في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 37 فكيف نحكم على قراءتهم بأنها قراءة شاذة، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ قد قرأ ببعض هذه القراءات، كما في قصة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم؟ ولهذا كان يشكل على ابن دقيق العيد تسمية هذه القراءات بالشذوذ، فقد نقل عنه أنه قال حاتمًا نقلت عنه أخبار في الجود رسول الله ﷺ قرأ بشاذ منها، وإن لم يعين، كما أن كلها آحاد، ولكن حصل من مجموعها الحكم بسخائه، وإن لم يتعين ما تسخى به، وإذا كان كذلك فقد تواترت قراءة رسول الله ﷺ بالشاذ، وإن لم يتعين بالشخص، ).1(فيكف يسمى شاذًا، والشاذ لا يكون متوترًا؟ الجواب على الدليلين السابقين من وجهين: الوجه الأول ﷺ، وأخذها بعض أن هذه القراءات وإن كنا نقطع بأن بعضها قد قرأ به النبي الصحابة منه، لكن لا نستطيع القطع في أفراد هذه القراءات بأن الرسول ﷺ قد قرأها؛ فلا يلزم من تواتر قراءته بهذه الأفراد من حيث الجملة تواتر أفراده؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم زمن عثمان لم يجمعوا عليها، فلا نقطع بقرآنيتها، ولا نجحدها، بل يستفاد منها في التفسير، وفي الأحكام، وخير مثال على ذلك حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها، فلا تثبت آحاد هذه الأخبار لتواتر حجة الوداع، وقل مثل ذلك في أحاديث الشفاعة، وأحاديث رفع اليدين في الدعاء ونحوهما. ً من كتاب النشر: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في لايقول مكي نق العربية وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ إحداهما: به بخبر الواحد. (يعني أنه يثبت قراءة، ولا يثبت قرآنًا). : أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، العلة الثانية لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع وما ). 22منجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري (ص )1( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٤في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 38 .)1(إذا جحده ... إلخ وهذا يبتنى على أصل: وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ قال ابن الجزري مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًّا، وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه أشار مكي بقوله: ولبئس ما صنع إذا جحده، وذهب بعض أهل الكلام ).2(إلى وجوب القطع بنفيه قال الإمام أحمد فيما نقل عنه المروذي: قراءة العامة أعجب إليَّ، وإن قرأ بقراءة ).3(ابن مسعود لا أقول يعيد فلم يتجرأ الإمام أحمد على إبطال صلاته؛ لعدم القطع بالمبطل. الوجه الثاني: أن هناك فرقًا بين القرآن والقراءة على القول الصحيح، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا، فكانت القسمة ثلاثة. : ما اجتمعت فيه أركان القراءة الصحيحة السابق ذكرها بأن صح القسم الأول سندها، ووافقت العربية ورسم المصحف: فهي قراءة صحيحة، ويقرأ بها أيضًا، فكانت قرآنًا. : لا يعتبر قراءة، ولا يقرأ به، وهو ما لم يصح سنده.والقسم الثاني : ما ثبت قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا، وهو ما صح سنده، والقسم الثالث وصح وجهه في العربية، وخالف رسم المصحف. فإن قيل: كيف يكون قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا؟ : أنه لما خالف رسم المصاحف العثمانية لم نقطع بكونه قرآنًا؛ لعدم فالجواب نقطع بأنه ليس قرآنًا، فقد يكون قرآنًا سمعه الصحابي إجماع الصحابة عليه، كما أننا لا من النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ قد قرأ به، إلا أن القرآن لا يثبت بالاحتمال، فيثبت قراءة، ). 15 /1النشر في القراءات العشر )1( المرجع السابق، الصفحة نفسها )2( .)353/6ً من الجامع لعلوم الإمام أحمد، الفقهلا) نق 308انظر تهذيب الأجوبة (ص )3( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٥في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 39 ، والله أعلم)1(ولا يقرأ به؛ لعدم القطع بقرآنيته، ويستفاد منه في الأحكام والتفسير ويقول الزركشي في البرهان فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: اختلاف ).2(ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما ويقول الطوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة: « من أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، ).3(الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن واختار الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأبو محمد المكي، والإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة: أن ما وافق العربية، ولم يخالف رسم المصحف، وصح سنده، فهو قراءة يقرأ بها (أي قرآن)، لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم غيرهما. ). 4( وما اختل فيها شرط منها فلا يقرأ بها، أي ليست قرآنًا، وإن اعتبرت قراءة الدليل الثالث: روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ، وكدت ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ﷺ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا ). 14/1انظر: النشر في القراءات العشر )1( .)318/1البرهان في علوم القرآن للزركشي )2( .)23/2شرح مختصر الروضة )3( .)9/1انظر النشر في القراءات العشر )4( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٦في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 40 .)1(أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر فدل هذا الحديث أن هناك فرقًا بين اختلاف القراء وبين اختلاف الفقهاء، فاختلاف القراء في القراءات من اختلاف صفات العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، فكلها حق وصواب نَزَلَ من عند الله، وهو كلامه لا شك فيه، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث َصَوَّب النبي ﷺ قراءة كل من المختَلِفِين، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله، فلا ترد القراءة لمجرد مخالفتها رسم المصحف إذا كان النقلة لها ثقات، ووافقت العربية، بخلاف اختلاف الفقهاء: فهو اختلاف اجتهادي، يتعدد بتعدد الاختلاف. في كلها، ولا والحق مظنون في أحدها لا (ح-) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم (النخعي)، عن مسروق، ذَكَر عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، ).2(وأبي بن كعب، ورواه مسلم الدليل الرابع: لم يكن مصطلح الشاذ معروفًا في عصر الوحي، ولا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حتى جمع الخليفة الراشد عثمان مصحفه، وكثر القراء في القرن الأول والثاني وكثرت اختلافاتهم، فظهر اصطلاح الشاذ، وكان الحكم بين هذه الاختلافات بعد صحة إسنادها، وموافقتها لكلام العرب الذي أنزل به القرآن، هو وقرآنًا، موافقتها أو مخالفتها لخط المصاحف العثمانية، فما وافقها كان قراءة خالفها حكم عليه بالشذوذ، ولا يعني مخالفتها للمصحف العثماني القطع وما ببطلانها؛ لأن المصاحف العثمانية حرف من الأحرف السبعة كما سبق، و لو كانت باطلةً لكانت باطلة في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، والله أعلم. يناقش: بما سبق ذكره بأن القراءات الشاذة لا نقطع ببطلانها إذا صح سندها، ووافقت ). 2419صحيح البخاري )1( .)4999صحيح البخاري )2( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٧في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 41 العربية، ولكن لا نقطع بقرآنيتها أيضًا؛ لمخالفتها المصحف المجمع عليه، فنقبلها قراءة، ولا نقبلها قرآنًا، والصلاة إنما تصح بما نقطع بأنه قرآن، والله أعلم. دليل من قال: تصح القراءة بالشاذة ما لم تخالف الرسم أو تغير المعنى: هذا القول مبني على تعريف القراءة الشاذة عند المالكية وبعض الشافعية، كالنووي والرافعي والرملي، حيث يرون أن القراءة المتواترة هي القراءات السبع، وراء ذلك فهو شاذ، خلافًا للبغوي والسبكي حيث جعلوا العشر كلها متواترة، وما وبالتالي قد توجد قراءات خارج القراءات السبع، بل وخارج القراءات العشر موافقة لرسم المصحف، وموافقة للعربية، وتكون مشهورة، ويحكمون بشذوذها؛ لكونها خارجة عن القراءات السبع، بدعوى اشتراط التواتر، وأن التواتر مختص بالسبع وقيل: بالعشر، فإذا صلى بهذه القراءة الشاذة لم تبطل صلاته عندهم، إلا أن تخالف الرسم زاد الشافعية: ويتغير معها المعنى، والحكم بصحة الصلاة بها حكم بقرآنيتها، حيث سقط بها فرض القراءة، وهو يضعف الحكم بشذوذها، وقولهم هذا اضطرهم إلى تقسيم القراءة الشاذة إلى قسمين: شاذة تفسد الصلاة، وشاذة لا تفسد. والصحيح أن كل قراءة سقط بها فرض القراءة فهو قرآن وقراءة معًا، فلا مسوِّغ للحكم بشذوذها، وهو دليل على ضعف التحديد بالسبع أو بالعشر، فالقراءات الصحيحة أوسع من هذا العدد، والمطلوب بعد ثبوت إسنادها، وموافقتها العربية ألا تخالف رسم المصحف، سواء أكانت من السبع أم من العشر، أم من غيرهما، والله أعلم. دليل من قال: إن أدى بالشاذ فرض القراءة لم تصح وإلا صحت: يختلف العلماء في المقدار الذي يؤدي به المصلي فرض القراءة، فالجمهور يرونه متعينًا في الفاتحة، والحنفية يرونه في مطلق القرآن. فإذا قرأ آية طويلة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند الحنفية، أو قرأ الفاتحة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة. وجه القول بالصحة: إن اقتصر على القراءة بالشاذ لم تصح صلاته؛ لتركه القراءة المتواترة، ولأن ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٨في حكم الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف 42 فرض القراءة لم يتحقق وجوده وإن لم يقرأ من المتواتر ما يؤدي به فرض القراءة، وقرأ معها قراءة شاذة لم تفسد صلاته؛ لأنه أتى بفرض القراءة المجزئة، فالفساد لا يكون من قراءة الشاذ، بل من تركه القراءة المتواترة. وقال بعض الحنابلة: إذا قرأ قراءة صحيحة فقد تحقق وجود الفرض المجزئ في صلاته، وشك في وجود المبطل؛ والأصل عدمه. ولأن القراءة الشاذة تكون حينئذِ بمنزلة الذكر في الصلاة، فلا تبطل به الصلاة، وهذا التعليل يلزم منه أن يدع من القراءة الشاذة ما يتعلق بالأخبار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه من الأذكار، فيكون كالكلام في الصلاة، فيخشى منه إفساد الصلاة. يقول قاضي خان في فتاويه نحو مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما إن لم يكن ً تفسد صلاته؛ لأنه من كلام لامعناه في مصحف الإمام، ولم يكن ذلك ذكرًا، لا تهلي الناس، وإن كان معناه ما كان في مصحف الإمام تجوز صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا تجوز في قياس قول أبي يوسف رحمه الله يُجَوِّزُ بلفظ العربية أما عند أبي حنيفة فلأنه يُجَوِّزُ قراءة القرآن بأي لفظ كان ومحمد ).1(ولا يُجَوِّزُ بغيرها ف:ل الراجح من الخ أن ما خالف المصحف العثماني مما صح سنده، ووافق العربية لا يقطع بقرآنيته، ولا نقطع بعدمها، فنثبته قراءة، ونستفيد منه بالأحكام والتفسير، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، فلا نصلي به، فإن صلى به أحد لم نتجرأ على بطلان صلاته بالشك، أصل المسألة: أن القراءة الشاذة أهي مما يقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فلو وافقت المصحف 140/1فتاوى قاضي خان )1( .)213/2( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٩المجمع عليه لقبلت قراءة وقرآنًا حتى ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها أجمع عليه من الصحابة، أما وقد خالفت الرسم، وكانت آحادًا فيتوقف في ما قرآنيتها، ولا نعطل الاستفادة منها في التفسير والأحكام، وإنما لم تكن الاستفاضة شرطًا في الصدر الأول فذلك لأن الإسناد كان عاليًا، فكلما نزل كلما تطرق إليه احتمال الخطأ والوهم، ويقوى ذلك بمخالفته الرسم، ولذلك الإمام أحمد في رواية عنه قَبِل قراءة عبد الله، وعلل ذلك بكون قراءته مما اشتهر واستفاض. فقد وذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: قوله ، فكانت )1(أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة فصلاته جائزة، ولا استفاضتها جبرت ما فيها من المخالفة لرسم المصحف. واشترط بعض العلماء التتابع في كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود رضي الله عنه، ولم يقبل كثير منهم التتابع في قضاء رمضان لقراءة أبي بن كعب (فعدةمن أيام ؛ لأن الأولى استفاضت واشتهرت بخلاف الثانية، والله أعلم.)2(آخر متتابعات e e e . )221/1كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى )1( 226/45/2ذكرها قراءة لأبي بن كعب تفسير الماتريدي )2( 189/187/422/الرازي . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٤٠ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٤١