخذ القصة مشافهة من سلماف رضي الله عنو. (ٕ) أنو رغم صغر سنّ سلماف رضي الله عنو، وبعد المسافة إضافة إلى قلة المؤونة إلا أنو عزـ على تحقيق ىدفو بلب تردد. (ٖ) اجتهد سلماف رضي الله عنو في دينو الباطل، وبذؿ ما في وسعو قبل أف يسلم، فما بالك بمن يتقاعس وىو على الحق وقد أعطاه الله الصحة والعافية من قولو: "وأجهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار "أي خادمها" الذي يوقدىا لا يتركها تخبو ساعة. (ٗ) إف انشغاؿ والده في بنيانو كاف خيراً لو ، فهو بداية الانطلبقة وسبب لمعرفة الحق والبحث عنو من قولو: "فشغل في بنياف لو يوما". (٘) الصلبة لها تأثير في النفوس، ووقع على القلوب، فهي سبب مباشر في إسلبـ الكثير، ورجوعهم إلى طريق ربهم المستقيم، من قولو: "فلما رأيتهم أعجبني صلبتهم". (ٙ) قولو : "و سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعوف" تشعر ببراءة الأطفاؿ في ىذا الفعل، وتصرفو بعفوية وفضولية لمعرفة ما يجري حولو . (ٚ) حرص الصحابة رضي الله عنهم على تعلم العلم ، وتحصيلو ، والسؤاؿ عنو، وذلك من "رواية ابن عباس عن سلماف" رضي الله عنهما . (ٛ) ثلبثة أمور تدؿ على غنى والد سلماف رضي الله عنو الأوؿ : أنو كاف رئيس القري ة فيكوف راتبو أكثر من غيره ، الثاني : أف لو ضيعة عظيمة ،الثالث : أنو يبني بنياناً لو ، ولأف البناء مكلف ويحتاج إلى ماؿ مما يؤكد وجود الماؿ عنده للبناء ، فكل ىذا مؤشر لحياة النعمة التي كاف يعيشها سلماف رضي الله عنو . (ٜ) ىمٌ واحد أرّؽ كياف سلماف رضي الله عنو ، وأشغل بالو، و غطّ ى على كل اىتماماتو إنو البحث عن الحقيقة "الدين الصحيح" عندما سأؿ النصارى في الكنيسة: "أين أصل ىذا الدين؟".
عدد الصفحات ١٣(04) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو (ٓٔ) حرص الآباء على الأبناء لو أثره في التربية،فسؤاؿ الأب عن سبب غياب ابنو وتأخره، وذلك للبطمئناف عليو وسلبمتو عندما سألو والده لما رآه قائلبً لو: "أي بني، أين كنت؟ ". (ٔٔ) التلطف مع الأبناء في الحوار مبدأ طيب يورث الحب، حينما ابتدره والده قائلبً : "أي بني، أين كنت؟ " ليس فيو قسوة ولا لعن ولا أي نوع من أنواع العنف. (ٕٔ) ىكذا يفعل كل من لو جاه أو سطوة أو قدرة على من تحتو إذا رأى أنو يخالف الدين الذي يعتقده، فمصيره الحبس والتنكيل والعقوبة، من قولو: "فجعل في رجلي قيداً ثم حبسني في بيتو" لكن ىذا لا يعيق صاحب الحق. (ٖٔ) قولو عندما حبسو والده : "ثم حبسني في بيتو " فلم يقل: ثم حبسني في البيت ، أو حبسني في بيتنا" فهو يوحي لنا أف ىذا البيت من ىذه اللحظة لم يعد بيتاً لو، ولا سكناً يرتاح ويناـ فيو، خاصةً بعدما قوبل بهذه القسوة والشدة. (ٗٔ) ىناؾ أناس خلف الجدار في الظلِّ لا يظهرو ف على السطح يمدوف يدىم بالعوف والمساعدة للضعفاء والمظلومين، يسخرىم الله لهم من حيث لا يراىم أحد، في قولو: "وَبػَعَثْتُ إلى النصارى" فهذا المبعوث شخص لم يظهر على السطح وإنما سخره الله لو. (٘ٔ) قولو: "من أفضل أىل ىذا الدين؟" سؤاؿ استفهامي يحتاج إلى إجابة صادقة لأنو خرج من إنساف صادؽ لم يفكر بأي شيء في الدنيا سوى البحث عن الدين الصحيح. (ٙٔ) حين الانضماـ إلى جماعة أو الدخوؿ في علبقة مع شخص لابد من الاستعداد بكلمات جميلة وعبارات منمقة وأف تكوف مقنعاً في طرح ذلك. فحينما عرض سلماف الخدمة على أسقف الكنيسة قاؿ: "إني قد رغبت في ىذا الدين، وأحببت أف أكوف معك أخدمك في كنيستك... ". (ٚٔ) من آداب طلب العلم، أف يعرض التلميذ على العالم نفسو في طلب العلم إذا وجد من نفسو القدرة على ذلك والكفاءة، من قولو للؤسقف: "وأتعلم منك وأصلي معك". (ٛٔ) تفاجأ سلماف – رضي الله عنو – بأف الأسقف الذي كاف يصلي معو ويخدمو لم يكن صادقاً في دينو ولم يوافق ظاىره باطنو لذا قاؿ سلماف عنو: "فكاف رجل سوء... ". (ٜٔ) قولو عن الأسقف :"فكاف رجل سوء" ىذا أو ؿ أسقف يقابلو سلماف رضي الله عنو ويدخل
عدد الصفحات ١٤(05) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو معو في دينو ويخدمو ؛ فكانت البداية مع رجل سيء ، فهي بداية مثبطة وغير مشجعة للبستمرار في ىذا الدين ، فإذا كاف ىذا الأسقف ىو أفضل ىذا الدين وىو على ىذه الدرجة من السوء، فكيف ببقية الناس؟ ومع ذلك ما كاف مثل ىذا الأمر ليؤثر على ىمة سلماف ومضيّو في طر يقو للبحث عن الدين الصحيح ، وىكذا ينبغي على كل من يروـ المجد ومعالي الأمور أف يستمر مهما تفاجأ بالعقبات تعترضو في الطريق. (ٕٓ) لا تتهم أحداً بشيء إلا بدليل واضح، فالأسقف اتهمو سلماف بالسوء وكاف محقاً في ذلك إذ أكّ د لهم بدليل مادي ملموس رأوه بأعينهم حينما دلهم على موضع الكنز الذي حازه لنفسو ولم يعطو الفقراء. (ٕٔ) قد يظن الإنساف أنو بفعلو السيء الذي يخفيو عن الناس ولم يتب منو أنو قد لا يفتضح يوما ما، لذلك فقد فضح الله العابد المدعي وكشف سره للناس بعد موتو، فبدلاً من دفنو معززاً مكرماً، شنعوا عليو بصلبو أماـ الناس ورجمو، نسأؿ الله أف يدني علينا ستره ولا يفضحنا في الدنيا ولا في الآخرة. (ٕٕ) الناس مراتب، ويتفاوتوف في الطاعة، فمنهم من يصدؽ ظاىرة باطنو، ومنهم من يخالف الظاىر الباطن، فالأسقف الأوؿ خالف باطنو ظاىره، والآخر الذي جاء مكانو صادؽ ظاىره باطنو، لذلك فضّل سلماف الآخر على الأوؿ. (ٖٕ) عندما رأى سلماف رضي الله عنو حاؿ الأسقف الأوؿ حيث كاف يكنز الذىب والفضة ، أنكر ىذا المنكر ولم يسكت عليو ، وكشف حالو للناس ، لذا على الداعية أف لا يسكت على المنكر وأف ينكره بقدر استطاعتو . (ٕٗ) يجوز الثناء على الشخص بما فيو ولا يعتبر ذلك مكروىاً، خاصةً إذا لم يبالغ في الثناء، أو يقوؿ شيئاً ليس فيو، وأف لا يجعػل الممدوح يع ػجب بنفسو ويغتػر، وذلك حينما أثنى سلماف على الأسقف الثاني بقولو: "فما رأيت رجلبً لا يصلي الخمس أرى أنو أفضل منو". (ٕ٘) الطاعة أثرىا متعدٍ، فالطائع لربو يفرض عليك احترامو وتقديره فتحبو تلقائياً ، ويدخل قلبك بلب استئذاف حيث قاؿ: "فأحببتو حباً لم أحبو من قبل". (ٕٙ) إصرار سلماف – رضي الله عنو – وثباتو على الهدؼ الذي جاء من أجلو وترؾ الديار
عدد الصفحات ١٥(06) قصة سلماف الفارسي رضي الله عنو والعشيرة، مهما لاقى من الصعاب. (ٕٚ) الصبر والمثابرة، فلب يترؾ الأسقف الذي يعيش معو حتى يموت، فضرب ب ذلك أروع الأمثلة في الصبر، والمثابرة. (ٕٛ) لم يكن سلماف رضي الله عنو ينتظر بعد وفاة الأسقف (ٜٕ) المستشار مؤتمن، ومن طلب النصيحة فلب بد أف يخلص الناصح للمنصو ح ويصدؽ لو فيها، لأنو مسؤوؿ عن كل كلمة يقولها، فإذا خرجت صادقة بارؾ الله فيها ونفع بها، فسلماف – رضي الله عنو – حينما أحس بدنو أجل الراىب قاؿ لو: "فإلى من توصي بي وما تأمرني؟" فاجتهد ذلك الرجل في النصح لتلميذه وخادمو بقولو: "أي بني والله ما أعلم أحداً اليوـ على ما كنت عليو، لقد ىلك الناس وبدلوا إلى أف قاؿ: إلا رجلبً بالموصل..." ثم نصحو بالذىاب إليو. (ٖٓ) نفهم من الكلبـ في الفائدة السابقة أف الذين على دين النصرانية في ذلك الزماف كانوا قلَّةً جداً ، فأكثر الناس في ضلبلةٍ وغوايةٍ، وأىل الدين من الندرة بمكاف حتى بالكاد يوجدوف، وسببو كما قاؿ الأسقف أو الراىب: ىلبؾ الناس، وأنهم بدّلوا دينهم وحرفوه، وتركوا أكثر ماكانوا عليو. (ٖٔ) الله سبحانو وتعالى أعطى سلماف – رضي الله عنو – الوقت، وأمده بالعمر حتى يحقق أمنيتو ويسعد بمراده فكلما مات أسقف أو راىب لحق بالآخر حتى أسلم على يدي النبي صلى الله عليو وسلم . (ٕٖ) قبوؿ التزكية للشخص إذا أتت من عالم ونحوه، وعدـ الاستفصاؿ عن حاؿ صاحبها، وذلك عندما جاء لصاحب نصيبين وأخبره بخبره، وما أمره بو صاحبو، فقاؿ لو ىذا: فأقم عندي. (ٖٖ) لا يمكن أف يستغني الإنساف عن الدنيا، فإنها طريق ومزرعة للآخرة، فيتزود منها بالقليل ويتقي فتنتها، حينما قاؿ: "واكتسبت حتى كاف لي بقرات وغنيمة". (ٖٗ) علبمات نبوة النبي – صلى الله عليو وسلم– لا تخفى، ولا يمكن لأحد أف يدعي ذلك لأنو كاذب وسرعاف ماي كتشف زيفو، حيث ذكر صاحب سلماف تلك العلبمات : "يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيو خاتم النبو ة". (ٖ٘) للمرء الذي ينشد ىدفاً، ويتطلع إلى تحقيقو أف يستريح، استراحة المحارب لتجديد
عدد الصفحات ١٦