المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

خلق آدم

محمد علي البار

صفحة ١ من ٢

1 خلق آدم .. ونظرية التطور ( سلالة من طين ) د. محمد علي البار

عدد الصفحات ١

2 وصف المولى سبحانه وتعالى مراحل خلق الانسان في سور عديدة من القرآن الكريم ، فكان أولها مرحلة الطين أو التراب . قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْْنْسَانَ مِنْ سُلََلَةٍ مِنْ طِينٍ } [المؤمنون12] تعالىيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ } [5] تعالىوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلََئِكَةِ إِن ِي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ }29 ] إبليس اللعينقَالَ لَمْ أَكُنْ لَِِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [}33] وقال سبحانه وتعالىإِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لََزِبٍ } [11. ] وقد أمرنا سبحانه وتعالى بالسير في الأرض لمعرفة كيف بدأ سبحانه وتعالى الخلق . قال الله جل شأنه وعز سلطانهقُلْ سِيرُوا فِي الَِْرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ }[/20 . ] قال الراغب الاصفهانيمفردات ألفاظ القرآن ، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم ، دمشق ، 1992م ، ص418 ) { : من طين ، وسل الشيء من البيت على سبيل السرقة ، وسل الولد من الأب . ومنه قيل للولد : سليل . الحمأ : الطين الاسود . وقال الراغب الاصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن : الحمأة والحمأ : طين أسود منتن . قال تعالىمِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } [26. ] والمسنون الذي أسن . قال الراغبمِنْ حَمَإٍ مَسْ نُونٍ } قيل : متغير . وقوله{:لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ } [259] قالوا : والمسنون الذي أسن وتغيّر وأنتن وظهرت منه الرائحة . ومن المعلوم أن طين المستنقعات تتصاعد منه غازات كريهة هي غاز الميثان وغا ز النشادر (الأمونيا) ، وقد يتصاعد معها أيضا غاز كبريتور الهيدروجين ، وكلها كريهة ، منتنة الرائحة . وتزعم النظرية الحديثة في الخلق التي قدمها أوبارين الروسي وهالدين الأسكوتلندي ، كلٌّ على حدة ، أن الأحماض الأمينية والأحماض النووية تكونت من العناصر الأولية من غازات المستنقعات . وقد قام ستانلي ميللر وهارولد أوري من الولايات المتحدة بتجربة في الخمسينات ، حيث تم تعريض غازات الميثان والنشادر والهيدروجين ، وماء لشحنة كهربائية في جهاز مفرغ فتولد منه أحماض أمينية وأحماض نووية (كتاب علم الأحياء لمجموعة من المؤلفين "مقرر على كلية الطب " :Solomon, Berg, Martin, Villee, Biology, Saunders 456.-Edition 1996,P.452 thCompany Philadelphia 4) . وهناك مجموعة من البكتريا ، وهي من البكتريا القديمة جدا التي ظهرت على الأرض قبل أكثر من ألف مليون سنة ، ولا تزال موجودة ، تسمى مولدات الميثان (Methanogens) ، وهي بكتريا لاهوائية ( أي لا تعيش في وجود الأوكسجين بل تموت عند تعرضها له ) ، وتوجد في المستنقعات ومواقع المزابل والمجاري (Sewage) ، وتولد هذه البكتريا غاز الميثان وغاز ثاني أوكسيد الكربون وغاز الهيدروجين

عدد الصفحات ٢

3 وقد مرّ خلق الانسان من الطين في مراحل متعددة . قالوا : وترتيب ذلك أن آدم كان ترابا ثم اختلط التراب بالماء فصار طينا لازباً ، أي ملتصقا لازقا ، ثم تعفّ ن الماء مع الطين ، كما يحدث في المستنقعات ، فصار حمأ (طينا أسود اللون) مسنونا ذا رائحة منتنة . ثم يبس هذا الحمأ المسنون حتى صار مثل الصلصال ، وله صوت مثل الصلصلة . قال الراغب الأصفهاني ، في مفردات ألفاظ القرآن : أصل الصلصال : تردّ د الصوت من الشيء اليابس .. وسمي الطين الجاف صلصالا . قال تعالى مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } [14]مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }[26] بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة (القربة) . وقيل : الصلصال المنتن من الطين ، من قولهم صلّ اللحم .. وقرئ أئذا صللنا أدم أخر المخلوقات وقد اتفق أهل التفسير على أن آدم عليه السلام هو آخر المخلوقات . قال ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان )( تفسير ابن جرير الطبري : جامع البيان في تفسير القرآن (طبعة دار المعرفة ، بيروت مصورة )ج29/125/126 ). عند قوله تعالى :{هَلْ أَتَىٰ عَ لَى الِْْنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [ }1] عليه السلام ، فقد مضى عليه حين من الدهر قبل أن يكون شيئا ، وقبل أن تنفخ فيه الروح . وروى معمر عن قتادة أنه قال : "كان آدم صلى الله عليه وسلم أخر مَن خُلِقَ من الخلق" . واختلف أهل التأويل في الحين وأغلبهم أنه لَ ح د فيه . وذكر الفخر الرازي في التفسير الكبير مثله (التفسير الكبير للفخر الرازي ج 30/235 ، دار الكتب العلمية ، طهران وروي عن الحسن البصري انه قال : " خلق الله تعالى كل الاشياء ، ما يرى ومالايرى ، من دواب البرّ والبحر في الأيام الستة التي خلق فيها السموات والارض ، وآخر ما خلق الله هو آدم عليه السلام ، وهو قوله تعالىلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } . وقال الشيخ المراغي في تفسيره لهذه الآيةهَلْ أَتَىٰ عَلَى الِْْنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَ مْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا[ }1] الأرض إلا بعد خلقها بأحقاب طويلة . فقد كانت الأرض أولا ملتهبة بعد أن انفصلت عن الشمس ثم أخذت قشرتها تبرد بالتدريج ،وأمكن أن ينبت فيها النبات ، ثم بعض الطيور، ثم بعض الحيوان الداجن ثم الانسان" وقال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالىوَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْْنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }( التفسير الكبير للفخر الرازي ج19/176-179 )[26 { . ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْْنْسَانَ } الأول والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام . ونُقل في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال : " قد انقضى قبل آدم ، الذي هو أبونا ، ألف ألف آدم أو أكثر" ( هذا الكلام المنسوب للامام محمد الباقر إن صح عنه فهو يشير إلى ما تذكره المصادر الحديثة من وجود سلسلة من خلق الانسان أو شبيه الانسان ( Hominids) ، وهي مجاميع كثيرة متتالية أو حتى متعاصرة بلغت الملايين في أعدادها ، ولم يظهر ما يسمى الإنسان العاقل (Homo Sapiens) إلا متأخرا عنها جدا

عدد الصفحات ٣

4 انظركتاب علم الأحياء لسولومون وزملائه Edition thBiology,4 الطبعة الرابعة1996م الفصل 21 ، تطور الثديات العليا The Evolution of Primates ، ص 473-485. ) وأقولوالكلام للرازي ) : " هذا لا يقدح في حدوث العالم بل الأمر كيف كان ، فلا بد من انتهاء الى إنسان هو أول الناس ، وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم فلا طريق الى إثباته إلا من جهة السمع " ( انتهى كلام الرازي ). نفخ الروح في آدم عليه السلَم : وردت في القرآن الكريم في مواضع عدة قصة نفخ الروح في آدم عليه السلام . قال تعالىوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلََ ئِكَةِ إِن ِي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلََئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلََّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } [الحجر/28-31. ] وقال تعالىإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلََئِكَةِ إِن ِي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلََئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلََّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّ كَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الد ِينِ } [71-78.] وقال تعالىالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الِْْنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلََلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَ فَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالَِْبْصَارَ وَالَِْفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًَ مَا تَشْكُرُونَ }[7-9. ] وقال تعالىوَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِ يلًَ } [85. ] وقد كرّم الله آدم عليه السلام ، وسوّ اه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر ملائكته بالسجود له ، وعلّ مه الأسماء كلها ، وكرّ مه على كثير ممن خلق تكريما ، ومع هذا فإن إبليس اللعين لم ير إلا الطين ، وظنّ أن النار خير من الطين فأبى أن يسجد ، ولم يرَ وجه التكريم بالتسوية ونفخ الروح من رب العالمين . وامتلأ إبليس كبرا وعتوا وبغضا لآدم وذريته وعداوة له ، فكاد له حتى أخرجه من الجنة ، وأبعد كثيرا من ذريته عن طريق الهدى والنور ، وأوردهم النار ، فبئس الورد المورود . والروح التي في آدم من جنس ما استأثر الله بعلمه . قال تعالىوَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلًَ } [85. ]

عدد الصفحات ٤

5 والروح مخلوقة مربوبة ، خلقها الله سبحانه وتعالى . قال شيخ الاسلام ابن تيمية ، كما يحكيه عنه ابن القيم في كتاب الروح : " روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة ، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين ، مثل محمد بن نصر المروزي ، الامام المشهور الذي هو من أعلم أهل زمانه بالاجماع ، وأبو محمد بن قتيبة .. قال : وأجمع الناس على أن الله تعالى هو فالق الحبّة وبارئ النسمة أي خالق الروح " . وقال الامام ابن القيم في كتابه " الروح " : " ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم ، كلها مخلوقة لله ، خلقها وأنشآها وكونها واخترعها ثم أضافها الى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه . ولهذا نؤكد على هذه النقطة ، إذ أن هناك من يتوهم أن الروح التي نفخها الله في آدم عليه السلام ، هي جزء من ذات الله ، وكذلك تلك التي جعلها في عيسى عليه السلام ، وهذا كفر محض ، وللأسف فإن كثيرا من ترجمات معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية تقع في خطأ فاحش ، إذ تجعل الروح التي في آدم جزءا من ذات الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ويخطئون في فهم الآية وترجمتهافَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }[حجر29 ] فإن نسبة الروح الى الله ليست إتشريفا لآدم عليه السلام مثل قوله : بيت الله ، وناقة الله ، وعبد الله ، ورسول الله ، وكلها إضافات تقتضي التشريف والتكريم ليس إلا . فالبيوت كلها بيوت الله ، والنوق كلها له ، والعبيد جميعا عبيده ، والخلق كلهم ملك يده فأضاف فرقة منهم وسمّ اها حزب الله وعباد الله ، وعباد الرحمن ، وسمّ ى الفرقة الاخرى حزب الشيطان وعباد إبليس والهوى ، وكلهم خلقه وعبيده ، إلا أن هذا الاصطفاء والاجتباء جعل الاضافة اليه . وكما يقول الإمام عبد الله العيدروس في كتابه " الدر والجوهر " . " فنزه القِ دَ م ( أي الله ) عن الحدث ( أي المخلوق المحدث ) ، وتنزه القديم ( أي الله جل جلاله ) عن المحدث .. وجلّ ت الأزليّ ة عن الوصل والفصل . إضافتك اليه إضافة مزيّ ة لا إضافة جزئيّ ة . إضافتك اليه خصوصية لا اضافة بعضية ، إضافة قرب لا اضافة نسبة ، اضافة كرم لا اضافة قدم . وهو منزّ ه عن كل إضافة وإن قالوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } هل خلق الله آدم على صورته ؟ جاء في سفر التكوين من التوراة المحرّ فة : " وقال الله نعمل الَنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم ، وعلى الارض وعلى جميع الدبابات التي تدبّ على الارض . فخلق الَنسان على صورته . على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم28 ]الله عن ذلك علوا كبيرا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ } /11 ] قُلْ هُوَ اللََُّّ أَحَد ٌ* اللََُّّ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [ }1-4 . ] ويعتقد اليهود والنصارى بأن الله ( تعالى الله عن ذلك ) يشبه الانسان ، وهو أمر موجود لدى جميع الامم الوثنية ، ويعتقد كثيرون أن مل وكهم وأباطرتهم هم من نسل الإله ، ومن هؤلاء : المصريون القدماء ،

عدد الصفحات ٥

6 والهنود ، والبوذيون ، واليابانيون الى القرن العشرين ، واليونان ، وما أكثر آلهة اليونان البشرية أو التي تشبه البشر . وإذا ذهبت الى الفاتيكان في روما ، وزرت أعظم كنيسة لدى النصارى ، وهي سانت بيتر ( كنيسة القديس بطرس ) وملحقها (السستين) ، ستجد في الملحق ، حيث يدخل مئات الملايين من السياح سنويا ، رسما على سقف الكنيسة يصور ما جاء في سفر التكوين من خلق الانسان ، وترى الله مرسوما على هيئة رجل ضخم الجثة ، كث اللحية ، مفتول العضلات ، ويخلق بيده آدم ، وهو على صورته وطبق الاصل منه إلا أنه اصغر حجما . وقد قام الفنان الايطالي المشهور مايكل أنجلو برسم هذه اللوحة على السقف وهو مستلق على ظهره مرفوع بسقّ الة لمدة ست سنوات ، وتعتبر تحفة فنية ، وعلى الجانبين من الجدران لوحات تمثل مقاطع من سفر التكوين رسمها كبار الفنانين مثل روفائيل ومايكل أنجلو .. الخ . وهناك حديث صحيح ، أخرجه البخاري ومسلم وأحمد ، وكثيرا ما يساء فهمه . وفي رواية مسلم " كتاب البر " عن أبي حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ، فإن الله خلق آدم على صورته ) ، ومثله عن أبي هريرة . ورواه البخاري في صحيحه في كتاب الاستئذان وفي كتاب العتق ، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه ، وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 5/146 الحديث : عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ). قال ابن حجر : " ويدخل النهي كل من ضُ رِ بَ في حدّ أو تعزير أو تأديب ..." . قال النووي : " قال العلماء : إنما نهى عن ضرب الوجه لأنه لطيف بجميع المحاسن ، وأكثر ما يقع الادراك بأعضائه ، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها " . والتعليل المذكور حسن ، لكن ثبت عند مسلم تعليل اخر ، فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة ، وزاد : ( فإن الله خلق آدم على صورته ) . واختلف في الضمير على من يعود ؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام الوجه ، ولو لا أن المراد بالتعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها . ثم ذكر ابن حجر رواية : أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، وأنها غير صحيحة بل موهومة من الراوي ، وذكر أن بعضهم أرجع الضمير على المضروب وبعضهم على آدم ، وبعضهم أرجعه إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو يؤول على ما يليق بجلال الله ، فليس كمثله شيء . وأيد ابن حجر إرجاع الضمير إلى المضروب ، ويؤيده ما جاء في الأدب المفرد للبخاري عن أبي هريرة مرفوعا : ( لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك ، فإن الله خلق آدم على صورته ) أي على صورة الرجل الذي قيل له هذا الكلام . وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة . وقد ذكر الامام علي الرضا أن الضمير يعود على المضروب وكذلك فعل كثير من أهل العلم ، وهو الحق الذي لا شبهة فيه ، ويؤيده حديث سويد بن مقرن أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال : أوما علمت أن الصورة محترمة . أخرجه مسلم وغيره . تاريخ نظرية التطور ( النشوء والَرتقاء)

عدد الصفحات ٦

7 يخطئ كثيرون حين يظنون أن نظرية النشوء والارتقاءالتطور ) نظرية حديثة لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر على يد لامارك ، ثم دارون الذي أشاعها وفصّ ل فيها في كتابه " أصل الأنواع" ، الذي نشره لأول مرة عام 1859م. والواقع أن هذه النظرية قديمة جدا ، وترجع الى الهنود الذين ذهبوا في تعاليمهم أن الأرواح تنتقل من حيوان الى حيوان ، وترتقي حتى تصل الى درجة الكمال في النرفانا . كما أن المايانيين ، الذين ترجع حضارتهم الى القرن السادس قبل الميلاد ، كانو يعتقدون أن إله الأمطار خلق الإنسان بطريق التطور ، حيث خلق النهر أولا من مياه الأمطار ، ثم تكونت فيه الاسماك التي تحولت فيما بعد الى الانسان . وكثير من القبائل البدائية تعتقد أن أسلافهم تطوروا من حيوان معين ، أو حتى نبات معين انحدروا منه . وامتلأت أساطير اليونان وغيرهم من الأمم بتطور الحيوانات ووجود حورية البحر وإنسان البحر ، وما حولها من قصص وخرافات ( القنتور كائن خرافي نصفه رجل ونصفه فرس ) والسيرين (Siren ) كائن خرافي له رأس امرأة وجسد طير ) ، وحورية البحر ( كائن خرافي له أصل من الحيواناتالثدية ، يصور على أنه رأس امرأة وجذعها ووسط سمكة وذيلها ) ، وكذلك إنسان البحر في صورة رجل مركب على سمكة . التطور عند فلَسفة اليونان ويعتقد الفيلسوف اليوناني المشهور ديمقر يطس ( صاحب نظرية الذرة ) أن الكائنات العضوية نشأت من التراب المبلل ( طين اللازب ) ثم جاء أنباذوقليس Empedocles (445 ق.م) وأولعأشد الولع بتناسخ الأرواح ( من عقائد الهنود المشهورة ) ، وكان يعتقد أن الأشياء كلها تتكون من عناصر أربعة : الهواء والنار والماء والتراب . فإذا اجتمعت العناصر بنزعة الاتحاد تحولت الى نبات ، ثم اتخذت الكائنات العضوية أشكالا مضطردة الرقي . وكما أن تناسخ الأرواح يؤلف من الانفس كلها سيرة واحدة ، كذلك لا يوجد في الطبيعة فرق بين جنس وجنس ، أو بين نوع ونوع ... ويقول أنباذوقليس : " والطبيعة تنتج كل نوع من الاعضاء والاشكال ، والحب ( الاتحاد ) يؤلف بينها ، فيجعل منها تارة هولات غريبة تهلك لعدم قدرتها على التكيف لتلائم البيئة المحيطة بها ( نفس كلام دارون الذي جاء بعد الفيلسوف اليوناني ب 2400 عام ) ، وتارة أخرى يجعل منها كائنات عضوية قادرة على التكاثر ومواءمة ظروف الحياة ، والاشكال العليا كلها تنشأ من الاشياء السفلى ( كل مزاعم دوران ولا فضل له في ذلك إذ أنه مسبوق) . وقد كانت الذكورة والانوثة ، في بادئ الامر ، مجتمعتين في جسم واحد ( وهو مشاهد في النباتات وفي كثير من الديدان ) ثم انفصلتا ، وظلت كلتاهما تتوق الى الاتحاد مع الاخرى . ويوجد في مقابل عملية التطور هذه عملية الانحلال ... فتعود الكائنات العضوية والنباتات عودا بطيئا الى صورة تزداد بدائية يوما بعد يوم " ... ويقول أنباذوقليس: " وهاتان العمليتان المتبادلتان ( عملية التطور وعملية الانحلال ) ممستمرتان إلى أبد الدهر في كل جزء على حدة وفي الكل مجتمعا . وتتنازع القوتان قوة الائتلاف وقوة التفرقة ، قوة الحب وقوة الكره ، قوة الخير وقوة الشر ، وتتوازنان في نظام عالمي شامل هو نظام الحياة والموت" ( ول ديورانت : قصة الحضارة ، ج 7 ص208 – 209 ، دار الجيل–بيروت / جامعة الدول العربية – تونس ) .

عدد الصفحات ٧

8 ويعلق ول ديورانت على ذ لك قائلا: ألا ما أقدم فلسفة هربرت اسبنسر ، أ ي أن هذا الفيلسوف الأوربي الحديث قد أخذ فلسفته من أنباذوقليس ، وكذلك فعل دارون ، إذ سرق نظريات هذا الفيلسوف اليوناني وادعاها لنفسه . والغريب حقا أن جميع من يؤمنون بنظرية دارون ، ومن بينها كتب البيولوجيا التي تدرّ س في الجامعات بما فيها كليات الطب ، يرجعون الفضل الأول والاخير في هذه النظرية ( على مافيها من ترهات وظنون لا تثبت للتمحيص العلمي الدقيق ) الى دارون .. ثم جاء أرسطو وأكد أن ثمة تدرج دقيق وارتقاء من أحط الأنظمة العضوية الى أسماها . وأن من الصعب ان نفصل في درجات السلم الدنيا بين الحي والميت ( وهو ما نراه اليوم في الفيروس والبيرون ) فقد توجد درجة من الحياة حتى في الجماد اللاعضوي. المسلمون ونظرية التطور لقد استخدم كثير من فلاسفة المسلمين ومفكريهم نظرية التطور لاثبات النبوة ولم تكن نظرية التطور عندهم مدعاة للكفر والالحاد ، كما فعل اليهود بنظرية دارون حيث جعلوها معولا لهدم الأديان ، وخاصة المسيحية التي يحتقرونها ويعادونها ( سرا ) أشد العداء . ولم يرَ علماء الشريعة والدين في هذه النظرية مدعاة للكفر ، بل وقفوا منها موقفا محايدا ، وهو إن صحت هذه النظرية فهي توضح قدرة الخالق سبحانه وتعالى ، وقد نقلنا ما ذكره الفخر الرازي في تعليقه على ما نسب الى الامام محمد الباقر أنه قال : " قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر " . وقال الرازي : وهذا لا يقدح في حدوث العالم ، بل الأمر كيف كان ، فلا بد من الانتهاء الى انسان هو أول الناس . وأما أن ذلك الانسان هو أبونا آدم فلا طريق الى إثباته إلا من جهة السمع " . أحمد بن سهل البخلي : لعل أحمد بن سهل البخلي كان أول من ذكر نظرية التطور من المسلمين فقال في كتابه " البدء والتاريخ " : " ان الحيوان قد تولد من الرطوبة ، وانه كان يغشاه مثل قشور السمك ، ولما أتت عليه السنون صارت الى الجفاف واليبس فانقشر عنه ذلك القشر ... فهذا جملة قولهم في ظهور الحيوانات ، وآدم حيوان . فعند بعضهم أن آدم تولد من رطوبة الارض ، كما يتولد سائر الهوام ، وكان جلده كجلد السمك ، وعند آخرين أنه ( أي آدم ) ظهر شيئا بعد شيء ، ثم تركب على مرور الأزمان وصار انسانا " . أحمد بن محمد مسكوية :يقول في كتابه " تهذيب الاخلاق وتطهير الأعراق " : " إن الموجودات كلها سلسلة متصلة ، وكل نوع من الموجودات يبدأ بالبساطة ثم يترقى ويتعقد حتى يبلغ أفق الذي يليه ، فالنبات في أفق الجماد ، ثم يترقى حتى يبلغ أعلى درجة ، فإذا زاد عليها قبل صورة الحيوان ، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطا ثم يترقى حتى يصل الى مرتبة قريبة من الانسان " . ويزيد الموضوع تفصيلا في كتابه " تهذيب الأخلاق " ، ويتحدث عن التطور من الجماد الى أول أفق النبات والحشائش وما لا بذر له الذي يتطور حتى يصل أقصى مداه في النخل والكرمة ، الذي تتمايز فيه الذكورة والانوثة . ثم ينتقل الى الحيوان الذي يبدأ من المرجان والحلزون ، ثم يتطور ويتمايز حتى يصل الى مختلف درجات الحيوان فيصل الى أقصى مداه في القرد الذي يحاكي الانسان من تلقاء نفسه ويتشبه به

عدد الصفحات ٨

9 من غير تعليم .... ويبلغ من ذكائها أن تستكفي بالتأديب بأن ترى الانسان يعمل عملا فتعمل مثله ... وهذه غاية أفق الحيوان التي إن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه وصار في أفق الانسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات التي يستعملها والصور التي تلائمها . ويقول أحمد بن محمد مسكوية : " ثم يستعد بهذا القبول لاكتساب الفضائل واقتنائها بالادارة والسعي والاجتهاد ، الذي ذكرناه فيما تقدم ، حتى يصل الى آخره أفقه .... فإذا صار الى آخر أفقه اتصل بأول أفق الملائكة وهذا أعلى مرتبة الانسان ... وعندها تتأحد الموجودات ويتصل أولها بآخرها ، وهو الذي يسمى دائرة الوجود ، لان الدائرة هي التي قيل في حدها إنها خط واحد يبتدئ بالحركة من نقطة وينتهي اليها بعينها . ودائرة الوجود هي المتأحدة التي جعلت الكثرة وحدة ، وهي التي تدل دلالة صادقة برهانية على موجدها ، وحكمته وقدرته تبارك اسمه وتعالى جده ، وتقدس ذكره " .. ويقول : " أن الانسان لا يتم كماله الا بعد أن يصل الى ما قبله . وإذا صار انسانا كاملا ، وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه وصار إما حكيما تاما ، تأتيه الإلهامات فيما يتصرف من المحاولات الحكيمة والتأييدات العلوية في التصويرات العقلية ، وإما نبيا مؤيدا ، يأتيه الوحي على ضروب المنازل التي تكون له عند الله تعالى ذكره . فيكون حينئذ واسطة بين الملأ الأعلى والملأ الأسفل ، ولذلك تكثر حاجات الناس الى المقومين والمنفعين " .. وهكذا يستخدم ابن مسكويه هذه النظرية في إثبات أن الإنسان عندما يترقى إلى أعلى درجاته في حالة النبوة ، يستطيع أن يتصل بأفق الملائكة ، ويستطيع أن يفهم عن الملك ويتلقى عنه الرسالة ، وهو في ذلك كله لم ينسلخ عن بشريته إلا أن قوة روحانية النبوة تجعله يستطيع أن يتلقى عن الملك . ونرى نفس هذا الاتجاه عند الفارابي ، وإن كان الفارابي أسبق منه في الوجود . يقول الفارابي :" إن الله سبحانه وتعالى خلق الموجودات على ترتيب من الأبسط والأخسّ ، والأدنى الى المعقد والأعلى ، إلى أن تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل بعده ( وهو الإنسان ) فأخسّ ها المادة الأولى المشتركة ، والأفضل منها الاسطقسات ، ثم المعدنية ، ثم النبات ثم الحيوان غير الناطق ، وليس بعد الحيوان الناطق أفضل منه " . القزويني : ونجد نفس الاتجاه فيما بعد عند زكريا القزويني ، المتوفي سنة 682هـ ( تولى القضاء في واسط والحلة بالعراق ، وأشهر كتبه " عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات " ) ويقسم القزويني الأجسام الى نام وغير نام ، وهو يقابل تقسيمها اليوم الى مواد عضوية ومواد غير عضوية . " وأن أول مراتب هذه الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية طاهرة . فإن المعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالانسان ، والنفوس الانسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية " . ونجد الاتجاه ذاته عند محمد بن شاكر الكتبي المتوفي سنة 764هـ ، الذي يقول عن طبائع القرد : " إن هذا الحيوان ( أي القرد ) عند المتكلمين في الطبائع مركب من إنسان وبهيمة . وهو من تدرج الطبيعة من البهيمة إلى الانسان ".

عدد الصفحات ٩

10 جلَل الدين الرومي ( 604 – 672هـ1207 – 1273م ) : يعتبر جلال الدين الرومي من الصوفية الشعراء ذوي الحس المرهف مع تمتعه بثقافة واسعة جدا ، يشهد عليها ديوانه الضخم ( ستة مجلدات بالفارسية ترجمت الى العربية ) المعروف باسم المثنوي . وقد نقل لنا الشاعر الفذ محمد إقبال في كتابه " تجديد الفكر الديني " ما قاله جلال الدين الرومي ، وهو يصور نظرية التطور عند المسلمين ، وكيف استطاع هذا الشاعر الموسوعي أن يصيغها في قالب شعري ينبض بالحياة . يقول مولانا جلال الدين الرومي : " عشت تحت الثرى في عوالم من تبر وحجر ، ثم ابتسمت في ثغور زهرات عديدة الألوان ثم جبت مع الوحش والزمان المنتقل فوق ظهر البسيطة ، وعلى متن الهواء وفي مناطق المحيط ، وفي ميلاد جديد غطست في الماء ، وحلّ قت في الهواء وحبوت على بطني ، وعدوت على قدمي ، وتشكل سرّ وجودي كله في صورة أظهرت كل ذلك للعيان ، فإذا أنا انسان . ثم أصبح هدفي أن أكون في صورة ملاك في ملكوت وراء السحاب ، وراء السماء ، حيث لا يمكن لأحد أن يتبدّ ل أو يموت ، ثم أعدو بعيدا ، وراء حدود الليل والنهار ، والحياة والموت ، مرئية كانت أو غير مرئية ، حيث كل ما هو كائن ، كان دائما واحداً وكُ لا " . وهكذا نرى قصة التطور في صورة شعرية أخّ اذة تبدأ من التراب أو الحجر ، أما التبر فيشير فيه إلى الروح ... وتظهر الحياة في صورة نباتات بسيطة أولية ، ثم تتعقد حتى تصل آخر أفقها في النباتات ذوات الأزهار ، وخاصة منها ما يتمايز إلى ذكر وانثى . ثم تنتقل الى أفق الحيوان ابتداء من المرجان والحلزون ، ثم يتمايز ويتطور حتى يصل الى الزواحف والاسماك ، ثم يطير في الهواء مع من طار من مخلوقات ثم عاد الى الارض ليحبو على بطنه مثل الزواحف ، ثم بلغ منتهى تطوره في الرئيسات (Primates) من أمثال القردة وما بعدها من أشباه الانسان ، وعدا على قدميه ، وهو يصور الانسان الواقف على قدميه منطلق اليدين ، ثم تشكّ ل سرّ وجوده وبلغ مرحلة الانسان العاقل الحكيم (Homo Sapiens) . ولم يكتفِ بذلك ، بل انطلق مع النظرية التطورية الاسلامية ليصل الى عالم الملائكة مع رفرفات الروح وألق الأنفس الطاهرة لتتجاوز السحاب في السماء ، ولتبقى الروح خالدة وراء الحياة والموت ، متصلة بخالق الكلّ في ذلك النور السرمدي . ابن خلدون : ( عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرمي الأصل 732-808هـ1332-1406م يقول ابن خلدون في المقدمة تحت باب " تفسير حقيقة النبوة "، وهو يشرح كيف يصل الانسان الى مرتبة النبوة بفضل الله سبحانه وتعالى ليتلقى عن الملك : " ثم انظر الى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج . وآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له ، وآخر أفق النبات ، مثل النخل والكرم ، متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط . ومعنى الاتصال الغريب في هذه المكونات أن آخر أفق كل منها مستعدّ بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده .. وأتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه ، وانتهى في تدريج التكوين الى الانسان صاحب الفكر والرؤية ، ترتفع اليه من عالم القردة ( في المطبوع عالم القدرة) الذي اجتمع فيه الحسّ والادراك ، ولم ينته الى الرويّ ة والفكر بالفعل ، وكان ذلك أول أفق الإنسان بعده . وهذا غاية شهودنا .

عدد الصفحات ١٠

11 ويقول ثم نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة . ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك والعناصر ، وفي عالم التكوين آثار متنوعة من حركة النمو والادراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للأجسام فهو روحاني ، ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها ، ولذلك هو النفس المدركة والمحرّ كة . ولا بد من فوقها من وجود أخر يعطيها قوى الادراك والحركة ، ويتصل بها أيضا ، ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقلا محضا ، وهو عالم الملائكة .فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للَنسلَخ من البشرية الى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملَئكة وقتا من الَوقات في لمحة من اللمحات ، وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ، ويكون لها اتصال بالَفق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه " . وهكذا نرى كثيرا من علماء المسلمين ، ابتداء من الحسن البصري والامام محمد الباقر وابنه الامام جعفر الصادق ، ثم أحمد بن سهل البلخي ، وانتهاء ، بابن خلدون يدعمون نظرية التطور بأشد مما جاء به دارون في آواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين ، ولكنهم ، عكس ما فعل ، لم تكن دافعا لهم للكفر وانكار الدين ، بل كانت دافعا هاما من دوافع الايمان ، وشرح حقيقة النبوة حسب تصورهم ، وامكان أن يترقّ ى الانسان ، بفضل الله سبحانه وتعالى وكرمه لأولئك العباد المخصوصين ، فيستط يعوا الاتصال بالملأ الأعلى والأخذ عن الملك فضلا من الله ونعمه ، وهم هم في بشريتهم لم يخرجوا عنها ، وإن كانت أرواحهم قد ارتقت الى مستوى الملائكة في لحظات الاتصال . موقف المفكرين المسلمين المعاصرين من نظرية دارون : ويؤكد هذه الحقيقة الشيخ محمد أحمد باشميل رحمه الله في كتابه " الَسلَم ونظرية دارون " : "غير أن الذي يمكن استخلاصه من أقوال هؤلا ء العلماء المسلمين ، وخاصة الامام الحسن البصري والعلامة ابن خلدون ، هو أنه ليس في القول بأن الله ( سبحانه وتعالى ) قد رقّ ى الانسان وطوّ ره من حيوان بسيط الى انسان كامل ، أي تكذيب للقرآن أو مساس بعقيدة المسلم الذي يترجّ ح لديه القول بهذا الرأي . إذ لو كان الأمر كذلك لما سكت المسلمون على قول ابن خلدون الذي صرّ ح به في مقدمته ، والذي أعلن فيه القول بنظرية التطور والارتقاء ، بل ذهب فيه الى القول بأن الانسان قد تحول ، أثناء مراحله التطورية ، من عالم القردة الى عالم الانسان " . ويقول باشميل : " ولو كان في القول بأن أصل الانسان يرجع الى الحيوان أي تكذيب للقرآن ، أو مساس بعقيدة المسلم لما نقل الفخر الرازي هذا القول عن كبير أئمة التابعين الامام الحسن البصري ، دون أن يبدي أية مناقشة أو اعتراض " . وينتهي الشيخ باشميل الى القول : " إنه ليس في نصوص القرآن أو السنة النبوية الثابتة ما ينفي قواعد هذه النظرية ( أي نظرية التطور ) أو يثبتها ، وهذا في نظرنا كاف لعدم وجوب الزج بالاسلام عند الأخذ والرد حيال هذه النظرية بحيث لا نصدر نحن المسلمين حكما في حقها باسم الاسلام ( لا بنفي ولا باثبات ) ، بل نترك الامر على سبيل الجواز ، باعتبار أن ما جاء في وقائع نظرية دارون جائز أن يكون قد حدث " .

عدد الصفحات ١١

12 وممن قال بهذا الرأي الاستاذمحمد فريد وجدي صاحب دائرة المعارف ، في مادة " الانسان " حيث قال مانصه : " ولسنا نجزم بصحة مذهب داروين ، ولكنا نهدئ من روع الذين يخشون من تحقّ ق هذا المذهب في يوم من الايام على الاسلام ، وما ورد في آدم عليه السلام فنقول لهؤلاء : ليهدأ روعكم ، فإن كل ما ورد في خلق آدم عليه السلام يمكن صرفه عن ظاهره على مقتضى اسلوب القرآن نفسه " ... وعلى هذا المنوال سار الَستاذ العقاد في كتابه " الَنسان في القرآن " حيث يقول " هل يصيب الذين يحرّ مون باسم الاسلام مذهب النشوئيين المؤمنين بالخالق ؟ . " وليس يخالجنا كثير من الشك ولا قليل في خلو كتاب الاسلام مما يوجب القول بتحريم هذا المذهب .. فقد يثبت غدا أن المذهب صحيح كله ، أو باطل كله ، أو يثبت أن بعضه صحيح وبعضه باطل . ولكن كتاب الاسلام لا يصدّ عن سبيل العلم في أي جهة من هذه الوجهات" . " إن مذهب التطور ، أيا كان تفسير القائلين به لنشأة الأنواع ، ليس فيه ما يصح أن يستند إليه الملحدون لإبطال الدين ، أو إنكار الخالق ، أو القول بخلو الكون من دلائل القصد والتدبير " . وقد قال محمد بن يوسف ( أبو حيان الِندلسي ) في تفسيره البحر المحيط ج 5/441 في قوله تعالى { :فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } [29 . ]{ سَوَّيْتُهُ }أكملت خلقته . والتسوية عبارة عن الاتقان وجعل أجزائه مستوية { . وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي }أي خلقت الحياة فيه ، ولا نفخ هناك ولا منفوخ ، وانما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه ، وأضاف الروح إليه على سبيل التشريف ، نحو بيت الله ، وناقة الله ، أو الملك ، إذ هو المتصرف في الإنشاء للروح والمودعها حيث يشاء " . ونحن نقرر وجود النفخ والتسوية ، ولكنها دون ريب ليست مشابهة للنفخ والتسوية عند المخلوقين ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ثم يقول الَستاذ العقاد : " وعلى المسلم أن يؤمن بأن الله تعالى بثّ روح الحياة في الطين ، وسوى الطين سلالة خرج منها آدم عليه السلام ، ولكن ليس لأحد أن يفرض عليه كيفية للتسوية والنفخ والخلق يلغي كل ما عداها ، وأن يقرر للتسوية والنفخ والخلق وقتا محدودا باللمحة أو اليوم أو الدهر ، ويكون بمقدار يوم واحد ولا يكون بغير ذلك المقدار " . ويذهب الِستاذ محمد قطب في كتابه " الَنسان بين المادية والَسلَم " الى قريب مما ذهب إليه العقاد وفريد وجدي وباشميل ، حيث يقول " ولست هنا بصدد عرض نظرية دارون ، ولا أنا أحبّ أن أخطئ خطأ الكنيسة الأوربية حين كانت تعارض نظريته العلمية بنظرياتها الفلسفية ، والتي أثبت العلم أن معظمها صحيح " . وينتهي الى القول إن هناك جوانب عديدة من نظرية دارون لها مجالها العلمي ولكنها أخرجت عن المجال العلمي بواسطة اليهود الذين اعترفوا ، في بروتوكولات حكماء صهيون ، بأنهم رتبوا نجاح دارون وماركس ونيتشه بالترويج لآرائهم .. وتحويل ذلك الى تحطيم للأديان والأخلاق والقيم لتتم لهم السيطرة على العا لم حتى يستطيعوا أن يصلوا الى حكم العالم والتمهيد لمجيئ المسيح الدجال ، ملكهم الاعور ، الذين يؤمنون به ويرون أنه قادم ، حسب نبوءات التوراة ( المحرفة ) .

عدد الصفحات ١٢

13 ويقول الاستاذ محمد قطب في كتابه " التطور والثبات " : " بذل اليهود جهود الجبابرة لتوسيع الهوة التي قامت بين الدين والداروينية على أمل تحطيم الدين في النهاية ، تحقيقا لحقدهم القديم ضد غير اليهود عامة ، وحقدهم في أوروبا على المسيحيين بصفة خاصة من أجل ما لا قوة من اضطهاد ... واستغلّ ت اليهودية العالمية نظرية دارون أبشع استغلال .... ويقول : " ولقد عرف المسلمون التطور معرفة وثيقة ، وصاحبوه مصاحبة عميقة في تاريخهم الحيّ كله ، فلم ينحرفوا به عن سواء السبيل ... وعرفوه في علمهم . يقول دريبر الِمريكي في كتابه " النزاع بين العلم والدين " : إننا لندهش حين نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج العلم في هذا العصر ، ومن ذلك أن مذهب النشوء والارتقاء للكائنات العضوية ، الذي يعتبر مذهبا حديثا كان يدرّ س في مدارسهم ، وقد كانوا ذهبوا منه الى مدى أبعد مما وصلنا إليه ، وذلك بتطبيقه على الجامدات والمعادن ، وظلوا مع ذلك مؤمنين بإنسانية الإنسان ومؤمنين بالأخلاق ذلك أنهم كانوا يؤمنون بالله " . رأي سيد قطب في "ظلَل القرآن" حول التطور يقول الاستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير قول تعالى {: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْْنْسَانَ مِنْ سُلََلَةٍ مِنْ طِينٍ }[12 :]" وهذا النص يشير إلى أطوار النشأةالإنسانية ولا يحددها ، فيفيد أن الانسان مر بأطوار مسلسلة من الطين إلى الانسان . فالطين هو المصدر الأول أو الطور الأول ، والانسان هو الطور الأخير ، وهي حقيقة نعرفها من القرآن ، ولا نطلب لها مصداقا من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الانسان أو نشأة الأحياء . إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذّ ها مجالا للتدبر في صنع الله ، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الانسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين ، ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافة الكبيرة . وأما النظريات العلمية فتحاول إثبات سُ لّ م معيّ ن للنشوء والارتقاء لوصل حلقات السلسلة بين الطين والانسان ، وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة التي سكت القرآن عن تفصيلها . وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن ، حقيقة التسلسل ، وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل ، وهي ا لمحاولات التي تخط ي وتصيب ، وتثبت اليوم وتنقض غدا كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان . ويتحدث الَستاذ سيد قطب ، رحمه الله ، في تفسير قوله تعالى : {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الِْْنْسَانِ مِنْ طِينٍ [}7 ] ، عن نشأة الانسان الأولى من الطين عبر تسلسل في مراحل النشأة : " وقد يكون ذلك إشارة الى بدء نشأة الخلية الأولى في هذه الأرض ، وأنها نشأت من الطين ، وأن الطين كان المرحلة السابقة لنفخ الحياة فيها بأمر الله ، وهذا هو السر الذي لم يصل إليه أحد ، لا ما هو ؟ ولا كيف كان ؟ . ومن الخلية الحية نشأ الانسان ، ولا يذكر القرآن الكريم كيف تم هذا ولا كم استغرق من الزمن والأطوار ، فالأمر في تحقيق هذا التسلسل متروك لأي بحث صحيح . وليس في هذا البحث ما يصادم النص القرآني القاطع بأن نشأة الإنسان الأولى كانت من الطين ، وهذا هو الحد المأمون بين الاعتماد على الحقيقة القرآنية القاطعة وقبول ما يسفر عنه أي تحقيق صحيح " .

عدد الصفحات ١٣

14 ولا شك أن نظرة علماء الاسلام الى التطور أعمق وأشمل من نظرة النشوئيين المعاصرين ، إذ تمتد نظرة هؤلاء العلماء من المسلمين ، الذين قالوا بهذه النظرية ، عبر الزمان والمكان فتصل بين جميع العوالم السفلية والعلوية في سلسلة متصلة من التدريج والترقّ ي ، حتى ترتفع من عالم المادة البحت والتراب الخالص الى عالم الروح الألق الممتد عبر الكون على رحابته ، وشتّ ان ما بين النظرتين ، على ما بينهما من اتصال في بعض الحلقات . ونجد من الكتاب المعاصرين المؤيدين لنظرية التطور الدكتور مصطفى محمود ، وخاصة في كتابه " القرآن محاولة لفهم عصري " حيث أفرد فصلا بعنوان " قصة الخلق " لهذا الموضوع ، وبدأ بدارون ورحلته على السفينة بيجل ، وهو يجمع العينات من البرّ والبحر ، يدرس ويتأمل ويدون الملاحظات . ورغم أن الكائنات تبدو مختلفة أشد الاختلاف الا أن الحيونات كلها أصلها واحد ، ثم تطور هذه الاصل وتباين بسبب الظروف والبيئات . الحيوانات التي دبّ ت على الأرض طورت لأنفسها أرجلا ، والتي نزلت الى البحر تحوّ رت فيها الأرجل الى زعانف ، والتي طارت في الجو تحوّ رت فيها الأطراف الى أجنحة ، وكشف التشريح أن الأجنحة مشابهة للأطراف العليا عند الث دييات والانسان ، وزعانف الاسماك هي الأطراف المتحورة ، وحتى الثعبان له ارجل ضامرة مختفية في هيكله العظمي . ويقول الدكتور مصطفى محمود ، بعد أن لخصّ النظرية بأسلوبه السهل الممتنع : " وعاش من نظرية دارون بعضها ، ومات بعضها ، حكاية أن الأنواع انحدرت من أصل واحد وأنها تباينت الى شجرة من الفصائل والأنواع نتيجة تباين الظروف والبيئات ، كانت احتمالا مرجّ حا أقرب الى الصحة تقوم عليه الشواهد ... أما حكاية ان الترقّ ي حدث بالحوافز الحياتية وحدها وبدون يد هادية فلم تعد مقنعة .. وسقطت من غربال الفكر المدقّ ق .. ونشوء هذه الأنواع لا يمكن أن يفسرّ ه قانون بقاء الأصلح " ، ويذكر أمثلة كثيرة على ذلك مثل الجمال الموجود في الكون وفي الحيوانات والنباتات ، دون أن يكون له غرض مادي ظاهر . والجناح المنقوش ليس أصلح للطيران من الجناح السادة ( بلا لون ولا نقش ) .. وما نراه من جمال في ورق الشجر وألوان الأزهار وأجنحة الفراش وريش الطواويس لا يخدم غرضا ظاهرا في معركة البقاء للأصلح ... ويعدّ د الأمثلة من الدقة العجيبة التي نراها في الأحياء من نبات وحيوان ... وأن النظرية الدواروينية تعجز تماما عن تفسيرها . وأنه لا بد من وجود خالق حكيم مدبّ ر قدير يهندس الوجود ويصمّ مه وينشؤه إنشاء ، ويبدعه إبداعا ، ولا يتوقف سبحانه عن هذا الخلق والابداع والتدبير والقومية . ثم يستعرض مصطفى محمود بعض آيات القرآن الكريم في خلق الكون وكروية الأرض وخلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم .. وإرساء الجبال وانزال الماء ، وأهمية الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيوَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي ٍ ۖ [}الأنبياء30 ] ،وَاللََُّّ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ [}45] ثم قصة خلق الانسان من تراب ، ثم التراب المختلط بالماء حتى أسنوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلََئِكَةِ إِن ِي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [}الحجر28 ] . ويذكر أن أيام الله ليست كأيامناوَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَب ِكَ كَأَلْفِ سَ نَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [}47] تعالىوَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [}14]قبل آدم عليه السلام ، كما ذكر قوله تعالىهَلْ أَتَىٰ

عدد الصفحات ١٤

15 عَلَى الِْْنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [}1]ن الدهر فترة زمنية طويلة ، وبائدة لم يكن الانسان فيها شيئا يذكر . {وَاللََُّّ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الَِْرْضِ نَبَاتًا [}17] ، وربط بين الانسان والنبات والحيوان {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْْنْسَانَ مِنْ سُلََلَةٍ مِنْ طِينٍ [}12] جاءت منالطين ، وهي سلالات متلاحقة عديدة كانت تمهيدا لظهور الانسان . ثم انتقل الى علم الأجنة وما ورد فيه من آيات باهرات . وقصة الخلق مازالت من أمور الغيب ، وهي محل اجتهاد ونظر ، قال تعالىقُلْ سِيرُوا فِي الَِْرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [}20]رضية ، أهبط منها إلى مكان جديب على الأرض ، وقد هبط من مقام الرضا الى مقام المعصية ، ثم اجتباه ربه وهدى بعد توبته المخلصة . وآدم وذريته لم يبرحوا الارضفِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [}25]وَاللََُّّ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الَِْرْضِ نَبَاتًا *ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [}18]م وجد على الأرضهُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الَِْرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [}61] على مراحل وأطوار بأمر وقدرته . ومن المؤيدين لنظرية التطور الدكتور عبد اللطيف حموش في كتابه " قصة الانسان : أصله ، بنيته ، دوره " ، وهو رسالة للتخرج من كلية الطب في دمشق ، وقد قدم له الاستاذ جودت سعيد . والكتاب يدّ ل على عمق ثقافة هذا الطبيب الشاب مع ايمانه العميق بالله . ورغم ان الكتاب مليء بالحقائق العلم ية والنظرات الفلسفية إلا أن أسلوبه مشرق ، ويبشر بمستقبل واعد ، مهما اختلفنا أو اتفقنا معه في تفاصيل آرائه ونظراته وفلسفاته . المعارضون لنظرية التطور : هناك عدد كبير من الكتاب الذين عارضوا نظرية التطور وهاجموها بشراسة ، ويرجع السبب في ذلك الى استخدام الملحدين لهذه النظرية ، وتحويلها ، من جانبها العلمي البحت القابل للنقاش ، الى جانب إلحادي ينكر وجود الله ، ويرجع عملية الخلق كلها الى الطبيعة والصدفة ، وهو أمر مناقض للعقل وللدين وللمنطق . وبما أن عدد الذين كتبوا يفندون هذه النظرية على هذا الاساس الإلحادي كثير ، فإننا سنقتطف بعض الأمثلة . السيدة منيرة الغاياتي وكتابها " مذهب النشوء والَرتقاء في مواجهة الدين " ، وهو كتيب قدم له الدكتور محمد البهي . وقد استدلت الكاتبة الفاضلة بعدد كبير من الكتاب الغربيين ، منهم سير آرثر كيث الذي يقول :" إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين ، وستظل كذلك ، والسبب الوحيد في أننا

عدد الصفحات ١٥

16 نؤمن بها هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الايمان بالخلق المباشر ، وهذا أمر غير وارد على الاطلاق " . وتنقل ما قاله البروفسور واطسن (watson) من جامعة لندن :" ان علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي ، ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور ". ويؤكد ذلك البروفسور د.هـ. سكوت (Scott) بقوله :" إن نظرية النشوء جاءت لتبقى ، ولا يمكن أن نتخلى عنها ، حتى لو أصبحت مجرد عمل من أعمال الاعتقاد ". ويضيف السيرج .داوسون ( Sir Dawson) : " هذا الاعتقاد هو نوع من الايمان اعمى الممتزج بالسذاجة والخرافة " . ويقول البروفسور مور (T.C.Moore) من جامعة سينسناتي بالولايات المتحدة : " كلما تعمقنا في دراسة البليونتلوجيا ( علم الأحافير = الإحاثة ) ، كلما اكتشفنا ان نظرية النشوء ترتكز على الاعتقاد ، نفس الاعتقاد الذي تتطلبه الاسرار العظمى للدين " . ويقول ج. بيب (J. Beebe) في كتابه " الطائر " : "إن التغيّرات الاعجازية التي تفترض أنها قاصرة على القصص الخرافية أمور عادية جدا في نظرية النشوء والارتقاء " . ويقول الدكتور ماكنير ويلسون ( McNair Wilson) في منشورات أوكسفورد الطبية (Oxford Medical Publications) : " إن نظرية النشوء لا تقل عن أي قصة خرافية حافلة بأغرب المخلوقات ، كالغيلان والقنتورات ( كائنات خرافية نصفها رجل ونصفها فرس ) والسيرانات ( كائنات خرافية لها رؤوس نسوة وأجساد طيور ) . ويعتمد أصحاب نظرية النشوء والارتقاء على دليل الأجنة وتشابهها الظاهر بين السمكة والفأر والانسان ، وهي التي قدمها أرنست هيكل (Ernest Haeckel) الذي يقول : " إن تاريخ الجنين هو إعادة لتاريخ الأنواع " . ويعترف أرثر كيت ( Arthur Keith) بقوله :" إننا كنا نتوقع أن يكرر الجنين الصفات المميزة لأسلافه ، من أدنى أشكال الحيوان الى أعلاها ، ولكن بعد دراسة الجنين في كل مراحل تكوينه ، خابت آمالنا ، فالجنين (الانساني ) لم يكن قردا في أي مرحلة من مراحله " . ويعتمد أصحاب نظرية التطور على الأعضاء المندثرة ، ويصل عددها عند بعضهم الى مائة وثمانين عضوا . ولكن البروفسور جودريتش (E.S. Goodrich) ، من جامعة أوكسفورد ، يقول :" من الحماقة القول بأن أي جزء من جسم الانسان لا فائدة له " . ولو كانت هناك ثمة بقايا أعضاء ، فإنها حينئذ تكون شاهدا على التدهور لا على التطور والارتقاء . الغش عند أصحاب نظرية التطور ظهرت علامات الغش عند النشوئيين ، فإنسان جاوه ، الذي اكتشفه دبوا سنة 1891م ، ليس سوى قطعة من جمجمة بها بضعة اسنان ، وقد أثبت البروفسور فيرشاو( Virchow) أنها قطعة من جمجم ة شمبانزي ، اما الفخد فقد ثبت أنه لرجل . أما إنسان بيلتدو (Piltdow man) فقد بني من شظايا جمجمة

عدد الصفحات ١٦