193 مَعَالـِمُ الرَّحْمةِ في ت درا إعداد الدكتور محمد شافعي مفتاح بوشية دكتوراه في الفقه من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة أستاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون جامعة الإنسانية - ماليزيا
عدد الصفحات ١194
عدد الصفحات ٢195 المقدمة إنَّ الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. آل [ )ﭰ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ( ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ (، ]102عمران )ﭯﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﮮ ﮯ ﮰ ﮭ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ( . ]1النساء[ .]71-70الأحزاب[ )ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ سبحانه وتعالى قد اقتضت حكمته خلق الرحمة الله وبعد... فإن وتسمية نفسه الرحمن الرحيم جل وعلا، وأمر بنشرها بين الخلق، وحثَّ بالرحمة والرأفة.Sعلى تطبيقها، وحذَّر من تضييعها، ووصف رسوله تعالى مظاهر الرحمة على عقيدته وشريعته، وجعلها الله وقد أسبغ ملمحًا ظاهرًا في العبادات وغيرها، رفعًا للحرج عن المكلفين، وتخفيفًا تعالى على النحو المرجو، وذلك الله وتيسيرًا عليهم، حتى يستطيعوا عبادة من عظمة الشريعة الإسلامية وسماحتها، فكان تشريع الرخص على اختلاف أنواعها، والتخفيف في الأحكام أساسهما الرحمة بالمكلفين. ومن هذا المنطلق كان حرص قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية
عدد الصفحات ٣196 بجامعة الملك سعود بالرياض على عقد هذا المؤتمر الدولي الأول عن “الرحمة في الإسلام” الذي يتناول جوانب الرحمة المختلفة في العقيدة والشريعة، ونماذج من تطبيقات الرحمة في السيرة النبوية مع المسلمين ومع غير المسلمين. تعالى في الإسهام في هذا الله ولما كان الأمر كذلك فقد استخرت المؤتمر بجهد يسير بهذا البحث بعنوان “معالم الرحمة في تشريع العبادات البدنية دراسة شرعية تأصيلية” الذي يقع تحت المحور الثالث: الرحمة بالخلق في الإسلام من خلال الشعائر التعبدية والتكاليف الشرعية. أهداف البحث: يهدف البحث إلى إلقاء الضوء على أمور منها: أ. بيان جوانب الرحمة في تشريع العبادات البدنية ومدى سمو الشريعة في هذا الجانب. التطبيقي للرحمة في العبادات البدنية Sب. إبراز منهج النبي باعتباره الأسوة الحسنة. ج. بيان الأثر الطيب للرحمة في العبادات على المكلفين، وكيف تعالى. الله حببتهم الرحمة في عبادة د. حث المسلمين على التمسك بخلق الرحمة قولاً وعملاً، والتواصي به في العبادات وغيرها. ه الأمة. مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في معالجته لخلق الرحمة في العبادات البدنية،
عدد الصفحات ٤197 وكيف أن الشريعة الإسلامية قد أصَّلت هذا الخلق تأصيلاً دقيقًا بهدف الحفاظ على عبادة المسلم دون حرج أو مشقة تستأصل الوقت والجهد، وتذهب لذة العبادة، وتورث المكلف تعبًا بدنيًّا أو نفسيًّا. هذا الجانب قولاً وعملاً وحثًّا، وكيف سار Sوكيف راعى النبي السلف الصالح على النهج نفسه؟ وماذا ينبغي علينا سلوكه تأسيًا بالنبي عليه السلام الذي بعث رحمة للعالمين؟. منهج البحث: يقوم منهج البحث على استقراء أبرز جوانب الرحمة ومعالمها في تشريع العبادات البدنية، واستنباط الحكم والعبر منها، وكذا استنباط الدلالات الفقهية المترتبة عليه، ثم تحليل تلك الجوانب والاستدلال عليها من نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، وفعل السلف الصالح، ونصوص الفقهاء، واكتفيت بذكر نماذج محدودة ذات صلة مباشرة بالعبادات، عملاً بتوجيهات اللجنة العلمية للمؤتمر، ومراعاة لشروط البحث. خطة البحث: تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة: المقدمة: أهمية الموضوع وأهدافه، ومنهج البحث وخطته. التمهيد: تعريف مفردات البحث: أ. تعريف الرحمة وأدلة ثبوتها. ب. تعريف العبادات البدنية وتقسيمها. المبحث الأول: معالم الرحمة في العبادات البدنية المحضة: المطلب الأول: معالم الرحمة في عبادة الصلاة. الفرع الأول: الرحمة في تطبيق بعض شروط الصلاة (الطهارة وستر العورة نموذجان).
عدد الصفحات ٥198 الفرع الثاني: الرحمة في أداء أفعال الصلاة على اختلاف مشروعيتها الفرع الثالث: الرحمة في صلاة الجمعة والجماعة (التخفيف وأعذار التخلف عنهما نموذجان). الفرع الرابع: الرحمة في صلاة التطوع (صفة ووقتًا وعددًا). المطلب الثاني: معالم الرحمة في عبادة الصيام. الفرع الأول: الرحمة في تشريع الفطر لذوي الأعذار. الفرع الثاني: الرحمة في صوم وفطر أهل البلاد التي يطول فيها النهار جدًّا. الفرع الثالث: الرحمة في تناول طعام الفطور والسحور. المبحث الثاني: معالم الرحمة في العبادات البدنية والمالية (الحج). المطلب الأول: الرحمة في تشريع الحج (فرضيته مرة في العمر، وجواز النيابة فيه عن المريض والضعيف - نموذجان). المطلب الثاني: الرحمة بالضعفاء وذوي الأعذار في مناسك الحج. الخاتمة: وتشتمل على نتائج البحث وتوصياته. أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقه والله قبولاً، وينفع به من قرأه ووقف عليه، وأن يغفر لي خطئي وتقصيري، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير، وهو على كل شيء قدير.
عدد الصفحات ٦199 التمهيد تعريف مفردات البحث نظرًا لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإنه يجدر بي أن أتناول في هذا التمهيد تعريف الرحمة وما يتصل بها من ألفاظ، وطرفًا من أدلة ثبوتها، وتعريف العبادة وتقسيمها، وذلك في مطلبين على النحو التالي: المطلب الأول تعريف الرحمة وأدلتها :)1(. تعريف الرحمة لغة واصطلاحًا 1 الرحمة في اللغة الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مِثْلُهُ، وَقَدْ رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عَلَيْهِ، وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أو هي رقة الْقلب . )2(وانعطافه على وَجهٍ يَقْتَضِي التفضل وَالإِْحْسَان تعالى الله والرحمة اصطلاحًا لها تعريفات عدة، بعضها يتعلق برحمة لخلقه، وبعضها يتعلق بالرحمة بين بني الإنسان. يتصل بالرحمة ألفاظ نحو: الرأفة، والرقة، والنعمة، والرفق، وبينها وبين الرحمة أوجه اتفاق )1( واختلاف، لا يتسع المقام لذكرها )، دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، 230/12 لسان العرب، لابن منظور )2( .)166/1للأحمد نكري
عدد الصفحات ٧200 ه816تعالى بخلقه فقد عرفها الجرجاني (ت الله أما رحمة . )1(لأَهْلهَا الله ه911والسيوطي (ت ه12وعرفها القاضي الأحمد نكري (ت القرن .)2(وَإِرَادَة إيصاله تعالى سمَّى فاللهتعالى بعباده، الله وهذان التعريفان يناسبان رحمة نفسه الرحمن الرحيم، وفي هذين الاسمين من المعاني الجليلة ما فيهما، تَعَالَى إِنَّمَا الله والرحمن الرَّحِيم صفتان للْمُبَالَغَة من الرَّحْمَة، وَأَسْمَاء تطلق عَلَيْهِ بِاعْتِبَار الغايات التي هِيَ أَفعَال، لاَ بِحَسب المبادئ الَّتِي هِيَ . )3(انفعال ه1094وأما الرحمة التي يتصف بها المخلوق فقد عرفها الكفوي (ت بأنها . وهذا التعريف يتناسب )4(للانعطاف النفساني الَّذِي هُوَ مبدأ الإِْحْسَان مع الإنسان. التعريف المختار: للهصفة ذاتية ثابتة تعالى بأنها: الله يمكن تعريف الرحمة التي في حق . )5(تعالى لا تماثل رحمة المخلوقين، ولا يعلم العباد كنهها تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من للهوبعبارة أخرى هي صفة تثبت . )6(إثباتها مشابهة صفة المخلوق وتظهر آثار هذه الصفة على العباد في كل شؤونهم، فيدركها العبد في )، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، للسيوطي 110 ينظر: التعريفات، للجرجاني (ص )1( .)75(ص ).95/2 دستور العلماء، للأحمد نكري )2( .)166/1 المرجع نفسه )3( .)471 الكليات، للكفوي (ص )4( .)301/11 ينظر: تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري )5( ) بتصرف365،260 مختصر الصواعق المرسلة، لابن الموصلي (ص )6(
عدد الصفحات ٨201 تعالى به، وحفظه له، وفيما يصيب الله التكاليف الشرعية، وفي عناية تعالى عليه. الله العبد مما قدره وتعريف الرحمة التي في حق المخلوق بأنها: صفة وجدانية تقتضي تعالى. الله من المتصف بها الرقة على عباد ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ (ه852ويؤيد هذا قول ابن حجر (ت ه449،]110الإسراء[ )ﮎ ﮏ الله الباب إثبات الرحمة، وهي من صفات الذات؛ فالرحمن وَصْفٌ وَصَفَ تعالى به نفسه، وهو متضمن لمعنى الرحمة؛ كما تضمن وصفه بأنه عالم معنى العلم إلى غير ذلك، قال: والمراد برحمته إرادته نفع مَنْ سَبَقَ في علمه أنه ينفعه، قال: وأسماؤه كلها ترجع إلى ذات واحدة، وإن دل كل واحد منها على صفة من صفاته، يختص الاسم بالدلالة عليها، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل، وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده، وهي رقة على المرحوم، وهو سبحانه وتعالى منزه عن .)1(الوصف بذلك؛ فتتأول بما يليق به وكلا المعنيين مقصود في هذا البحث، حيث يدور بحثنا على مظاهر تعالى في العبادات البدنية رحمة بعباده، وعلى الله التخفيف التي شرعها بأمته في هذا الجانب كذلك.Sصور قولية وعملية من رحمة النبي . أدلة ثبوت الرحمة:2 يمكن تصنيف أدلة ثبوت الرحمة إلى قسمين: أولهما: أدلة عامة تعالى بخلقه، ووجوب تراحم الخلق مع بعضهم، الله على ثبوت رحمة والترهيب من تضييعها، والثاني: أدلة خاصة بمظاهر الرحمة والتيسير في التكاليف الشرعية، لاسيما العبادات. تعالى من القرآن الكريم، فمنها الله أما عن أدلة ثبوت الرحمة في حق )، وقد نسبه لابن بطال، وهو في شرح صحيح البخاري، لابن 358/13 فتح الباري، لابن حجر )1( ) بعبارة مختصرة404/10بطال
عدد الصفحات ٩202 ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ(تعالى عن نفسه: الله قول .]156الأعراف[ )ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ (: Sوقوله جل وعلا في شأن النبي ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ . ]التوبة[ )ﯛ ﯚ من السنة حديث أبي مُوسَى Sومن أدلة ثبوت الرحمة في حقه يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: Sِالله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الأَْشْعَرِيِّ . )1(« ومن أدلة الحث على الرحمة بين الخلق والتحذير من تضييعها حديث .)2(« وأما عن الأدلة الخاصة بمظاهر الرحمة في العبادات، فستأتي مفصلة في مواضعها من البحث. والناظر إلى الرحمة يجد أنها كلمة نورانية حروفها رقيقة، تحمل بين ثناياها ما يعجز الفكر عن الإلمام به، وتعجز الكلمات عن التعبير عنه، ولكن ظلالها تثير في النفس معان عالية، فهي منقذة للإنسان من الله الهلكة، وهي دعامة قوية في بناء الفرد والمجتمع، ولهذا فقد سمى من أوصاف Sتعالى نفسه الرحمن الرحيم، وأسبغ على نبيه محمد ، أفعالاً وأقوالاً، Sالرحمة وملامحها الكثير، فكانت كل تصرفاته . )3(وتشريعًا وتعليمًا تنبع من الرحمة ).2355) ح1828/4( S أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب في أسمائه )1( ) من حديث جرير6013) ح10/8 أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم )2( ) من2381) ح1808/4 الصبيانS البجلي، ومسلم في كتاب الفضائل، باب رحمتهعبداللهبن ، واللفظ للبخاري.حديث أبي هريرة ) بتصرف.17-16 الرحمة، مليحة مرعي العدل، (ص )3(
عدد الصفحات ١٠203 المطلب الثاني تعريف العبادات البدنية وتقسيمها العبادة معروفة، وهي صور شتى، وتنقسم باعتبارات مختلفة، فمنها ما يتعلق بالزمان والمكان، وهذا ليس محلاً للبحث، ومنها ما يتعلق بالبدن والمال، حيث تنقسم العبادات إلى عبادة بدنية محضة، وعبادة مركبة من البدن والمال، وعبادة مالية محضة كالزكاة. فالعبادة البدنية المحضة: هي ما لا مدخل للمال فيها، حيث يؤديها المرء بنفسه، والعبادة التي تجمع بين البدن والمال، هي ما يقوم به المكلف . )1(بنفسه منفقًا فيها ما وهي تشمل الصلاة والصيام، ويلحق بالصلاة الذكر والدعاء، ويلحق بالصيام الاعتكاف، فكلاهما انقطاع عن شيء، فالصيام انقطاع عن شهوتي البطن والفرج، والاعتكاف انقطاع عن الدنيا ومظاهرها، وتفرغ للعبادة. والمالية المحضة هي الزكاة، والمركبة منهما هي الحج، ويلحق به العمرة، حيث يبذل المكلف مالاً وجهدًا بدنيًّا. وإذا نظرنا إلى خصائص هذه الأنواع الثلاثة من العبادات وأوجه الاتفاق والاختلاف بينها تبيَّنا لنا التالي: للهأولاً: تشترك هذه العبادات جميعًا في أنها قربات، يتعبد بها المرء جل وعلا، وهي تمثل أركان الإسلام. ثانيًا: العبادات البدنية المحضة لا تجوز فيها الوكالة، ولا النيابة، ولا . )2(الإجارة )، التقرير 154/1 ينظر هذا التقسيم في: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، للبخاري )1( )، دستور العلماء، 73/2)، تيسير التحرير، لأمير بادشاه 44/2والتحبير، لابن أمير حاج ).916/2للأحمد نكري ).73/2)، تيسير التحرير، لأمير بادشاه44/2 التقرير والتحبير، لابن أمير حاج )2(
عدد الصفحات ١١204 ثالثًا: العبادة المركبة من البدن والمال، وهي عبادة الحج، تجوز فيها النيابة بشروطها المعروفة في مواضعها. رابعًا: أن كل نوع من أنواع العبادة يجبر بما يناسب حاله، كما ذكره علماء الفروق والقواعد الفقهية، فالصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني، والأموال لا تجبر إلا بجابر مالي، والنسكان (الحج والعمرة) يجبران تارة بعمل بدني، وتارة يجبران بجابر مالي؛ فالبدني كالصيام في التمتع والقران وبعض محضورات الإحرام، والمالي كذبح النسك والإطعام وإتلاف الصيد، يخير بالهدي أو الإطعام أو الصيام، والصوم تارة يجبر بمثله في حق من مات وعليه صيام، وتارة يجبر بالمال كما في حق الشيخ الكبير، وأما الجوابر المتعلقة بالأموال فالأصل رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان، فإذا ردها كاملة الأوصاف برئ من عهدتها، وإن ردها ناقصة الأوصاف . )1(جبر أوصافها بالقيمة تعالى في الله خامسًا: تنوع العبادة فيه رحمة بالمكلفين، تنويع العبادة أن الطبع من شأنه الملل والسآمة والفتور والكسل، فلو جعلت العبادة لونًا واحدًا، وعلى وتيرة واحدة لملَّها الطبع، تعالى برحمته وبلطفه الله وكلَّت عن القيام بها الجوارح، ولكن جعلها أنواعًا مختلفة...، حتى إذا ملَّ الطبع منها نوعًا أخذ في ، فإذا تعب من اللهآخر، فإذا فتر من الصلاة استرسل في ذكر .)2(الذكر استروح بتلاوة القرآن... وهكذا سادسًا: شمولية العبادات للبدن كله قلبًا ولسانًا وجوارح، وتوزع الأحكام ه751التكليفية الخمسة على البدن كله، قال ابن القيم (ت )، أنوار البروق في 180-179/1 ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبدالسلام )1( .)214/1أنواء الفروق، للقرافي ) 92-91 ينظر: العبادة في الإسلام وأثرها في الفرد والجماعة، د.علي عبداللطيف منصور (ص )2( بتصرف
عدد الصفحات ١٢205 « كمل مراتب العبودية. وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، . )1(وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح الرحمة أساس من أسس العبادات البدنية: من الأسس التي قامت عليها الشريعة الإسلامية التيسير ورفع الحرج، اللذين يقتضيان التخفيف عن المكلفين في العبادات ونحوها، وهذا عين الرحمة، قال ﮪ (، ]185البقرة[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ(تعالى: الله ، وفي السنة نصوص كثيرة.]78الحج[ )ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ والناظر في هذا الجانب يرى أن كل أمر مفروض أو ممنوع شرعت فيه الرخصة، فقد أبيحت الضرورات عند المحظورات، وأبيح ترك الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما مشقة، واعتبر الإكراه والمرض والسفر . )2(والخطأ والنسيان من الأعذار الموجبة للتخفيف وقد حرصت الشريعة الإسلامية على مسلك التيسير والرحمة في التكاليف الشرعية بصورة لا تؤدي إلى انخرام مقاصد الشريعة، فقد بنت أحكامها على سهولة قبولها في نفوس الناس، لأنها شريعة فطرية سمحة، وليست نكايةً ولا حرجًا، فهي تحمل الناس على المصالح حملاً أقصى ما يمكن أن يكون الحمل من الرحمة والتيسير، إذ لا فائدة في التشريع إلا .)3(العمل به وبعد أن تبين لنا ما سبق، فإن الذي يعنينا في هذا البحث قسمان من أقسام العبادات، أولهما: العبادات البدنية المحضة (الصلاة والصيام)، وثانيهما: العبادة البدنية والمالية (الحج)، وعلى جهة الخصوص الجانب تفصيلاً مفيدًا في عدة صفحات. الله) وقد فصَّلها رحمه 134/1 مدارج السالكين، لابن القيم )1( ) بتصرف34 ينظر: الفقه الإسلامي مرونته وتطوره، للشيخ جاد الحق علي جاد الحق (ص )2( ) بتصرف يسير355/3 مقاصد الشريعة، لابن عاشور )3(
عدد الصفحات ١٣206 البدني فيها، حيث تجلت معالم الرحمة بالمكلفين في كل جوانبها، وتبدى هذا التخفيف في درجات العبادات من الفرض والتطوع، وأتناول هنا أبرز معالم الرحمة في هذين القسمين في المبحثين الآتيين
عدد الصفحات ١٤207 المبحث الأول معالم الرحمة في العبادات البدنية المحضة المطلب الأول معالم الرحمة في عبادة الصلاة الفرع الأول الرحمة في تطبيق بعض شروط الصلاة تظهر معالم الرحمة بالمكلفين في شروط الصلاة بغض النظر عن ، وأشير هنا إلى طرف من هذه المعالم في شرطين من شروط )1(تصنيفها الصلاة، وهما الطهارة وستر العورة كنموذجين على هذا النحو: أولاً: من صور الرحمة بالمكلفين في شرط الطهارة: . مشروعية التيمم عند وجود الأعذار البدنية:1 شرع التيمم للتخفيف على المكلفين ورفع الحرج عنهم في الحضر والسفر، بسبب فقد الماء أو تعذر استعماله أو نحو ذلك من الأسباب، تعالى الله والتيمم من خصائص الأمة الإسلامية، ومن النعم التي أنعم بها على المسلمين. تنقسم شروط الصلاة إلى شروط وجوب، وشروط صحة، وثمت قسم ثالث ذكره علماء المالكية، وهو )1( شروط وجوب وصحة معًا، ويشمل البلوغ والعقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس للمرأة، ودخول وقت ).241/1)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني84/1الصلاة. ينظر: الشرح الكبير للدردير
عدد الصفحات ١٥208 وأعذار التيمم قد تكون أعذارًا بدنية: كالمرض والبرد، وقد تكون غير بدنية: كفقد الماء أو الخوف من السعي في طلبه، والذي يعنينا الجانب البدني، وهو المرض والخوف من البرد الشديد. . فقد شرع التيمم عند المرض الشديد، حيث ذهب جمهور الفقهاء 1 يباح له التيمم، قال بهذا الحنفية) 1(إلى أن المريض مرضًا مخوِّفًا والمالكية والشافعية في قول، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وروي عن ابن عباس والنخعي والثوري ومجاهد وطاوس وعكرمة . )2(وقتادة ه204وخالف الشافعي (ت . )3(والحسن، ولم يبيحوا له التيمم إلا عند فقد الماء والذي عليه العمل هو قول الجمهور استنادًا إلى أدلة من الكتاب والسنة والمعقول. ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ (تعالى: الله فمن الكتاب قول )ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ . ودلالتها صريحة على إباحة التيمم بسبب المرض.]6المائدة[ ومن السنة ما روي عن جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَرَض في الفقه على نوعين: مرض مخوِّف، ومرض غير مخوِّف، فالمرض الْمخوِّف أو المُخيف هُوَ )1( الَّذِي يخَاف فِيهِ الْمَوْت لِكَثْرَة من يَمُوت بِهِ، فَمن قَالَ مخوف قَالَ لأَِنَّهُ يخَاف فِيهِ الْمَوْت، وَمن قَالَ مخيف لأَِنَّهُ يخيف من رَآهُ، أو هو المرض الذي لا يرجى برؤه، ويتصل بالموت، وذلك مثال الطاعون ، ولا يعتد بتصرفات صاحبه، والمرض غير المخوف هو المرض اليسير الذي يرجى باللهوالعياذ )، النَّظْمُ المُسْتَعْذَبُ فِي تفْسِير غريبِ 241الشفاء منه. ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه، للنووي (ص ).99/2ألْفَاظِ المهَذّبِ، لبطال الركبي )، حاشية الروض المربع، لابن قاسم 285/2)، المجموع، للنووي203/1 المبسوط، للسرخسي )2( .)307/1النجدي )، الشرح الكبير، 193/1)، الإنصاف، للمرداوي66/1 بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد )3( .)388/1لابن قدامة
عدد الصفحات ١٦