المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الخطاب الإسلامي

د احمد محمد زايد

صفحة ١ من ٤

مجلة جامعة طيبة: للآداب والعلوم الإنسانية، السنة الخامسة، العدد 77،7341هـ 691 بنية الخطاب الإسلامي: دراسة في المضمون والوظيفة د. أحمد محمد زايد أستاذ الدعوة والثقافة الإس مية المشارك قسم الدعوة والثقافة الإس مية - كلية الشريعة والدراسات الإس مية - جامعة قطر Ahmad.zayed.qu.edu.qa تاريخ التحكيم: 64/16/1342 تاريخ الإجازة: 61/1/1341 المستخلا دراسة وجيزة تكثف النظر حول الخطاب الإسلامي من زاوية بنيته ومضمونه، فتحدد مفردات هذه البنية ووظيفتها في الخطاب، والغرض من ذلك الخروج بصورة تتسم بالتكامل والتوازن في المضمون، وتُحدثُ الإقناعَ والتغيير في النتيجة، فالخطاب الإسلامي في صورته المنشودة - حسب نظر الباحث - لابد من اشتمال بنيته على خمسة مضامين كبرى وهي : (محتوى الهداية العامة ، المحتوى القيمي، المحتوى الفقهي، المحتوى المقاصدي، المحتوى السنني) ولكل مضمون منها وظيفة ينبغي العناية بها عمليا لينتقل الداعية من التأصيل والتوصيف إلى التفعيل والتشغيل. الكلمات المفتاحية: الخطاب – بنية – الهداية – القيمي – المقاصدي – السنني – الوظيفة.

عدد الصفحات ١

698 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد: فهذا بحث في فن الدعوة إلى الله تعالى، عنونته بـ (بنية الخطاب الإسلامي، دراسة في المضمون والوظيفة). وهو دراسة وجيزة تكثف النظر حول الخطاب الإسلامي من زاوية بنيته ومضمونه، فتحدد مفردات هذه البنية ووظيفتها والأدوات التي تمكن الداعية من تفعيلها، والغرض من البحث الخروج بصورة تتسم بالتكامل والتوازن في المضمون الدعوي، وتُحدثُ الإقناعَ والتغيير في المدعوين، فبنية الخطاب الإسلامي في صورتها المنشودة - حسب نظر الباحث - لابد من اشتمالها على خمسة مضامين كبرى وهي : (محتوى الهداية العامة، المحتوى القيمي، المحتوى الفقهي، المحتوى المقاصدي، المحتوى السنني) ولكل مضمون منها وظيفته المقصودة التي ينبغي العناية بها عمليا لينتقل الداعية من التأصيل والتوصيف إلى التفعيل والتشغيل وصولا إلى الإصلاح والتغيير. والبنية: كما في المعجم " هيئة البناء، ومنه بنية الكلمة، أي صيغتها، وفلان صحيح البنية : سليم(1)، والمراد هنا هيئة وصيغة ومكونات الخطاب الإسلامي، ومرادي بالخطاب الإسلامي : البيان الموجه إلى الناس عبر الوسائل المتعددة لدعوتهم إلى الإسلام. وأما المضمون فهو: المحتوى، ومنه مضمون الكتاب: ما في طيه، ومضمون الكلام : فحواه وما يفهم منه (2). والمراد في بحثنا لا يخرج عن المعنى اللغوي وأعني به مادة الخطاب الإسلامي المقدمة للمدعوين. والمراد بالوظيفة: هي العمل ولم أستعمل لفظة (دور) لخصوصية معناه في علم المنطق. وأسال الله تعالى أن يكتب لهذه الكلمات القبول في السماء وفي الأرض، وأن ينفع بها كاتبها والناظر فيها. (1) المعجم الوجيز26.) (2) المعجم الوجيز321.)

عدد الصفحات ٢

699 د. أحمد محمد زايد التمهيد المتابع للخطاب الإسلامي بصورة علمية نقدية فاحصة يرى بوضوح خللا في تكامل البنية والمادة والمحتوى الذي يحمله هذا الخطاب، فلو تجاوزنا الحديث عن خطاب العنف والإرهاب من البعض وهم قلة، وولجنا إلى المساحة المعقولة التي تعبر عن الفكر الوسطي العام في الأمة سنجد أننا في الجملة أمام خطاب جزئي، فهو إما خطاب غلب عليه الوعظ والقصص والتذكير وهو بهذا يصنع عقلية "علمانية" شئنا أم أبينا، عقلية لا ترى إلا الجانب التعبدي الشعائري من الإسلام، وإما خطاب فقهي جاف يعرض قوائم الحلال والحرام وما بينهما من درجات شرعية، دون نظر إلى ما ينبغي مراعاته من المقاصد، وفقه التنزيل، وحال المدعوين، والبيئة التي تحيط بهم وحالات الضرورات والإكراهات، والضعف والقوة وغير ذلك فيقدم بذلك الفقه جافا لا روح فيه، وقد يغلب على الخطاب الجانب القيمي الأخلاقي مجردا دون كشف عن فلسفة تلك الأخلاق والقيم في إقامة حياة بشرية متينة يسودها السلم، وفي الجملة فإن ال ملاحظ خلو خطابنا الإسلامي غالبا مما يمكن أن نسميه "الفقه الشامل" الذي يشتمل - إلى جانب فقه الأحكام - فقه الحياة بقوانينها وحركتها وصراعاتها وكيفيات تصرف المسلم في معتركاتها. ويجزم الباحث أن الخطاب الإسلامي الضعيف هو أحد أسباب ضعفنا وانتكاساتنا. فلقد زرت دولاً كثيرة مسلمة وغير مسلمة في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وكنت أرقب طبيعة الخطاب الإسلامي الموجه إلى الناس مسلمهم وكافرهم، فرصدت قصورا هائلا لو بقي بلا معالجة فستظل حقيقة الإسلام الكبرى وهدايته العظمى محجوبة عن ملايين بل مليارات من البشر، وسيحاسب المسلمون أمام الله تعالى على ذلك.

عدد الصفحات ٣

411 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة إن الخطاب الإسلامي أو الخطاب الديني الإسلامي المعاصر خطاب لا يبعث - غالبا - على الإغراء به وحفز النفوس نحوه، هذا إن لم يكن باعثا على النفور أو الخوف منه. والخلل في ذلك كما يرى الباحث مركب من أمرين أحدهما: الجزئية وضعف التكامل في بنية الخطاب المقدم من حيث محتوياته الفكرية ومفرداته المعرفية التي تقدم صورة غير متكاملة عن الإسلام (1) مع الضعف الغرض الوظيفي لتلك المفردات. وثانيهما: ضعف الواقع الحضاري للأمة الإسلامية، بحيث أصبح لا يغري بحب رسالتها، ولا يشجع على الانفتاح على مضامينها(2) الدافع إلى الكتابة في هذا الموضوع ما يأتي: توفرت مظاهر عدة كانت الدافع وراء الكتابة في موضوع الدراسة، منها: - تشوه الصورة العامة للخطاب الإسلامي بتغليب بعض جوانبه وتضخيمها على حساب جوانب أخرى، وبضعف توظيف تلك المفردات توظيفا أمثل يحقق الغرض من الخطاب. - تصدير خطاب مخيف ومرعب من بعض التيارات المحسوبة على الحركة (1) وقد غلب الجانب الوعظي في الخطاب الدعوي على سائر الجوانب حتى غدت كثير من جماهير الأمة تجهل حقائق الإسلام الشامل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية وسائر جوانب الحياة، مما يمكن أن نسميه (علمنة الإسلام )، حتى إن كثيرا من العوام لا يتقبلون طرح تلك الجوانب ظانين ان لا علاقة لها بالإسلام. (2) حدثني أحد الشباب المسلم في ألمانيا أنهم يجدون عقبة في دعوة الألمان إلى الإسلام ، حيث يواجههم الألمان بقولهم أنتم جئتم هنا إما طلبا للعلم أو المال والعمل أو طلبا للأمن، وهذه مقومات الحياة الرئيسة (المال والعلم والأمن) فإن كان دينكم حقا فلم لم يوفر لكم هذه الأسس والمقومات، وبقطع النظر عن عدم وجاهة الكلام وما يتضمنه من مغالطة، فهكذا يفهمنا الآخر وهكذا ينظر من يربط بين رسالتنا وبين تخلفنا الحضاري.

عدد الصفحات ٤

411 د. أحمد محمد زايد الإسلامية، أو خطاب مكرور ممل من كثير من الدعاة الرسميين. ومن ثم كانت رغبة الباحث في تقديم رؤية علمية تسهم في ترشيد الخطاب الإسلامي ليكون خطابا متكاملا فاعلا، وسط تلك الأنواع المتضاربة من الخطابات المنتسبة إلى الإسلام. الدراسات السابقة: تعددت الدراسات حول الخطاب الديني في العالم الإسلامي، والحاجة إلى تجديده وبخاصة بعد أحداث 11 سبتم المعروفة، وأحسن الكثير من هؤلاء فيما كتبوا، فقد وضعوا مواصفات الخطاب الدعوي وضوابط وعوامل تأثيره، وكيفيات مواكبة الخطا ب الإسلامي لحاجات العصر، والتحذير من أن يقوم بالتجديد من ليسوا أهلا لذلك، وفرقوا بين التجديد والتحريف، إلى غير ذلك، وبقيت مسألة "البنية"، أو "المحتوى" الحلقة الأضعف في المعالجة والتناول، فجاءت هذه الدراسة لتبحث الصورة المتكاملة لمضمون الخطاب الإسلامي وصو لا به إلى حالة "تكامل البنية وتوازن المضمون " بدلا من كونه خطابا جزئيا يغلب عليه الجانب الوعظي أحيانا كثيرة، والفقهي أحيانا أخرى، ومن هنا كان ت مشكلة الدراسة. مشكلة الدراسة: تبحث الدراسة عن جواب لسؤالين كبيرين هما: - ما المضامين الكبرى وما المداخل الكلية للخطاب الإسلامي المنشود؟ - ما البعد الوظيفي لهذه المضامين المكونة لبنية الخطاب الإسلامي؟ ورأى الباحث أن الخطاب الإسلامي في صورته المنشودة لابد من اشتمال

عدد الصفحات ٥

416 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة بنيته على المضامين والمحتويات الخمسة الكبرى وهي: (محتوى الهداية العامة، المحتوى القيمي، المحتوى الفقهي، المحتوى المقاصدي، المحتوى السنني). منهج البحث: اتبعت في البحث ثلاثة مناهج هي: - المنهج الاستقرائي (1) :حيث تتبعت الكثير من مواد الخطاب الإسلامي المعاصر مقروءة ومسموعة ومرئية، ثم تتبعت كثيرا من جوانب تراثنا الفقهي والقيمي والمقاصدي والسنني. - المنهج التحليلي (2) :بالوقوف على تفسير جلي للنصوص ذات العلاقة بموضوعنا، ثم تحليل بعض الظواهر الإسلامية، والتأمل في واقع خطابنا الإسلامي المحلي والعالمي. - والمنهج الاستنباطي (3) :وبه استخلصت النتائج وما ينبغي أن تكون عليه صورة الخطاب الإسلامي الفاعل. (1) المنهج الاستقرائي هو: "تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات" المستصفى للغزالي (54.) وهذا المنهج عادة ما ينطلق الباحثفيه من فحص الجزئيات للوصول إلى حكم أو قانون عام كلي، وهو منهج دقيق يستعمل في الدراسات الشرعية وغيرها. (2) المنهج التحليلي هو: "منهج يقوم على دراسة الإشكالات العلمية المختلفة، تفكيكا، أو تركيبا، أو تقويما". ويقوم هذا المنهج على التفسير والنقد. أبجديات البحث في العلوم الشرعية محاولة في التأصيل المنهجي د/ فريد الأنصاري. (3) المنهج الاستنباطي هو : الانتقال بصورة منطقية من المبادئ والنتائج القائمة على البداهات والمسلمات العلمية إلى الجزئيات وإلى استنتاجات فردية معينة، بمعنى أن الأسلوب الاستقرائي يهدف إلى التحقق من الفروض وإثباتها عن طريق الاختبار. منهجية البحث، (24.) مانيو جيدير، ترجمة: ملكة أبيض.

عدد الصفحات ٦

414 د. أحمد محمد زايد واختصارا لحجم الهوامش فضلت ذكر الكتاب والمؤلف فقط فيها، وأرجأت إيراد معلومات الكتاب ثم ذكرتها في قائمة المراجع نهاية البحث، وهذه طريقة متبعة. وقد جاء بناء البحث مرتبا على مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة أما المقدمة فبينت فيها مشكلة البحث، وسؤاله، والدراسات السابقة، ومنهج البحث. وأما المباحث الخمسة فجاءت كالتالي: المبحث الأول: محتوى الهداية العامة ووظيفته. المطلب الأول: محتوى الهداية العامة في الخطاب الإسلامي. المطلب الثاني: وظيفة محتوى الهداية في الخطاب الإسلامي. المبحث الثاني: المحتوى القيمي ووظيفته. المطلب الأول: المحتوى القيمي في الخطاب الإسلامي. المطلب الثاني: وظيفة المحتوى القيمي في الخطاب الإسلامي. المبحث الثالث: المحتوى الفقهي ووظيفته. المطلب الأول: المحتوى الفقهي في الخطاب الإسلامي. المطلب الثاني: وظيفة المحتوى الفقهي في الخطاب الإسلامي. المبحث الرابع: المحتوى المقاصدي ووظيفته. المطلب الأول: المحتوى المقاصدي في الخطاب الإسلامي. المطلب الثاني: وظيفة المحتوى المقاصدي في الخطاب الإسلامي.

عدد الصفحات ٧

413 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة المبحث الخامس: المحتوى السنني ووظيفته. المطلب الأول: المحتوى السني في الخطاب الإسلامي. المطلب الثاني: وظيفة المحتوى السنني في الخطاب الإسلامي. ثم نتائج البحث، وأهم المراجع، والفهرس

عدد الصفحات ٨

415 د. أحمد محمد زايد المبحث الأول محتوى الهداية العامة ووظيفته الهداية هي الهدف الأعلى من إنزال القرآن العظيم، بل كل كتب الله المنزلة، وهي محور عمل الرسل ومركز عمل الأنبياء، وأجمعُ وصف للقرآن أنه كتاب هداية، وينبغي أن يدرك الدعاة أن "محتوى الهداية " أحد المضامين الكبرى في الخطاب الإسلامي، وأتناول هذا المسألة في مطلبين: المطلب الأول محتوى الهداية العامة في الخطاب الإس مي مركزية مفهوم "الهداية" في الخطاب القرآني: بتتبع لفظ (الهدى) واشتقاقاته في القرآن الكريم نجد أن وروده قد تعدد بصورة لافتة، حيث بلغت ثلاث مائة وثماني مرات ، بصيغ مختلفة، ففي مواضع جاءت بصيغة الفعل الماضي أو المضارع، ومرات بصيغة الأمر على سبيل الدعاء، وأخرى بصيغة المصدر، وهذه الكثرة تنبئ عن مركزية هذه القضية في القرآن، وتؤكد أن المقصد الأعلى من حركة الأنبياء هو (هداية الخلق). إطلاقات لفظ "الهداية" في الخطاب القرآني: الهداية: كما يعرفها الراغب هي "الدلالة بلطف "(1)، والدلالة في السياق الإسلامي إنما هي وظيفة إرشادية يقوم بها الدعاة لتعريف الناس الطريق الصحيح نحو الغاية التي خلقوا من أجلها، وتشير الإحصائيات المعاصرة أن أكثر ا لبشر بعيدون عن تلك الغاية حيث تفرقت بهم السبل إلى دين سماوي محرف، ونحلة (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفها(638.)

عدد الصفحات ٩

412 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة أرضية مختلقة، حتى غدوا في أمس الحاجة إلى تلك الهداية. وقد تتبع الراغب الأصفهاني لفظ "الهداية" في مواضعه من القرآن الكريم وذكر أن الهداية تطلق على معان عدة:  الأول: الهداية التي عم بجن سها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها كل شيء بقدر فيه حسب احتماله كما قال تعالى: ﭽﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﭼ(1).  الثا: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى : ﭽﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭼ(2).  الثالث: التوفيق الذ ي يختص به من اهتدى، وهو المعنى بقوله تعالى : ﭽﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ(3)، وقوله: ﭽﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭼ(4)....  الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله : ﭽﮫ ﮬ ﮭﭼ(5)... إلخ"(6) ومقصودنا من هذه المراتب المرتبة الثانية التي هي وظيفتنا نحن المسلمين من حيث كوننا مطالبين بدعوة الناس ودلالتهم على الحق، ومن حيث كون ذلك "الاهتداء" هدفا رئيسا لرسالة الإسلام، دلت عليه آيات كثيرة من الوحي الشريف (1) سورةطه: 11. (8) سورةالسجدة: 20. (3) سورةمحمد: 16. (4) سورةالتغابن: 11. (5) سورةمحمد: 1. (6) المفردات(638 - 639)بتصرف يسير،مصدر سابق.

عدد الصفحات ١٠

411 د. أحمد محمد زايد منها قول الله تعالى عن القرآن: ﭽﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ(1)،وهي هداية عامة للناس كل الناس ، وقوله تعالى: ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ(2)،وقوله تعالى: ﭽﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭼ(3)، وقوله تعالى: ﭽﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﭼ(4). مقتضيات كون"الهداية العامة" قضية مركزية في الخطاب الإسلامي إذا ثبت كون "الهداية" مقصدا أعلى للرسالة الإسلامية فإن القيام بها يقتضي عدة متطلبات نوردها إجمالا ثم نأتي على تفصيلها، أما إجمالا فهي: 1) التلازم بين الخطاب"بالهداية" وإشعار المدعو بمعاني "الرحمة" الإسلامية. 8) الخطاب بالقرآن الكريم 3) التيسير والتبشير. 4) وصول الخطاب الإسلامي إلى درجة"البلاغ المبين". 5) مراعاة الخطوط العامة لتحقيق "الهداية" العامة. وأما التفصيل فعلى ما يأتي: 1) التلازم بين الخطاب "بالهداية" وإشعار المدعو بمعاني "الرحمة" الإسلامية. فمن لطائف ما وقفت عليه أثناء البحث هو تساوي عدد لفظ (الهدى) مع لفظ (الرحمة) في القرآن وقد أدرك هذا المعنى عبد الرازق نوفل وسجله في بعض (1) سورةالبقرة: 181. (8) سورةالإسراء: 2. (3) سورةالنحل: 82. (4) سورةطه: 123.

عدد الصفحات ١١

418 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة كتبه قائلا إن: "عدد ذكر "الرحمة" يساوي عدد مرات ذكر "الهدى"، فلقد تكرر كل من اللفظين 01 مرة في القرآن الكريم"(1). ومثل هذه اللفتة الإعجازية ينبغي أن تنبه العقول إلى ضرورة تلازم معنى "الرحمة" مع القائم بمهمة "الدلالة والهداية " حتى يجدها المدعوون في قسمات وجه الدعاة وفلتات أ لسنتهم، فما "الهداية" في حقيقتها ونتيجتها إلا "رحمة" ولا يتصور أن تقدم "الهداية" بمنأى عن معاني الرحمة والشفقة، والرحمة معنى إنساني قبل كل شيء، يشعر الإنسان بالحاجة الدائمة إليه، وبخاصة في ظل طغيان التوجهات الما دية على حياته المعاصرة طغيانا جرده من كثير من معاني إنسانيته، فغدت "الرحمة" "والهداية" أحد أشواقه الروحية. لقد وصف الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بأنه "رؤوف رحيم " وأنه "رحمة للعالمين" وتمثل ذلك عمليا في التطبيقات النبوية العديدة التي ظهرت فيها معاني الشفقة على الخلق والرفق بهم وتقدير أعذارهم، والحرص عليهم، ورجاء هدايتهم لدرجة أن نفسه ﷺ كادت تزهق وتخرج حزنا على من أعرض عن "الهداية". وقد تمثل هذا المعنى الشيخ عبد القادر الجيلاني الحنبلي حيث يقول عن نفسه: " إذا رأيتُ وجه مريد صادق قد أفلح على يدي شبعتُ وارتويتُ واك تسيتُ وفرحت، كيف خرج مثله من تحت يدي"(2). 6) الخطاب بالقرآن الكريم: من مقتضيات كون "الهداية" أحد مكونات الخطاب الإسلامي، مخاطبة (1) الإعجاز العددي للقرآن الكريم عبدالرازق نوفل(115). (2) الفتح الرباني والفيض الرحماني عبدالقادر الجي(31.)

عدد الصفحات ١٢

419 د. أحمد محمد زايد الناس بآيات الكتاب العزيز فهو منبع الهداية، ويمكن للدعاة تلاوته على المدعوين مباشرة عربا كانوا أو عجما، متعلمين وأميين، فللقرآن سره العجيب وتأثيره الملحوظ حتى في أولئك الذين لا يفهمون العربية، والتجارب في ذلك لا تحصى. لقد كانت التلاوة المباشرة من رسول الله ﷺ للقرآن علي الكفار وسيلة فعالة في الدعوة إلى هداية الإسلام، ففي سيرة ابن هشام : "أن عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة - المكانة - في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال له عتبة ما قال حتى إذا فرغ قال له : أوقد فرغت يا أبا الوليد ؟. قال نعم. قال : فاسمع مني، قال : أفعل. فأخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتلو عليه من سورة فصلت، حتى انتهى إلى الآية موضع السجدة منها وهي الآية 30، سجد، ثم قال لعتبة : قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذلك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به، وطلب عتبة إليهم أن يدعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه، فأبوا وقالوا له: سحرك يا أبا الوليد بلسانه"(1). وقد مارس الصحا بة الكرام نفس الأسلوب ، فكانوا يخاطبون المدعوين مباشرة بالقرآن، ففي سيرة ابن هشام كذلك يقول : "ومن أروع ما يُروى من نجاحه - أي مصعب - في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يومًا يريد دار بني عبد (1) السيرة النبوية لابن هشام (1/293) قال محقق الكتاب (إسناده مرسل ، والحديث حسن ) رواه البيهقي (2/204) في الدلائل، وابن كثير في البداية(3/53.)

عدد الصفحات ١٣

411 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة الأشهل، ودار بني ظفر، فدخلا في حائط من حوائط بني ظفر، وجلس على بئر يُقال لها: بئر مرق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ على الشرك، فلما سم عا بذلك قال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارنا فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا. فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد؛ قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: "إن يجلس أُكلِّمه". وجاء أسيد فوقف عليهما متشتمًا، وقال : ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: "أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإس لام وتلا عليه القرآن، قال: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا هذا الدين؟"(1). "ولما عاد أسيد إلى سعد بن معاذ قال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندك م! ولما ذهب سعد إلى مصعب ليطرده ويكفه عن الدعوة، فعل معه مصعب مثل ما فعل مع أسيد، ورد سعد بمثل ما رد أسيد بعد أن قرأ عليه القرآن، ولما عاد إلى قومه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به"(2). 4) التيسير والتبشير: سبق تعريف الراغب الأصفهاني معنى الهداية بأنها "الدلالة بلطف" يفهم من هذا أن "الهداية" و"اللطف" صنوان، وانفصال اللطف عن الدلالة يحول دون قبول (1) السيرة النبوية لابن هشام(1/435 - 431) مصدر سابق، قال محقق الكتاب: إسناده مرسل. (2) السيرة النبوية لابن هشام(1/431) مصدر سابق. قال محقق الكتاب: إسناده مرسل.

عدد الصفحات ١٤

411 د. أحمد محمد زايد الهداية، ولا يحقق معنى الإرشاد والتوجيه والدلالة، وقد يسر الله تعالى شريعته على عباده تيسيرا حيث تضمن خطابه تعالى إلى خلقه في هذا السياق المعاني الآتية:  تيسير أعمال الإيمان والترغيب في تكاليفه ببيان مقاصدها وغاياتها وعللها  تشريع الرخص وتنوعها لرفع الحرج عن الخلق ليظلوا في علاقة دائمة مع ربهم.  عدم التكليف بما لا يطاق،ﭽﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﭼ(1).  ربط الأعمال الصالحة بالأجر ومضاعفة ذلك الأجر بحيث تنشط النفوس في أعمال الإيمان وتستمر.  ذكر قصص الصالحين والمجاهدين والعابدين كنموذج يقتدى في الهمة للقيام بأعمال الإيمان.  تيسير القرآن للذكر والفهم والتأكيد على أن الله لا يريد بالناس الحرج ولا العسر، حتى غدا اليسر والتيسير خصيصة كبرى عرف بها الخطاب الإسلا مي القرآني والنبوي.  ذم التشدد والتشديد والتنفير من كل تصرف فيه تعسير على الخلق، أو تشديد على النفس قولا أو فعلا.  توصية الدعاة والمبعوثين بالدعوة أن ييسروا ولا يعسروا ففي الحديث : "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"(2). (1) سورةالطلاق: 0. (8) رواه مسلم في الصحيح كتاب/ الجهاد والسير، باب/ في الأمر بالتيسير وترك التنفير3861.)

عدد الصفحات ١٥

416 بنية الخطاب الإس مي: دراسة في المضمون والوظيفة 3) وصول الخطاب الإسمي إلى درجة "البلاغ المبين": من مقتضيات إيصال الهداية للعالمين أن نصل برسالتنا إلى درجة (البلاغ المبين) وهو "الأداء الواضح" الذي يدرك الجميع به المراد من الرسالة. ومن المتيقن أن رسالة الإسلام حتى يوم الناس هذا لم تبلغ إلى العالمين على هذا الوجه المطلوب شرعا، رغم توفر وسائل الاتصال الحديثة بكافة صنوفها. ويلزم للوصول إلى درجة (البلاغ المبين) تحقيق أمرين: - استيعاب الداعي رسالته استيعابا شاملا بحيث يتمكن من التعبير عن صورتها الكاملة بعيدا عن الاجتزاء المخل. - تقديم الصورة الكاملة للإسلام تحقيقا لقوله تعالى: ﭽﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﭼ(1)، وما أنزل إليه ﷺ إنما هو الدين الكامل التام، وليست أجزاء متفرقة نسميها نحن دينا، وأي خلل في هذين الأمرين يحدث خللا في تقبل مسألة الهداية أو في تصورها بعد قبولها. أما من حيث الوسائل فلابد من اللقاء المباشر بين الداعي والمدعو لقاءً يتمكن به المدعو من النقاش والأخذ والرد والاستفسار والحوار، ولا يمكن الاعتماد في البلاغ المبين على مجرد رسالة مكتوبة أو موقع إليكتروني أو برنامج هنا وهناك وسط هذه الأعاصير من الشبهات حول الإسلام، ولا يخفى أن المواقع الإليكترونية فيها ما فيها من توجهات مختلفة بعضها منسوب إلى الإسلام كذبا وزورا، وبعضها إما مترخص جدا أو متشدد جدا إلى غير ذلك من الإشكالات التي تكتنف ها، وعلى هذا فلا يمكن اعتبار أن وسائل التقنية الحديثة قد حققت (1) المائدة60.

عدد الصفحات ١٦