المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

معالم الرحمة في تشريع العبادات البدنية

محمد شافعي مفتاح بوشية

صفحة ٣ من ٤

225 الصيام فيه مشقة كبيرة، لأن ساعات النهارة تكون طويلة جدًّا تصل إلى .)1( ساعة تقريبًا22 وفي بعض البلاد القطبية يكون الليل ستة أشهر والنهار ستة أشهر، وهذه البلاد يوجد بها مسلمون، سواء كانوا من أهلها أو ممن يعملون فيها، ويقتضي الأمر بيان حكم صومهم ومقداره، وقد وردت بشأنهم فتاوى مختلفة، وقرارات صادرة عن مؤسسات شرعية معاصرة. فذهب بعض العلماء إلى أنهم يصومون سواء طال النهار أو قصر، ولكن إن عجزوا عن إتمام صيام يوم وخافوا على أنفسهم الموت أو المرض جاز لهم أن يفطروا بما يسد رمقهم، ويدفع عنهم الضرر، ثم يمسكوا بقية يومهم، وعليهم قضاء ما أفطروه في أيام أخر يتمكنون فيها من الصيام. إلى تفصيل المسألة على النحو التالي:وذهب آخرون أ. إذا كانت الدولة لها نهار وليل فإنه يجب العمل بمقتضى ذلك، سواء طال النهار أو قصر. ب. إذا كانت الدولة ليس فيها ليل ولا نهار كالدوائر القطبية التي يكون فيها النهار ستة أشهر، أو الليل ستة أشهر، فهؤلاء يقدرون وقت صيامهم ووقت صلاتهم، والتقدير لا يخلو من عدة صور، هي: فائدة: تناول فقهاء المذاهب حكم صلاة أهل هذه البلاد ونحوهم، ولهم في تقدير مواقيت الصلاة )1( ه406لديهم أقوال كثيرة، ويعتبر الشيخ أبو حامد الإسفراييني الشافعي المتوفى سنة تكلم في بيان صومهم وفطرهم وصلاتهم، ورأى أن التقدير يكون بأقرب البلاد إليهم. وقد تردد الإمام القرافي المالكي فِي قَوْمٍ لاَ تَغِيبُ الشَّمْسُ عِنْدَهُمْ إلاَّ مِقْدَارَ الصَّلاَةِ، فَهَلْ يَشْتَغِلُونَ بِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ أَوْ يَشْتَغِلُونَ بِالأَْكْلِ حَتَّى يَقْوَوْنَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ إذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وذكر البيجرمي أن جواب الإسفراييني هذا يرد على تردد القرافي. = = ينظر: حاشية البيجرمي ).394/1على الخطيب )، والطحطاوي في 81/1وممن تعرض لمسألة أهل بلغاريا هذه: الزيلعي في تبيين الحقائق )، وابن نجيم 123/2) و362/1)، وابن عابدين في حاشيته178/1حاشيته على مراقي الفلاح ). 161/1في النهر الفائق شرح كنز الدقائق

عدد الصفحات ٣٣

226 الصورة الأولى: التقدير طبقًا لميقات أم القرى مكة المكرمة، فإذا ساعة على سبيل المثال فإنهم- 13كان زمن الصيام في مكة ساعة. وهو 13أي: أهل هذه البلاد- يصومون من الفجر . )1(رأي بعض فتاوى دار الإفتاء المصرية الصورة الثانية: التقدير طبقًا لميقات بلاد متوسطة، فيقدرون الليل اثنتي عشرة ساعة، ويقدرون النهار اثنتي عشرة ساعة، لأن هذا هو الزمن المعتدل في الليل والنهار. الصورة الثالثة: التقدير بميقات أقرب بلاد إليهم يكون لها ليل ونهار منتظم، وهذا القول ذهب إليه الإمام أبو إسحاق ه406الإسفراييني الشافعي (ت ، فذكر أن الشمس لا تغرب عندهم إلاّ )2(الصلوات لأهل بلغار بمقدار ما بين المغرب والعشاء ثم تطلع؟ فأجاب بأنه: يعتبر . )3(صومهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم ويعد هذا التقدير هو أرجح التقديرات، لأن أقرب البلاد إليهم هي أحق ما يتبعون، وهي أقرب لمناخهم من الناحية الجغرافية، وعلى هذا فينظرون إلى أقرب البلاد إليهم ليلاً ونهارًا فيتقيدون به، سواء في . )4(الصيام أو في الصلاة وغيرهما وذلك في الفتاوى التالية )1( م، وفتوى1984 أغسطس سنة27ه1404 ذو القعدة سنة29حمزة في يناير 3ه1402 ربيع الأول 9فى النرويج ).123/1( )104/1م. ينظر: فتاوى دار الإفتاء المصرية1982/05/26م، وفي19982 ذكر ياقوت الحموي أن (بُلْغَارَ) مَدِينَةُ الصَّقَالِبَةِ ضَارِبَةٌ فِي الشَّمَالِ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ لا يكاد الثلج )2( ، وأرسلوا إلى بغداد رسولاً باللهيقلع عن أرضها صيفًا ولا شتاءً، قد أسلموا في أيام المقتدر ينظر: معجم البلدان، لياقوت يعرّفون المقتدر ذلك ويسألونه إنفاذ من يعلّمهم الصلوات والشرائع. ).486-485/1( وبلغاريا: دولة معروفة تقع في شبه جزيرة البلقان جنوب شرقي أوربا، وعاصمتها صوفيا، ويبلغ نسمة، وتتبع الحكم الشيوعي منذ الأربعينيات، والذي تغير في مليون 10عدد سكانها قريبًا من التسعينيات إلى الحزب الاشتراكي. ينظر: الموسوعة العربية العالمية (بلغاريا). ).394/1 حاشية البيجرمي على شرح الخطيب )3( وهذا ما أخذ به المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في القرار الثالث )4(

عدد الصفحات ٣٤

227 قلت: وأيًا كان العمل بفتوى إباحة الفطر لهم، أو فتوى التقدير بالبلاد المختلفة، فإن في ذلك عين الرحمة بهؤلاء المسلمين، ورفعًا للحرج والمشقة تعالى. الله عنهم حتى يستطيعوا أداء عبادة ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ (تعالى: الله وذلك كله من منطلق قول ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ (، وقوله جل شأنه: ]185البقرة[ )ﯝ ﯞ ]78الحج[ )ﮰ الفرع الثالث الرحمة في تناول طعام الفطور والسحور لما كان الصوم مشتملاً على مشقة، وحرمان للجسد من المباحات من الطعام والشراب والشهوة، فقد حثت السنة النبوية على تعجيل الفطر وتأخير السحور. قَالَ: Sيؤيد هذا ما ورد في الفطر عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ . )1(« : فِينَا رَجُلاَنِ مِنْ وقد ورد أن مالك بن عامر قال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِْفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالآْخَرُ S أَصْحَابِ النَّبِي يُؤَخِّرُ الإِْفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ! قَالَت: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِْفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ م، ثم أكده وفصله في قراره السادس 1982/02/04ه1402/04/10الصادر في بتاريخ 61ه1406 رجب19الصادر في ه1398/4/12 555ه1398عام ه1398/1/16في (مالو) بالسويد. ) مجموع فتاوى ورسائل ابن العثيمين 239/15 وينظر كذلك: مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ) بتصرف في الجميع.322-321/19( )، ومسلم1957) ح36/3 متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب تعجيل الإفطار )1( ) واللفظ للبخاري1098) ح771/2في كتاب الصيام باب فضل السحور وتأكيد استحبابه

عدد الصفحات ٣٥

228 Sالسُّحُورَ؟ قُلْتُ: عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ). 1( يَصْنَعُ بأمته، لم تجعل من الصيام وسيلة تعذيب ومشقة S فرحمة النبي ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ( سبحانه وتعالى يقول: فاللهعلى الناس، ، والقضية قضية إيمان، واختبار تصديق ]147النساء[ )ﯷ ﯸ واتباع، فإذا تم هذا التصديق والاتباع فلا داعي للمشقة الزائدة عن في الأحاديث السابقة، إنه لا يكتفي Sحدِّ الاختبار.. ثم لاحظ رحمته بشرح مدة الصيام المطلوبة فقهيًّا، إنما هو يمدح من عجَّل الفطر مع أنه يجوز له أن يؤخره ساعة أو ساعتين أو أكثر طالما لم يواصل، لكنه يجعل الأجر الأفضل والثواب الأعظم لمن عجَّل الفطر، لأن هذا أدعى . )2(للرحمة ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ وأما السحور فقد أخرج الشيخان عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ، قُلْتُ: S حَدَّثَهُ “أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِي ثَابِتٍ . )3(كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ”، يَعْنِي آيَةً ه814قال ابن الملقن (ت تعالى؛ ولأنه الله النهار ساعة من الليل، فيكون ذَلِكَ زيادة في فروض .)4(أرفق بالصائم، وأقوى له على الصيام في أحاديث أخرى على السحور لارتباطه بالبركة، Sوقد حث النبي في أخرجه النسائي في الكبرى في ذكر الاختلاف على سليمان بن مهران في حديث عائشة )1( = )113/3تأخير السحور )، 24213) ح259/40)، وأحمد في مسنده2158) ح143/4) وفي الصغرى2479= ح وشاهده في مسلم بلفظ ِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَتْ: اللهقَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِْفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاَةَ؟ ) 771/2»Sِالله« ). وصحح الألباني رواية النسائي، وصحح الأرناؤوط رواية أحمد1099ح في أمور الصيام - منشور بموقعS رحمته )2( )، ومسلم575) ح119/1 أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت صلاة الفجر )3( ) واللفظ للبخاري1097) ح771/2في كتاب الصيام باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ).398-397/13 التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن )4(

عدد الصفحات ٣٦

229 :S، قَالَ: قَالَ النَّبِيوتعدد منافعه، ففي الصحيح عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . )1(“تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً ه676 قال النووي (ت بواجب، وأما البركة التي فيه فظاهرة، لأنه يقوي على الصيام وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقة فيه على .)2(المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه ) ومسلم 1923) ح29/3 أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب بركة السحورمن غير إيجاب )1( .)1095)ح770/2في كتاب الصيام باب ).206/7 شرح صحيح مسلم )2(

عدد الصفحات ٣٧

230 المبحث الثاني معالم الرحمة في العبادات البدنية والمالية (الحج( المطلب الأول الرحمة في تشريع الحج أولاً: فرضية الحج مرة في العمر رحمة بالمكلفين: فُرِضَ الحجُّ على المسلم مرة في العمر تخفيفًا عليه، ورحمة به، نظرًا لما يشتمل عليه الحج من جهد بدني، ونفقة مالية، فالجهد البدني يتمثل في السفر وشد الرحال ابتداءً، ثم في أداء مناسك الحج المختلفة، والنفقة المالية تتمثل في تكاليف السفر ذهابًا وإيابًا، وتكاليف المقام خلال مدة الحج، ولهذا أجمع الفقهاء على أن الحج لا يجب إلا بالاستطاعة، بناء ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ (تعالى: الله على قول .]97آل عمران[ )ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ه620قال ابن قدامة (ت . )1(الْمُسْتَطِيعِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً والاستطاعة بدنية ومالية معًا، فالبدنية هي إمكان الحج بنفسه، ).213/3 المغني )1(

عدد الصفحات ٣٨

231 ويدخل معها أمن الطريق، فإن لم يستطع الحج بنفسه وتوافرت لديه . )1(الاستطاعة المالية أناب عنه غيره ، فَقَالَ: Sِالله وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ ُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا الله« »:Sِاللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهرَسُولَ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا . )2(مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ والحديث واضح الدلالة على فرضية الحج مرة في العمر، وأنه لو عن Sفرض أكثر من مرة للحق بالناس مشقة، ولهذا نهاهم النبي التكلف في السؤال وعدم الأخذ على النفس بما يشق. ثانيًا: النيابة في الحج عن غير المستطيع لضعف أو عجز: لما كانت الاستطاعة بالنفس والمال، فما الحكم فيمن فقد شرط الاستطاعة بالنفس لكونه مريضًا مرضًا دائمًا أو ضعيفًا أو طاعنًا في السن لا يقوى على السفر وأداء المناسك؟ هل يلزمه الحج بإنابة غيره عنه أم يسقط عنه؟. للفقهاء أقوال في هذه المسألة مدارها جميعًا على التخفيف والرحمة بالعاجز عن الحج، أوردها بإيجاز على هذا النحو: أولاً: عند الحنفية: من قدر على الحج وهو صحيح ثم عجز عن أدائه، فإنه يلزمه أن يستنيب من يحج عنه، وذلك لأن صحة البدن ه150شرط لوجوب الحج عند الإمام أبي حنيفة (ت الصاحبين يجب الإحجاج عليه إن كان له مال، ولا يشترط أن يجب الحج عليه وهو صحيح، وذلك لأن صحة البدن شرط ).213/3)، المغني63/7)، المجموع84/2 بداية المجتهد )1( .)1337) ح975/2 أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر )2(

عدد الصفحات ٣٩

232 لوجوب أداء الحج عندهما، والذي عليه المذهب هو قول . )1(الإمام غير مستطيعين، )2(ثانيًا: عند المالكية: يرون أن المريض والمعضوب فيسقط عنهما الحج، سواء كانا قادرين على من يحج عنهما بالمال أو بغيره، فلا يلزمهما فرض الحج، ولو وجب عليه الحج . )3(ثم عضِبَ وزمِن سقط عنه الحج ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ (تعالى: الله واستدلوا من القرآن بقول حيث دلت الآية على أنه ليس له إلا ما سعى، ]النجم[ )ﰈﰇ فمن قال: إنه له سعي غيره، فقد خالف ظاهر الآية. ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ (تعالى: الله كما استدلوا بقول ، وهذا غير ]97آل عمران[ )ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ مستطيع، لأنَّ الحج هو قصد المكلف البيت بنفسه. ومن المعقول أن الحج عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها . )4(كالصلاة ثالثًا: عند الشافعية: يرون أن من عجز عن الحج بموتٍ، أو مرضٍ لا يرجى برؤه، أو عجزٍ، أو كبر سنٍّ يجوز له أن يستنيب من يحج . ولهم في التفصيل صورتان:)5(عنه، سواء بأجر أو بدون أجر الأولى: أن لا يقدر على الحج بنفسه لزمانةٍ أو كبرٍ، ولكن لديه مال يدفعه إلى من يحج عنه، فيجب عليه فرض الحج، وذلك لأنه يقدر على أداء الحج بغيره، كما يقدر على أدائه بنفسه، فيلزمه فرض الحج. ).458/2 حاشية ابن عابدين )1( العضب في اللغة له معان شتى منها: الضعف والزمانة والعجز ونحوهما، والرجل المعضوب هو )2( .)609/1الرجل الضعيف لمرض أو هرم. لسان العرب ).84/2)، بداية المجتهد150/4 الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي )3( .)150/4 تنظر أدلة المالكية في: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي )4( .)114/7)، المجموع179/2 الأم، للشافعي )5(

عدد الصفحات ٤٠

233 الثانية: أن لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج؛ فينظر فيه فإن كان الولد مستطيعًا بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج، ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه؛ لأنه قادر على أداء الحج بولده، كما يقدر على أدائه . )1(بنفسه، فإذا لم يكن للولد مال، ففيها وجهان في المذهب واستدلوا على جواز الاستنابة في الحج من المعقول بأن هذه عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غير فعله فيها . )2(مقام فعله، كالصوم إذا عجز عنه افتدى، بخلاف الصلاة رابعًا: عند الحنابلة: يرون أن من عجز عن الحج يلزمه إنابة غيره، .)3(ويسقط عنه الحج حتى لو عوفي بعد ذلك ه620قال ابن قدامة المقدسي (ت وجوب الحج، وكان عاجزًا عنه لمانع ميؤوس من زواله، كزمانة، ، لا يقدر على )4(أو مرض لا يرجى زواله، أو كان نضْوَ الخَلْق الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، والشيخ الفاني، ومن كان مثله متى وجد من ينوب عنه في الحج، ومالاً يستنيبه . )5(به، لزمه ذلك واستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، . )6(فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ ) بتصرف.93/7 المجموع )1( .)222/3 المغني )2( .)520/3)، حاشية الروض المربع222-221/3 المغني )3( النضو هو المهزول الخلقة، وأصل النضو البعير المهزول، ويقاله: أنضاه السفر إذا هزل بدنه )4( ) (نضو) بتصرف330/15لسان العرب ).222/3 المغني )5( متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة )6(

عدد الصفحات ٤١

234 المطلب الثاني الرحمة بالضعفاء وذوي الأعذار في مناسك الحج تتجلى معالم الرحمة بالضعاف وأصحاب الأعذار من الرجال والنساء في مناسك الحج في حالات منها ما يلي: . طواف المريض راكبًا:1 الأصل في الطواف أن يكون سيرًا على الأقدام، ولكن رخص للمريض ونحوه أن يطوف راكبًا رحمة به، ومراعاة لحاله، وتيسيرًا عليه، وهذا . )1(باتفاق الفقهاء أَنِّي S قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ويؤيد ذلك حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَشْتَكِي، فَقَالَ .)2( يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ S . التخفيف عن الحائض بتأخير الطواف لما بعد الطهر2 وفيها حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى ،قَالَSرَسُولِ اللَّهِ .)3(حَتَّى تَطْهُرِي . النهي عن المزاحمة على تقبيل الحجر الأسود حتى لا يؤذي 3 القويُ الضعيفَ ) ومسلم في كتاب الحج باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما 1853) ح 18/3( = ) واللفظ للبخاري1335) ح974/2( .)358/3)، المغني26/8)، المجموع184/2 ينظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطببي )1( .)1633) ح155/2 أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المريض يطوف راكبًا، )2( ) ح159/2 أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف )3( .)1650(

عدد الصفحات ٤٢

235 تقبيل الحَجَر من سنن الحج، ولكن إذا تعذر على المرء تقبيله أشار .)1(إليه، ولا ينبغي التزاحم عليه رحمة بالضعيف والدليل على ذلك حديث أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ قَالَ S، أَنَّ النَّبِي فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَهُ .)2(وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّر . جواز الحلق للمحرم إذا كان به أذى.4 أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره، إلا من عذر، ، فإن كان ]196البقرة[ )ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ( والأصل فيه آية له عذر، من مرض، أو وقع في رأسه قمل، أو غير ذلك مما يتضرر بإبقاء . )3(الشعر، فله إزالته ففي تشريع الحلق للمحرم إذا كان به أذى رحمة به، وتخفيفًا عليه، ، ففي Sومراعاة لحالته، وهذا ما وقع لأحد الصحابة على عهد النبي ، الصحيحين عن أيوب عن مجاهد عن أبي ليلة عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: Sقَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِي « .)4(سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً ).33/8)، المجموع107/2 ينظر: بداية المجتهد )1( ) ح 375/1)، والسنن المأثورة للشافعي، للمزني 189) ح 246/1 أخرجه أحمد في مسنده )2( )، وضعف بعضهم إسناده لجهالة الشيخ الذي بمكة، إلا أن سفيان بن عيينة قد سماه وهو510( عبدالرحمن بن نافع بن عبدالحارث، وهو من أولاد الصحابة، والحديث مرسل، والمرسل إذا أسند )، علل الحديث 39إلى تابعي كبير فهو حجة عند الكثيرين من العلم. ينظر: الموقظة للذهبي (ص ).252/2للدارقطني ).296/3)، المغني، لابن قدامة247/7)، المجموع، للنووي74/4 ينظر: المبسوط، للسرخسي )3( )، ومسلم في كتاب4190) ح129/5 أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب صلح الحديبية )4( ) واللفظ للبخاري2859) ح859/2الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ( وكانت هذه الواقعة سبب نزول قوله تعالى: ).4191) في الحديث رقم129/5. على نحو ما ذكره البخاري في صحيحه]196البقرة[ )ﯴ ﯵ

عدد الصفحات ٤٣

236 وتتجلى معالم الرحمة في هذه الواقعة في جوانب عدة أبرزها أ. إباحة الحلق عند وجود الأذى وتشريع الفدية. ب. أن الفدية فيها على التخيير كما في الآية وكما في الحديث، قال ه676النووي (ت مخير بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير .)1(بين الثلاثة . تقديم الضعفاء من الرجال والنساء في الوقوف بمزدلفة 5 تجنبًا للزحام للضعفاء من النساء والرجال في الوقوف بالمشعر الحرام Sرخص النبي ليلاً، والانصراف من مزدلفة قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل إلى منى . )2(ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، وذلك رحمة بهم وتيسيرًا عليهم ويؤيد ذلك ما رود في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: .)4(، فَأَذِنَ لَهَا )3( لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً S« ومنها حديث: “كَانَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ يَقُولُ: مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ . )5(»S« .)121/8 شرح صحيح مسلم )1( )،337/3)، المغني139/8) المجموع115/2)، بداية المجتهد512/2 ينظر:حاشية ابن عابدين )2( .)129/5المحلى، لابن حزم الثبطة هي الثقِيلة البَطِيئةً الحركة، مشتقة مِنَ التَّثْبِيطِ وَهُوَ التعْوِيقُ والشّغْلُ عَنِ المُراد. ينظر: )3( ) (ثبط) بتصرف يسير267/7لسان العرب أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، )4( )، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع1680) ح165/2ويقدم إذا غاب القمر، ) واللفظ للبخاري.1290) ح939/2الضعفة من النساء وغيرهن أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة، = )5(

عدد الصفحات ٤٤

237 ضعفة أهلهSه82قال المهلب بن أبي صفرة (ت خشية تزاحم الناس عليهم عند الدفع من المزدلفة إلى منى، فَأرْخَصَ لهم أن يدفعوا قبل الفجر، وأن يرموا الجمرة قبل طلوع الشمس لخوف .)1(الازدحام عليهم وهذا ملمح من ملامح الرحمة النبوية في التشريع، حيث راعى النبي ظروف العجز والمرض، والوهن وضعف البنية، وثقل الحركة، وما S أشبه ذلك من المعوقات التي قد تؤذي المرء عند الزحام، فأباح لهم التقدم على بقية الحجيج. وفي الختام يمكن القول بأن التكاليف الشرعية المختلفة لاسيما العبادات البدنية منها، وإن بدا فيها مشقة ظاهرة، أو اكتنفتها مشقة محتملة، إلا أن معالم الرحمة فيها تتجلى في أعظم صورة في جميع مراحلها، من خلال التيسير القائم على الترخيص بتغيير هيئة العبادة، أو تقديمها أو تأخيرها، أو جمعها، أو إبدالها، أو التغاضي عن بعض شروطها وجزئياتها. وكل رخص الشرع التي ذكرها الفقهاء وبسطوا فيها الكلام في كتبهم في العبادات قائمة على مبدأ الرحمة والتيسير ورفع الحرج، تحقيقًا ، ]185البقرة[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ(تعالى: الله لقول ، ]6المائدة[ )ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ (وقوله جل شأنه: فليسعد المؤمنون بهذه الرحمة ومعالمها، ولتطب نفوسهم، وتستقم بلا حرج أو Sسبحانه وتعالى، وطاعة النبي الله حياتهم على طاعة رب العالمين. للهمشقة، والحمد )، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب 1676) ح165/2= ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر، ) واللفظ للبخاري..1295) ح941/2تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن ).358/4 شرح صحيح البخاري لابن بطال )1(

عدد الصفحات ٤٥

238 الخاتمة تعالى عليَّ بإتمام هذا البحث اليسير أورد هنا أهم الله بعد أن أنعم ما توصلت إليه من نتائج، وما اقترحه بشأن الموضوع من توصيات على النحو التالي: أولاً: النتائج: 1 .أنَّ الرحمة كلمة ذات دلالات واسعة، سواء كانت في حق الخالق جل وعلا أو في حق المخلوق، وأن مدار الرحمة الإلهية المقصودة هنا على إفادة الخير وإرادة نفع المكلفين بالتخفيف والتيسير عليهم، وهي ثابتة بالكتاب والسنة. 2 .أنَّ العبادات منها ما هو بدني، ومنها ما هو مالي، ومنها ما يجمع بين البدن والمال، ولا تستقيم حياة المسلم إلا بأداء العبادات وفقًا لمنهج الشرع، وأن العبادات البدنية لا تخلو من درجة من درجات المشقة. 3 .تتعدد معالم الرحمة في تطبيق شروط الصلاة متمثلة في التيسير والتخفيف على المكلفين وخصوصًا في الطهارة واستقبال القبلة بما يحقق للمسلم أداء الصلاة على النحو المبتغى بلا مشقة مطلقًا، أو بمشقة يسيرة يمكنه تحملها.

عدد الصفحات ٤٦

239 4 .تتجلى معالم الرحمة في الطهارة في جوانب عدة أبرزها مشروعية التيمم بدلاً عن الوضوء والغسل إذا وجدت مقتضياته، والتخفيف عن المرضع ونحوها في تطهير الثياب من بول الطفل، وفي عدم إيجاب سنن الفطرة كالسواك على المكلفين تيسيرًا عليهم. 5 .تتجلى معالم الرحمة في إمكانية الصلاة في أي: موضع، سواء كانت صلاة منفرد أو صلاة جماعة، بما يحقق التيسير على مريد الصلاة بأن يصلي في أي: بقعة من الأرض، وعلى صاحب العذر في أن يتخلف عن صلاتي الجمعة والجماعة، وعلى المأمومين أن يخفف عنهم الإمام في صلاة الجماعة. 6 .يغتفر في النوافل ما لا يغتفر في الفرائض، ولهذا شرع الكثير من مظاهر التخفيف والتيسير في النوافل مثل التطوع على النافلة، وعدم التشديد في أمر قيام الليل. 7 .تتجلى معالم الرحمة في عبادة الصيام في تشريع الفطر لأصحاب الأعذار من السفر والمرض والحمل والرضاعة، رحمة بهم، وتخفيفًا عليهم. 8 .تظهر آثار الرحمة والتخفيف على الصائمين بتشريع تعجيل الفطر وتأخير السحور مراعاة لحالهم، وما لحقهم من جوع وعطش خلال صومهم. 9 .تتجلى معالم الرحمة في عبادة الحج بفرضيته في العمر مرة واحدة، وباشتراط الاستطاعة البدنية لوجوبه، وبجواز النيابة فيه عند تعذر الاستطاعة البدنية وتوفر الاستطاعة المالية. 10 .تتجلى معالم الرحمة في أداء مناسك الحج بالتخفيف فيها على الضعفاء وذوي الأعذار المرضية والبدنية بتعديل بعض المناسك أو ترك بعضها أو التقديم والتأخير في بعض المناسك تخفيفًا على المكلفين.

عدد الصفحات ٤٧

240 11 .أن جميع مظاهر الرحمة والتخفيف الواردة في العبادات البدنية تتفق مع مقاصد الشريعة، وتحقق للمكلفين حفظ الكليات الخمس التي اتفقت جميع الشرائع على حمايتها (الدين والنفس والعرض والعقل والمال). ثانيًا: التوصيات: 1 .العمل على تبصير المسلمين برخص الشرع وتوضيح مواطنها وحالاتها حتى يطبقوها في عباداتهم المختلفة، تخفيفًا عليهم رفعًا للمشقة عنهم. 2 .تعريف غير المسلمين خلق الرحمة في الإسلام، وبيان معالمه، كنوع من الدعوة إلى الإسلام، ونشر هذا الخلق من خلال تصرفات المسلمين وسلوكياتهم. 3 .دراسة نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لاستخراج جوانب الرحمة والتخفيف فيها، لاسيما فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية من العبادات ونحوها، حتى يقف المسلم عليها ويتعلمها. 4 .ضرورة اهتمام المسلمين فيما بينهم بذوي الأعذار والضعفاء في بلاد المسلمين، والعطف عليهم بالقول والفعل، والدعم والمساندة، ورفع المعاناة عنهم. 5 . وإبراز المواقف المضيئة فيها -وكلها Sالتوعية بسيرة النبي بأمته في العبادات، ونشر Sمضيئة- وبخاصة جوانب رحمته Sمعالم هذه الرحمة في المجمتع المسلم، ليدركوا مكانته ويتعرفوا على نهجه القويم. رب العالمين.للهوالحمد

عدد الصفحات ٤٨