دللة ال واأغرا للباحثة الأستاذ المساعد الدكتورة سهاد جاسم عباس الجامعة العراقية / كلية التربية للبنات
عدد الصفحات ١57مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم المقدّمة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمّد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتدى به وسار على نهجه إلى يوم الدين . وبعد.. فإنّ هذا البحث يعنى بأسلوب من أساليب العربيّة، أسلوب عني به النحاة، فلم يكد يخل كتاب من كتبه من بابه، فكثرت فيه أقاويلهم، وتشعّبت آراؤهم، فأسهبوا في عرضه وأطالوا. ولم يغفله المحدثون، فأهمّهم هذا الباب، فتناولوه درساً وتفصيلاً . على أنّ دراساتهم له تدخل في إطار التقعيد النحويّ، فتناولوا هذا الأسلوب بتحليل التركيب الجمليّ، والتحليل الإعرابيّ لمكوّناته . ولم يكد يعنى بالجانب الدلاليّ لهذا الأسلوب، وبيان بلاغته، وأثره في البيان، إلاّ الدكتور فاضل السامرّائيّ، في كتابه معاني النحو، إذ وقف عند هذا الأسلوب وقفات دلاليّة مجدية. وهذه الدراسة تركّز على هذا الجانب الدلاليّ لأسلوب الاشتغال، فليس الهدف منها الخوض فيما خاض به النحويّون من الدراسات النحويّة التركيبيّة والإعرابيّة له، بل هدفها بيان بلاغته، وأثره البياني في التعبير عن المعاني الّتي يسوقها المتكلّم، مخرجاً لها في حلّته. ابتدأ هذا البحث بتمهيد، أوجز مفهوم الاشتغال عند النحاة، وأهمّ المسائل الّتي تناولوها في دراستهم لهذا الباب . تلاه فصلان، الأوّل منهما في بلاغة الاشتغال، فيه بيان للأثر الدلاليّ لهذا الأسلوب عند نصب المشغول عنه، وما يؤدّيه من معنى في حال رفعه . أمّا الفصل الثاني، ففيه بيان لأغراض هذا الأسلوب من خلال شواهده من القرآن الكريم .
عدد الصفحات ٣58مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم وقد اعتمدت في هذه الدراسة على مصادر نحويّة وبلاغيّة، إذ أفدت من مصادر النحو في بيان اللمحات المعنويّة الّتي وردت عند النحاة في دراستهم لهذا الباب، ومن أهمّها: كتاب سيبويه، والإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري، ومغني اللبيب لابن هشام الأنصاري . ومن الدراسات النحويّة الحديثة: إحياء النحو لإبراهيم مصطفى، ومعاني النحو للدكتور فاضل السامرّائي . أمّا مصادر البلاغة، فقد كانت لها أهمّيّتها في هذا البحث، فقد أفدت ممّا ورد في مباحث التقديم والتأخير، والإسناد، والتعلّق . ومن أهمّها: دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، ومن الكتب البلاغيّة الحديثة: البلاغة العربية لعبد الرحمن حسن الميداني، والبلاغة العالية لعبد المتعال الصعيدي . وفي الفصل الثاني أفدت من كتب التفسير، الّتي من أهمّها، جامع البيان للطبريّ، والكشاف للزمخشريّ، وأنوار التنزيل للبيضاويّ، والتحرير والتنوير لابن عاشور . والله تعالى أسأل التوفيق والسداد، وأن يكتب لي أجر هذا العمل، ويخلصه لوجهه الكريم، فيجعله لي ذخراً يوم نلقاه . إنّه كريم سميع مجيب الدعاء. ***
عدد الصفحات ٤59مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم التمهيد مفهوم ال يعدّ أسلوب الاشتغال من الأساليب القائمة على تقديم المعمول على عامله، فيكون أن يتقدّم اسم، “ إذا تقدّم واشتغل معموله بضميره، أو بما يلابسه . يقول ابن هشام: هو ويتأخّر عنه عامل، هو فعل أو وصف . وكلّ من الفعل والوصف المذكورين مشتغل عن نصبه له بنصبه لضميره لفظا كـ(زيدا ضربته )، أو محلاّ كـ( زيدا مررت به )، أو لما ويعرّفه ابن الحاجب بأنّه: )1(لابس ضميره، نحو: زيدا ضربت غلامه أو مررت بغلامه « )2(لنصبه ـ المشغول، وهو العامل 2ـ المشغول عنه، وهو الاسم المتقدّم 1 :)3(وأركانه ثلاثة ـ المشغول به، وهو ضمير الاسم السابق أو سببيّه . 3المتأخر من فعل أو شبهه ويجوز في المشغول عنه إذا اشتغل عنه عامله بضميره وجهان: الرفع على الابتداء، والنصب، مختلفاً في إعرابه، فذهب البصريّون إلى أنّه منصوب بفعل محذوف وجوباً يفسرّه المذكور، فلا يجوز أن يجمع بين المفسرَّ والمفسرِّ . وذهب الكوفيّون إلى أنّه منصوب .)4(بالعامل المذكور، فضميره دالّ عليه .. 108 / 2، ومعاني النحو355 / 1 ، وينظر: دليل السالك546 شرح شذور الذهب)1( . 324، وينظر: الإعراب والتركيب بين الشكل و النسبة162 / 1 شرح الكافية)2( . 356 / 1 ينظر: دليل السالك)3( ، و شرح12، المسألة رقم78 ـ77 ينظر: تفصيل ذلك وبيانه في: الإنصاف في مسائل الخلاف) 4( . 280شذور الذهب
عدد الصفحات ٥60مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم : )1(وللاشتغال صور ذكرها النحويّون، هي ـ أن يشتغل الفعل بضمير عائد على المشغول عنه، ومثّلوا له بقولهم: زيداً ضربته. 1 : )2(فيكون تقدير الناصب عند من ذهب إلى إضماره: ضربت . ومنه قول المتلمّس شـــدّوا الجـــالَ بــأكــوارٍ عــى عَجَلٍ والظلمُ يُــنــكِــرُه الــقــومُ المكاييسُ ـ أن يشتغل العامل بملابس الضمير العائد على المشغول عنه، أو سببيّه، ومثّلوا2 له بقولهم: زيداً ضربت أخاه . فيكون تقدير الناصب: أهنت . ومنه قول بلعاء بن قيس : )3(الكنا فــلــاّ أبي أرســـلْـــتُ فــضــلــةَ ثــوبِــه إلــيــه، فَــلــمْ يــرجِــعْ بــحــزمٍ ولا عــزمِ والمعنى: أرسلت إليه فضلة ثوبه ـ أن يكون المشغول به مجروراً بحرف جر متعلّق بالفعل، ومثالهم هو: زيداً مررت 3 به. وتقديرهم لناصبه: جاوزت : )4(ومنه قول سنان بن حارثة المري وبــنــو نُــمــير قـــد لــقــيــنــا منهمُ خــيــاً تَــضِــبّ لِــثــاتُــم للمَغْنَمِ وقف النحويّون وقفات طالت وتشعّبت فروعها، في بيان مواضع الرفع والنصب للمشغول عنه، من ترجيح لأحد الوجهين على الآخر، أو جواز، أو وجوب، ويمكن أن نلخّص ما ورد عندهم بما يأتي : ـ وجوب النصب، فموجباته ما كان من المواضع مختصاً بالأفعال، كأن يأتي المشغول 1 . 192، وشرح قطر الندى280 ـ279 ينظر: شرح شذور الذهب)1( . 173 جمهرة أشعار العرب)2( . 63 / 1 الحماسة البصرية)3( 348 المفضليات)4(
عدد الصفحات ٦61مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم أو بعد )1(عنه بعد أدوات الشرط، نحو: إن زيداً لقيته فأكرمه، حيثما عمراً رأيته فسلّم عليه . )2(أدوات التحضيض كـ(هلاّ)، ولولا، ولوما، وألاّ، أو بعد أدوات الاستفهام غير الهمزة : )3(على أنّ المشغول عنه جاء في الشعر العربيّ مرفوعاً، ومنه قول المرقّش الأك إذا عــلــمٌ خــلّــفــتــه يُــتــدى بــه، بدا علمٌ في الآل أغــرُ طامسُ : )4(وقوله حــتّــى إذا مــا الأرضُ زيّنتْها الـ نــبــتُ وجُـــــنَّ روضُـــهـــا وأكــــمّْ ذاقـــوا نـــدامـــةً، فــلــو أكــلــوا الـ خُــطــبــانَ لم يـــوجـــدْ لـــه عَــلــقَــم : )5( ـ رجحان النصب: فيترجّح نصب المشغول عنه على رفعه، في الحالات الآتية 2 ـ أن يجاب به استفهام، بمفعول ما يليه، كقولهم: زيدا ضربته . جواباً لمن قال: أيّم 1 ضربت؟ أو بمضاف إليه مفعول ما يليه ، كقولهم: ثوب زيد لبسته . جوابا لمن قال: ثوب أيّم لبست؟ ـ أن يلي الاسم السابق فعل أمر أو نهي أو دعاء، نحو: زيداً زره . أو عمراً لا تقربه. 2 :)6(أو ذنوبنا اللهمّ اغفرها. ومنه قول عبد قيس بن خفاف والــضــيــفَ أكـــرِمْـــه، فـــإنّ مبيته حــــقّ، ولا تـــكُ لــعــنــةً لــلــنُــزَّلِ .275 / 1 ينظر: شرح الكافية الشافية)1( . 71 ـ70، والأساليب الإنشائيّة في النحو العر613 ينظر: توضيح المقاصد)2( . 226 المفضليات)3( . 240 المفضليات)4( ، وهمع الهوامع142 ـ141 / 2، وشرح التسهيل278 ـ276 / 1 ينظر: شرح الكافية الشافية)5( . 153 ـ152، وإحياء النحو134 ـ133 / 3 . 384 المفضليات)6(
عدد الصفحات ٧62مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم : )1(وقول عمرو بن الأهتم وجـــــاري لا تُــيــنَــنْــه وضيفي إذا أمــســى وراء الــبــيــت كــورُ ـ أن يلي الاسم السابق همزة استفهام، أو حرف نفي غير مختصّ، نحو: أزيدا ضربته. 3 وعمراً ما أهنته . أمّا غير الهمزة من أدوات الاستفهام من موجبات النصب . قال مهلهل ابن مالك الكناني: فـــا جــــزعٌ بــمــغــنٍ عــنــك شيئاً ولا مــا فـــات تُــرجِــعُــه الهــمــومُ فالمشغول عنه هو الاسم الموصول ( ما )، وصلته الجملة الفعليّة ( فات )، والفعل (ترجع) هو الفعل المشغول بالضمير العائد على الموصول . والتقدير: ولا تُرجع ما فات الهموم، ترجعه . : )2(وقال المهلهل بن ربيعة الحـــزمً والــعــزمُ كــانــا مــن صنيعته مــا كــلَّ آلائــه ـ يــا قــومُ ـ أحصيها ـ أن يلي الاسم السابق (حيث)، نحو: حيث زيداً تلقاه يكرمك .4 ـ أن يلي الاسم حرف عطف، قبله جملة فعليّة ، نحو لقيل زيداً وعمراً كلّمته . وجاء5 سعد وسعيداً زرته ـ أن يكون مخلّصاً من إيام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك، كقوله تعالى:( إنّا 6 كلَّ شيء خلقناه بقدر) فنصب (كلّ شيء) يرفع توهّم كون (خلقناه) صفة لشيء، إذ لو كان صفة له لم يفسرّ ناصباً لما قبله ، وإذ لم يكن صفة، كان خبراً، فتعينّ عموم خلق الأشياء بقدر، خيراً كانت أو شرّاً . ولو قرئ (كلّ) بالرفع، لاحتمل أن يكون (كلّ) صفة، وأن يكون خبراً، فنصب لرفع احتمال غير الصواب . .409 المفضليات)1( . 9 ديوانه)2(
عدد الصفحات ٨63مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم ـ وجوب الرفع: وذلك إذا وقع المشغول عنه بعد ما يختصّ بالأسماء، كأن يقع بعد 3 )1((ليتما) نحو: ليتما بشر زرته . لأنّ هذه الأداة لا يليها فعل أو إذا وقع بعد ( إذا ) الفجائيّة .. أو يقع قبل أداة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كأدوات الاستفهام، و( ليت)، و(ألا) ولام الابتداء، )2(المفيدة للتمنّي، وفعل التعجّب، نحو: زيد أين لقيته ؟ أو زيد ما أحسنه .)3(نحو: بشر لأكرمنّه . أو أداة شرط، نحو: الحقّ إن ألفته أفلحت ـ ما يستوي فيه الرفع والنصب، وذلك إذا وقع المشغول عنه بعد عاطف على جملة 4 ذات وجهين، أي اسميّة، الخبر فيها جملة فعليّة، فيجوز أن يرفع مراعاة لاسميّة الجملة، . )4(والرفع مراعاة لفعليّة جملة الخبر، نحو: زيد زرته، وعمرو أكرمته . )5( ـ رجحان الرفع، ويترجّح الرفع في غير ما مرّ من حالات، نحو: زيد أكرمته 5 وعلّل ذلك ابن زنجلة قائلاً الكلام؛لأنّك إذا شغلت (ضربت) عن زيد بضمير، تمّ الفعل والفاعل ومفعوله، وصار وعلّله ابن )6(زيد مرفوعا بالابتداء. ويجوز أن تقول: زيداً ضربته، فتنصبه بإضمار فعل هشام بقوله وجوبا أو رجحانا، نحو: زيد ضربته وذلك لأن النصب محوج إلى التقدير ولا طالب له .275 / 1 ينظر: شرح الكافية الشافية)1( . 72 ـ71، و الأساليب الإنشائيّة في النحو العر275 / 1 ينظر: شرح الكافية الشافية)2( . 615، وتوضيح المقاصد276 / 1 ينظر: شرح الكافية الشافية)3( .135 / 3، و همع الهوامع617 / 1 ينظر: توضيح المقاصد)4( ، وشرح شذور618 / 1، وتوضيح المقاصد467 / 1 ينظر: اللباب في علل البناء والإعراب) 5( .548الذهب .698 حجة القراءات لابن زنجلة)6(
عدد الصفحات ٩64مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم وذكر أبو حيّان الأندلسيّ أنّه )1(والرفع غني عنه فكان أولى لأن التقدير خلاف الأصل )2(أكثر استعمالاً من النصب، فقال : )3(فحكمه على أنّه أكثر من النصب يحكمه الاستقراء . فمنه قول علقمة بن عبدة قد أشهد الــ والــقــومُ تصرعُهم صهباءُ خُرطومُ : )4(وقول المرقّش الأك أمـــوالُـــنـــا نــقــي الـــنـــفـــوسَ بها مـــن كـــلّ مـــا يـــدني إلــيــه الــــذمّْ أمّا حكمه على أنّه أفصح من النصب؛ فلست أتّفق معه، وأرى أنهّما أسلوبان عربيّان، لهما الدرجة نفسها من الفصاحة، كثر ورودهما في القرآن الكريم، وفي اللسان العربيّ الفصيح . ولكلّ منهما معناه، ودواعي استعماله وقد نصّ سيبويه على أنّ النصب : )6( ومنه قول عبد قيس بن خفاف)5(جَيّدٌ وعــذرةَ قد حكّت بها الحــربُ بَرْكها وألقت عى كَلْبٍ حِــرانــاً وكَلْكَا والمعنى: أنّ عذرة قد بركت عليها الحرب، كما تبرك الناقة على الأرض . : )7(وقد روي (كلّ) في قول بشامة بن عمر خـــزي الحــيــاة وحــــربُ الــصــديــقِ وكـــــلٌّ أراه طــعــامــاً وبــيــاً بالرفع ( كلٌ )، والنصب ( كلاًّ ) . .548 شرح شذور الذهب)1( . 413 / 3 البحر المحيط)2( . 402 المفضليات)3( . 240 المفضليات)4( . 104 / 1 الكتاب)5( . 406 المفضليات)6( . 59 المفضليات)7(
عدد الصفحات ١٠65مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم فرفع المشغول عنه في مثل هذه الحال أصل عند النحاة، والنصب فرع عنه فصيح صحيح. يعدل إليه إذا اقتضى المعنى، ودعت الحاجة إليه بما يقتضيه المعنى المراد . المبحث الأوّل بلاغة ال أتعرّض في هذا الفصل إلى الأثر البلاغيّ لأسلوب الاشتغال في حالتي نصب المشغول عنه ورفعه : اأولًـ في حال ن فهذا الأسلوب قبل أن يكون اشتغالاً كان أسلوب تقديم لما حقّه التأخير. نحو قولنا: زيداً أكرمنا لنجاحه . قال الدكتور إبراهيم مصطفى لقيت زيداً ...ولك أن تقدّم زيداً؛ لسبب ما من أغراض التقديم، فتقول: زيداً لقيت. ومن هنا كان لنا أن )1(أو: زيداً لقيته. وهذا التركيب الأخير وحده هو موضع الاشتغال نتساءل، لمَ لم تكتف اللغة بتقديم المعمول على عامله للتعبير عن معنى يراد بهذا التقديم؟ وما الداعي لانشغال العامل بضمير يدلّ على المعمول نفسه لينصبه؟ وباختصار: ما الفرق بين قولنا: العلمَ النافع تعلّمْ . وقولنا: العلمَ النافعَ تعلّمه؟. ففي الجملة الأولى تقدّم المعمول على فعله عناية به، أو تصيصاً له . فالمتكلّم إذا اعتنى بالمفعول به، أو أراد تصيصه، لجأ إلى تقديمه على فعله، كما في الجملة السابقة: العلمَ النافع تعلّم، قال سيبويه .151 إحياء النحو)1(
عدد الصفحات ١١66مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم )1(كانا جميعاً يُِماّنهِم ويَعْنِيانهم أمّا إذا أراد الحثّ على ما يريد، والتأكيد على استحصال المعمول أكثر، فإنّه يعيد ذكره ثانياً بذكر ضميره، فيقول :العلمَ النافع تعلّمه . فالمفعول ذكر مرّتين، الأولى متقدّماً لأهمّيته في نفس المتكلّم، والثانية بذكر ضميره توكيداً له، يقول الدكتور إبراهيم مصطفى: وهذا إن دلّ على شيء، )2(« فهو يدلّ على أنّ في جملة الاشتغال توكيداً للمعنى وتقوية له، وتعزيزاً لمّا كرّر ذكره . وقد نصّ ابن عاشور على أنّ أسلوب الاشتغال من وسائل التوكيد، فالمعمول يتعلّق بعامله مرّتين، مرّة بنفسه، والثانية بضميره، فهو في قوّة تكرّر الجملة، فقال عند تعرّضه لقوله « :)3(تعالى :((والجانّ خلقناه تقوية للفعل، بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال، ثمّ التفصيل لمثل )4(الغرض الّذي أكّدت به جملة (ولقد خلقنا الإنسان وفي جملة الاشتغال في حالة نصب المشغول عنه تأكيد للمعنى من وجه آخر، يتجلىّ في مسألة تقدير فعل عامل في المشغول عنه، إذ اختلف البصريّون والكوفيّون في ناصب المشغول عنه، فذهب البصريّون إلى أنّه معمول لفعل محذوف، يفسرّه المذكور بعده، بـ(تضربه). وتنصب زيدا بفعل آخر مفسرّاً بالمضمر الّذي نصب الأخ؛ لأنّ المضمر الذي . 97 / 1، وينظر: دلائل الإعجاز34 / 1 الكتاب)1( . 154 إحياء النحو)2( . 27 الحجر)3( ، وينظر: خصائص بناء الجملة القرآنيّة ودلالتها / رسالة دكتوراه42 / 14 التحرير والتنوير) 4( .111
عدد الصفحات ١٢67مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم نصب الأخ قد فسرّه الفعل الآخر . وعرف واستبان، حتّى صار كالظاهر، فهو مفسرّ بما فالجملة بعده مفسرّة، ليس لها موضع إعرابيّ، قال ابن )1(بعده ومفسرّ للمضمر قبله )2(هشام وذهب الكوفيّون إلى أنّه منصوب بالفعل المذكور، فالفعل عندهم عامل في المفعول وضميره في آنٍ واحد؛ لأنّ الضمير هو الظاهر في المعنى، فيكون فائدة تسليطه على . )3(الضمير، بعد تسليطه على الظاهر المقدّم تأكيد إيقاع الفعل عليه ومرّ بنا ما نصّ عليه النحاة من مواضع وجب فيها نصب المشغول عنه، وهي مواضع يقع فيها الاسم بعد ما يختصّ بالفعل، كأدوات التحضيض، وأدوات الاستفهام (غير ، ونصّوا على المواضع الّتي يترجّح فيها نصبه، كأن يكون )4(الهمزة)، وأدوات الشرط الفعل طلباً، أو دالاّ على الطلب، أو أن يكون الفعل مقترناً بلام الأمر أو (لا) الناهية، أو أن يكون الاسم بعد ما غلب أن يليه الفعل، كهمزة الاستفهام، أو أن تكون جملة . فهذه حالات وأحكام تؤيّد فعليّة جملة الاشتغال في )5(الاشتغال معطوفة على جملة فعليّة حالة نصب المشغول عنه . وقد نصّ الدكتور محمود عبد السلام على أنّ جميع النحويين من بصريّين وكوفيّين متّفقون ع .)6(وعلى أنّ العلاقة بين الاسم والفعل هي علاقة فعليّة إمّا مباشرة، أو غير مباشرة .147 / 2 شرح التسهيل)1( . 546 شرح شذور الذهب)2( ، والإعـراب والتركيب بين الشكل والنسبة 12، المسألـة رقـم 78 ـ 77 ينظر: الإنصاف )3( .325 . 132 / 3، وهمع الهوامع161 /2 ينظر: أوضح المسالك)4( . 133 / 3، وهمع الهوامع168 ـ162 / 2 ينظر: أوضح المسالك)5( . 235 الإعراب والتركيب بين الشكل والنسبة)6(
عدد الصفحات ١٣68مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم وأقول: إنّ جملة الاشتغال ـ عند نصب المشغول عنه ـ فعليّة، وهي عند البصريّين جملتان، حذف الفعل من الأولى، وهو مفسرّ بالمذكور بعده، فيقدّر بلفظه ومعناه، نحو: زيداً أكرمته . فالتقدير: أكرمت زيداً، أكرمته . أو بما يناسبه في المعنى، نحو: زيداً سلّمت عليه، فالتقدير: حيّيت زيداً سلّمت عليه، وزيداً ضربت أخاه، فالتقدير: أهنت زيداً . وهو حذف غير متكلّف، إذ يصرف إليه ذهن المخاطب مباشرة، فحين )1(ضربت أخاه يقال: زيداً أكرمه . يفهم مباشرة أنّ زيداً سيقع عليه فعل الإكرام، ولا يحتاج السامع إلى إعمال ذهنه، وقسره على هذا المعنى . ويرفض الدكتور فاضل السامرّائيّ هذا التقدير، ويقول فإنّ الجملة تفسد وتنحلّ بتقديرنا: أكرمت خالداً أكرمته . وسررت خالداً أحببت رجلاً يحبّه . وبنحو ذلك من التقديرات ... فتقدير الجمهور متمشّ مع الصنعة الإعرابيّة، إلاّ على أنيّ لست أرى بأساً في التقدير الّذي يفيد تفسيراً )2(أنّه مفسد للمعنى، مفسد للجملة للمعنى قال سيبويه يفَّسره، كأنّك قلتَ: ضربتُ زيدأً ضربتُه . إلاّ أنهّم لا يُظهِرون هذا الفعلَ هنا للاستغناءِ فالتقدير في هذا الباب متمشّ مع )3(بتفسيره، فالاسمُ ها هنا مبنيّ على هذا المضمَرِ المعنى، يصرف إليه الذهن، دون تكلّف، أو إجهاد في الفكر . وأرفض التقدير، إذا كان متكلّفاً، لا يتّفق مع المعنى، بل يكون وبالاً عليه، فيخرج التركيب عن مراده، كما هو . على سبيل المثال لا الحصر.)4(الحال فيما فعلوه مع صيغة التعجّب: أفعل به . 109 ـ108 / 2، ومعاني النحو193، وشرح قطر الندى83 / 1 ينظر: الكتاب)1( . 110 ـ109 / 2 معاني النحو)2( . 80 / 1 الكتاب)3( إذ ذهبوا إلى أنّ ( أفعِل ) فعل ماض، جاء على صيغة الأمر؛ لإنشاء التعجّب، والباء حرف جرّ )4(
عدد الصفحات ١٤69مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم وهي عند الكوفيّين جملة واحدة، فعلها المذكور نصب الاسم وضميره معاً؛ لأنهّما في المعنى واحد . فالإكرام إذ وقع على الهاء واقع على (زيد)؛ لأنهّا تعنيه وتشير إليه . وهو مردود؛ لأنّه ممكن في صورة واحدة من صور الاشتغال، ففي مثل قولنا: زيداً مررت به. لا يجوز أن ينصب الفعل (مرّ) الاسم المتقدّم، ولا يصحّ المعنى في مثل قولنا: خالداً خطت قميصه. ولا في قولنا: خالداً لقيت أخاه . فإنّ اللقاء لم يحصل مع خالد، بل مع .)1(أخيه، فلا يجوز أن ينصبه وأتساءل، وأقول: إن كان المشغول عنه منصوباً بالفعل المحذوف على ما ذهب إليه البصريّون، فلمَ لم يذكر منصوصاً عليه؟ ولمَ أوجبوا حذفه؟ فلو أردنا توكيد الجملة، فقلنا: أكرم زيداً . أكرمه . لجاز هذا على أن تكون الجملة الثانية مؤكّدة للجملة الأولى. فلمَ هذا العزوف عن ذكر الفعل، ولمَ حذف وبقي المفعول منصوباً؟ من الواضح أنّ المتكلّم يسوق كلامه بحسب ما يرمي إليه من معنى، فهو إن شغله فعل الإكرام وإسناده إلى فاعله، وكان مدار اهتمامه، ومركز المعنى الّذي يريد إبلاغه للمتلقّي، ابتدأ بالفعل: أكرم زيداً . وإن أراد توكيد هذا المعنى كرّر الجملة بذكر المفعول صاحة (أكرم زيداً)، أو بإضماره: أكرمه. وإن كان المفعول هو المركز للمعنى الّذي يريد إبلاغه، ومحطّ اهتمامه؛ قدّمه؛ لتكون الجملة: زيداً أكرم. وإن أراد تأكيد تعلّق المفعول بالفعل، أعاده بذكر ضميره متّصلاً بالفعل؛ لتكون الجملة: زيداً أكرمه، وهذا ما نبّه عليه ابن عاشور إذ نصّ على أنّ وجه التوكيد في الاشتغال، هو أنّ المفعول يتعلّق . وهو 137، واللمع101 / 1زائد، وما قام مقام الهاء فاعل لهذا الفعل . ينظر: الأصول في النحو تقدير يحوّل الأسلوب الإنشائيّ الانفعالي إلى أسلوب خبري، بعيد عماّ أراده المتكلّم . . 109 / 2، ومعاني النحو114 / 2 ينظر: همع الهوامع)1(
عدد الصفحات ١٥70مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم ففي )1(« الجملة السابقة يكون الحديث عن المسند إليه (وهو الفاعل المستتر). وأرى أنّ المفعول في أسلوب الاشتغال كالمسند إليه من حيث كونه مداراً للحديث (المعنى) في الجملة، لا من حيث دوره في التركيب الجمليّ . فالجملة الّتي يكون فيها المشغول عنه منصوباً يكون فيها مدار الحديث عن أمرين معاً، المسند إليه، والمشغول عنه . إذ اكتسب المفعول به ذلك بتقديمه وابتداء الكلام به أوّلاً، وتكراره بذكر ضميره ثانياً . هذا فضلاً عن معنى مراد آخر هو تأكيد ارتباطه بمتعلّقه، الّذي هو الفعل . ولبيان ذلك أعرض إلى قول بشامة بن : )2(الغدير وعــذرةَ قد حكّت بها الحــربُ بركَها فقد ساق الشاعر جملة الاشتغال على طريقة الاستعارة، فالمعنى أنّ عذرة قد بركت . فالمتحدّث عنه أمران (عذرة) لبيان حالها، )3(عليها الحرب، كما تبرك الناقة على الأرض وما آلت إليه من توالي الحروب عليها . والحرب إذ توالت على هذه القبيلة، حتّى غدت كالناقة، إذ بركت على أرض . وفي نصب المشغول عنه تأكيد لارتباطه بمتعلّقة الّذي جاء على سبيل الاستعارة المكنيّة تقوية لها، فضلاً عن ابتداء الجملة به، وإعادة ذكره بذكر ضميره . ولحذف الفعل من الجملة دلالة تتلف عن دلالتها عند ذكره، وأذكر ما نصّ عليه الدكتور فاضل السامرائي قائلاً .16 / 27 التحرير والتنوير)1( . 406 المفضليات)2( وقد عبرّ عن معنى الفعل ( برك ) بطريق الكناية، فقوله ( حكّت بها الحرب برْكها ): بركت )3( عليها
عدد الصفحات ١٦71مجلة كلية الإمام الأعظم دلالة الاشتغال وأغراضه في القرآن الكريم للاهتمام به، والحديث عنه، غير أنّه حديث لا يرقى إلى درجة العمدة ... وبهذا نستطيع أن نقول: إنّ الاشتغال مرحلة دون المبتدأ، وفوق المفعول، إذ هو متحدّث عنه من جهة، لكنّه لا يرقى إلى درجة المبتدأ، فيكون معنى الاشتغال على هذا أنّه إنّما جيء بالاسم المنصوب المتقدّم؛ لإرادة الحديث عنه، ثمّ شغل عنه بالحديث عن المسند إليه، فهو وأتّفق معه في أنّ تقديم المفعول؛ لقصد الحديث )1(أسلوب على صورة المبتدأ وا عنه، وأقول: إنّه متحدّث عنه من جهة المعنى، لا من جهة التركيب النحويّ للجملة، فهو ـ معنى ـ متحدّث عنه كالعمدة، وهو ـ نحويّاً ـ ليس كالمسند إليه، الذي لا تستقيم الجملة بدونه . وقد نصّ الكفويّ على أنّ )2(بالنظر إلى حصول أصل الكلام، لا بالنظر إلى أداء المعنى المقصود به ويقول الدكتور إبراهيم مصطفى وبياناً له، لا متحدّثاً عنه، فالحكم النصب، تقول: زيداً رأيته. وقد تقدّم الاسم عن )3(موضعه، وخولف به ترتيبه؛ لغرض أو لمعنى قصد إليه المتكلّم، من معاني التقديم فهو يرى أنّ المشغول عنه عند نصبه، يكون مفعولاً به، غير عمدة . فهو من حيث التركيب النحويّ للجملة لا يمكن أن يكون مسنداً إليه (متحدّثاً عنه)، بل هو مكمّل للمعنى المراد من الحديث، مبينّ له، وهذا لا ينفي أن يكون موضعاً للحديث والإخبار من الجانب المعنويّ، لا النحويّ . فـ(زيداً) في المثال السابق مفعول به، فالضارب المتحدّث، وهو التاء في ( ضربت )، وهو المسند إليه . وفي معنى الجملة حديث عن زيد أيضاً؛ لأنّه مضروب من قبل المتحدّث. . 113 / 2 معاني النحو)1( . 1034 الكليات)2( . 154 - 153 إحياء النحو)3(
عدد الصفحات ١٧