المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الخطاب الإسلامي

د احمد محمد زايد

صفحة ٣ من ٤

469 د. أحمد محمد زايد "إن النفس مجبولة على التسليم للحكم الذي عرفت علته".(1) 8 - فهم المقاصد خير س بيل للتفقه في الدين بل هو ضابط أساس في هذا الباب، ولا نبالغ إن قلنا إنه الطريق المضمون لصحة وسلامة الفهم في الشرع ولهذا يقول ابن عاشور : "فنحن إذا أردنا أصولا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة الت ي علقت بها(2)، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة"(3) فأنت تراه هنا جعل إدراك المقاصد كعلم وفن من الأصول القطعية للتفقه في الدين، ولهذا رأيناه يعنون بهذا العنوان "احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة" وموجز ما قال: إن تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء:  فهم أقوالها، واستفادة مدلولات تلك الأقوال بحسب الاستعمال اللغوي وبحسب النقل الشرعي، بالقواعد اللفظية التي بها عمل الاستدلال الفقهي.  البحث عما يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد ليستيقن أنها سالمة مما يبطل دلالتها، حينئذ يعمل دليله، وإلا نظر كيف يعمل بالدليلين معا، أو يرجح أحدهما على الآخر.  قياس ما لم يرد حكمه على ما ورد حكمه بعد معرفة العلل الثابتة بطرق مسالك العلة. (1) شفاء العليل(341.) (2) تعلقتا (3) مقاصد الشريعة الإسلامية(122)ز

عدد الصفحات ٣٣

441 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة  إعطاء حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة، ولا نظير يقاس عليه.  تلقي بعض أحكام الشريعة الثابتة عنده تلقي من لم يعرف علل أحكامها ولا حكمة الشريعة في تشريعها، ويسمى هذا الجانب بالتعبدي، فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها، وفصل وجه حاجة العالم والداعية والفقيه والمجتهد إلى علم المقاصد في كل هذه الجوانب، وعقب على ذلك بقوله: "وبعد هذا فالفقيه محتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار من السنة، وفي الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء، وفي تصاريف الاستدلال"(1) وبعد هذا نقول إن : "كليات الشريعة ومقاصدها العامة هي أصول قطعية لكل اجتهاد، ولكل تفكير إسلامي، فلا بد من إعادة الاعتبار إليها، ولا بد من وضعها في المقام الأول، ثم يرتب ما عداها عليها، وهذه خطوة ضرورية لإعادة تشكيل العقل المسلم ولإعادة ترتيب موازينه وأولوياته".(2) 3 - عون الخطيب والداعية والمدرس والقاضي والمفتي والمرشد والحاكم وغيرهم على أداء وظائفهم وأعمالهم على وفق مراد الشارع، ومقصود الأمر والنهي، وليس على حرفيات النصوص وظواهر الخطاب ومباني الألفاظ.(3) 4 - الحد والتقليل من النزاعات الفكرية بين المسلمين، خاصة النزاعات الفقهية والتعصب المذهبي،...ولهذا المعنى وضع ابن عاشور كتابه في المقاصد وقال عنه في المقدمة : "هذا كتاب قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة في علم (1) السابق(131 - 136.) (2) نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي للريسو(4). (3) علم مقاصد الشريعة للخادمي(62.)

عدد الصفحات ٣٤

441 د. أحمد محمد زايد مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها، والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراسا للمتفقهين في الد ين، ومرجعا بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يستتب بذلك ما أردناه غير مرة من نبذ التعصب والفيئة إلى الحق. إذاً كان القصد إغ اثة المسلمين ببلالة (1) تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا اشتجرت حجج المذاهب، وتبارت في مناظرتها تلكم المقانب (2) دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيت من عسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلة ضرورية أو قريبة منها يذعن إليها المكابر، ويهتدي بها المشبَّه عليه".(3) 5 - عون المكلف على القيام بالتكليف، وتحقيق الامتثال للشرع على أحسن الوجوه وأتمها، فلا يجد الهوى إليه سبيلا فيوقع الأحكام خالصة لربه لا مدخل لهواه فيها، فيحرص حينئذ على تحقيق مقاصد كل عبادة يقوم بها، يعيش أسرارها وحكمها وروحها بدلا من الوقوف مع ظواهرها فقط، وهذا لا شك قيام في مقام العبودية الحقة، وهو المقام الذي أراده الله تعالى من شرعه الحكيم، يقول الشاطبي : "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد له اضطرارا "ثم قال بعد قليل: "قصد (1) البُلالة: الندى. المعجم الوجيز(10) إصدار مجمع اللغة العربية. (2) المقانب: اسم جماعة كثيرة من الفرسان، وهو هنا مستعار لجماعات العلماء، كما يستعار الفارس للعالم الفائق. (3) مقاصد الشريعة(111.)

عدد الصفحات ٣٥

446 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة الشارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى".(1) 6 - إن مراعاة المقاصد وإدراكها يفيد الدعاة والفقهاء وكل ناظر في الشريعة معرفة بمراتب الأعمال والأحكام، وينتج لديه ما يسمى بفقه الأولويات، ولا شك أن هذا ضروري عند الموازنة بين الأعمال، وخاصة عند تزاحمها، وهذا لا شك علاج لمشكلة حاضرة في الواقع الفكري الإسلامي المعاصر، حيث أختلت كثير من الموازين، فاهتم الناس بالشكل عن الجوهر، وبالرسوم والألفاظ عن المعاني والمقاصد، وبالمصلحة الفردية عن المصلحة العامة، وبالآخر عن النفس، وبسبب ذلك ضخمت الجزئيات وتقلصت الكليات، وهذا كله يمثل داء عضالا سببه التغافل عن المقاصد أو الغفلة عنها مع أسباب أخرى أصابت العقل المسلم، ومن هنا رأينا علماءنا الكبار ينبهون على ضرورة مراعاة المقاصد إذ بها تعرف المراتب في المصالح وفي الأمر والنهي، فلقد قرر الشاطبي رحمه الله تعالى أن النوع الأول من المقاصد هو قصد الشارع في وضع الشريعة، وبين أن الشريعة إنما وضعت لحفظ مصالح العباد في الدارين بحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، ثم نبه على ضرورة مراعاة مراتبها، وفي هذا ضبط للح ياة الإسلامية وهذا دور الداعية الفقيه ومهمته في الخطاب الإسلامي المعاصر 0 - ضبط تنزيل الأحكام على الواقع من غير خلل ولا شطط، فعلم المقاصد يعين الداعية الفقيه في تعليمه وفتواه على ضبط الفتوى وربط الفروع بالقواعد الكلية والمقاصد العامة للدين. وبهذا يضاف إلى الداعية الفقيه ذلك الحس الإنساني والبعد الاجتماعي القادر على فهم حاجات الناس بناء على فهم واقعهم، والمواءمة بين تلك الحاجيات وبين قواعد الشرع دون تعارض أو تضاد. (1) الموافقات(2/114.)

عدد الصفحات ٣٦

444 د. أحمد محمد زايد 2 - التمكن من إعطاء الأحكام لكل فعل أو حدث يقع للناس ليس له نظير يقاس عليه، ولم يهتد إليه المجتهدون قبل، وفي هذا يقول ابن عاشور: "إن احتياج الفقيه إلى المقاصد ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، التي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا الجانب قال الإمام مالك بالمصالح المرسلة، وفيه أيضا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجية والتحسينية، وسموا الجميع بالمناسب. وفي هذا النحو هرع أهل الرأي إلى إعمال الرأي والاستحسان "(1) و هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي : "كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة، أو إجماع فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معين".(2) وأوضح من ذلك يقول الشاطبي: "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه، إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به"(3) فأنت ترى هنا أئمة الإسلام يجعلون مراعاة المقاصد واعتبارها مدخلا مهما في ضبط حركة الحياة وفق مراد الشارع فيما لم يأت فيه نص أو إجماع، ولا شك أن هذا يحقق مرونة الشريعة ويثبت صلاحيتها وقدرتها البالغة على استيعاب كل جديد في حياة الناس. 1 - التمكن من تقدير المآلات وضبط الأفعال الآنية بالنظر إلى مآلاتها وفقا لموافقتها للشرع أو مخالفتها إياه، ومن هنا يتمكن للداعية في خطابه الإسلامي (1) انظر/ مقاصد الشريعة لابن عاشور(131 - 132.) (2) المنخول للغزالي(354.) (3) الموافقات(2.)/

عدد الصفحات ٣٧

443 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة وتوجيهه التربوي أن يعرف محل خطابه وإفتائه، وعواقب حكمه وكلامه، ويعرف مواطن سد الذرائع المفضية إلى حرام وفساد، فلا يطلق كلامه ا رتجالا من دون استحضار مآله وآثاره وفي ذلك يقول الشاطبي : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل "(1)، ويصف الفقيه المجتهد المربي بأنه "ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات"(2) ومن هنا فالداعية بالنظر في المقاصد يراعي المآلات بحيث يراعي مواقع كلامه في الجمهور، فيسد على المتحيلين سبل الحيل، ويسد الذرائع المفضية إلى فساد وعطب، ومن هنا تتوافق أفعال الناس مع مراد الشرع الحكيم. 17 - التمكن من تقرير خصائص الشريعة الكبرى، وإبراز أوصافها العظمى، كالسماحة التي هي أكبر مقاصد الشرع كما قال ابن عاشور، والعموم، والخاتمية، والمساواة وغير ذلك من الخصائص التي ينبغي على الدعاة تقريرها وإبرازها(3) . 11 – دفع الفقه إلى التقدم والتطور والتجدد ومواكبة العصور المختلفة بكل مستجداتها، وإخراجه من جموده، ذلك أن من أكبر أسباب تخلف الفقه في بعض العصور، إهمال النظر في المقاصد والوقوف عند الظواهر والحرفيات، والعناية بالفروع والجزئيات دون النظر في القواعد والكليات، واليوم ومع كثرة ما جد في الحياة المعاصرة يكون النظر في المقاصد من ألزم شروط التجديد في الحركة الفقيه، (1) الموافقات(4/ 195.) (2) السابق(4/232.) (3) مقاصد الشريعة لابن عاشور(111.)

عدد الصفحات ٣٨

445 د. أحمد محمد زايد ولا يكون ذلك إلا من فقيه عالم بنصوص الشرع، بصير بأحكامه، وليس هذا الأمر مرتعا لكل من هب ودب تحت دعوى تجديد الفقه"(1). المبحث الخامس المحتوى السنني في الخطاب الإسلامي إن قضية السنن الإلهية في حياة وحركة الأفراد والأمم والجماعات والكون من القضايا المركزية في الإسلام كوحي منزل معصوم، وهي كذلك فكرة محورية في الفكر الإسلامي التراثي، ومع ذلك نلاحظ أنها ضعيفة الحضور في الفكر الإسلامي المعاصر سواء على مستوى التنظير والتأصيل أم على مستوى الخطاب والتوجيه. وأقصد بالسنن: "جملة القوانين الإلهية التي تحكم سير البشر والحياة باطراد وثبات دون تخلف أو محاباة" إن الجماهير التي نخاطبها مسلمة كانت أو غير مسلمة من حقها أن تتعلم قوانين وجودها، وسنن بقائها أو فنائها، ونظام سعادتها أو شقائها، ونوامي س تحضرها أو تخلفها، ومن نقاط ضعف خطابنا الإسلامي المعاصر خلوه غالبا من هذا الجانب الفكري الذي يمثل مطلبا دعويا هاما. يظهر ذلك واقعيا في جملة من المظاهر منها: 1) وقوف الأمة عاجزة عن تفسير العلل الصحيحة والدقيقة عن مأزقها الراهن والسقوط في تأويلات بعيدة تماما عن الأسباب الحقيقية لهذا المأزق. 8) عجز الأمة عن تقديم إجابات شافية عن كيفية النهوض الحضاري والخروج من المأزق. (1) محاضرات في فقه الدعوة إلى الله تعالى للباحث(ص 110 - 111

عدد الصفحات ٣٩

442 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة 3) الانتقال من فشل إلى فشل ومن مازق إلى مأزق في حركة الأمة بل البشرية ولو في بعض الجوانب. 4) التخلف الواضح في الأخذ بالأسباب واستدعاء معاني القضاء والقد ر والاحتجاج بها دون معاني الحركة والعمل وبذل الجهد. 5) انبهار المسلمين بالفعل المادي الغربي في جوانب عديدة، والغفلة عن الأسباب الكامنة وراء وجوده، والإقبال على استهلاك المنتج الغربي والذهول عن إنتاج مثله. 6) اجترار القديم وضعف الاجتهاد والتجديد، والتغافل عن ال تطوير والخوف من النقد ومكاشفة الذات. نماذج من السنن الربانية: المتتبع لنصوص الوحيين القرآن والسنة يقف على جملة من القوانين والسنن، وهي التي يجب أن نعلم الناس إياها ونلفت انظارهم إلى مراعاتها واستخدامها وعدم مصادمتها من هذه السنن: 1) سنن النهوض والسقوط الحضاري. 8) سنن الله تعالى في الإبقاء والإهلاك، وسنته في الأسباب والمسببات 3) سنن الله تعالى في النصر والهزيمة 4) سنن الله تعالى في العطاء والمنع، وفي القلة والكثرة، وسنته سبحانه الهداية والضلال. 5) سنن الله تعالى في المؤمنين وفي الكافرين 6) سننه سبحانه في التغيير 0) سننه سبحانه في الإصلاح والإفساد وفي المصلحين والمفسدين.

عدد الصفحات ٤٠

441 د. أحمد محمد زايد 2) سنته سبحانه في الظلم والظالمين، وسنته في الترف والمترفين وفي المكر والماكرين. 1) وسنته تعالى في الرزق(1). إلى غير ذلك من السنن الكثيرة سواء ما كان منها في الأفراد أ و الأمم أو الجماعات. إن الوعي بالسنن هو الوعي بالحياة، وهو جزء رئيس في فهم الإسلام، كما هو دافع لترشيد الحركة والفعل الإنساني الفردي والجماعي وصولا إلى الحالة الحضارية التي يرضاها الله تعالى. المطلب الثاني وظيفة المحتوى السنني في الخطاب الإس مي إن المحتوى السنني هو أحد عناصر الرشاد الفكري وال سلوكي للأمة المسلمة، وللبشر عموما، كما أنه جزء من الوحي الإلهي (القرآن والسنة) ينبغي إحياؤه في الخطاب الإسلامي لخطورة أثره في الحياة على كل المستويات، نهوضا وسقوطا، فقرا وغنى، انتصارا وهزيمة، بقاء وفناء، وهكذا، يقول عبد الكريم زيدان في هذا المعنى: "إن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين، وإن هذه المعرفة ضرورية، ومن الواجبات الدينية لأنها تبصر بكيفية السلوك الصحيح في الحياة، حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة، وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه، ونظفر بما وعدنا الله به عباده المؤمنين المتقين"(2). ويقول في فوائد دراسة السنن والوعي بها إن في ذلك دعوة المسلمين "إلى (1) انظر في السنن كتاب السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية د / عبد الكريم زيدان. (2) السنن الإلهية(15.)

عدد الصفحات ٤١

448 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة فحص نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم وما هم عليه كأفراد وأمم أو دول أو جماعات في ضوء سنن الله التي بينها لنا، وليعلموا يقينا أن ما هم عليه مما يحزن المحب ويسر له العدو، وما أصابهم وما حل في ديارهم، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصروا في فعله أو تسببوا في فعله او التقصير فيه... وليعلموا أيضا على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبدا إلا باتباع ما تقضي به سنن الله تعالى، وليس باتباع غيرها أو باتباع ما يناقضها"(1). إذا للمحتوى السنني وظيفة أساسية في الخطاب الإسلامي يمكن إبرازها فيما يأتي: 1- الإعانة على فهم الإسلام ذاته : إذ السنن الإلهية جزء كبير في الإسلام، فمن تتبعها في نصوص الوحيين وجد كما هائلا منها، وقد اع تبر أبو حامد الغزالي "علم السنن" من العلوم المحمودة التي بها تحصل سعادة الدنيا والآخرة، قائلا: " وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء، فهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الاخرة على الدنيا، فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة"(2). وقد هجر المسلمون حينا من الدهر دراسة هذا العلم وغفلوا عن أهميته في حياتهم وحركتهم، فناموا في حين استيقظت الأمم، وتأخروا في حين نهض غيرهم وتقدم، ولذا نبه الإمام محمد عبده على ضرورة توفر جماعة من العلماء يلقنون الأمة هذا العلم ويفعلونه في حياتهم كما فعلوا في سائر العلوم الشرعية فقال: " إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننا يوجب علينا أن (1) السابق(11.) (2) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (1/51 - 52.)

عدد الصفحات ٤٢

449 د. أحمد محمد زايد نجعل هذه السنن علما من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وقد بينها العلماء بالتفصيل عملا بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه. والعلم بسنن الله - تعالى - من أهم العلوم وأنفعها"(1). 8- إعانة المسلم على فهم قوانين الحياة، ومتغيراتها، وإعطائه معايير تفسير لحركة الحياة، وإيقافه على واجباته في رحلة حياته، وبيان كيف يكون عنصرا فاعلا في بناء الأمة، بعيدا عن فكر الإرجاء والتواكل، وكذا إمداد المجموعة البشرية من المسلمين وغير المسلمين بوعي ورشاد يتجنبون به حالات السقوط الذي من شأنه تدمير حياتهم وإدخالهم في صراعات لا طائل من ورائها. 3- وضع الأمة في سلم الفعل الحضاري: ولن يكون ذلك إلا بامتلاك ناصية الفعل لا رد الفعل، والفعل الأول لإقامة الحضارة : تحقيق العدل ومقاومة الظلم، والأخذ بالأسباب الإيمانية والمادية، ثم الحفاظ على المنتج الحضاري و حمايته، ومثل هذا الفقه لا يوجد إلا في ظل خطاب سنني هادف. 4- الحفاظ على طاقات الأمة الروحية والمادية والبشرية من الإهدار وتوظيفها توظيفا إيجابيا فعالا، وذلك أن سير الأمة اليوم بعيدا عن المنطلقات السننية يجعلها تهدر كثيرا من أموالها وجهودها، بل تقذف بأبنائها في مغامرات غير محسوبة، بسبب إهمال القوانين الإلهية حيث "لا يختلف إهمال قوانين سير الحضارات نشأة واكتمالا وديمومة ونتائج عن إهمال قوانين سير المركبات العادية (السيارات)، وإذا كان الإهمال الثاني سببًا في ضحايا الطرقات وتضييع الطاقات (1) تفسير القرآن الحكيم المسمى تفسير المنار للإمام محمد عبده تأليف/ محمد رشيد رضا (4/ 154.)

عدد الصفحات ٤٣

431 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة المادية والمعنوية، فإن لإهمال الأول نتائج وخيمة على حاضر الأمة ومستقبلها، بل يُعَد إهمال الثقافة السننية في شعاب الحياة، أشنع وأفظع من أثر حوادث السير العادي على الأرواح والممتلكات"(1). 5- تأهيل الأمة لّستشراف المستقبل: ففقه السنن الإلهية عامل مركزي في صناعة العقلية القادرة على استشرا ف المستقبل والاستعداد له، والخطاب الإسلامي كفيل بتوجيه العقل المسلم إلى هذا المسلك الذي هو من أضعف الحلقات الفكرية في واقع الأمة اليوم. 6- تفعيل العقل للقيام بوظيفته العليا وهو التفكير والتأمل في جانب مهم من جوانب الدين والحياة معا وهو جانب السنن، وقد عاب ا لله تعالى الذين يرون الآيات ثم يمرون عليها وهم معرضون فقال سبحانه : ﭽﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭼ(2). والله تعالى أعلى وأعلم، وأعز وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله أولا وآخرا. (1) مجلة حراء،مقال د/ عمار جيدل بعنوان: (الثقافة السننية وصناعة المستقبل) العدد 24 / السنة السادسة/ (مايو - يونيو) 2011. (2) يوسف: 111.

عدد الصفحات ٤٤

431 د. أحمد محمد زايد الخاتمة وخلاصة القول في هذه الخاتمة أن خطابنا الإسلامي المعاصر به علل عديدة من أهمها ضعف التكامل بين أجزائه، مع طغيان جوانب فيه على أخرى، ثم ضعف في توظيف المعاني لتتحول إلى جوانب عملية تطبيقية ملموسة، ولذا يتحتم على كل ممارس للعمل الدعوي أن يحقق التكامل المعرفي في نفسه فيجمع إلى الوعظ الفقه، وإلى الف قه المقاصد، وإلى المقاصد القيم، وإلى كل ذلك الوعي بالسنن والقوانين الإلهية. كما يلزم المؤسسات الدعوية المعنية بتخريج الدعاة ان تبني مناهجها على هذا التكامل والشمول والتنوع، وأن توجه الدعاة إلى حسن توظيف المعارف وتحويل المعاني إلى صور عملية ملموسة. أهم النتائج: 1- بنية الخطاب الإسلامي في أصلها المنزَّل، بنية متكاملة لا تقوم على صنف معرفي واحد وإنما تتركب من خمسة مضامين معرفية كبرى هي : (الهداية والفقه والقيم والمقاصد والسنن). 8- لكل مضمون من هذه المضامين وظيفة ينبغي رعايتها وتفعيلها، فمضمون "الهداية" وظيفته دلالة الخلق إلى غايتهم التي خلقوا من أجلها، ووظيفته المضمون الفقهي ضبط الفعل البشري ضبطا قانونيا وتشريعيا وفق مراد الله تعالى، ووظيفة المضمون القيمي ضبط منهجية التمييز والاختيار والتفكير بمعيار ثابت يتمكن به المكلف من الحكم على الأشياء والمواقف والأفكار والأشخا ص، كما تتمثل وظيفة المضمون المقاصدي في إدراك البعد الفلسفي للإسلام للوقوف على روحه وأسراره، أما المضمون السنني فهو مادة الفهم الواعي للحياة وحركتها

عدد الصفحات ٤٥

436 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة وكيفيات البقاء فيها بين الأمم بقوة وفاعلية. 3- لكل محتوى من محتويات الخطاب الدعوي متطلبات لتحقيقه وإقامته في واقع الحياة، فالهداية تتطلب "الرحمة" و"اللطف"، والفقه يتطلب حسن تصور لمادته، وإدراك الواقع الذي سيتنزل فيه، وصوابية التنزيل، مع توفر روح التيسير والتبشير، وأبرز متطل بات "القيم" توفر القدوة الفردية والجماعية، كما يتطلب المضمون المقاصدي "الفهم العميق للإسلام " وإدراك محاسنه وفهم أسراره، مع القدرة عن التعبير عنها بمنهج منضبط، كما كانت استقراء الوحي بشقية القرآني والنبوي أبرز متطلبات المضمون السنني. 4- ضرورة تقديم الإسلام بصورة متوازنة متكاملة بعيدة عن التجز ئة والتبعيض. 5- علم"مقارنة الأديان " و"الإعجاز العلمي " يعدان م ن أهم العلوم المطلوبة في الخطاب الإسلامي متى قدمناهما بصورة مؤصلة منضبطة، فهما يعبران عن لغة (العلم والعقل والتحقيق) التي هي لغة العصر. 6- ضرورة التركيز على الجانب الوظيفي للمفاهيم والقضايا الإسلامية 0- السبيل الحق إلى تفعيل كل ما سبق العلم الراسخ، والإخلاص مع الجد والدأب. التوصيات: - تنبي المؤسسات العلمية الأكاديمية المختصة بتخريج الدعاة منهجا علميا متكاملا في إعداد وتأهيل وتدريب الدعاة، والتأكيد على ضرورة إدراك التكامل المعرفي في صياغة الخطاب الإسلامي. - الحذر من "علمنة الخطاب الإسلامي" بأيدي وأصوات إسلامية، التي تتم

عدد الصفحات ٤٦

434 د. أحمد محمد زايد الآن من خلال تغليب الجانب الوعظي على ما سواه من الجوانب الإسلامية الأخرى. - ضرورة أن يتابع الدعاة الواقع بصورة دقيقة، لإدراك متغيراته ومتطلبات هذه المتغيرات من مادة توجيهية مناسبة تجيب عن تساؤلاته، وتلبي تطلعاته بالإسلام. - من المناسب جدا أن تؤلف ا لكتب والموسوعات في المواد العلمية المتكاملة التي يمكن أن يستأنس بها الدعاة في إعداد الخطب والمحاضرات والدروس، وكتابة المقالات وتقديم الاستشارات. - الانتقال في معالجة قضايا الدعوة على المستوى الأكاديمي في الجامعات والمؤتمرات من مجرد توصيف المشكلات والتحديات إلى تقديم الحلول العملية التي من شأنها النهوض بالدعاة نهوضا مباشرا.

عدد الصفحات ٤٧

433 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة المراجع 1. أبجديات البحث في العلوم الشرعية محاولة في التأصيل المنهجي، فريد الأنصاري، ط الأولى، الدار البيضاء، 1110م. 8. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار إحياء التراث، القاهرة، بدون. 3. اعجاز العددي للقرآن الكريم عبدالرازق نوفل ، ط الخامسة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1120م 4. الفتح الرباني والفيض الرحماني، عبدالقادر الجي ، ط الأولى – كولونيا – ألمانيا 8770م 5. تفسير القرآن الحكيم المسمى تفسير المنار،الإمام محمد عبده، تأليف / محمد رشيد رضا، ط الهيئة المصرية للكتاب، مصر 1117م 6. تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي الكلبي ، تحقيق: محمد المختار الشنقيطي، ط الثانية 8778 م، المدينة المنورة 0. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، ت: عبد المحسن التركي وآخرون، ط الأولى، مؤسسة الرسالة، 8776م بيروت، لبنان 2. الخطاب السياسي في القرآن السلطة والجماعة ومنظومة القيم، عبد الرحمن الحاج، ط الأولى، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 8718، بيروت، لبنان. 1. الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، ط الأولى، الدار العالمية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1431هـ - 8713م 17. السنن الإلهيةفي الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، ط 8 مؤسسة الرسالة1112 - 1411 بيروت 11. السيرة النبوية لابن هشام تحقيق /مصطفى السقا - إبراهيم الإبياري -

عدد الصفحات ٤٨