61 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ يقول الدكتور محمد عبدالله دراز - رحمه الله -: أما ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تُعرف الحقائق الكلية, فإنما أرادوا به تقريب معناه, وتمييزه عن بعض ما عداه, مما قد يشاركه في الاسم ولو توهمًا؛ ذلك أن سائر كتب الله - تعالى - والأحاديث القدسية, وبعض الأحاديث النبوية, تشارك القرآن في كونها وحيًا إلهي ًا, فربما ظن ظان أنها تشاركه في اسم القرآن أيضًا, فأرادوا بيان اختصاص الاسم به, ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع[4.] ومن التعاريف التي ذكرها العلماء للقرآن الكريم ما يلي: أ- جاء في تعريفه أنه: اسم للمتلو المحفوظ المرسوم في المصاحف[3.] ب- وقيل أيضًا: اللفظ المنزَّل على النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس[5.] ج - ويعرفونه أيضًا بأنه: كلام الله المعجز المنزل على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه بالتواتر, المتعبَّد بتلاوته[1.] د- وقيل أيضًا في تعريفه: القرآن هو كلام الله المعجز, ووحيه المنزَّل على نبيه محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - المكتوب في المصاحف, المنقول عنه بالتواتر, المتعبد بتلاوته[7.] هـ- وقيل في تعريفه: هو كلام الله المنزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين, بوساطة الأمين جبريل - عليه السلام - المكتوب في المصاحف, المحفوظ في الصدور, المنقول إلينا بالتواتر, المتعبد بتلاوته, المبدوء بسورة الفاتحة, المختتم بسورة الناس[2.] و- وقيل في تعريف القرآن: هو المنزَّل على الرسول, المكتوب في المصاحف, المنقول عنه نقلاً متواترًا بلا شبهة[1.] ومن هذه التعريفات نستطيع أن نقول: إن القرآن الكريم كلام الله - تعالى - الذي أنزله على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - المعجز, المكتوب في المصاحف, المنقول عنه بالتواتر, المتعبد بتلاوته, المبدوء بسورة الفاتحة, المختوم بسورة الناس, المحفوظ في الصدور. _______________________________ [4" ]النبأ العظيم", للدكتور محمد عبدالله دراز, ص 63, ط/ دار القلم, الكويت, ط/ 6411هـ. [3" ]إعجاز القرآن", للقاضي أبي بكر الباقلاني, على حاشية "الإتقان" للسيوطي, 6/41, ط/ مكتبة مصطفى الحلبي, القاهرة, ط/ رابعة, 6417هـ. [5-1" ]مناهل العرفان في علوم القرآن", للشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني, 6/61, ط/ دار الكتب العلمية, بيروت, د.ت, ط/ أولى, 6311هـ[.1" ]مناهل العرفان" 6/61 - 61, "مباحث في علوم القرآن", للشيخ مناع القطان, 65, 61, ط: مطبعة المدني المؤسسة السعودية بالقاهرة, ط/64, 6344هـ الناشر: مكتبة وهبة بالقاهرة, و"مباحث في علوم القرآن", د/ صبحي الصالح, ص46, ط/ دار العلم للملايين, بيروت - لبنان, ط/67, 6122م. [7" ]لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير", لمحمد الصباغ, ص 1, ط/ المكتب الإسلامي, بيروت, 6413هـ. [2" ]التعبير الفني في القرآن", د. بكري شيخ أمين, ص 66, ط/ دار الشروق, بيروت, ط/ ثالثة, 6411هـ [1" ]التعريفات", للشريف علي بن محمد الجرجاني, ص 673, ط/ دار الكتب العلمية, بيروت, ط/ أولى, 6314هـ
عدد الصفحات ١٦67 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ أسماء القرآن وأوصافه: للقرآن أسماء كثيرة, وهذا إن دلَّ, فإنما يدل على عظمة القرآن, فكما هو معلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى, ولا ريب أن القرآن الكريم هو أعظم وأشرف كتاب. ومن أسماء القرآن "الفرقان"؛ باعتبار أنه كلام فارق بين الحق والباطل, أو مفروق بعضه عن بعض في النزول, أو في السور والآيات؛ قال - تعالى -{ :تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} "6["الفرقان: 6.] ثم إن هذين الاسمين هما أشهر أسماء النظم الكريم؛ بل جعلهما بعض المفسرين مرجع جميع أسمائه, ويلي هذين الاسمين في الشهرة هذه الأسماءُ الثلاثة: الكتاب, والذ كر, والتنزيل[66.] وقد وردت هذه الأسماء في القرآن نفسه؛ قال - تعالى -{ :إِن هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَش رُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}64[ "الإسراء: 1], وقال - تعالى -{ :لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }"64["الأنبياء: 61.] وقال - تعالى -{ :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذ كْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }63["الحجر: 1], وقال أيضًا{ :وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَب العَالَمِينَ }65[ "الشعراء: 614.] أما عن أوصافه, فقد وصفه الله بأوصاف كثيرة أيضًا وردت في آياته, منها قوله - تعالى -: {قُلْ مَ نْ كَانَ عَدُو ًا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهَِّ مُصَد قًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }61["البقرة: 17], وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَب كُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}67["النساء: 673.] ومن الأوصاف كذلك قوله{ :وَهَذَا كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك مُصَد قُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ }62["الأنعام: 14], وقوله{ :يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَي نُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهَِّ نُور وَكِتَاب مُبِين }61["المائدة: 65 .] ومنها قوله - تعالى -{ :يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَب كُمْ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ }"41["يونس: 57], وقوله{ :كِتَاب فُص لَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِي ًا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }46["فصلت: 4, 3, وقوله{ :بَلْ هُوَ قُرْآن مَجِيد }44["البروج: 46.] ____________________________________
عدد الصفحات ١٧62 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ المبحث الثاني: منهج القرآن الكريم في بيان العقيدة الإسلامية يقوم الإسلام على الإيمان أو العقيدة التي تكو ن القاعدة الأساس في بناء الدين, ومنها ينطلق المؤمن, ويضبط كلَّ حركته بضوابطها, وهي تفس ــر للإنســان طبيعةَ وجودِه ونشــأتَـه وغايتَـه, و مصـيـره, وترسـمُ له معالم صلتِه بالله - تعالى - وبالحياة والأحياء والكونِ من حوله, وعليها تقوم أحكام الشريعة والنظام والأخلاق في كل جوانب الحياة. وقد انصرفت عناية بعض العلماء في مرحلة من مراحل تدوين علم العقيدة إلى الجدل والرد على المخالفين بأسلوب ومنهج يتفق مع منهج أولئك المخالفين, فتأثروا بالمنهج الفلسفي الإغريقي, وفسَّروا القرآن على ضوء الفكر اليوناني, فكان لا بدَّ من إعادة الأمر إلى نصابه بالعودة إلى المصادر الصحيحة الموثوقة في دراسة العقيدة؛ وهي القرآن الكريم والس نة النبوية. وسننظر في المنهج الذي سلكه القرآن الكريم في بيان العقيدة الإسلامية وغَرْسِها في النفوس وتثبيتها في القلوب ليكون لها أثرها في السلوك, وسنعرض وسائل هذا المنهج ومسالكه, بما يتفق مع طبيعة هذا البحث الموجز. المنهج الفطري أو الوجداني: يقر ر القرآنُ الكريم حقيقةً كبيرةً, وهي أنَّ الإنسان قد خلقه الله على فطرة سليمة تتجه إلى بارئها وتلجأ إليه؛ فقد جُبِلَت النفـوس على معرفة خالقهـا - تعـالى - منذ أن أخذ الله - تعـالى - العهـد والميثاق علـى أبنـاء آدم؛ حيـث قـال - تعالى -: {وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُر يَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَب كُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [ }الأعراف: 674.] وكل مولود في هذا الوجود يولد على الفطرة؛ ولذلك يخاطب الله - تعالى - الإنسان ويذك ره بهذه الفطرة بأسلوب وجداني حي؛ ليوقظ إحساسه بالأمور الإيمانية والعقيدة, وأهمها: توحيد الله - تعالى - وإفراده بالعبادة وما يتفرع عن ذلك من قضايا الاعتقاد, وليزيل عن هذه الفطرة ما قد يغشاها أو يحرفها عن طريقها السوي من مؤثرات أُسَرية أو اجتماعية, أو من عادات وتقاليد وأوهام وخرافات, أو من غواية وشهوات ومصالح مادية تهبط بالإنسان وتنحرف به عن الجادة. يقول الأستاذ محمد المبارك: (القرآن يخاطب الإنسان ويثيره عن طريق منافعه ومصالحه وحاجاته وملذاته, وعن طريق قضاياه ومشكلاته؛ ليحرك تطلُّعَه وقلقه إلى معرفة الحقيقة ذات الصلة بحياته الحاضرة ومصيره البعيد, ويجعله بذلك متهيئاً للتفكير في الله, ومستعداً لقبول نتائج المنطق السليم مع منفعته[)6.] وليس الوجدان هو الإحساس أو صفة من صفاته؛ ولكنَّـه وعاء الشُّعور بما ينشأ عن إدراك المعاني. والقرآن الكريم يثير الوجدان بطريقته الجميلة المعجزة, ويزيل الغشاوة التي ترين على القلب وتجعل الحسَّ يتبلَّد, ويَعْرِض آيات الله في الكون في صورة حيَّة ينفعل بها الوجدان كأنها جديدة يشهدها الإنسان لأول مرة. وحين ينفعل بها الوجدان ويتأثَّـر, ويتحرك الخيال لتتبع المشهد المعروض وتتحرك المشاعر بشتى الانفعالات, عندئذ يوج هه (أي القرآن الكريم) إلى أنَّ وراء هذه المشاهد كل ها قدرة الله المعجزة, وأن صانعها وبارئها هو الله, سبحانه وتعالى؛ فينبغي إذن عبادة ذلك الإله القادر, والتوجُّه إليه وحدَه بالعبادة دون سواه؛ والتلق ي عنه في كل أمر من الأمور. _______________________________ [6 ]انظر العقيدة في القرآن الكريم, محمد المبارك: (ص26)
عدد الصفحات ١٨61 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ المنهـــج العقلــــــــي: إنَّ المنهج العقلي الذي يسلكه القرآن الكريم في بيان العقيدة وغرسها في النفوس يأتي متسقاً مع المنهج الفطري ومتكاملاً معه؛ ولذلك فإنَّ القرآن الكريم لم يكن مقصوراً على مجرد الخبر عن وجود الله - تعالى - ووحدانيته وسائر أركان العقيدة, وإنما أقام البراهين العقلية التي بها تُعْلَم العلوم الإلهيَّة؛ فكان منهجه ومنهج جميع الأنبياء - عليهم السلام - الجمع بين الأدلة العقلية والسمعية (الشرعية[)4 .] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحُسْن والاستقامة, وهي طريقة عقلية صحيحة, وهي شرعية, دلَّ عليها القرآن وهدى الناس إليها؛ فإن نفس كون الإنسان حادثاً بعد أن لم يكن, ومخلوقاً من نطفة ثم من علقة... فإن هذا يعلمه الناس كلُّهم بعقولهم, فهو إذنْ عقلي ؛ لأنه بالعقل تُعلَم صحته, وهو شرعي أيضاً [)4.] والإسلام ينو ه تنويهاً كبيراً بالعقل ويُعلي من مكانته وقيمته؛ ونجد شاهداً على ذلك في الآيات القرآنية التي تنزَّلت بشأنه؛ فالعقل هو هبة الله للإنسان, ولذلك جعله الله - تعالى - سبباً للتكليف ومناطاً للمسؤولية؛ وحثَّ على استعماله فيما خُلق له (أي العقل) وفي المجال الذي يستطيعه, ورسم له المنهج الصحيح للعمل والتفكُّر, وأحال عليه في القضايا الكبرى الرئيسية: كمعرفة الله - تعالى - ووحدانيته, وصحة النبوة, والبعث بعد الموت؛ فإنَّ إدراك هذه القضايا إدراكاً كلياً عاماً إنما يكون بالعقل. وإن كان هذا لا يعني أن نجعل العقل حاكماً على مقررات الدين؛ فإن العقل من شأنه أن يتلقى عن الوحي, وأن يفهم ويدرك؛ فإن للعقول حد اً تنتهي إليه لا سبيل لها إلى مجاوزتها. منهج الجدل والرد على الانحرافات: لقد ألمحنا فيما سبق بيانه إلى أن الفطرة قد تنحرف, وأن الكتب السابقة قد دخلها التحريف والتبديل. وكان لهذا أثره في شيوع الانحرافات والضلالات عند الأمم السابقة؛ فكان لهم معتقدات وتصورات باطلة؛ وكان لهم شبهات طارئة؛ لذلك وقفوا وقفة جائرة ظالمة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد؛ لذلك أبرز القرآن الكريم تلك الانحرافات, وجادل أصحابها, وأزال شبهتهم, وأقام عليهم الحجة بكل طريقة. ومن خلال الجدل والحِجَاج والرد والمناقشة لمعتقدات الجاهليين - أي اً كانوا - تبرز العقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفطرة السليمة ويقبلها العقل الصريح. المنهج الإرادي العملي: الإرادة البشرية مخاطَبة في الإسلام منذ اللحظة الأُولَى التي يتعرض فيها الإنسان للإنذار ثم لعوامل تصديق الرسول. واستجابة الإرادة لهذا الخطاب هي (التسليم) أو الاستسلام{ :أَفَغَيْرَ دِينِ اللهَِّ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [آل عمران: 24.] وفي هذا يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله -: (ولا يثبتُ قدَمُ الإسـلام إلا على ظهر التسـليم والاسـتسـلام؛ فمن رام عِلْم ما حُظِر عنه عِلمُه, ولم يقنع بالتسليم فَهْمُه, حَجَبَه مرامُه عن خالصِ التوحيد وصافي المعرفة وصحيحِ الإيمان, فيتذبذبُ بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار؛ موسوساً تائهاً شاك اً زائفاً؛ لا مؤمناً مصد قاً ولا جاحداً مكذ باً [)3.] ______________________________________ [4 ]مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 1 /441, 447. [4 ]انظر: النبوات, لابن تيمية: (ص32 .) [3 ]انظر: العقيدة الطحاوية بيان السُّنة, للطحاوي: (ص24.)
عدد الصفحات ١٩41 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ ويقول الإمام العلاَّمة ابنُ السَّمْعَانِي – رحمه الله -: (الأصلُ في الد ين الات باعُ؛ والعقولُ تبع ؛ ولو كان الدين بُني على المعقول وجب ألاَّ يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا. ونحن تدبَّرنا عــامة ما جاء في أمر الد ين: من ذكر صفات الله - عزَّ وجلَّ - وما تعبَّد الناس من اعتقاده؛ وكذلك ما ظهر من بين المسلمين وتداولوه بينهم وتناقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذكر عذاب القبر وسؤال الملَكين... أمور لا تُدرَك حقائقُها بعقولنا, وإنما ورد الأمر بقَبولها والإيمان بها؛ فإذا سمعنا شيئاً من أمور الد ين و عَقَلناه وفهمناه, فللَّه الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق, وما لم يمكننا إدراكه وفهمه ولم تبلُغْه عقولُنا آمنَّا به وصدَّقنا واعتقدنا أنَّ هذا من ربوبيَّته, تعالى[)5.] منهج تثبيت العقيدة والتذكير بالله: وإذا كانت المناهج السابقة مسالك لبيان العقيدة, فإنها بعد وجودها وبيانها تحتاج إلى أن نتعاهدها, وأن نعمل دائماً على تثبيتها في النفس, فيكون لها الأثر الفاعل في نفس صاحبها؛ فلذلك نجد في القرآن الكريم و في السُّنة النبوية وسائلَ لتثبيت الإيمان في النفس البشرية, منها: التذكير الدائم بعظمة الله - تعالى - وآيات قدرته في الآفاق وفي النفس؛ حتى يخشع القلب ويستسلم: والتذكير بأن الله مع الإنسان يراه ويراقبه ويحصي عليه أعماله؛ ثم يحاسبه عليها يوم القيامة حتى تصبح تقوى الله جزءاً لا يتجزأ من مشاعر القلب, وركيزة ثابتة في حالة السرَّاء والضرَّاء؛ ففي السراء يذكر الله شاكراً لأنعمه, وفي الضراء يذكر الله صابراً ومتطلعاً إليه - سبحانه - ليكشف عنه السوء. ويورد القرآن القصص التي تثب ت الإيمان ومنها: قصص الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين الذين صبروا على الأذى حتى جاء نصر الله, وقصص الكفار الذين كذبوا وعاندوا حتى دمر الله - تعالى - عليهم بكفرهم. وأخيراً يرسم القرآن صوراً محبَّبَة للمؤمنين وصفاتهم, وما ينتظرهم من الجزاء في الآخرة مخلَّدين في الجنات, وصوراً كريهة منف رة للكافرين وصفاتهم وما ينتظرهم من الجزاء في الآخرة مخلَّدين في النار وما ينالهم فيها من العذاب يوم القيامة. ويظل القرآن يكرر هذه التوجيهات حتى ترسخ في النفس, وحتى يصبح الله حاضراً في القلب لا يغفل الإنسان عن ذكره؛ فتستقيم مشاعره, ويستقيم سلوكه, ويصبح عبداً ربانياً مقرَّباً إلى الله في الدنيا والآخرة؛ فيرزقه الله الطمأنينة والسعادة في الدنيا, ويمنحه في الآخرة جنته ورضوانه. _____________________________________ [7 ]انظر: صون المنطق والكلام, للسيوطي: (ص624.)
عدد الصفحات ٢٠46 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ المبحث الثالث: :الطريق الى النجاح في الحياة . إن الوسيلة الأولى لإصلاح النفس وتزكية القلب والوقاية من المشكلات وعلاجها هو العلم .و الشباب في أي أمَّة من الأمم هم العمود الفقري الذي يشكل عنصر الحركة , والحيوية ؛ إذ لديهم الطاقة المنتجة , والعطاء المتجدد , ولم تنهض أمَّة من الأمم - غالباً - إلا على أكتاف شبابها الواعي , وحماسته المتجددة " . ولقد علم أعداء الإسلام هذه الحقيقة ,فسعوا إلى وضع العراقيل في طريقهم ,أو تغيير اتجاههم, إما بفصلهم عن دينهم, أو إيجاد هوة سحيقة بينهم وبين أولي العلم ,والرأي الصائب, في أمتهم , أو بإلصاق الألقاب المنف رة منهم ,أو وصفهم بصفات ونعوت, غير صحيحة ,وتشويه سمعة من أنار الله بصائرهم في مجتمعاتهم , أو بتأليب بعض الحكومات عليهم "" ذلك أن أنظار حكماء الأمة متجهة إلى بناء مدينة روحها الإيمان, وجسمها نظم الإسلام, وحليتها آدابه التي صاغتها يد الوحي السماوي, وما زالت ولن تزال في صفاء وضياء, فوجب أن تعلم : أ - من هو الشباب الذي يصلح لأن يمد يده لبناء هذه المدينة الشامخة الذرى, فنقول: الشباب المسلم هو الذي يسمو بنفسه إلى أن يكون مسلماً حقاً , فيقرأ القرآن المجيد بروية, ويجيل فكره في آياته الزاهرة, حتى يتملأ حكمه البالغة, ومواعظه الرائعة, قال تعالى:(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ " العنكبوت (56.) والشاب المسلم هو الذي يؤمن بالله من الشرك أو ما يشابه الشرك, فيعتقد من صميم قلبه أن الله وحده هو المتصرف في الكون, فلا مانع ولا ضار إلا هو, وبهذه العقيدة السليمة يحمي نفسه من أن تلابسها مزاعم مزرية, ويصغر في عينه كل جبار, ويهون عليه احتمال المصاعب, واقتحام الأخطار في سبيل الجهاد في الإصلاح والدعوة إلى الحق. والشاب المسلم هو الذي يدرس سيرة رسول صلى الله عليه وسلم دراية يرى بها رأى العين أن تلك المكانة البالغة المنتهي من الحكمة وقوة البصيرة, والنهوض بجلائل الأعمال المختلفة الغايات, مكانة لا يدركها بشر ليس برسول وإن بلغ في العبقرية الذروة القصوى, وأنفق في السعي إليها مئات من الأعوام أو الأحقاب. ب - الشباب المسلم لهم دور مهم , وأعمال بالغة الأهمية ؛ لينهضوا بأنفسهم تجاه ما يراد بهم , وليكونوا حرَّاساً للدين تجاه ما يكاد به . يمكن أن نلخص ذلك الدور , وتلك الأعمال فيما يلي: 6- العلم الشرعي . قال تعالى : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَْلْبَابِ ) "- الزمر/ 1." وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَة عَلَىْ كُل مُسْلِم )"6 . " فالعلم واجب شرعي على كل مسلم , ولا يمكن للجاهل أن يفهم دينه , ولا أن يدافع عنه في المحافل , والمنتديات , والجاهل لا تستفيد منه أمته , ولا مدينته , ولا قريته , ولا أهله , فلذا كان على الشباب المسلم أن يسارعوا إلى حلقات العلم , في المساجد , والمراكز الإسلامية , وأن يستثمروا نشاطهم وفراغهم في حفظ القرآن , وقراءة الكتب .. ______________________________ 6- رواه ابن ماجه , وهو حديث حسن
عدد الصفحات ٢١44 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ 4 .الدعوة إلى الله , وتعليم الناس . قال تعالى : ( وَلْتَكُن م نكُمْ أُمَّة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )" سورة آل عمران/613 "والدعوة والتعليم : زكاة العلم , وواجب على من تعلَّم العلم الشرعي أن يبلغه لغيره , وأن يساهم في هداية الكفار إلى الإسلام , وهداية العصاة إلى الاستقامة . 4 .الصبر على أذى الناس . قال تعالى – على لسان لقمان وهو يعظ ابنه - : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )" سورة لقمان/ 67 ." و بدَّ – غالباً – للداعية من أن يصاب بأذى قولي , أو فعلي , ولا ينبغي لذلك أن يصده عن الاستمرار في الدعوة إلى الله , وليعلم أن الأنبياء والمرسلين قد أصابهم من ذلك الشيءُ الكثير , وهو يسير على هديهم , وطريقهم , فليصبر , وليحتسب . 3 .الطاعة للأوامر , والاجتناب للنواهي . والشاب المسلم مطيع لربه تعالى , فلا يسمع أمراً من الشرع إلا ويكون أول المستجيبين له , ولا نهياً إلا ويكون أول المبتعدين عنه , وقد استحق مثل هذا الشاب الثواب الجزيل يوم القيامة في أن يكون في ظل عرش رب ه تعالى , في وقت تدنو الشمس بلهيبها فوق رؤوس الخلائق . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سَبْعَة يُظِلُّهُمْ اللهَُّ فِي ظِل هِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : الإِمَامُ الْعَادِلُ , وَشَاب نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَب هِ ...)"6 "متفق عليه . 5- تزكية النفس . ومما يحتاجه الشاب المسلم , ويجب علينا نصحه به : أن يجعل لنفسه نصيباً من التزكية , فيجتهد على نفسه فيربيها على القيام بما يتيسر من العبادات النوافل , كقيام الليل , وصيام الأيام الفاضلة , وقراءة الأوراد والأذكار اليومية ؛ فهي زاد الشاب للثبات على طريق الهداية , مع الالتزام بحفظ البصر عن المحرمات , وصيانة السمع عن المنكرات , وهكذا باقي جوارحه يجعلها مصونة عن ارتكاب ما يبغضه ربه , ولا يرضاه منها. ومما يحرص عليه الشاب المسلم في هذا الباب : إعفاف النفس ؛ تنفيذاً للوصية النبوية منه صلى الله عليه وسلم حين خاطب الشباب فقال : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء )"4 "متفق عليه – و " الباءة " : هي القدرة على تكاليف الزواج , من مهر , ونفقة , و" الوجاء ": الوقاية ؛ لأن الصوم يكسر حد ة الشهوة . ______________________________ 6-أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الأذان, باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (6 /644( )111 .)ومسلم في صحيحه, كتاب الزكاة, باب فضل إخفاء الصدقة (4 /765( )6146.) 4- أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب النكاح, باب قول النبي صلى الله عليه وسلم« :من استطاع منكم الباءة فليتزوج, لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج» (7 /4( )5115), ومسلم في صحيحه, كتاب النكاح, باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه, ووجد مؤنه, واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (4 /6162( )6311.)
عدد الصفحات ٢٢44 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ 1 .الالتفاف حول العلماء الثقات . قال تعالى :( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْر مِنَ الأَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهَِّ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً )" " النساء/ 24 . والشاب المسلم لا توجهه عاطفته , ولا تقوده حماسته , إنما يسير على طريق الهداية بتوجيه العلماء الثقات , والشيوخ الكبار , ممن لهم علم واسع , وتجارب نافعة , فيهتدي بنصحهم , ويعمل بمشورتهم , ويُرجى أن يكون بعد ذلك أكثر نفعاً لأمته , ودينه , ويكون أكثر حماية ممن يكيد بالشباب لصرفهم عن رسالة الحق , ونشر النور في الأرض . 7 .أن يكونوا قدوة حسنة للناس . وهذا هو حال طلاب العلم , والدعاة إلى الله , فالشباب المسلم الذي يقوم على تعليم الناس ودعوتهم ليس له أن يخالف فعلُه قولَه , بل هو متحل بالفضائل التي يدعو إليها , وقائم بالطاعات التي يرغب الناسَ بها , وهو قدوة لغيره في الأمانة , والاستقامة , والصدق , والعفاف , وغير ذلك من الأخلاق الواجبة والفاضلة . 2 .الاعتزاز بدينهم , وترك تقليد الكفار . قال تعالى – في هذه النقطة والتي قبلها - : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهَِّ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهَِّ وَحْدَهُ ) إلى قوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَة حَسَنَة لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهََّ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهََّ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )" " الممتحنة/ 3 – 1 . وأكثر من نراه اليوم في عالَم تقليد الكفار في لباسهم , وهيئاتهم , وحركاتهم : هم طائفة الشباب , وللأسف , لذا كان من الدور المهم للشاب المسلم : أن يكون فخوراً معتز اً بدينه , لا يخجل من إظهار شعائره , ولا يتوارى من الناس حين يقوم بعبادة خالقه , وهو يبغض في قلبه الكافر , وفعله , فلا يتشبه بهيئته , ولا بلباسه , وهو بهذا يكون قدوة لغيره من الشباب الذي انماع في قبائح الحضارة الغربية الكافرة .
عدد الصفحات ٢٣43 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ - الفصل الثاني: القرآن كتاب النجاح والسعادة ويشمل على مباحث ثلاثة: المبحث الأول: مفهوم تعليم وتعلم القرآن الكريم وأهميته. المبحث الثاني: من الآثار الإيمانية التي تعود على الفرد المسلم من تعليم القرآن وتعلمه المبحث الثالث: كيفية العودة إلى القرآن... هيا إلى القرآن !*...
عدد الصفحات ٢٤45 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ الفصل الثاني: القرآن كتاب النجاح والسعادة المبحث الأول: مفهوم تعليم وتعلم القرآن الكريم وأهميته التعليم والتعلم في اللغة: عَلِم الشيء بالكسر, يعلَمه عِلمًا: عرَفه, ورجل علاَّمة؛ أي: عالم جد ًا, والهاء للمبالغة, واستعلمه الخبر فأعلمه إياه, وعلَّمه الشيء تعليمًا فتعلم, وليس التشديد هنا للتكثير؛ بل للتَّعْدِية, ويقال أيضًا: تعلَّمْ بمعنى: اعلم, وإذا قيل لك: اعلم أن زيدًا خارج, قلت: قد علمت, وإذا قيل: تعلم أن زيدًا خارج, لم تقل: قد تعلمت, وتعالَمَه الجميع؛ أي: علموه, والأيام المعلومات: عشر من ذي الحجة, والمَعْلَم: الأثر يستدل به على الطريق[.6.] العلم: إدراك الشيء بحقيقته؛ وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء. والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له, أو نفي شيء هو منفي عنه[4.] التعليم والتعلم في الاصطلاح: التعليم: تنبيه النفس لتصوُّر المعاني. والتعلم: تنبُّه النفس لتصور ذلك, وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكرير, نحو: {قُلْ أَتُعَل مُونَ اللهََّ بِدِينِكُمْ }[الحجرات: 61.] فمن التعليم قوله{ :الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ [ }الرحمن: 6 - 3.] لكن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع, والتعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير, حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم[4.] المعنى الإجمالي لعنوان البحث: وعلى ضوء ما تقدَّم من التعاريف التي ذكرناها, نستخلص معنًى إجمالي ًا لعنوان البحث: "الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع", ويكون هذا المعنى: النتيجة الحاصلة من تعليم وتعلم القرآن الكريم, والتي توصل إلى زيادة الإيمان بالله, وطاعته والتقرب له, والتي بها يتقرب العبد من ربه - سبحانه وتعالى - فيزداد معرفة بالله, ويزداد يقينًا وعملاً, ويسعد في دنياه وأخراه. __________________________________ [6" ]مختار الصحاح" 6/621. [4" ]مفردات ألفاظ القرآن", للراغب الأصفهاني, 4/613, ط/ مكتبة الأنجلو المصرية, 6171م. [4" ]التعاريف" 6/622, باب التاء فصل العين, و"مفردات ألفاظ القرآن", للراغب الأصفهاني, 4/613.
عدد الصفحات ٢٥41 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ أهمية تعليم وتعلم القرآن الكريم: أنزل الله - سبحانه - القرآنَ, والعربُ - بل والعالم كله - في أشد الحاجة إليه, فأتاهم بالعقيدة الحقَّة بعد أن كانوا منها في أمر مريج, والشريعةِ الصحيحة بعدما تفرَّقتْ بهم الطرق, وتقطَّعت بينهم الأسباب, وأتاهم بالنظم الصالحة لبناء أمة قادرة على أن تسهم في بعث العالم ونهضته ووحدته, والأخلاقِ الفاضلة بعد أن سادتْ في المجتمع الجاهلي - بل في المجتمع الإنساني بصفة عامة - الرذائلُ والمنكرات: من ضلال في العقيدة, وفوضى في التشريع, وفساد في الأخلاق, فأحدث في العالم تحوُّلاً وتجديدًا لم يشهد لهما التاريخ مثيلاً من قبل, تحولاً في التفكير, تحولاً في الأخلاق, وتجديدًا في الحضارة والمدنية, تحولاً إصلاحي ًا شاملاً لكل مرافق الحياة الإنسانية, في كل بقعة من بقاع الأرض التي استظلَّتْ بظل الإسلام, كما قدم للإنسانية نموذجًا رائعًا للإنسان المتكامل في عقيدته وسلوكه وأخلاقه, فأقبل عليه الناسُ من جميع البقاع, ومن كل الأجناس, وربط القرآن بينهم برباط العقيدة, وألَّف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا متحاب ين, وكانوا بذلك خيرَ أمة أخرجتْ للناس, قادَتِ العالمَ وعلَّمت البشريةَ قرونًا طويلة. ولا يكون المسلم مسلمًا حق ًا إلا إذا آمن بذلك كله, آمن بأنه على خير دين, وأنه أوتي خير كتاب إلهي, وأن أمَّته خير أمة أخرجت للناس, وأن حضارته صلَحتْ بها الإنسانيةُ قرونًا طويلة, ولا تزال صالحة لقيادة العالم إلى يومنا هذا, وهو الكتاب الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ العالمَ من الحيرة والضلال, والتخبط والاضطراب.. ولن يعود للمسلمين عزُّهم ومجدهم, إلا إذا عادوا من جديد إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم, عند ذلك - فقط – يتحقق لهم ما ينشدونه من التقدم والحضارة والرقي, والأمن والسلام, ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى القرآن, ففيه وحده الشفاء من كل الأدواء التي تعاني منها الإنسانية اليوم[3.] وتعلُّم القرآن الكريم من أجل القربات, وأفضل الطاعات, وأهم المهمات, وحَمَلَةُ القرآن هم أرفع الناس قَدرًا, وأشرفهم عِلمًا, وأقومهم طريقًا. وقد حثَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّتَه على حفظ القرآن الكريم ومدارسته, وتعلمه وتعليمه, وبيَّن فضل أهله وحَمَلته, والأحاديث في هذا الباب معلومة مشهورة. وقد عُني المسلمون بكتاب ربهم عناية فائقة, تميَّزوا بها على مَن سبقهم من الأمم؛ حيث تنافسوا في قراءته وحفظه, وتسابقوا إلى دراسته والعمل به. وقد ظل هذا الكتاب الكريم على مر القرون - منذ نزوله إلى يومنا هذا - محفوظًا في الصدور, كما هو مكتوب في المصاحف, يأخذه اللاحق عن السابق, فالحمد لله على منَّته وفضله. والله - سبحانه وتعالى - لفت النظر لأهمية تعليم القرآن وتعلمه؛ فقال - سبحانه -: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ [ }الرحمن: 6 - 3.] قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: يقول - تعالى ذِكره -: الرحمن - أيها الناس - برحمته إياكم علَّمكم القرآن, فأنعم بذلك عليكم, إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربكم, وعرَّفكم ما فيه سخطه؛ لتطيعوه بات باعكم ما يرضيه عنكم, وعملكم بما أمركم به, وبتجنُّبكم ما يسخطه عليكم, فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه, وتنجوا من أليم عقابه[5.] ولنا أن نتساءل: لماذا قدَّم الله - سبحانه - تعليم القرآن على خلْق الإنسان, مع أن المشهود أن الإنسان يُخلق أولاً؟ أليست _________________________ [3" ]القرآن وحاجة الإنسانية إليه", مقال على الشبكة العالمية للإنترنت, موقع مجلس النشر العلمي بدولة الكويت, د. عبدالعزيز صقر. [5 ]تفسير الطبري 47/663, "جامع البيان عن تأويل أي القرآن", لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري, ت461 هـ دار الفكر- بيروت, 6315هـ.
عدد الصفحات ٢٦47 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ هذه إشارة إلى أن الإنسان لا يكون إنسانًا حقيقي ًا إلا إذا تعلَّم القرآن؟ "إن السلوك السويَّ للفرد لا يمكن أن يغرس وينمو في شخص لم يخالط عقلَه وقلبه القرآنُ الكريم؛ ذلك لأن القرآن يجمع عليه أمرَه في الاعتقاد, ويرسخ فيه مَلَكةَ الرقابة الذاتية في السلوك, وفي ذلك يقول البيضاوي عند تفسيره لهذه الآية: "لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية, صدرها بـ {الرَّحْمَنُ}, وقدَّم ما هو أصل النعم الدينية وأجل ها, وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه؛ فإنه أساس الدين, ومنشأ الشرع, وأعظم الوعظ, وأعز الكتب؛ إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصد ق لنفسه, ومصداق لها, ثم أتبعه قوله{ :خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ }؛ إيماء بأن خلق البشر, وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان, وهو التعبير عما في الضمير, وإفهام الغير لما أدركه؛ لتلقي الوحي, وتعرُّف الحق, وتعلُّم الشرع. ومن هنا, فتعلُّم القرآن خيرُ ما يتعلَّمه المسلم؛ قال - صلى الله عليه وسلم :((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه[))1] ومن تعلم القرآن ثم علمه لغيره, فهو خير الناس؛ فهو قد جمع بين تكميل نفسه بتعلُّم القرآن, وتكميل غيره بتعليمه القرآن, هذا ومِن لازِم تعلُّم القرآن وتعليمه للغير, حفظُه وفهمه والعمل به, فمَن حفِظَه وفهمه ولم يعمل به, فهو حُجة عليه. ولأهمية هذا الكتاب وحاجة الأمة إليه؛ فقد أكرمنا الله به فأنزله علينا, وتكفل لنا بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذ كْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 1] نظرة في الواقع: وبالنظر في الواقع المعيش للطلاب الذين ينتسبون إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم, نجد أن الآثار الإيجابية للقرآن تظهر بصورة أكبر على الطفل؛ لأن الطفل يسهل تشكيله وتعليمه, وكما قالوا قديمًا: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر". فالطفل الذي تلقَّى القرآن منذ الطفولة يمتاز في كل أحواله عن الطفل الفاقد لهذا الخير, فالقرآن يعطي قوة نفسية, ومتانة في الأخلاق, تظهر في المحن والابتلاءات. والقرآن ينشئ العقلية العلمية الموضوعية, التي لا تقبل نتائجَ بغير مقدمات, ولا تخضع إلا للحجة والبرهان, وهو مدرسة لتعلم الفضائل السلوكية, وتجنب القبيح, وكذلك يعل م المرء الدراسة والتخطيط, والاهتمام بالنظر, والتفكر, والتأمل. وفي تعلُّم القرآن للطفل فائدة من جميع النواحي؛ ففي حفظه له استقامة للسانه, وحفظ له من التلفظ بالسوء, كما يرزقه الله به فهمًا يتفرد به بين أقرانه ومَن في سن ه, وتقوى عنده أيضًا ملَكةُ الحفظ, ويتعذر اختراق عقله بأوهام الدنيا, فيشب مشغولَ الذهن بالقرآن وآياته ومعانيه, وأخلاق أهله ومجالسه. وحفظُ القرآن يساعد صاحبَه على التفوق في دراسته, ويعو ده على نطق الألفاظ والتحدث باللغة العربية, حتى في لعبه وترويحه مع أقرانه. وبسؤالنا فضيلة الشيخ عيسى بن إبراهيم الدريويش"7["عما يُحدِثه الاشتغالُ بالقرآن الكريم تعليمًا وتعلمًا, أجاب فضيلته بقوله: ______________________ _______ [1]-. أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب فضائل القرآن, باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه (1 /614( )5147 )عن عثمان بن عفان. [7 ]مدير جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة دومة الجندل بالجوف.
عدد الصفحات ٢٧42 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ مما لا شك فيه أن الاشتغال بالقرآن الكريم يُحدِث أثرًا إيماني ًا بالغًا لدى المعلم والمتعلم, أما عن أثره على المعلم, فالاشتغال به يؤث ر في استقامة شخصيته, وزيادة الوازع الإيماني, فيَصِل لديه إلى الذروة الإيمانية, التي تنعكس على أدائه في العبادات, ونمطه في السلوك, وقد سبق أن وضَّحتْ كتبُ التراجم والس ير أن البيئة لها أثرها على السلوك والتصرف في كل أمور الحياة ويجب أن يعي الآباء أن كل العلوم لا فائدة من النبوغ فيها, إلا إذا ربطها صاحبُها بالقرآن الكريم, كذلك لا بد أن يتذكَّر الآباء والأمهات قولَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مات الإنسان, انقطع عنه عمله إلا من ثلاث)), ومن هذه الثلاث: ((أو لد صالح يدعو له[))2.] وهذا شرف عظيم يناله مَن حَمَل ابنُه القرآنَ, ولا بد من أن يعي ذلك المحف ظون والمعلمون. ودور الأم كذلك مهم في توجيه أطفالها لحفظ القرآن؛ فعلى الأم تشجيعُ ابنها على حفظ القرآن, والذهاب للمسجد, وتحبيبه في كتاب الله وتلاوته بالأحكام, وأن ترغبه في حفظه بهدايا وجوائزَ نافعة , وبكافة وسائل الترغيب. وكثير من النساء ظهر لهن دور بارز في توجيه أبنائهن نحو الاهتمام بالقرآن الكريم وتعلُّم علومه, ولم يغفل التاريخ دورَ والدة الإمام الشافعي في هذا المجال, وتوجيهها له, وحثه على الترحال والتنقل؛ طلبًا لإتقان حفظ القرآن وتلقي علومه, وما أقسام النساء في جمعيات تحفيظ القرآن الكريم, التي تنتشر في كل مكان في هذا البلد الطيب - المملكة العربية السعودية - ببعيد عن الأذهان, وما مكاتب التحفيظ الخاصة بالنساء في مصر واليمن, وغيرها من البلاد العربية والإسلامية, ببعيد عن الواقع, وأذكر أنني عندما كنت مقيمًا في دولة المالديف[1], كنت أرى في كل مكان أذهب إليه معلمات للقرآن الكريم, وكن يعلمن الصبية الصغار قراءة وكتابة اللغة العربية, ثم قراءة وكتابة القرآن الكريم. الحاجة إلى القرآن: وحاجتنا إلى القرآن دائمًا ضرورية وملحَّة, وتتأكد تلك الحاجة في هذا العصر الذي ضعُف فيه الوازع الإيماني عند كثير من الناس, فلهثوا وراء المترفات حلالها وحرامها, ومن هنا نحتاج إلى ما يقوي هذا الوازعَ ويجد ده, وأفضلُ منبع مستمر ومتجدد للإيمان هو القرآن؛ يقول - تعالى -: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهَُّ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَب هِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [الأنفال: 4.] فالقرآن له تأثيرات عجيبة على استثارة المشاعر, والسيطرة عليها, وتوجيهها لله - عز وجل - وليس ذلك فحسب؛ بل إن للقرآن خاصيةً عجيبة لا توجد في غيره, وهي قدرته على جعل مَن يتعامل معه بطريقة صحيحة في حالة دائمة من الهمَّة والنشاط, والتوقد والإيجابية, وذلك من خلال توليده المستمر للطاقة داخل نفس صاحبه كلما قرأ وتجاوب معه, وتأثرت به مشاعره, هذه الطاقة ستدفعه ليصرفها في أعمال البر المختلفة. وتتأكَّد حاجتنا إلى القرآن الكريم, حينما ندرك يقينًا أن القرآن له دور كبير في علاج أمراض القلوب, وعلى رأسها مرض العُجب, وما يُحدِثه هذا المرض في نفس الإنسان مِن تعاظم واستعظام على الآخرين؛ قال - تعالى -{ :يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَب كُمْ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 57.] ____________________________ [2 ]أخرجه مسلم, كتاب الوصية, باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته, برقم 3611, و"مسند أحمد", كتاب تتمة مسند أبي هريرة, باب: تتمة مسند أبي هريرة, برقم 1447, "مسند أحمد بن حنبل", ط/ المكتب الإسلامي, بيروت, ط/ خامسة, 6152م.
عدد الصفحات ٢٨سان من الثواب بعد وفاته, برقم 3611, و"مسند أحمد", كتاب تتمة مسند أبي هريرة, باب: تتمة مسند أبي هريرة, برقم 1447, "مسند أحمد بن حنبل", ط/ المكتب الإسلامي, بيروت, ط/ خامسة, 6152م. [1 ]وذلك عندما ابتعثت إلى هناك من قبل الأزهر الشريف مدرسًا للغة العربية مدة أربع سنوات.
عدد الصفحات ٢٨41 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ ويعرفنا القرآن كذلك بطبيعة النفس, وبأنها أمَّارة بالسوء, لديها قابليه للفجور والطغيان, تحب الاستئثار بكل خير, ولا تنظر للعواقب. وعليه؛ فضروري أن يعود المسلم إلى القيمة الحقيقية للقرآن, التي أنزله الله من أجلها كأداة ووسيلة ربانية للهداية والشفاء, والتقويم والتغيير؛ قال - تعالى -{ :إِن هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَش رُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء: 1] هذا هو دور القرآن الحقيقي, وما قراءتُه أو حفظه إلا وسائلُ لتيسير الانتفاع بمعجزته, ومعنى ذلك أنه ينبغي على جيلنا الحالي - إذا كان يريد نصرًا وتمكينًا - أن يُقبِل على القرآن بكيانه, وأن يفر غ له أكبر وقت لديه, وينشغل به, ويجعله مصدره الأول للتلق ي, ومما يعينه على ذلك أن يخصص له وقتًا كل يوم, وأن يقرأه في مكان هادئ بعيدًا عن الضوضاء؛ لتحسن استفادته منه, والتعبير عن مشاعره تجاه الآيات بالبكاء والدعاء, وعليه كذلك أن يهيئ قلبه وفكره للتلاوة بتذكر الموت والآخرة؛ فقد قال تعالى -: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار فَذَك رْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 35]."61" وقد أدرك سلفُ الأمة هذا الدورَ للقرآن والحاجة إليه, فكانوا يتعاهدون القرآن الكريم علمًا, وتعلُّمًا, وتعليمًا, وكانت لهم في ذلك عناية ورعاية خاصة, ومما يدل على ذلك ما ورد عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: إن كل مؤدب يحب أن يُؤتى أدبه, وإن أدب الله - تبارك وتعالى - القرآن. وعن الأعمش قال: مرَّ أعرابي بعبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - وهو يُقرئ قومًا القرآنَ, أو قال: وعنده قوم يتعلَّمون القرآن, فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم. وورد أيضًا عن عمرو بن قيس السكوتي, قال: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - يقول: عليكم بالقرآن, فتعلَّموه وعل موه أبناءكم؛ فإنكم عنه تسألون, وبه تجزون, وكفى به واعظًا لمن عقَل[66.] كذلك مِن حث الصحابة على تعلُّم مَن بعدهم للقرآن وتعليمه؛ لازدياد الأجر والمثوبة والهداية: قولُ كعب: عليكم بالقرآن؛ فإنه فهم العقل, ونور الحكمة, وينابيع العلم, وأحدثُ الكتبِ بالرحمن عهدًا, وقال في التوراة: يا محمد, إني منزل عليك توراة حديثة, تفتح بها أعينًا عميًا, وآذانًا صُم ًا, وقلوبًا غُلفًا. وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: "إن هذا القرآن كان لكم أجرًا, وكائن لكم ذِكرًا, وكائن بكم نورًا, وكائن عليكم وزرًا, اتَّبعوا هذا القرآن, ولا يتبعنكم القرآن؛ فإنه من يتبع القرآنَ يهبط في رياض الجنة, ومن اتَّبعه القرآنُ يزج في قفاه, فيقذفه في جهنم["64] _________________________________ 61 ]"الجيل الموعود بالنصر والتمكين", ص654, تأليف: د. مجدي الهلالي, ط/ دار التوزيع والنشر الإسلامية, القاهرة, الطبعة الأولى, 6341هـ - 4115م. [66 ]أخرجه القاسم بن سلام في فضائل القرآن, في باب فضل القرآن وتعلمه وتعليمه الناس (ص: 54.) لأبي عبيد القاسم بن سلام, 6/436, 434, دراسة وتحقيق: أحمد بن عبدالواحد الخياطي, ط/ مطبعة فضالة, المحمدية, المغرب, ط/ 6365هـ وفي إسناده إسماعيل بن عياش, وهو صدوق في روايته عن أهل بلده, وهذه منها. [64 ]خرجه الدارمي في سننه, كتاب فضائل القرآن, باب: فضل من قرأ القرآن (3 /4111( )4476), وابن أبي شيبة في مصنفه, كتاب فضائل القرآن (1 /641( )41163) قال محقق سنن الدارمي: فيه أبو كنانة ما رأيت فيه جرحا ولا تعديلا, وباقي رجاله ثقات. "سنن الدارمي", 4/216, 214, للإمام أبي محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي, تحقيق وتعليق: د. مصطفى البغا, ط/ دار القلم,
عدد الصفحات ٢٩يه أبو كنانة ما رأيت فيه جرحا ولا تعديلا, وباقي رجاله ثقات. "سنن الدارمي", 4/216, 214, للإمام أبي محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي, تحقيق وتعليق: د. مصطفى البغا, ط/ دار القلم, دمشق, ط/ ثالثة, 6367هـ.
عدد الصفحات ٢٩