267 على تطبيق الأوامر والنواهي، ويترتب عن هذا الأخذ بالأخف فالأثقل تحقيقًا لمقصد الرحمة ورسوخها في التشريع. وقد بدا وجه التدرج في الأحكام أنه يومئ إلى تحقيق مقصد الرحمة في التدرج بالأمة من الأصول إلى الله في التشريع والوقوف على سنة الفروع، ومن الجزئيات إلى الكليات، ثم هو يتضمن بدلالة التضمن مسلك التربية في التشريع، بأن يتحقق المكلفون بحقائق الشريعة طاعة وامتثالاً لا استنكاف فيه ولا إعراض. فتغيير أحوال المجتمعات الفاسدة كحال أهل الجاهلية لا يكون إلا بإعمال مقصد التدرج تأليفًا للقلوب ورحمة بالناس، فلو كان تشريع بعض الأحكام دفعة واحدة لشق ذلك عليهم ولما عملوا بما شرع لهم، فكان ذلك مقتضى الرحمة الإلهية بهم في التشريع، فنرى أن الخمر جاءت محرمة في القرآن أخ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ (مضارها ومنافعها كما في قوله تعالى: ، ثم ]219البقرة[ )ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮣ ﮤ (نهاهم عن قربان الصلاة في حال السكر في قوله تعالى: ]43الن[ )ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ إلى أن جاء التحريم البتُّ بمعاقرتها والاقتراب منها مطلقًا في قوله ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ (جل شأنه ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ )ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ وكذلك جاء النهي عن أكل الربا أخذًا بسنة التدرج في ]91-90المائدة[ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ (التشريع كما في قوله عز وجل: ﮥ ﮦ (، ثم جاء النهي مطلقًا، ]130اآل عمران [ ) ﯮ ﯯ ]278البقرة[ ) ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ، قالتوعن عائشة،
عدد الصفحات ١٧268 فيها ذكر الجنّة والنّار، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، Sولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزّنا أبدًا، لقد نزل بمكّة على محمّد ]46القمر[ ) ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ (وإنّي لجارية ألعب: .)1(وما نزلت سورة البقرة والنّساء إلاّ وأنا عنده وقد علق ابن عاشور عن هذا المقصد النبيل بقوله سهل أو رخص فقد جاء على الظاهر من سماحته، وإذا شدد أو نسخ حكمًا من إباحة إلى تحريم أو نحو ذلك فلرعي صالح الأمة والتدرج بها إلى مدارج الإصلاح مع الرفق، فتحريم الخمر مقصود للإسلام من أول البعثة، وأما السكوت عليها مدة حتى بقيت مباحة ثم تحريمها في وقت الصلاة فذلك تمهيد لتحريمه البات. ولذلك لم يجز أن تكون الزواجر والعقوبات والحدود إلا إصلاحًا لحال الناس بما هو اللازم في نفعهم دون ما دونه ودون ما فوقه، لأنه لو أصلح ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية . )2(دون مجرد الإصلاح وكالتدرج في بعض أحكام الدين كالصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك، فالتّدرّج في الصّلاة كان في قلّة الرّكعات، ثمّ نسخ ذلك بفرض الصّلاة الصّلاة الله ، قالتبركعاتها المعلومة. عن أمّ المؤمنين عائشة، حين فرضها ركعتين ركعتين، في الحضر والسّفر، فأقرّت صلاة السّفر، . )3(وزيد في صلاة الحضر وكالتّدرّج في الصّيام بفرض صوم يوم واحد أوّلاً هو يوم عاشوراء، 4993 أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب التفسير، باب تأليف القرآن، رقم الحديث )1( .338،337 مقاصد الشريعة )2( أخرجه مالك في الموطأ، باب قصر الصلاة في السفر، رواية محمد بن الحسن الشيبباني، رقم )3( .189الحديث
عدد الصفحات ١٨269 ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان أو بدفع الفدية لمن شاء بدلاً من صومه، ، قالثمّ نسخ بفرض صومه لمن شهده. فعن ابن عمر .وح)1( ع S : نزل رمضان،Sعبدالرّحمن بن أبي ليلى، قال: حدّثنا أصحاب محمّد فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا ترك الصّوم ممّن يطيقه، ]184البقرة[ ) ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ (ورخّص لهم في ذلك، فنسختها: .)2(فأمروا بالصّوم وقد تقرر في الأصول أن أصل التدرج إنما الغرض منه تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة أو ترغيب على فضائل الأعمال، وإلى هذا المعنى نبّه تعالى أنا قد بينا الله القاضي أبو بكر بن العربي بقوله أن الشرع لم يأت دفعة، ولا وقع البيان في تفصيله في حالة واحدة، وإنما ، وهذا الذي )3(جاء نجومًا وشذر ش به غلواء المبطلين من المشركين في طلبهم بتنزل القرآن جملة الله ألجم ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ (مقالتهم بقوله: الله واحدة، فأبطل ، فإن ]32الفرقان[ )ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ هذا الرد عليهم في نزوله منجمًا فيه تفنيد ما عجزوا عنه من مضاهاة ، ويتضمن S ابلاغة القرآن وإعجازه، وفيه أيضًا تثبيت فؤاد رسول هذا الجواب؛ معنى إشاريًا خفيًا فيه من عاطفة الشفقة والرحمة بهم بحال المخالفين له، وليقدروا على ورجاء هدايتهم كما كان خلقه تحمل أوامره ونواهيه ولئلا يعرضوا عنه، فيكون من هذا الوجه تحقيق لهم. Sمصلحة رجاء إيمانهم، وطمعًا بأن تشملهم رحمة النبي وقعّد الشاطبي لمقصد التدرج بقاعدة جليلة فقال .1125 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، رقم الحديث )1( .1948 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب وعلى الذين يطيقونه، رقم الحديث )2( .493 /1 أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، )3(
عدد الصفحات ١٩270 المدنِيَّات أصلاً كليًا فتأمله تجده جزئيًا بالنسبة إلى ما هو أعم منه أو . يشير إلى أن التشريع المدني إن كان في الكلي )1(تكميلاً لأصل كلي كحفظ الضروريات الخمسة فإن له أصلاً جزئيًا أو تكميليًا في التشريع في تعليقه على كلام الله المكي يرجع إليه، وإلى هذا أشار دراز رحمه الشاطبي ، وهذا نظر )2(في مكة، لأن إصلاح ما أفسدوه لم يجئ إلا في المدينة مهم في سنة التدرج مراعاة لمقاصد المكلفين في التشريع. ومن قبيل التدرج في التشريع إبقاء الأمة على أحوالها في أعرافها وعوائدها ما لم يكن في ذلك فساد أو استرسال فيه، وهو تقرير لحال ألفه الناس واعتادوه فلا معنى لنقضه. قال ابن عاشور الشريعة أنها أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها قالS ا، ففي الموطأ أن رسول)3(استرسال على فساد أرض قسمت فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام .)4(ولم تقسم فهي على قسم الإسلام المقصد الثالث: مقصد السماحة والتيسير في التشريع لعل من أه التشريع، هي قاعدة التيسير والتخفيف، وهذا المقصد من أعظم ما بنيت تعالى في الله عليه الأحكام، وأنيطت به مسائل الحلال والحرام، وقد قال ، فكانت ]الأنبياء[ ) ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ( : شأن المصطفى شريعته مظهرًا من مظاهر الرحمة والامتنان بالخلق، وأحكام الشريعة في معظم أوصافها مطردة على أصل التيسير والرفق، إيذانا من الشارع .33 /3 الموافقات )1( .35 /3 دراز،لله المواففات، شرح عبدا )2( .344 مقاصد الشريعة، ص )3( تقدم تخريجه )4(
عدد الصفحات ٢٠271 في أن هذا مما هو متعلق بالفطرة التي فطر الناس عليها، وهي السماحة والتيسير في التشريع لئلا تشق أحكام التكاليف على المكلفين، فجرى في سابق حكمه وقضائه أن يكون أمره ونهيه مما يستطيعه الناس ويقدروا عليه، فوصف سبحانه بأن رحمته وسعت كل شيء، حتى الخلائق فيما أمروا به ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ (من الأوامر والتروك، كما في قوله: وأصل ]156الأع[ )ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭑ ﭒ (عز وجل في قوله: الله التيسير والتخفيف ما ورد في كتاب ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ . روى ]28-27الن[ )ﭨ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭞ أنه قالالإمام الفخر في تفسيره عن ابن عباس النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر منها هذه تدل دلالة قاطعة على أصل الله . وهذه الآية ونظائرها في كتاب) 1(الآي لا يزال مراعياً رفقه بهذه الأمّة وإرادته الله التيسير ورعي التخفيف، بها اليسر دون العسر، إشارة إلى أنّ هذا الدين بيّن حفظ المصالح ودرء المفاسد، في أيسر كيفية وأرفقها، فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقّة أو تعطيل مصلحة، كما ألغت مفاسد نكاح الإماء نظراً للمشقّة على غير ذي الطول. والآيات الدالّة على هذا المعنى (، وقوله:]78الحج[ ) ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ(بلغت مبلغ القطع كقوله: ﮋ ﮌ (وقوله: ]185البقرة[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ، وفي الحديث الصحيح]157الأعراف[ )ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ، وكذلك كان يأمر )2(هذا الدين يسر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه أصحابه الذين يرسلهم إلى بثّ الدين ؛ فقال لمعاذ وأبي موسى .55 /10 مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، )1( .39 أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم الحديث )2(
عدد الصفحات ٢١272 . وقال لمعاذ لمّا شكا بعض)2( وقال)1(تُعَسِّرا . فكان التيسير من أصول الشريعة )3(المصلّين خلفه من تطويله .)4(الإسلامية، وعنه تفّرعت الرخص بنوعيها وأما مقصود الرفق في الشريعة فهذا أمر ظاهر، فإن الشريعة تركت أمر الناس في البياعات والمعاملات على أصل الإباحة وتنعقد على شرط التراضي بينهم، من غير تحديد صورها إلا ما خصه الدليل، ودليله ما ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ (تعالى: الله ورد في كتاب ، فلو ]29الن[ )ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ كانت المعاملات واقعة على صورة متحدة ولا متعددة للحق الناس من وراء ذلك العنت والمشقة، ولجرى أمرهم على التدابر والتقاطع والتنازع، فلأجل ذلك سكتت عن كثير منها، وفي عصرنا هذا استجدت كثير من القضايا والمعاملات المالية، والبيوع المصرفية التي قد تضيق عنها النصوص الجزئية، فكانت الكليات كفيلة بإلحاقها في دائرة المباح، ما لم تخالف نصًا أو تصادم قاعدة شرعية، أو تناكف مقصدًا شرعيًا، أو ترد مصلحة معتبرة، كل هذا تحقيقًا لمقصد السماحة والرفق في التشريع. في جامعه الصحيح بابًا ترجم الله وقد عقد الإمام البخاري رحمه له: باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقًا فليطلبه قال: S ا أن رسول عبداللهفي عفاف، ثم ساق حديث جابر بن . قال ابن بطال )5(رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى الله « « ا رحمه .3038 أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يكره من التنازع، رقم الحديث )1( .220 أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم الحديث )2( .705 أخرجه البخاري في الآذان، باب من شكا إمامه إذا طول، رقم الحديث )3( .22 /5 التحرير والتنوير، ابن عاشور، )4( أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب )5( .57 /3،2076حقًا فليطلبه في عفاف، رقم الحديث
عدد الصفحات ٢٢273 واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة فى البيع، لا يحض أمته إلا على وذلك سبب إلى وجود البركة فيه لأن النبي ما فيه النفع لهم فى الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك فى الآخرة، فقد بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبيدعا .)1(فليقتد بهذا الحديث ويعمل به ﭷ ﭸ (وأما في باب العبادات فشرع التيمم بدلاً عن فقد الماء، ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ، وشرعت صلاة القصر تخفيفًا على ]6المائدة[ )ﮏ ﮐ المسافر، وإباحة الفطر للصائم المريض والعاجز، وألحقوا بذلك المرأة ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ (الحامل والمرضع والشيخ الهرِمَ، وفي ]184البقرة[ ) ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ الجهاد؛ كان فرض الواحد من المسلمين أن يقاتل عشرة لا ينبغي أن ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ (تعالى: الله يفر منهم، وكانوا كذلك حتى أنزل (تعالى: الله ، وتجد في شعائر الحج قول ]66الأنفال[ ) ﮡ ﮢ ﮣ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ وفي ]198البقرة[ ) ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ عن شيء قدم ولا أخر، إلا S امناسك الحج أيضًا: ما سئل رسول ، وغير ذلك من الأحكام.)2(قال ولقد قرر الفقهاء وعلماء المقاصد جملة من قواعد التيسير الدالة على الرحمة في التشريع، فمن ذلك .207 /6 شرح صحيح البخاري، أبو الحسن بن بطال، )1( .562 /1،1266 أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب جامع الحج، رقم الحديث )2(
عدد الصفحات ٢٣274 ، وقولهم) 1(« المفاسد أولى من جلب المصالح وغيرها.)2(« وق السفر والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر مع عموم البلوى، . فهذه كلها معتبرات في أصل التيسير.)3(والنقص واعتبروا مقصد الضرورة في التشريع كما جاءت في نصوص الوحي )ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ( مثل قوله تعالى: فنصوا على أن]173البقرة[ بقدرها وقال سيدي البشار في نظمه أسهل المسالك: .)4(وكل ما شق فعنه يعفى لعسره والدين يسر لطفا المقصد ال مقاصد الرحمة. المقصود بالحرج ما كان منتهاه إلى الضيق، وليس ا الداخلة في مقدور المكلف، فإن الشارع نصب بعض )5(المشقات بأنواعها أنواع المشاق في الطاعات والمنهيات ابتلاء وتمحيصًا، وحَضُّ المكلف من ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ( تعالى يقول: اللهذلك واقع لا محالة فيه، و .]�31محمد[ ) ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ .311 المستصفى، الغزالي: ص )1( .444 قواعد الفقه، المقري، ص )2( أفاض العلامة الفقيه مصطفى أحمد الزرقا في بيان هذه الأنواع مع التمثيل في كتابه الشهيير )3( .162،157شرح القواعد الفقهية، ص .33 أسهل المسالك: ص )4( وما بعدها117 /1 راجع في هذا الصدد: الموافقات للشاطبي )5(
عدد الصفحات ٢٤275 والمقصود بالرخصة لفاعله وضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع، من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابل المضرة العارضة لارتكاب الفعل . قال الشاطبي )1(المشتمل على المفسدة قاعدة رفع الحرج، كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف، وكلاهما . وحكمها أنها داخلة تحت أصل الإباحة في التشريع ابتداء، )2(أصل كلي وراجعة إلى أصل التيسير والتخفيف. إن المتأمل في مراسم الشريعة والمتقلب في نصوصها ليرى أنها تتشوف إلى إسعاد العباد في العاجل والآج ورحمته الله مسالك العبودية استمرارًا لا انقطاعًا، ولقد اقتضت حكمة بعباده أن يتداركهم بعين عنايته ويكلأهم بجميل ألطافه، لما علم سبحانه أنهم يختانون أنفسهم ولربما قهرتهم الشهوة الآدمية وغلبت عليهم شقاوة الأنفس، فلأجل ذلك كان الغرض من تشريع الرخص استمرار سبحانه وتعالى، حتى لا للهالعبادة ودوامها، واستشعار ذل العبودية يتذرع الناس بذرائع المشقات أو نحو ذلك من الدواعي والأسباب، فكانت الرخص مظهرًا عظيمًا من مظاهر الرحمة والامتنان بالخلق. ولقد قرر الشاطبي في الموافقات جملة من المقاصد المعتبرة في أصل الرخصة ومن نفائس كلامه ، وليس أدل من تشريع الرخص أن )3(الرفق بالمكلف عن تحمل المشاق الشريعة لا نكاية فيها ولا تعسير، وهذا المورد يستلزم في مفهومه تجلي مقصد الرحمة تسهيلا على تحمل المشاق بالنسبة للمكلف، ألا ترى أن .380 مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص )1( 120 /1 الموافقات )2( .255 /1 الموافقات )3(
عدد الصفحات ٢٥276 عاتب من عزم على صيام النهار وقيام الليل واعتزال الناس،النبي ، لأنه ربما أدى إلى توقف العبادة )1(فقال وانقطاعها، وهذا مناف لأصل العزيمة، ومهدر للعمل بالرخصة كلية. وإن في إهدار الرخص أو مظنة تركها إلحاق المكلف الحرج بنفسه عز الله وهذا منتف في أصل التشريع، بل إنه ليتناقض ذلك مع رحمة ، وقوله ]220البقرة[ ) ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ( وجل له، وهو القائل سبحانه: ]7الحجرات[ ) ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ(تعالى: وإذا كانت العزيمة أصلاً، فإنه في بعض المواضع يكون الأخذ بالرخص أولى على مذهب الشاطبي، فإنه قال الرخصة أولى، بل قد يقال: الأولى الأخذ بالرخصة، لأنها تضمنت حق ، وساق لذلك كثيرًا من الدلائل.)2(وحق العبد معاالله والشواهد في إثبات الرخص من القرآن كثيرة، فمن ذلك: ]173البقرة[ )ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ( ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ (وقوله: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ (، وكقوله: ]3المائدة[ )ﮒ إلى غير ذلك من الآيات ]106النحل[ ) ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ الدالة على مشروعية الرخص رحمة وتفضلاً. يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن الله وفي الحديث الشريف « :، وقوله)3(تؤتى عزائمه برحمة، سددوا الله ؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنياللهأنت يا رسول .)4(وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد تبلغوا .5063 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم الحديث )1( .255 /1 الموافقات )2( .140 /3،5621 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب كراهية ترك التقصير، رقم الحديث )3( .382 /3وقال الهيثمي في الزوائد: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. معجم الزوائد، الهيثمي، .2817 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، رقم الحديث )4(
عدد الصفحات ٢٦277 وعند كبار فقهاء السلف قولهم .)1(وأما التشديد فيحسنه كل أحد و أما أمثلة الرخص في التشريع فكثيرة منها؛ أن بيع الإجارة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والسلم رخصة لما فيه من الغرر بالنسبة إلى المرئي، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة ، وهذه )2(فيهما، والصيد رخصة لأكل الحيوان مع اشتماله على دمائه المعاملات مستثناة من الأصول رحمة بالعباد وحاجتهم إليها، فهي داخلة في مسمى الحاجي في باب المقاصد. بن أبي بكر بن حزم عن عبداللهروى الإم S اأبيه أن أبا البدّاح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه أن رسول « . وقد صدر) 3(يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر الإمام مالك ترجمة الباب، ومن ذلك ما يكون مرده في الرخص إلى مسمى التحسينات رحمة بالخلق ودفعًا للضرر والمشاق وما ينتج عن ذلك من إخلال يعود على الأصل الكلي بالإبطال، فيدخل في ذلك صلاة المأمومين جلوسًا مع الإمام المعذور، وصلاة الخوف المشروعة مع الإمام، فإن هاتين المسألتين ذكر .)4(الشاطبي وقاعدة رفع الحرج مردها إلى مناط الرحمة في التشريع، والمقصود من ذلك التخفيف ودف .46 /1 المجموع، النووي )1( ؛ مقاصد الشريعة، ابن عاشور،74 يراجع في هذا، شرح التنقيح، شهاب الدين القرافي، ص )2( .381ص .545 /1،1220 أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار، رقم الحديث )3( .226 /1 الموافقات )4(
عدد الصفحات ٢٧278 بالوظائف الدينية والدنيوية، وكثيرًا ما يعبر عنه الشارع برفع الجناح، و إثم عليه، أو ما كان على أصل الإباحة، بمعنى التخيير بين الفعل والترك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فلأن .)1(التعبد، لأنه أقرب إلى القبول وأبعد عن الحرج فانظر إلى شمولية الرحمة في تشريع الرخص ورفع الحرج عن المكلفين في العبادات والمعاملات والأح والاقتصادية وسائر مناحي الحياة، وما يسع الخلائق من واسع رحمة ، ]156الأعراف[ )ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ( تعالى يقول: اللهتعالى، والله S وأخبر النبي]78الحج[ ) ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ (وقال تعالى: في الأرض يتقاسمها الخلائق فيما بينهم، الله عن رحمة واحدة أنزلها الرحمة الله يقولS ا قال: سمعت رسول فعن أبي هريرة مئة جزءٍ، فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءاً واحدا،ً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها .)2(خشية أن تصيبه إن مجموع هذه النصوص والقواعد لينتج عند أهل العقول الراجحة والفطر السليمة أنها ترمي إل التشريع إما بمعنى خاص أو بوصف عام، وتدل بمجموعها أيضًا على موافقة الشرع للطبع، فما وافق الطبعُ الشرعَ قُبِل وما خالفه طرح. ولكن السؤال ال والنصوص التنظيمية بدائل في الأحكام أو في تطبيق العقوبات والجزاء، غير مستشعرة لمقصد الرحمة في طوايا صياغة القوانين أو حتى في تنفيذها؟، والعجب عند من ينادي بأن بعض قوانين الشريعة الإسلامية .113 قواعد الفقه، ص )1( ، ومسلم في6000 الرحمة مئة جزء، رقم الحديثلله أخرجه البخاري في الأدب، باب جعل ا )2( .2753 تعالى، رقم الحديثللهكتاب التوبة، باب في سعة رحمة ا
عدد الصفحات ٢٨279 كانت في غاية القسوة في تشريع بعض العقوبات الزاجرة، أو لم يعلم هؤلاء أن منطلق الرحمة في التشريع الرباني قد أحاطت بالكمال والعلم المطلق، والتنزه عن النقصان والبداء، كيف وقد عرف الاجتهاد البشري في شتى الأقضية والأحكام كثيرًا من وجوه إثبات القوانين ثم لا يلبثوا أن يقرروا قصور ما أفضى إليه تشريعهم أو عدم صلاحه واضطرابه، وانفصاله عن النفس الإنسانية ومستلزماتها في شتى مناحي الحياة، .]14البقرة[ )أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (القائل: الله وصدق
عدد الصفحات ٢٩280 الخاتمة وبعد؛ فهذا ما توصل البحث إليه من نتائج نوجزها على النحو التالى: تبارك وتعالى، وأنه خلقها مركوزة الله إن الرحمة صفة من صفات في أجناس الخلق، وهي مظهر من مظاهر الإحسان والامتنان تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى الخلق قصد إسعادهم في العاجل والآجل. من آثار شهود الرحمة على النوع الإنساني التلازم الوثيق بين الفطرة والشريعة، وأن الرحمة أو كد مقاصد التشريع وإحدى خصائص مقومات النوع الإنساني. وتوصل البحث إلى الكشف عن مقاصد الرحمة في التشريع حُصِرت في أربعة مقاصد هي: دوران الشريعة بين الرحمة والصرامة، مراعاة التدرج في التشريع رحمة بالمكلفين، ومقصد السماحة والتيسير في التشريع، وقاعدة الرخص ورفع الحرج في الشريعة. وجميع ه ومراعاة أحوال المخاطبين في التشريع وهو ما كان غرضنا إثباته في تفاريع البحث. وم
عدد الصفحات ٣٠281 الإس والتشريعات والنظم القانونية والاجتماعية، ويكون هذا بتأسيس مراكز بحوث وهيئات عالمية تشرف عليها مجالس علمية وإعلامية، قصد محاربة التطرف الديني والتشدد الذي ابتليت به الأمة الإسلامية في هذا العصر ولا تزال تعاني من آثاره وأوضاره إلى يومنا هذا. على سيدنا محمد وعلى آله الله رب العالمين وصلى للهوالحمد وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٣١282 قائمة المصادر والمراجع 1 . بن العربي، تحقيق: عليعبدالله أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن محمد البجاوي. بيروت، دار المعرفة. 2 .التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للكتاب، .1997، تونس،1ط 3 .المجموع شرح المهذب للشيرازي، للإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي، حققه وعلق عليه: محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد، جدة السعودية. 4 . بن القيم الجوزية،عبدالله إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، أبو م.1775،2تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ط 5 .المستصفى في علم الأصول، محمد بن محمد أبو حامد الغزالي، ، 1تحقيق: محمد عبدالسلام عبدالشافي، دار الكتب العلمية، ط ه1413 6 .السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، طبعة مجلس ه1352دائرة العثمانية،حيدر آباد، الهند، 7 .الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي دراز، دار الفكر، بيروت.عبداللهالغرناطي الشهير بالشاطبي، تحقيق: 8 .الموطأ: مالك بن أنس، رواية محمد بن الحسن الشيباني، تعليق وتحقيق: عبدالوهاب عبداللطيف، طبعة وزارة الأوقاف، المجلس م.1994ه1414،4الأعلى للشؤون الاسلامية، ط 9 .الموطأ: مالك بن أن ه1417،2تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط م.1997
عدد الصفحات ٣٢