مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 75 - مقـدمة الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنّ المال من ضروريات الحياة، وإنّ العامل الاقتصادي من أهمّ العوامل المؤثرة في حياة الناس ، وعليه يتوقف تحقّق كثير من مصالحهم ، وبما أنّ الإسلام دين الفطرة ورسالة الحق؛ فإنّه لم يهمل أهمية الجانب الاقتصادي في حياة الفرد والمجتمع والدولة، بل اعتنى بهذا الجانب عنايةً مناسبةً تؤدي إلى تحقيق قدر الكفاية على مستوى الفرد والمجتمع (1)،مع التحذير من عدم الإجمال في الطلب، وبيّن عاقبة هذا الإفراط على حياة الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء(2). (1) فقد شرع الإسلام أحكاماً للتكسب المشروع، وحث على الصناعة والزراعة والتجارة، وذم الكسل والتسول، بحيث يؤدي الأخذ بهذه الأحكام إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي للدولة الإسلامية إلى حدّ الكفاية الذاتية، وقد تحقق ذلك بالفعل في العهد الن بوي وعهد الخلافة الراشدة إلى درجة أنه عندما حل عام الرمادة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب وعم القحط أرجاء الجزيرة؛ لم يستنجد الخليفة إلاّ ولاته في مصر والشام لإغاثة أهل الجزيرة. انظر بخصوص عام الرمادة: ابن سعد، الطبقات الكبرى، بيروت: دار صادر، ج3، ص313 . ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، بيروت: درا الكتب العلمية، ج 2، ص835 . (2) وذلك في آيات وأحاديث كثيرة منها قوله :«ف َوَاللَّهِ لا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ ت ُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّن ْيَا كما بُسِطَتْ على من كان ق َب ْلَ كُمْ ف َت َنَافَسُوهَا كما ت َنَافَسُوهَا وَت ُهْلِكَكُمْ كما أَهْلَكَت ْهُمْ » البخاري، الجامع الصحيح، بيروت: دار ابن كثير، ط 2 : 1031ه، ج3، ص1182.
عدد الصفحات ١مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 74 - ولسنا في هذا المقام لتناول السياسة الاقتصادية التي وضعها الإسلام للوصول إلى تحقيق ما يُعرف بالاكتفاء الذاتي في مجال الاقتصاد على مستوى الدولة الإسلامية ؛ بل إنّنا في هذه العجالة نحاول إلقاء الضوء على بعض الشرائع التي شرعها القرآن الكريم مقيماً أساس هذه الشرائع الاقتصادي على مبدأ الاكتفاء الذاتي بحيث زاد من ضماِن بقاء هذه الشرائع واستمراريتها، ولا شك أنّ هذه المعالجة الاقتصادية الحكيمة لهذه الشرائع تعدّ وجهاً من وجوه الإعجاز القرآن الكريم التشريعي. الدراسات السابقة: ومبدأ الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد الإسلامي بشكله العام من المبادئ الاقتصادية التي لم تلقَ من الباحثين الإسلاميين العناية الكافية، فضلاً عن عدم توافر دراسات تهتمّ بالصورة المباشرة بالأحكام التي بصددها هذا البحث ، وحتى ركن الزكاة الذي لاقى بعض العناية في الدراسات الإسلامية الحديثة (1)؛ لم تتصدَّ دراسة إسلامية لإبراز عناية الشارع الحكيم بجانب الاكتفاء الذاتي في ركن الزكاة بجعل (العاملين عليها) مصرفاً من مصارف الزكاة الثمانية(2)،وكل ما (1) انظر مثلا: يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 1031ه. زيد محمد الرماني، الجوانب الاقتصادية لفري ضة الزكاة، مجلة الاقتصاد الإسلامي، الإمارات العربية المتحدة، عدد: 115، رمضان 1011ه، ص15-17. ويوسف عبد الله الزامل و بوعلام بن جيلاني، النظرية الاقتصادية الإسلامية، الرياض: دار عالم الكتب، ط 1 :1011ه، ص110-118. (2) ومصارف الزكاة الثمانية هي التي ذكرتها الآية الشريفة: ﴿ =
عدد الصفحات ٢مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 75 - يمكن الوقوف عليه بهذا الصدد يتمثل في الفتاوى التي تحصلت عليها الجهات الخيرية من أصحاب الفضيلة العلماء تبيح الأخذ من الزكاة على قدر حاجة العاملين عليها من أجل حلّ المشكلة التشغيلية لهذه الجهات الخيرية(1). أمّا الحديث عن الجانب الإعجازي للقرآن الكريم في تشريعه مبدأ الاكتفاء الذاتي فيما يخصّ الجوانب الاقتصادية لهذه الشرائع الثلاثة ؛ فلم يعثر الباحث على أيّ إشارة إليها في الدراسات التي مرّ عليها ، فضلاً عن تخصّص دراسة سابقة في الموضوع تخصّصاً كلياً أو جزئياً . أهمية الدراسة: ولعدم وجود دراسة مستقلة تبرز حقيقة تشريع القرآن لمبدأ الاكتفاء الذاتي في بعض تشريعاته لضمان استمرارها ؛ يرى الباحث أنّ الحاجة قائمة لإبراز الإعجا ز القرآني في هذا الجانب من الشرائع القرآنية بشيء من التفصيل، ويتصدّى هذا البحث الذي بين يديكم لهذا الموضوع الذي يقدّم إلى منظومة (إعجاز القرآن الكريم التشريعي) جديداً لم يسبق أن تطرّق له أحدٌ من الباحثين. = ﴾ سورة التوبة، الآية: 13. (1) انظر: أحمد حمد البوعلي، مائة سؤال وجواب في العمل الخيري، الدمام: هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، ط1 :1023ه، ص81-82.
عدد الصفحات ٣مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 06 - محتويات الدراسة: في ثنايا هذا البحث يتمّ تناول ثلاثة شرائع شرعها القرآن الكريم، ووَضَع أسُسها الاقتصادية على مبدأ الاكتفاء الذاتي ، بحيث شرع القرآن الكريم أحكاماً فرعية داخل هذه الشرائع لسدّ حاجة هذه الشرائع الاقتصادية حتى يضمن استمرارها ، وربط وجود هذه الأحكام بوجود الشرائع التي تكتنفها ، فضمن بذلك توافر العامل الاقتصادي اللازم لتفعيل هذه الشرائع حتى لا يتذرع المتكاسل بعدم وجود الكافي من المال لإقامتها، إذ المال اللازم لإقامتها يتوفّر تلقائياً بوجود هذه الشرائع الحيوية وينعدم وجوده بعدم إقامتها. وهذه الشرائع الثلاثة هي: ركن الزكاة ، وركن الحج ، والجهاد في سبيل الله.
عدد الصفحات ٤مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 01 - تمهيـد: وقبل البدء في تناول الحديث عن الاكتفاء الذاتي في هذه الشرائع الثلاثة بالتفصيل؛ يرى الباحث الوقوف قليلا عند مبدأ الاكتفاء الذاتي من وجهة نظر علم الاقتصاد الحديث حتى يكون هذا المبدأ واضحاً ومفهوماً لدى كل مَن يطلع على البحث. ما هو مبدأ (الاكتفاء الذاتي الاقتصادي)؟ يُعرف هذا المبدأ لدى الاقتصاديين باسم (الاستكفاء الاقتصادي) و(الاكتفاء الاقتصادي)، ويعرّفه الاقتصاديون بأنّه: مبدأ بمقتضاه تستغني الدولة عن منتجات غيرها من الدول بالاعتماد على نفسها في إنتاج ما تحتاج إليه عن طريق تشجيع وحماي ة إنتاجها المحلّي ، وذلك رغبةً منها في تدعيم قواها الاقتصادية والعسكرية لمجابهة الطوارئ والمخاطر والأزمات. وهذه النظرية الاقتصادية مبنيةٌ على مجموعة أسس قومية تتدخل فيها الدولة في شؤون المجتمع التجارية والإنتاجية والاستهلاكية بواسطة تشريعات تضعها الدولة وتحافظ على تنفيذها بحزم وإصرار(1). قواعد المبدأ: لمبدأ الاكتفاء الاقتصادي قواعد ترتكز عليها الدولة من أجل تحقيق أهدافها بهذا الخصوص، وهذه القواعد تتلخص في: تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية بإنشاء أو إدارة المشروعات التي لا يقدر الأفراد على إنشائها أو (1) محمد علي الجاسم، القواعد الأساسية للاقتصاد الدولي، بغداد: مطبعة دار الجاحظ، ط3 : 1711م، ج1، ص038.
عدد الصفحات ٥مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 06 - الإشراف عليها ، وسعيها لبثّ الشعور بالوحدة الوطنية بين كافة المناطق والطبقات الاجتماعية ، ولإيجاد فرص التبادل الحُرّ بين كافة مناطق الدولة وقطاعاتها حتى تنمو الصناعة ويحصل التكامل الصناعي ، وكذلك في وضع ضرائب كبيرة على المصنوعات المستوردة حتى تستطيع صرف مصنوعاتها الداخلية بأسعار أقل من سعر المصنوعات المستوردة، وأخيراً في وضع الدولة لخططها الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الاقتصادي حداً أو سقفاً تتوجّه بعد الوصول إليه إلى المتاجرة الخارجية المفتوحة لتحقيق المزيد من الإنعاش والرفاه للشعب(1). خلاصة القول: إنّ ما سبق ذكره كان عن مبدأ الاكتفاء الذاتي الاقتصادي للدول، وهذا المبدأ الاقتصادي ليس قاصراً على الدول فحسب، بل يمكن أن يتمّ تطبيقه على مستويات مختلفة كمستوى الأسرة أو مستوى الفرد ، والذي يعنينا في بحثنا هذا أنّ القرآن الكريم قد حقق هذا المبدأ الاقتصادي في بعض تشريعاته التي تتطلب الدعم الاقتصادي من أجل قيام المسلمين بها. (1) المرجع السابق، ص 003-001.
عدد الصفحات ٦مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 06 - الاكتفاء الاقتصادي في بعض الشرائع القرآنية المبحث الأول: ركن الزكاة قال الله تعالى في محكم التنْ زيل: ﴿ ﴾(1). الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة (2)،سُميت بذلك لأنها تثمر المال (1) سورة التوبة، الآية رقم 13. (2) لقول رسول اللَّهِ :«بُنَِِ الإِسْلامُ على خََْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله وَأَنَّ محَُمَّدًا رسول اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالَْْجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ». صحيح البخاري، ج 1، ص12. ولْديث جبريل عليه السلام الذي يقول فيه رسول اللهِ :«الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا ا وَأَنَّ محَُمَّدًا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَت ُؤْتَِِ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتحَُجَّ الْب َيْتَ إن اسْتَطَعْتَ إليه سَ بِيلا». مسلم، الصحيح الجامع، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت دار إحياء التراث الإسلامي، ج1، ص31.
عدد الصفحات ٧مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 08 - وتنميه(1)،وهي في اصطلاح الفقهاء: ((حق واجب للفقراء على الأغنياء))(2)، وعند المتأخرين منهم : ((حق يجب في المال الذي بلغ نصاباً معيناً بشروط مخصوصة، لطائفة مخصوصة))(3). وللزكاة أهمية دينية واجتماعية وسياسية ، فهي ركن من أركان الإسلام ، ولا يمكن للمرء أن يكون مسلما ما لم يقرّ بفرضيتها ويعمل على تأديتها، و قد قاتل أبو بكر الصديق المرتدين من العرب، وكان منهم مَن أنكر فرضية الزكاة(4)، وقد اتفق العلماء على اعتبار جاحد هذا الركن مع العلم به مرتداً عن الإسلام يجب استتابته ثلاثاً ثم يقتل ما لم يتُب ويرجع عن جحوده(5)،كما تعدّ الزكاة أحد أهم الروافد التي تعتمد عليها الدولة الإسلامية في مواردها المالية اللازمة (1) ابن قدامة المقدسي، المغنِ، بيروت: دار الفكر، ط1 :1038ه، ج2، ص225. (2) ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بيروت: دار الفكر، ج 1، ص115. (3) نخبة من العلماء، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط1 :1020ه، ص121. وقد عرفها فقهاء الأحناف بأنها ((تََْلِيكُ الْمَالِ من فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غير هَاشِِِيٍّ وَلا مَوْلاهُ بِشَرْطِ قَطْعِ الْمَن ْفَعَةِ عن الْمُمَلِّكِ كل وَجْهٍ لله ت َعَالىَ )). ابن نجيم الْنفي، البحر الرائق، بيروت: دار المعرفة، ط 2، ج2، ص211 . نظام الدين وآخرون، الفتاوى الهندية، بيروت: دار الفكر، ط1011ه، ج1، ص113. (4) نقل النووي عن الخطابي رحمهما الله قوله في أهل الردة ((والصنف الآخر هم الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقرّوا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الْقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً لدخولهم في غمار أهل الردة ))، ثم ذكر قتال أبي بكر لهم وغيرهم من العرب الذين ارتدوا عند شرح ه لْديث: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ ا ». انظر: شرح صحيح مسلم، القاهرة المطبعة المصرية ومكتبتها، 1/233-213. (5) ابن قدامة، المغنِ، ج2، ص225 .
عدد الصفحات ٨مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 07 - لخدمة المصالح العامة(1)،فهي تخفف عنها عبئاً كبيراً يجب أن تتحمله من أجل الإنفاق على الفقراء والمساكين والمؤلّفة قلوبهم وفي سبيل الله، وجميع هذه الأصناف من واجب الدولة الإسلامية رعايتها بالإنفاق عليها لحماية المجتمع الإسلامي من ويلات انتشار الفقر وظاهرة التسوّل أو من كيد طائفة (المؤلفة قلوبهم) أو من اعتداء غيرهم من الكفار والبغاة. وأمّا من الناحية الاجتماعية؛ فالغرض الأساسي من الزكاة إ حداث العدالة الاجتماعية والمشاركة المالية وتوزيع المسؤولية والتكافل الاجتماع ي، والزكاة هي مؤسسة الإسلام للقضاء على الفقر ، فهناك أصول أساسية في الإسلام ، وأول أصل اقتصادي إسلامي هو ضمان حد الكفاية لكل فرد ، ومعنى حد الكفاية المستوى اللائق للمعيشة، ويتم توفير حد الكفاية لكل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي بتوفير فرص العمل المناسبة له وإ ذا عجز هذا الفرد عن توفير حد الكفاية لنفسه لسبب خارج عن إرادته كمرض أو عجز أو شيخوخة فنفقته واجبة على بيت مال المسلمين، وبيت مال المسلمين يتمّ ملؤه بأموال الزكاة التي تُجبى من أغنياء المجتمع(2). وإذا عرفنا أهمية الزكاة الدينية والسياسية والاجتماعية ؛ فإنّ إقامة هذا الركن تصبح من ضروريات الدولة الإسلامية حتى وإن لم ترَ دولة إسلامية ذلك من واجباتها ، وممّا لا شك فيه أنّ جباية الزكاة تستلزم وجود كوادر بشرية ووسائل التنقل وغير ذلك ممّا يحتاجه جباة الزكاة من الوسائل التي تسهل (1) يوسف الزامل، النظرية الاقتصادية الإسلامية، ص 112- 110. (2) مع تصرف من مقال الدكتور محمد شوقي الفنجري (أستاذ الاقتصاد الإسلامي وعضو مجمع البحوث الاسلامية في مصر) المنشور على موقع المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية: www.islamicfi.com في1/0/2331.
عدد الصفحات ٩مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 00 - مهمتهم، وعلى الدولة أن توفّر كل ذلك و أن تتحمّل النفقات التي تتطلّبها جباية الزكاة لأنّها من الضروريات التي لا بدّ للدولة القيام بها من أجل توفير الأمن في البلاد بمكافحة الفقر وما يترتب عليه من ظاهرة التسوّل وجرائم السرقة والسطو أو بتأليف قلوب مَن يُخشى كيدهم للدولة أو بإعداد القوة اللازمة لرد ع الخصوم والبغاة. ومن حكمة الشارع سبحانه وتعالى البالغة أن جعل رواتب القائمين بجباية الزكاة – سواءً كانوا من رجال الدولة أم كانوا من منسوبي الجهات الخيرية الإسلامية – مكفولةً ومضمونةً بتصنيف هؤلاء الجباة ضمن الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة ، إذ سمّتهم الآي ة الشريفة : ﴿ ﴾(1)، وبذلك قطع القرآن الكريم السُبُل أمام كلّ متكاسل أو متردّد في أمر جباية الزكاة ، ودحض حجة كل جاحد ومكابر بربط وجود مكافآت موظفي جباية الزكاة بوجود الزكاة نفسها . ولا شكّ أنّ أمر جباية الزكاة من قبل الدولة ؛ يضمن إخرا ج الزكاة على مستوى التجّار والصنّاع والذين تمثل زكاواتهم نسبة عالية جداً من مجموع ما يخرجه المسلمون من الزكاة بشكل عام ، وبالنظر إلى هذه الأهمية لدور الدولة في جباية الزكاة ؛ ألا نرى أنّ القرآن الكريم - بهذا التشريع الذي يضمن توفير (1) وقد اتفق الفقهاء على أن المقصود بكلمة (العاملين عليها) هم: السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة، واختلفوا في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: قال مجاهد والشافعي هو الثمن، وقال ابن عمر وأبو حنيفة وأصحابه ومالك: يعطون قدر عملهم من الأجرة، القول الثالث: يعطون من بيت المال. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، القاهرة: دار الشعب، ج5، ص111، وانظر كذلك: ابن قدامة، المغنِ، ج 2، ص213 .
عدد الصفحات ١٠مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 05 - مكافآت القائمين بجباية الزكاة ورواتبهم من خلال عملية جباية الزكاة نفسها تحت إشراف الدولة الإسلامية أو الجهات الخيرية -؛ قد تكفّل باستمرار جباية الزكاة وبالتالي ببقاء شريعة الزكاة واستمراريتها في كل الظروف ، وحقّق بذلك الكفاية الذاتية فيما يحتاجه هذا الركن من المال اللازم لإنفاقه على الجباة !، ألا نرى أنّ هذا الأمر في حدّ ذاته يسطّر فصلاً جديداً في سجلّ (إعجاز القرآن الكريم التشريعي) ! أليس في هذا التشريع بكلّ ما فيه من الأهمية وبكل ما فيه من القدرة الذاتية على تحقيق كفاية حاجته الاقتصادية ؛ يُضيف وجهاً جديداً من وجوه الإعجاز إلى هذا السجلّ الذهبي من المعجزات !
عدد الصفحات ١١مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 04 - المبحث الثاني: ركن الحج قال تعالى في كتابه الكريم : ﴿ ﴾(1)،وقال سبحانه : ﴿ ﴾(2). الحج أيضاً ركن من أركان الإسلام الخمسة(3)،ودلالة لفظه اللغوية هي: (1) سورة البقرة، الآية رقم 175. (2) سورة الْج، الآية رقم 25. (3) لقول رسول اللَّهِ :«الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله وَأَنَّ محَُمَّدًا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَت ُؤْتَِِ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتحَُجَّ الْب َيْتَ إن اسْتَطَعْتَ إليه سَبِيلا » .=
عدد الصفحات ١٢مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 05 - القصد، وقال الخليل الفراهيدي(1) :((الحج: كثرة القصد إلى مَن تُعظّمُه))(2)، والحج عند الفقهاء هو: ((هو زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوص في زَمَان مَخْصُوص بِفِعْل مَخْصُوص ))(3). وللحج أهمية دينية وسياسية واجتماعية كبيرة ، فهو آخر الأركان الخمسة التي بُنِي عليها دين الإسلام ، وقد فرضه الله تعالى على المسلمين مرةً في العمر، وحدّده بزمن مخصوص في مكان مخصوص بخلاف العبادات الأخرى التي لم تحدّد بمكان مخصوص كالحج ولا بزمان مخصوص مثله، وفي ذلك تعظيم لشأنه، وبسبب فريضة الحج برزت مكانة الدول التي شرّفها الله تعالى بالإشراف على شؤون الحرمين الشريفين اللذَين يقصدهما الحجاج كل عام في أشهر الحج، وقد حرصت الدول الإسلامية عبر تاريخ الأمة الإسلامية الطويل على التسابق فيما بينها على خدمة الحرمَين الشريفَين لاكتساب مكانة مرموقة بين الدول الإسلامية بتشرّفها بهذه الخدمة ، وكانت أبرز صور الخدمة التي = مسلم، الصحيح الجامع، ج1، ص31. (1) الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري: اللغوي صاحب العروض والنحو، ص دوق عالم عابد، مات بعد الستين وقيل سنة سبعين أو بعدها. ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب، تحقيق: محمد عوامة، دمشق: دار الرشيد، ط 1 :1031ه، ج1، ص178. (2) ابن قدامة، المغنِ، ج3، ص58. وهذا ما أكّده ابن نجيم الْنفي بقوله((الْقَصْدُ إلىَ مُعَظَّمٍ لا مُطْلَقُ الْقَصْدِ كما ظَنَّهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَهُ كَالت َّيَمُّمِ )). البحر الرائق، ج 2، ص333. (3) ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2، ص333. وهذا أحسن التعريفات عند الفقهاء الذين سبقوا العصر الْديث، وقد اكتفى ابن قدامة في تعريفه للحج بقوله: ((اسم لأفعال مخصوصة يأتِ ذكرها )). المغنِ، ج3، ص58.
عدد الصفحات ١٣مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 56 - قدّمتها الدول الإسلامية المتتابعة للحرمين الشريفين؛ تمثلت في خدمة الحجاج والزوار، وبهذه الخدمة تميّزت دول على الأخرى عبر تاريخ الأمة الإسلامية، واكتسبت كثي رٌ منها مكان الصدارة بين الدول الإسلامية في زمنها(1). وأمّا الأهمية الاجتماعية للحج فهي كثيرة جداً، فهو من أكبر الأسباب التي جلبت العلماء وأرباب الفكر الإسلامي إلى بلاد الحرمين عبر التاريخ، كما جلب الحج إلى هذه المنطقة المال وأنواعاً من النعم الأخرى التي ساهمت في توفير الحياة الكريمة لجميع طبقات المجتمع في الحرمين الشريفين على مر العصور حيث تسابق الملوك والأمراء والزعماء والأثرياء من العالم الإسلامي إلى إقامة الأوقاف الخيرية في المدينتين المقدّستين وعلى بناء منشآت تخدم الحياة الاجتماعية فيهما من خلال زيارة هؤلاء الأفاضل لهاتين المدينتين عند قدومهم لأداء فريضة الحج(2). وبالإضافة إلى ما تمّ ذكره؛ فإنّ الحج يُعدّ مؤتمراً إسلامياً عالمياً يجمع الأمة الإسلامية بعامتها وأرباب فكرها وعلمائها وزعمائها على أرض الحرمين الشريفين في أشهر الحج ممّا يهيئ فرص التشاور والتناظر والتخطيط للمستقبل وتلاقح الأذهان وبلورة الأفكار ونمو الثقافات وارتقاء الحضارات، ولو لا فريضة الحج؛ لانعدم الشعور بالوحدة والانتماء ، ولو لا الحج ؛ لما أمكن التضامن والاجتماع في الكلمة ، ولو لا الحج لماتت النخوة واندثرت الأخوة، ولما عرف (1) المملكة العربية السعودية بين الماضي والْاضر، الشؤون الإعلامية بوزارة الإعلام بالمملكة العربية السعودية، ص5. (2) أحمد هاشم بدرشينِ، أثر الأوقاف على الْياة الدينية والاجتماعية في مكة والمدينة في العهد المملوكي، المدينة المنورة: مجلة مرك ز بحوث ودراسات المدينة المنورة، العدد: 13، ربيع الثاني/جمادى الأولى 1021ه، ص17-71.
عدد الصفحات ١٤مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد 184 - 51 - الهندي عن حال المغر بي، ولما استيقظ في القادم من أدغال إفريقيا شعور الولاء لمَن هو في صحراء سيبيريا، إنّ الحج وحده ضمان تماسك هذه الأمة وتعاضدها، ولذلك تكون بعثة المهدي المنتظر الذي سوف يوحّد المسلمين بعد تشتّت وضياع في موسم الحج كما جاء ذلك في بعض الروايات(1). ومن أجل أهميةالحج الدينية والسياسية والاجتماعية لا يزال المسلمون ولن يزالوا يحجون حتى لو أصابهم الضعف والهوان والعجز إلى درجة لن يكون لهم إذ ذاك إمام ولا نظام، وقد مرّ الحجاج بزمن شبيه بهذا الزمن الذي ذكرته الرواية المذكورة في الهامش السابق ، وذلك في عصور مختلفة من الت اريخ الإسلامي، حتى كان الحجاج يودّعون أهاليهم في بلادهم عند خروجهم لأداء الفريضة كما يودّع الخارج إلى القتال في ساحة المعارك(2). والحج من العبادات التي تحتاج إلى المال من أجل قيام المسلم به، إذ لا يُتصوّر أداء فريضة الحج من غير توافر المال، ولهذا جعل الله تعالى توافر (1) فقد ذكر الْاكم النيسابوري رواية جاء فيها أنّ رسول ا قال«يحج الناس معا ويعرفون معا على غير إمام، فبينما هم نزول بمنى إذ أخذهم كالكلب فثارت القبائل بعضها إلى بعض واقتتلوا حتى تسيل العقبة دما فيفزعون إلى خيرهم فيأتونه وهو ملصق وجهه إلى الكعبة يبكي كأني أنظر إلى دموعه فيقولون: هلمّ فلنبايعك، فيقول: ويحكم كم عهداً قد نقضتموه وكم دماً قد سفكتموه، فيبايع كرها، فإذا أدركتموه فبايعوه فإنه المهدي في الأرض والمهدي في السماء» .المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1 :1011ه، ج0، ص807. (2) ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، بيروت: مكتبة المعارف، ج 7، ص117. بنواميشان، عبد العزيز آل سعود، ترجمة: عبد الفتاح ياسين، ط: 1358ه، ص238. أحمد عسه، معجزة فوق الرم ال، ط: 1718م، ص131.
عدد الصفحات ١٥مَبْدَأُ الاكْتِفَاءِ الاقْتِصَادِيِّ فِي بـَعْضِ الأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ – د.مُحَمَّد عَامِر مَظَاهِرِيّ - 56 - المال من شروط وجوب الحج (1)،ولكنّ الحكمة البالغة للشارع الحكيم اقتضت تشريع حكم استثنائي في ركن الحج يساعد المسلم على توفير حاجته الاقتصادية لأداء هذه الفريضة ، إذ جاءت بعض آيات القرآن الكريم بإباحة التجارة في الحج(2)،وبعبارة أخرى: أجاز القرآن الكريم للحاج ممارسة كافة الأنشطة التجارية المباحة أثناء قيامه بأداء الفريضة (3)،وهذا الجواز أو هذه الإجازة بالجمع بين العبادة وطلب الدنيا مخالفة للمنهج العام للشرع الحكيم في سائر العبادات الأخرى، حيث لا يجوز الجمع بين العبادة وطلب المنافع الدنيوية في أي عبادة أخرى غير الحج(4). (1) قال تعا ﴿ ﴾، سورة آل عمران، الآية: 79. قال الجصاص((وَاَلَّذِي ي َقْتَضِيهِ من حُكْمِ السَّبِيلِ إن كُلَّ من أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلىَ الَْْجِّ لَزِمَهُ ذلك إذْ كانت اسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ إلَيْهِ هِيَ إمْكَانُ الْوُصُولِ إلَيْهِ )). أحمد علي الرازي، أحكام القرآن، تحقيق: محمد قمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث الإسلامي، ط: 5041ه، ج2، ص 749. وقد فسر الكثيرون الاست طاعة بالزاد والراحلة، انظر: ابن قدامة، المغنِ، ج7، ص51. (2) وقد تم ذكر الآيتين اللتين تشتملان على الْكم في بداية موضوع ركن الْج في ص 11. (3) جاء في المغ((وللمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع )). ابن قدامة، المغنِ، ج3، ص113، وانظر كذلك: ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص870. (4) فعن أبي هُرَي ْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ: قال الله ت َبَارَكَ وَت َعَالىَ «أنا أَغْنىَ الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ من عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيرِْي ت َرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ». صحيح مسلم، ج0، ص2257. وقد نهى الله في القرآن الكريم عن الانصراف عن صلاة الجمعة وخطبتها بالتجارة واللهو فقال: =
عدد الصفحات ١٦