المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

خلق آدم

محمد علي البار

صفحة ٢ من ٢

17 ثبت ، فيما بعد ، أنها لإنسان ثم ركبت على عظم فك شمبانزي . أما فك إنسان هيدلبرج(Heidelburg man) فإنه مماثل لفك الانسان المعاصر من الاسكيمو ، وفك إنسان بكينPeking man) له نفس ملامح قبائل الفيدا المعاصرين الذين يعيشون في سيلان ( سيرلانكا ( اليوم . ويقول البروفسور برانكو (W. Branco) : " إن علم الاحاثة ( البالونتولوجيا ) لا يعرف للإنسان أسلافا ، ويقول الدكتور ايريك واسمان في كتابه " البيولوجيا الحديثة ونظرية النشوء" " Eric Wasman ; Evolution: Modern Biology and the Theory)) : " ان البقايا المكتشفة في الحفريات لا تؤيد ، من وجهة نظر علم الوراثة ، أي نظرية عن أصل الانسان " . ويقول البروفسور فيرشاو (Virchow) : " إن فكرة القرد-الانسان هي محض خرافة " . وقد استخدم أرنست هيكل (Ernest Haeckel) رسوما للتدليل على التماثل بين الجنين البشري والحيوان ، ولكنه اعترف فيما بعد بأن " عددا من رسومي كانت تزويرا محضا ، وان مئات من علماء الحيوان قد ارتكبوا نفس الخطيئة " . ويعترف دارون نفسه بأن الجيولوجيا لا ترينا دليلا على عملية التدرج ، وهذا هو الاعتراض الرئيسي الذي يواجه نظرية التطور " كما أنه ظل محتارا لماذا لم تتطور البكتريا القديمة أو المخلوقات القديمة الى اليوم ، رغم مرور ما يقرب من ألف مليون سنة على وجودها " . ويقول البروفسور لوك (LOCK) :" إن الاختيار ، سواء كان طبيعيا أو اصطناعيا ، لا يمكن أن يخلق شيئا جديدا " . ويبدو أنه من المستحيل خلق أنواع جديدة من خلال الصفات المكتسبة أو الاختيار الطبيعي ، أو من خلال التحولات (الطفرات) الجينية . قد ثبت أن الطفرات ( Mutations) الجينية الصغيرة تُ ضعف في الغالب النوع وتؤدي الى تشوهه أو ايجاد مرض فيه ، أما الطفرات الكبرى فتؤدي الى قتله . وأما نظرية الصدفة وخلق الكون أو المخلوقات بالصدفة فيرد عليها عدد كبير من علماء الغرب ، وفي ذلك بقول العلامة أينشتاين : " لا استطيع أن أصدق أن الكون قد نتج عن رمية زهر " . ويحوي كتاب " الله يتجلى في عصر العلم " لمجموعة كبيرة من العلماء الغربيين ، أدلة قاطعة حول هذا الموضوع ، ونحيل القارئ الكريم عليه . وقد نشرت المجلة الطبية البريطانية (British Medical Journal) ، في عدد مارس1946م ، مقالا جاء فيه :" لقد عثر الأثريون على بقايا بشرية تعود الى زمن ما قبل الطوفان. وتدل هذه البقايا على طول أعمار غير عادية لأصحابها . وكان أكثر ما لفت الأنظار هو أن أسنانها بريت حتى وصلت الى اللثة من طول استعمالها . وثمة دلائل قديمة وفيرة تؤكد أنه قد عاش على ظهر هذه الارض جنس من نوع أروع في كماله الجسدي وجمال عضلاته وأكبر في حجم جمجمته من الانسان المعاصر الى حد كبير " ( ورد في الاحاديث أن طول أبينا آدم أربعون ذراعا ، كما أن عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين ، كما نص عليه القرآن الكريم ) .

عدد الصفحات ١٧

18 وتزعم نظرية التطور أن اللغة قد تطورت عن الخوار والزئير والاصوات المبهمة ، بينما تقول مجلة العلوم المصورة (Science Illustrated) " إن أقدم أشكال اللغات الموجودة حاليا كانت أكثر تعقيدا من صيغتها المعاصرة " . وفي كتاب " خلق لا تطور " ، تعريب الدكتور إحسان حقي ، وجمعه ، من مجموعة من الكتب الغربية التي تعارض التطور ، يقول رئيس الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم في مقال نشره في مجلة "العلوم": إن العلماء يعترفون بأن مر احل التطور إنما بنيت على الحدس والتخمين والتأويل ، وهي نوع من الفرضيات . وفي كتاب دارون نفسه " أصل الأنواع " اكثر من 800 جملة ارتيابية مثل : قد نستطيع أن نستنتج ، قد يمكن أن يكون .. وهذا يدل على أن مراحل التطور افتراضية " . ويقول العالم الفسيولوجي تهميسيان(T. Tahmisian): " إن العلماء الذين يؤكدون أن التطور واقع علمي هم منافقون ، وان ما يرونه من أحداث إنما هو من الشعوذات التي ابتدعت ولا تحتوي على نقطة من الحقيقة " ، ويقول عن نظرية التطور بأنها خليط مضطرب من الاحاجي وشعوذة الارقام . وقال الدكتور كلوتز(J. Klotz) : " إن الاعتقاد بالتطور يحتاج الى كثير من السذاجة وكتب الدكتور جان روستان في كتابه " التطور " ، يرد على أصحاب الداروينية الحديثة الذين يرجعون مراحل التطور الى طفرات (Mutation) في عالم الجينات فقال :" إن الطفرة التي نعرفها تؤدي الى الحرمان من عضو أو زيادة عضو أو فقدان وظيفته ، ولا يأتي بشيء جديد . ولا أستطيع أن اعتقد بأن هذه الهفوات الارثية ، حتى مع مساعدة ما يسمى الاصطفاء الطبيعي ، وحتى مع طول الزمن بأن تنشئ كل عالم الاحياء بما يحويه من ثراء ولطافة ومن مؤهلات عجيبة " . وتقول نظرية التطور بأن الحياة الأولى ظهرت من الجماد بوسائلها الخاصة ، وهذا امر غير منطقي ولا معقول ، فلو أخذنا مكونات السيارة من الحديد والزجاج والنحاس والمطاط وغيرها ، وجعلناها في برميل ، وحركنا البرميل ملايين المرات لملايين السنين ، فلن تنتج لنا سيارة . والخلية الحية أعقد بكثير من السيارة ، فكيف تحول الجماد فجأة الى خلية حية بمجرد الصدفة . والخلية العصبية أشد تعقيدا من أضخم الكمبيوترات .. والفيروس وهو مرحلة بين الجماد والحي ومكون من أحد الحامضين النوويين الـ (DNA ) أو الـRNA) هو مخلوق في غاية التعقيد ، وتبذلالجهود الجبارة المتخصصة لمعرفة آثاره ، وهو دائما يعيش متطفلا داخل الخلايا من البكتريا (Bacteriophage) الى الانسان مرورا بالنبات والحيوان . إن تصور أن يخلق فيروس بذاته بمحض الصدفة هرطقة وخرافة لا يمكن قبولها بأي منطق علمي أو حتى ادراك عقلي ، إذ لا بد لهذه المخلوقات من خالق حكيم قدير مبدع مصور عالم خبير لطيف . ويتحدث شمس الدين آق بلوت في كتابه " دارون ونظرية التطور" ( ترجمة أورخان محمد علي ) عن نظرية التطور ، وكيف تحولت الى عقيدة تؤدي بأصحابها الى التعصب والى الغش والخداع ، وتزوير الأدلة مثل قصة إنسان بلتداون ( Piltdown) ، والصور المزيفة التي اعترف أرنست هيكل بتزويرها للأجنة ( سبق الاشارة إليها في كلام منيرة الغاباتي ).

عدد الصفحات ١٨

19 يقول أدوارد لوثر كيسيل ، أستاذ علم الاحياء في جامعة سان فرانسيسكو : " إنني واثق أن كلمة التطور قد أسيء فهمها في كثير من الدوائر ، حتى صار مجرد النطق بها يثير التعجب . إنني أفهم ما يصفه هؤلاء الأصدقاء ، بل أتفق معهم في أن التطور المقصود هنا هو التطور المادي أو الميكانيكي ، الذي ينبغي أن نفرق بينه وبين التطور الخلقي أو الابداعي كل التفرقة . ولو أن جميع المشتغلين بالعلوم نظروا الى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس الروح والامانة والبعد عن التحيز الذي ينظرون به الى نتائج بحوثهم ، ولو أنهم حرّ روا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم فإنهم سوف يسلّ مون دون شك بوجود الله ، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسرّ الحقائق ، فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا دون شك الى ادراك وجود السبب الاول ، الذي هو الله . " وكما ينبغي أن يتدبّ ر العالم المتفتّ ح العقل وجود الله ويسلّ م به ، فإن غير المشتغل بالعلوم ينبغي له أن يفحص هوو أيضا هذه الادلة ، ويدرك أن التطور الابداعي هو وسيلة الخالق في خلقه ، وان الله هو الذي أبدع هذا الكون بقدرته وسنّ القوانين الطبيعية ، فالخلق الابداعي هو التفسير الوحيد الذي يوضح لنا سرّ هذا الوجود ، ويوفق بين ظواهره المختلفة التي يبسطها لنا كتاب الطبيعة التي نقرأ صفحاتها في جميع العلوم المختلفة . " والانتخاب الطبيعي هو أحد عوامل الميكانيكية للتطور ، كما أن التطور ليس إلا أحد السنن الكونية ، والقوانين الطبيعة ، وهو كسائر القوانين العلمية الأخرى ، يقوم بدور ثانوي ، لانه هو ذاته يحتاج الى من يبدعه ، ولا شك أنه من خلق الله وصنعته . والكائنات التي تنشأ بطريق الانتخاب الطبيعي قد خلقها الله أيضا كما خلق القوانين التي تخضع لها . فالانتخاب الطبيعي ذاته لا يستطيع أن يخلق شيئا ، وكل ما يفعله هو أنه إحدى الطرق التي تسلكها بعض الكائنات في سبيل البقاء أو الزوال عن طريق الحياة ، والتكاثر بين الانواع المختلفة . أما الأنواع ذاتها التي يتم فيها هذا الانتقاء ، فإنها نشأت عن طفرات تخضع لقوانين الوراثة وظواهرها ، وهذه القوانين لا تسير على غير هدى ولا تخضع للمصادفة العمياء كما يتوّ هم الماديون ، أو يريدوننا أن نعتقد . " إن الطفرات أو التغييرات الفجائية ليست خبط عشواء ، كما يدّ عي بعض الباحثين ولكنها تثبت طلاقة المشيئة الالهية وعدم حدها في السنن والقوانين الكونية . والانتخاب الطبيعي الذي يعتمد على الطفرات لا يقضي الا على الاعضاء الضارّ ة ، ومع ذلك فإننا نشاهد أن الاعضاء التي ليس لها ضرر ولا نفع تتضاءل هي الاخرى ، مما يثبت أن الطف رات ليست دائما عشوائية ، وأن التطور لا يعتمد على المصادفة العمياء ... ولا مفر من التسليم بأن هناك حكمة وتدبيرا وراء الخلق ووراء القوانين التي توجّ هه ، ولا مفر لنا من التسليم كذلك بأن التطور ذاته قد صمم بحكمة ، وأنه هو أيضا يحتاج الى خالق يبدعه " . ويقول : " ليس التطور الا مرحلة من مراحل الخلق ... وإن فكرة التطور الخلقي لا يمكن أن تكون منافية للعقيدة الدينية ، بل على النقيض من ذلك نجد من الحماقة والتناقض في الرأي أن يسلّ م الانسان بفكرة التطور ، ويرفض ان يسلّ م بوجود الخالق الذي أوجد هذا التطور " . وهكذا تتحول نظرية التطور عند أدوارد كيسيل واضرابه الى دليل ايمان ، بدلا من أن تكون دليل كفر.

عدد الصفحات ١٩

20 والخروج على السنن الكونية يثبت طلاقةالمشيئة ، لا كما تصوّ رها السير مدور ( وهو من أصل لبناني والحاصل على جائزة نوبل في علم الاحياء ) الذي يرى أن هذا الخروج على السنن الكونية في علم الاحياء يورث شكا في قضية الألوهية . ولو علم أن من صفات الله سبحانه وتعالى ان مشيئته طليقة ولا تتقيد بالقوانين ، وانه يجعل النار المحرقة بردا وسلاما على ابراهيم ، ويجعل العصا بيد موسى حية تسعى ، لعلم أن ذلك دليل ايمان لا دليل كفر ، وهو أحد أدلة المعجزات الخارقة للقوانين الطبيعية . والمخلوقات جميعا محتاجة الى رعايته وقيوميته ، فلا تقوم السموات والارض وما بينهما وما فيها من المخلوقات الا به ، وكلما صعدنا من عالم المادة والجماد الى علم الاحياء ، كلما ظهر ذلك جليا واضحا . فعالم المادة والجمادات لا يكاد يخرج منها شيء عن السنن الكونية إلا فيما ندر ، أما في عالم الاحياء ، وبالذات في عالم الانسان المعقد التركيب ، تزداد الحاجة الى رعاية الله وقيوميته له في كل لحظة ولمحة وثانية ، وكلما ازداد التعقيد في الخلق كلما خفيت علينا القوانين التي تحكمه وتسيّ ره . فالقوانين الكيميائية والفيزيائية التي تحكم عالم المادة واضحة بصورة عامة ( وإن كانت الابحاث الأخيرة تجعلها أشد تعقيدا مما كنا نظن ) ، أما القوانين التي تحكم عالم الجينات وعالم الانسان فهي معقّ دة أشدّ التعقيد ، وتبدو وكأنها خبط عشواء ( وهي ليست كذلك في واقع الامر ) ، وهذا كله ما دفع الدكتور السير مدور أحد أشهر علماء الأحياء في القرن العشرين ، بأنها خافية وغير واضحة ... وهي كذلك . فالانسان المعقّ د التركيب يحتاج في كل ثانية ولمحة الى رعاية الله وقيوميته ، فلا يقوم الا بربه ، وهو دائما وأبدا مفتقر اليه تمام الافتقار ، لا يستطيع أن يحرّ ك أنملة أصبعه الا بهذه العناية الربانية المستمرة والرحمة الالهية الفياضة ، وهو مع ذلك لا يعلم شيئا عن تلك الرعاية ولا يحسّ بها ولا بأثرها إلا من رحم ربك ، وفتح الله بصره وبصيرته لادراك هذه الرحمة ، وهذه العناية وهذه القيومية المستمرة الدائمة . ولما كانت ثقافة علماء الغرب ، في معظمها أوكلها اغريقية ، فهي لا تستطيع أن تتصور الاله الا كما تصوّ ره فلسفات أرسطو وأفلاطون ، منعزلا لا يتفكر في ذاته ... وأنه وضع لهذا الكون نواميسه وقوانينه ، فهي تسير لا تحيد عن هذه القوانين قيد انملة . والامر غير ذلك على حقيقته ، والله سبحانه وتعالى يدبّ ر هذا الكون ولا يخليه من رحمته وقيوميته لحظة ولا ثانية . ولهذا نرى مدور وأمثاله من العلماء يحتارون عندما يرون علوم الاحياء وكأنها لا تنتظمها هذه القوانين الصارمة الا لتخترقها الاستثناءات ، ويؤدي ذلك لديهم الى الشك في قضية الألوهية ذاتها ، وهي نظرة مبنية على فلسفة ارسطو وافلاطون التي تتخيل ان الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) منعزل عن مخلوقاته ، متفكر في ذاته ، وقد ترك كونه هملا . ولو علم مدور وأمثاله أن صفات الله سبحانه وتعالى كما أوضحها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، لعلم أن من صفاته سبحانه وتعالى القيومية ، وانه يرعى مخلوقاته في كل لمحة وثانية لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهذه الرعاية تتجلى في مخلوقاته الحيّ ة أكثر مما تتجلى في الجمادات . وكلما تعقد التركيب في الكائن الحي ظهرت تلك الرعاية والقيومية بجلاء أكثر ، فهي في أعلى صورها وأشدّ ها نقاء في الانسان الذي كرّ مه الله بنفخ الروح فيه والتسوية بيده واسجاد الملائكة له ففيه تتجلى صفات المولى سبحانه وتعالى من الرحمة والعدل والقيومية والكرم والفيض ... وهو لا يقوم الا بربِّ ه ولا يزال مفتقرا اليه في كل لحظة وآن .

عدد الصفحات ٢٠

21 {اللََُّّ لََ إِلَٰهَ إِلََّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلََ نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الَِْرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلََّ بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِ مْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلََ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلََّ بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالَِْرْضَ ۖ وَلََ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [} /200] {. اللََُّّ لََ إِلَٰهَ إِلََّ هُوَ الْحَيُّ الْقَي ومُ [ }2 .] نظرية التطور في العصر الحديث ظلّ ت الكنيسة في أوربا تعيق التقدم العلمي وتحارب وتعدم العلماء وترهبهم ، وكانت مصرّ ة على آرائها القديمة المغلوطة عن الكون والارض والانسان ، وكانت تحدّ د عمر الكون ، من بدايته الى نهايته ، بسبعة آلاف سنة فقط ، مما هو مخالف لابسط المعلومات الجيولوجية الكونية . ويقول ول ديورانت: إن القاضي الأسكوتلندي جيمس بيرنت ( صار اللورد مونيودو) كان داروينيا قبل دارون بزهاء القرن . ففي كتابه " أصل اللغة وتقدمها (1773م صوّ ر انسان ما قبل التاريخ كائنا بغير لغة ولا نظام اجتماعي ولا يتميز عن القردة . فالانسان والأورنج تان ( نوع من القردة المتقدّ مة ) ينتميان لجنس واحد .. وتاريخ البشر ليس هبوطا من حالة الكمال الاصلية كما جاء في سفر التكوين ، بل صعود بطيء أليم . ويُ عتبر أرازمس دارون ، جد شارلز دارون والطبيب البارز في عصره ، أحد القائلين بنظرية التطور قبل حفيده بستين عاما تقريبا . ففي كتابيه " فسيولوجيا الحيوان " و "هيكل الطبيعة " أكدّ أن التولد الذاتي هو أكثر النظريات احتمالا في أصل الحياة ... " وولدت الحياة العضوية تحت الامواج الطاغية في كهوف المحيط ، حيث ظهرت أولا كائنات دقيقة لا ترى إلا بالمجهر على الوحل ، ثم تخترق اليم ، وبعد أجيال متعاقبة تكتسب قدرات جديدة ومن ثم تظهر مجاميع لا حصر لها من النبات ، وممالك حيّ ة تتنفس ، من ذوات الزعانف والأرجل والأجنحة ... وهكذا تطورت الحياة من الكائنات البحرية الى البرمائية في الطين ، ثم الى الأ نواع التي لا تحصى في البحر والجو ، وكان هناك صراع للبقاء ، وفي هذا الصراع حدث الارتقاء بتطور الأعضاء نتيجة محاولات لتلبية الحاجات " ، سابقا بذلك لامارك الفرنسي حيث يقول : " إن كل الحيوانات تمرّ بتغييرات بسبب الحاجة للطعام أو غيره ، وكثير من هذه الاشكال أو الميول المكتسبة تنحدر الى ذراريها " ، وهو القول الذي قال به لامارك ورفضه شارلز دارون رفضا قاطعا ، والذي أكدّ أن الصفات المكتسبة لا تورث ، ولا يزال العلم الحديث مترددا في هذه النقطة كما سنبينه فيما بعد . لامارك (شيفاليه) (1742-1829م ) : يعتبر لاماركالفرنسي أحد أعلام القرن التاسع عشر عندما وضع نظريته في التطور .. وهو أول من أسس علم الأحافير ( الاحاثة ) اللافقاري . وقد استنتج لامارك من دراسته للنباتات والحيوانات أنها تغيّ ر شكلها لتتواءم مع بيئتها ، وأن هذه التغيرات تنتقل الى نسلها ، وهو ما نفاه دارون فيما بعد نفيا تاما . وقال : " وكل شيء يبرهن على أنه لم يكن بمقدور الأشكال الحيّ ة ان تتكون في الوقت .. بل تكونت من البسيط الى المعقد على مدى حقب زمنية متطاولة بتأثيرات البيئة ، وقدرة هذه الكائنات على التكيف بتغيير وتطوير اعضائها " .

عدد الصفحات ٢١

22 شارلز دارون1809-1882م ): ولد شارلز دارون في انجلترا في شروسبري من أسرة اشتهرت بنزعتها العلمية ، وكان جده أرازمس دارون ، كما أسلفنا طبيبا ناجحا وباحثا في حياة الحيوان وهيكل الطبيعة ... وكان ضمن علماء القرن الثامن عشر الذي آمنوا بنظرية التطور ووقفوا ضد ا لكنيسة في تصوراتها عن الخلق ، وسبق لامارك في آرائه حيث آمن أن التغييرات التي تقوم بها الحيوانات أو النباتات لتوائم بيئتها تورث الى نسلها . ورغم أن لدارون العديد من الكتب العلمية ، مثل كتاب " تركيب وتوزيع طبقات الفحم " (1842م) ، و " وصف حياة المحار " (1845) ، و" النباتات آكلة اللحوم " و " حركات وعادات النباتات المتسلّقة " ودراسته " للإخصاب بالطريق المباشر وطريق التهجين " و " قدرة النباتات على الحركة " ، إلا أن أهم كتبه على الاطلاق وأكثرها انتشارا ورواجا كتابه " أصل الأنواع " ، يليه كتابه " أصل الانسان فيما يتعلق بالجنس " ، ثم يليه كتابه " التعبير عن الانفعالات عند الانسان والحيوان " (1872م ورغم أن كتاب " أصل الأنواع " أثار ضجة كبرى ، واستخدم لمهاجمة الكنيسة وعقائدها ، ويعتبره الالحاديون أهمّ اسلحتهم في مواجهة الدين ، إلا أن دارون نفسه لم يكن ملحدا . فقد جاء في مذكراته : " ولقد تردّ دت كثيرا في حياتي بين كثير من المعتقدات ، وتأرجحت عاطفتي الدينية بين الصعود والهبوط ، ولكني في أشدّ اللحظات لم أشعر قطّ بأني كنت ملحدا ، ولم أنكر قطّ وجود الله ، واعتقد ، بصفة عامة وخصوصا عندما أخذت اقترب نحو الشيخوخة ، أن اللاأدرية (Agnosticism )هي المبدأ الذي ينطبق أكثر من غيره على آرائي الدينية " . وقد لاحظ دارون أن المزارعين ومربي المواشي قد انتجوا ، بجهودهم الخاصة ، انواعا جديدة من النباتات وحيوانات مهجّ نة لها صفات لم تكن لأسلافها . وكان دارون يرى أن عملية مماثلة من الانتخاب والاختيار قد حدثت في الطبيعة بشكل أدّ ى إلى الوجود المتكاثر لكل هذه الانواع من النباتات والحيوانات ، وسمّ ى هذا الانتخاب الطبيعي . وأوضح دارون أن الكائنات الحيّ ة تنتج أجيالا أخرى كثيرة مشتركة ليحلّ بعضها محلّ بعض ، وأن الأرض لا تستطيع ان تتحمل أعباء حياة كل هذه الكائنات ، ولذلك فإن عليها ان تتنافس في الحصول على الطعام والمكان . وبما أن الطبيعة تنتج مجموعات كبيرة تختلف في بعض التفاصيل عن مثيلاتها ، فإن تلك التي تمتلك هذه الصفات المطلوبة هي التي تستطيع البقاء ، وسمّ ى ذلك البقاء للأصلح ، وهو في هذا يختلف في منهجه عن لامارك ، ولنضرب بذلك المثل المشهور وهو الزرافة ، حيث كان لامارك يقول : ان الزرافة اضطرّ ت لأكل أوراق الأشجار العالية في ظروف مناخية محدّ دة أنهت العشب الموجود فأدى ذلك الى استطالة رقابها ، ثم ورثت هذه الصفة لنسلها . أما دارون فقد سخر من هذا التعليل ، وقال :" بل كان هناك مجموعة من الزرافات لها عنق طويل من الاساس ، ومجموعات أخرى ذات عنق قصير فلما حصلت الظروف المناخية التي أدت الى هلاك العشب ، مع بقاء الاشجار العالية هلكت جميع أنواع الزراف ذوات العنق القصير ، ولم يبقَ منها الا ذوات العنق الطويل ، وهي التي تكيّفت في هذه الظروف بناء على ما وهبتها الطبيعة ( حسب تعبيره ) من خصائص مناسبة ، وبالتالي تناسلت هذه الزرافات ، ولم يبق من الزرافات إلا تلك المجموعة من ذوات العنق الطويل .

عدد الصفحات ٢٢

23 وكان دارون نفسهيتسائل عن الاسباب التي تحدث هذه التغييرات الفجائية أو الطفرات ؟ وما هي الوسيلة أو الوسائل التي تنتقل بها هذه التغييرات إلى الذرية ؟ وكان يعترف صراحة أنه لا يستطيع الاجابة على هذه الاسئلة ، وانما يتركها ليجيب عنها العلماء من بعده ، وهو ما فعله أصحاب الداروينية الحديثة (Neo Darwinism) الذين أرجعوا ذلك الى الطفرات في الجينات ، وما يحدث فيها بانتظام من تغييرات طفيفة تتراكم على مدى الاجيال لتحدث تغييرات عميقة كبيرة ، وهذه التغييرات لا تحدث في جيل أو جيلين بل على مدى آلاف ، وربما ملايين السنين . ويركز دارون على ما اسماه الانتخاب أو الانتقاء الطبيعي الذي غايته تحسين الأنواع الموجودة بالفعل ، ومعاونتها على التكيّ ف بالبيئة بدون أن يكون في ذلك أيّ اتجاه محدد لخلق صفات جديدة . ولاحظ دارون أن الفلاح البسيط يمارس هذه العملية بالسليقة حين لا يختار للتناسل إلا أقوى ما عنده من الحيوانات ، وفي حالة المجاعة يبدأ هذا الفلاح بالتضحية بأضعف الحيوانات لديه ، وما يحدث للحيوان يحدث أيضا للنبات ، وهذا في رأي دارون ما تفعله الطبيعة ، وهو ما سماه " البقاء للأصلح " ، و " الصراع من أجل الحياة " . فبفضل هذه الصراعات تحدث التغييرات التي تطرأ على الكائنات مهما كانت ضئيلة ، ومهما كانت أسباب حدوثها للمحافظة على أفراد النوع ، وتنتقل من جيل الى جيل بشرط ان تكون نافعة لهؤلاء الافراد في علاقاتهم العديدة مع الكائنات الاخرى ، وملائمة للظروف الطبيعية لحياتهم " . ويرى دارون أن الصراع من أجل الحياة لا يتم الا بواسطة الانتقاء الطبيعي الذي قدمته الطبيعة بطريقة تلقائية للحفاظ على الاصلح . ويقول دارون : " إن النظام الذي نراه في الطبيعة ليس نتيجة لتدخل قوة عليا خارجية ، ولكنه نتيجة للتوافق أو للتكيف بين أعضاء الكائن الداخلية وبين ظروف البيئة التي يعيش فيها " . هذا الصراع من أجل الحياة ينطوي بلا شك على صور وحشية ومخزية ، ولكننا – كما يقول دارون – " نستطيع أن نعزّ ي أنفسنا حين نوقن ان الحرب ليست حالة دائمة من حالات الطبيعة ، وان موت الكائنات التي يكتب عليها الفناء يحدث في كثير من الحالات بسرعة وبدون آلم ، وأن الكائنات القوية الصحيحة السعيدة هي التي تستطيع ان تعيش وتتكاثر " . وهكذا نرى أهمية هذه النظرية لأوربا التي كانت في قمة مجدها في القرن التاسع عشر وخاصة انجلترا ، وهي تستعبد العالم وتمتص ثرواته ، وتقتل الملايين من البشر في الامريكيتين وغيرها . وقد أباد الرجل الابيض كما تقول دائرة المعارف البريطانية أكثر من مائة مليون من سكان الامريكيتين ، كما أباد أكثر من سبعين مليونا من الافارقة الذين جلبهم ليزرعوا له ويحرثوا ويموتوا تحت سياطه ، وفي مصانعه ومناجمه . وقد قام الرجل الأبيض بجلب أكثر من مائة مليون أفريقي الى الأمريكيتين والى الجزر المحيطة بهما ... وتسبب في شقاء وآلام لم تعرف البشرية لها مثيلا في كل تاريخها الطويل المليئ بالمآسي ... وكان الضمير الأوربي قد مات إلا لدى قلة من الأفراد كانوا يحاولون بعثه من جديد ، فكان لا بد من ايجاد نظرية تتصف بالعلمية لتبرّ ر هذه الابادات للبشر، ولم يكن هناك أفضل من نظريات دارون " البقاء للأصلح " . فالرجل الأوربي هو الأصلح ، والدليل على صلاحه هو بقاؤه على هذه الأرض وسيطرته عليها

عدد الصفحات ٢٣

24 .. وهو أمر تحدثه الطبيعة ، وليس للرجل الاوربي أي دور فيه ، بل علينا أن نتقبله كما نتقبل ما يحدث في الطبيعة من الص راع بين النباتات بعضها مع بعض ، والحشرات بينها وبين بعض ... والحيوان بكافة درجاته ، فهذا كله عمل الطبيعة المبدعة الخلاقة للحفاظ على الحياة ولتطويرها ، وإذكاء شعلتها والسير بها قدما الى الامام ، والذي يسقط في الطريق هو الذي يستحق الفناء . وما يعزّ ينا أن الموت يحيق بهؤلاء بأقل درجة من الألم ، بل وفي كثير من الأحيان بدون ألم . وقد سعدت أوربا والرجل الابيض بهذه النظرية أيما سعادة فهي تبرّ ر لها كل جرائمها نحو البشرية ، وأوجد هؤلاء ما أسموه الداروينية الاجتماعية ، وأن الافراد والمجتمعات يتنافسون من أجل البقاء ، وان المتفوقين من الافراد والمجموعات والسلالات يصبحون ذوي نفوذ وثراء ، ونتيجة الانتخاب الطبيعي لا يبقى إلا الأفراد الأكثر استعدادا وملاءمة ، وهم الذين يتكيّ فون مع المجتمعات الجديدة ، بينما يفشل الأخرون الذين لا يصلحون للبقاء . ويؤكد الداروينيون الاجتماعيون أن الأفراد الذين يستطيعون البقاء يكدّ سون الثروات بأيديهم ، ولذا فالفقر دليل على عدم كفاءة الفرد أو المجموعة . واعتمد هربرت سبنسر البريطاني هذه النظرية ونشرها وفلسفها ، ولقيت من الرواج ما لقيته نظريات دارون في الطبيعة ، لأن منهجهما واحد ويتّ جه لتبرير جرائم الرجل الأبيض والرأسمالية البشعة بوجه خاص . وظهر مفهوم "Business is Business" " العمل هو العمل " ولا أخلاق فيه ، وبالتالي لا بد أن يكون القوي هو الاكثر ذكاء وخداعا وكذبا ... وهو في ذلك يحقّ ق الطبيعة ، ولا لوم عليه ولا تثريب ، وإنما يقع اللوم والتثريب على المغفّ لين والسذّ ج والفقراء الذين يمتص دمائهم . ثم ظهرت العولمة . وهي تعمل لمزيد من سيطرة الأغنياء على الفقراء ، حتى يزداد الاغنياء غنى وقوة ، ويزداد الفقراء فقرا وضعفا ... وإذا ثاروا أو تألموا فيكفي أن نقول لهم : إن هذه هي قوى السوق ، أو قوى الطبيعة ، وأن البقاء للأصلح ، والطبيعة تفعل فعلها ، فهناك انتخاب طبيعي قد قرره دارون منذ قرن ونصف من الزمان ، وما علينا إلا طاعة عوامل الطبيعة ، وعوامل السوق ، وهي التي تقرّ ر من يبقى ومن يذهب ؟ ومن يعيش ومن يموت ؟ والذكي المخادع الكاذب ، الذي يستخدم كافة الوسائل القذرة للحصول على الثروات والقوة هو الأحق بالحياة ، وهو صاحب الفضل ، لان ذلك ما قرّ رته الطبيعة على لسان دارون ، ومن قبله مالثوس ، استاذ دارون والمؤثر فيه وفي أفكاره رغم أنهما لم يلتقيا ، فبينهما نصف قرن من الزمان تقريبا . وأما مالثوس هذا فهو قسيس انجليزي .. الغريب حقا أن كلا دارون ومالثوس درسا اللاهوت ، أما دارون فقد تركه غير آسف عليه ، وأما مالثوس فاستمر فيه مع دراسته للاقتصاد والسكان ولد توماس روبرت مالثوس (Malthus) عام1766م ، في منطقة سري ببريطانيا ، ودرس اللاهوت في جامعة كمبردج ، وعمل أستاذا في كلية شركة الهند الشرقية التي استعمرت الهند ، وكانت تعدّ رجالاتها في هذه الكلية الخاصة التي كان مالثوس من أبرز أساتذتها ، والتي بقي فيها من عام 1805م حتى وفاته عام 1834م ، عندما كان دارون يجوب البحار في سفينة الأبحاث "بيجل

عدد الصفحات ٢٤

25 وفي عام8179م نشر مالثوس مقالته عن مبادئ علم السكان ، التي جعلها بعد ذلك في كتاب . وكان مالثوس يرى ان السكان يزدادون على هيئة متواليات هندسية (2) ، بينماتزداد موارد الطعام إلا على هيئة متواليات حسابية (1)، وعليه فإن البشرية ستواجه ، حسب وجهة نظره ، ندرة في الطعام ، ولذا لا بد من ايجاد عوائق لهذا النمو المطرد في السكان ، والعوائق الايجابية هي الحروب والمجاعات والأوبئة ... وهذه يمكن استخدامها لمواجهة الانسان البدائي ( وهو ما فعلته أوربا والرجل الأبيض بالنسبة لأفريقيا وآسيا والهنود الحمر في الأمريكيتين ) . أما الرجل الابيض المتحضر فينبغي أن يستخدم العوائق الوقائية وهي الرهبنة ، وتأخير سن الزواج والامتناع الطوعي عن مباشرة الزوجة فترة من الزمن ، وكلها كان يحبّ ذها حسب ثقافته الكنسية ، أما وسائل منع الحمل فكانت تعتبر لديه لا أخلاقية . ومن آراء مالثوس أن فقر الفقراء ليس إلا نتيجة لكسلهم ، وأن غنى الأغنياء ليس إلا نتيجة كدّ هم وعملهم واجتهادهم ، ولهذا ينبغي أن نُ حدّ بصورة جليّة عدد السكان من الفقراء ، وأن البقاء بالتالي ليس إلا للأصلح ، وهم في نظره الأغنياء والأقوياء . وأوضحت هذه النظرية الاستعمارية الراأسمالية القذرة مدى أخلاقيات رجل الكنيسة الذي سار في ركاب الرأسمالي الجشع ...... وكانت أفكار مالثوس هي الدافع الحقيقي لشارلز دارون الذي اعترف بتأثير مالثوس عليه تأثيرا عميقا ، حيث أوضح مالثوس أن جميع الكائنات الحية تنزع الى التكاثر بسرعة كبيرة ، ولكن القليل من نسلها هو الذي يكتب له البقاء والنماء والوصول الى سن النضج ، وأوضح بجلاء أن حبوب اللقاح أو بويضات الحشرات والزواحف والاسماك والطيور من الكثرة بحيث لا يمكن أن تترك لغيرها أي مجال للبقاء لو نمت كل واحدة منها ، ولهذا لا بد أن تعتريها عوامل الفناء من كل حدب وصوب حتى تُ بقى المجال للبقاء للأصلح . وأخذ دارون هذه الفكرة " البقاء للأصلح " واعتمدها اعتمادا كاملا في نظريته ، حيث وجد ان هناك صراعا على البقاء بين الكائنات المختلفة ثم هناك صراع شديد على البقاء بين كل نوع من الأنواع مع افراد نوعه ، وخاصة إذا كانت هناك ظروف بيئية قاسية مثل الجفاف أو الثلوج أو الكوارث. وعدّ د دارون الأمثلة لهذا الصراع ، وانتهى الى القول بأن النظام الذي نراه في الطبيعة ليس نتيجة لتدخل قوة عليا خارجية ، ولكنه نتيجة للتوافق أو للتكيّ ف بين أعضاء الكائن الداخلية وظر وف البيئة الخارجية . وهكذا التقت آراء مالثوس مع آراء دارون لتدعم النظام الرأسمالي الجشع البشع ، وتوجد له الفلسفة النظرية التي تدعمه باسم العلم والطبيعة ونظريات البقاء للأصلح ، والأصلح عندهم ، دون ريب ، هو الرجل الأوربي الابيض الذي استعمر العالم وأخذ خيراته واستغلّ ها لنفسه .. ثم في داخل أوروبا ذاتها هناك تفاوت بين العمال الفقراء الأغبياء والأغنياء الأثرياء الأذكياء ، أصحاب رأس المال الذين ينبغي أن تمهّ د لهم الطرق ، أو على الأقل أن تبرر جميع سلوكياتهم المناقضة لكل الدوافع الانسانية والخيّ رة التي تنادي بها الأديان ، على اعتبار ان هذا السلوك الاجرامي ليس إلا ما أفرزته الطبيعة ذاتها . وعلينا أن نسمع ونطبع لهذه الطبيعة بقوانينها القاسية ، والتي فيها الخير للأجناس كلها ، في نهاية المطاف ، لأنها تزيح الأضعف وتُ بقي على الأقوى والأصلح !!!

عدد الصفحات ٢٥

26 وكما استخدم الرأسماليون نظريات مالثوس ودارون لدعم اتجاهاتهم وفلسفاتهم ، كذلك استخدم كارل ماركس آراء دارون في الصراع والبقاء للأصلح في نظرياته حول الصراع الطبقي ، وجعلت الماركسية دارون من أكابر مؤيديها ، وكانت روسيا البلشفية تدعم بكل قوتها آراء دارون وتقيم له المتاحف الكبرى .. وقد بُ نيت علوم الطبيعة والبيولوجيا في الاتحاد السوفيتي على آراء دارون ، وتم تطويرها على يد أوبارين الروسي . والواقع أن نظرية التطور أُ خرجت من سياقها العلمي لتحقّ ق أغراضا أخرى لا علاقة لها بالعلم ، وهذه هي المأساة في نظرية التطور . الخلَصة وملَحظات عامة (1) إن نظرية التطور نظرية قديمة قال بها اليونان ، وتوسع فيها المسلمون وحولوها الى نظرية لَثبات النبوة واثبات الِلوهية ، وإيجاد حلقات الَتصال من الجماد [ مكتومة تبلغ أقصى سرعتها في سرعة الضوء (ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية ) ، ثم تتحول المادة الى أول مظاهر الحياة في المخلوقات الأولية ووحيدات الخلية ، والبكتريا حيرة شديدة في الفيروسات ، أيضعونها في سلم الجمادات أم في سلم الأحياء ؟ فهي خارج الممالك الخمس من الأحياء ، ولا تدخل حتى في أدناها وهي مملكة البدائيات ( Monera). فهي جماد خارج الخلايا ، فإذا دخلت أي خلية من الخلايا تحكمت في سرّ السرّ منها وهو الدنا (DNA) ، واستعبدتها وجعلتها تأتمر بأمرها وتصنع لها ما تريد ، بل تجعلها تصنع أعدادا متكاثرة منها حتى تحطّ مها ، وتنطلق الى غيرها ، وهي متطفّ لة على ا لبكتريا والطحالب والنباتات ووحيدات الخلية والديدان والحشرات والحيوانات بأجمعها الى الانسان الذي تسبب له العديد من الامراض ( التهاب الكبد الفيروسي بأنواعه A،B،C، ... الخ ) ، ومرض الايدزHIV) ، والجدري والجديري والحصبة والحمى الصفراء وحمى الوادي المتصدع ، ومئات الأمراض الوبيلة والخطيرة والأقل خطورة مثل النزلات )(البردية ) والمعوية والانفلونزا . وما هو أشد من الفيروسات تسبيبا لحيرة العلماء ما يسمى البرايون (Prions) ،وهي عبارة عن بروتينات أو أجزاء من بروتينات ، فهي جماد بدون ريب ، وليس فيها أي حامض نووي ( على عكس الفيروسات المكونة من أحد الحامضين النووين (DNA) أولRNA) ... ومع ذلك تسبب أمراضا خطيرة أشهرها جنون البقر ، الذي يصيب الانسان أيضا ، ويعرف باسم مرض كرتزفيليد جاكوب . وفي هذا المرض يصبح الدماغ مثل الاسفنجة ، ويفقد الانسان أو الحيوان قدراته كلها ، ويصاب بالجنون والشلل والتخلّ ج حتى يموت. وهناك مرض كورو (Kuru) الذي كان منتشرا في جزر غينيا الجديدة ( في وسط المحيط الهادي بالقرب من استراليا ) ، حيث كانوا يأكلون أدمغة موتاهم على اعتبار انتقال الأرواح بواسطتها من الاسلاف الى الأبناء ، فأدّ ى ذلك الى انتشار هذا المرض بينهم ، ثم اختفت هذه الطقوس منذ عام 1960م ، وبدأ المرض في الاختفاء أيضا

عدد الصفحات ٢٦

27 وتنتقل الحياة من البسيط الى المعقد حتى تصل أقصى مداها في الانسان ، الذي أكرمه الله بالعقل والفكر والرويّ ة . ومن الانسان ينتقل في لحظة من اللحظات إلى أفق الملائكة ليتلقّ ى النبي الكريم عن الملك ، والملائكة خلق من نور .. وهكذا تتوحد الدائرة ، فهي طاقة نورانية مكتومة في الذرة ، تنطلق بأقصى سرعتها في الضوء أو النور ، ثم تتكثف وتتطور عبر ملايين الأنواع حتى تصل في أقصى مداها الى عالم النور السرمدي في الأفق الأعلى مع الملائكة وعالم الأرواح الألق . والدورة تتكرر في كل لحظة وآن ، فالطعام الذي نأكله ، وهو جماد ، يتحول في أجسادنا إلى طاقة وإلى خلايا حية بها نعيش وبها نتناسل وبها تظهر عجائب الخلق كلها المكنونة والظاهرة ... وهو أمر عجب ، فالتراب يتحول الى نبات والنبات الى غذاء والغذاء الى خلايا في جسم الانسان والحيوان لتكتمل الدائرة . (2) استخدمت نظرية التطور لمحاربة الكنيسة خصوصا والِديان عموما ، ولليهود في ذلك دور كبير ، وقد سبق الاشارة الى ذلك ، وأيدناه بما ذكره الاستاذ محمد قطب والاستاذ سيد قطب رحمة الله عليهما وغيرهما ... (3) النظرية في ذاتها ليست دافعا للكفر ، بل يمكن أن تكون دافعا للإيمان ، كما قرّ ره المسلمون الأوائل ، وكما قرّ ره الدكتور أدوارد كيسيل ، أستاذ علم الاحياء في جامعة سان فرنسيسكوا ، والدكتور موريس بوكاي ( رحمه الله ، فقد أسلم وسمعت ذلك منه شخصيا ) وما ذكره في كتابه : أصل الانسان (What is the Origin of man ) يوضح منهجه وطريقته... بل إن والاس ، شريك دارون في هذه النظرية ، كان رجلا شديد الايمان بالله . (4) لَ تزال النظرية فروضا في كثير من جوانبها وتفتقد الِدلة العلمية ،حتى لو أزلنا جانبها الإلحادي ، فموضوع الطفرات ( Mutation) في الجينات التي تعتمدها الدارو ينية الحديثة غير مقنعة على الاطلاق في ايجاد مجموعات متباينة أشد التباين من المخلوقات .. والطفرات تؤدي الى الأمراض في معظم الحالات ، والى التشوهات لا الى الترّ قي وايجاد أنواع جديدة . ومما يحير العقل أن تبقى البكتريا القديمة (Arche bacteria) ، منذ أكثر من ألفي مليون عام ، دون تطور ، بل مما يزيد الامر ت عقيدا وجود الفيروسات ، وما هو أش د منها وجود البايرونات (Prions) المسببة لجنون البقر . ففي أي رتبة يمكن أن نضع هذه المخلوقات ؟ أي هي حيّة أم جماد ؟ والعلماء في ذلك في حيص بيص ، ولاشك ان الفيروسات أيضا قديمة قدم الحياة على الارض ، فلماذا لم تتطور خلال ألفي مليون عام أو تزيد ؟. ثم انظر إلى عالم الأولويات : البروتوزوا والطحالب الخضراء المزرقة ، ما بالها لم تتغيّ ر ، ولم تتطوّ ر خلال ألف مليون عام أو تزيد ؟ وهي موجودة اليوم في سلم الحياة الأدنى ، تؤدي وظائفها المنوطة بها في هذه الأرض ، وحفظ توازن الأحياء متطفّ لة ورُ ميّة وصانعة للغذاء .

عدد الصفحات ٢٧

28 (5) حماسة التطوريين التي تدفعهم الى الغش والخداع، كما حدث من أرنست هيكل في رسومه للأجنة ، وتلفيق العظام كما في إنسان بيلتدو (Piltdow man) وإنسان بكين وإنسان هيدلبرج ، وكلها تدلّ على مستوى منحطِّ ولا أخلاقي ليس له مثيل في أي فرع من فروع العلم الأخرى . والدافع لهؤلاء الى الغشّ والخداع والكذب هو أن النظرية قد تحوّ لت الى دوجما ( عقيدة ) يجب الدفاع عنها بأي شكل من الأشكال ، حتى لو وصل الى التزوير أو اعتساف الأدلة .. والسبب الحقيقي هو الحرب بين الكنيسة والعلم ، وما تبع ذلك من مآس في القرون الوسطى وعصر النهضة . (6) ينبغي أن تبقىالنظرية في مجالها العلمي البحت ، فقد يصح منها جوانب كما يسقط منها جوانب ، وكلما تقدم العلم تغيّ رت المعلومات ، وعليه ، فلا ينبغي أن نتحمّ س لدرجة التعصب لهذه النظرية أو ضدها . وأما الجانب الإلحادي في النظرية فهو مضاف إليها ، وليس منها في شيء . فصاحب النظرية ، دارون ، لا ينكر الايمان بالله ، وإن كان قد أصابه الدوار وأصبح متشكّ كا ، وأما زميله والاس فرجل شديد الايمان بالله ، ولم تزده النظرية إلا إيمانا . (7) وجدت نظرية دارون والبقاء للأصلح دعم أوربا كلها والرجل الِبيض ، وذلك لأنها تبرّ ر للرجل الأبيض كل جرائمه في سرقة الشعوب واحتلال بلادهم واستغلال خيراتهم وإثارة الحروب بينهم .. فهذا كله من ضمن الصراع من أجل البقاء .. والبقاء دائما للأصلح ، والأصلح هو الذي يستطيع أن يتغلّ ب على الآخرين بأيّ وسيلة من الوسائل مهما كانت قذرة ولا أخلاقية . فالطبيعة لا تعرف الأخلاق ، والخير كل الخير للكائنات ، أن يبقى الأقوى أو المخادع الكاذب المخاتل ، اللص الحقير مادام يستطيع أن يخدع غيره ويستولي على ماله . ولا تزال الرأسمالية سعيدة جدا بآراء دارون ومالثوس في هذا المجال ، بل وازدادت الحاجة الى هذه النظريات بدخول عصر العولمة .

عدد الصفحات ٢٨