251 مقا في الت إعداد: عبد المجيد خلادي
عدد الصفحات ١252
عدد الصفحات ٢253 المقدمة لقد دل استقراء نصوص الشريعة الإسلامية أنها ج لكل زمان ومكان، وأن استمدادها منبثق من الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، لذلك ما طفق العلماء يبحثون عن أسرار التشريع ووجوه إعجازه، والكشف عن لطائف نظمه ودقائق نصوصه، فلا يزال معترك الأفهام يقودهم إلى الكشف والبيان، واستنباط الأحكام والمقاصد وتحديد الظاهر والباطن من القرآن. ومن بين أوجه أسرار التشريع؛ مقاصد الرحمة وتجلياتها في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ليتحمل الخلائق أوامر التكليف الإلهي، وليكونوا له عبيدًا اختيارًا كما قهرهم على ذلك اضطرارا. ولا يسع العقل ابتداء إلا أن يسلم برحمة الشريعة في مواردها على تبارك وتعالى، إكرامًا وتفضلاً منه جل جلاله على الله الوجه الذي أراده الله بالإنسان، وأنه آية الله عباده، بل العقل هو أجل التجليات على رحمة وكلماته، وقد الله الكبرى في خلقه، وهو يتبصر مقاصد الرحمة في آيات ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ (تبارك وتعالى: الله قال .]70الأ[ ) ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ
عدد الصفحات ٣254 والإشكالية التي يمكن صياغتها في ضوء ما تقدم: بيان وجوه الرحمة ومظاهر الإح مقاصد وأغراض الرحمة من خلال القواعد الكلية ومقاصد الشريعة الإسلامية التي تؤول إلى مقاصد الرحمة تبيانًا وشهودًا. ولسوف يتضح ذلك تأصيلاً وتمثيلاً من ف العبادات والعادات بغرض التمثيل له، وليكون كالخادم لمقصد الرحمة في التشريع. ونهدف من وراء هذا البحث إلى ما يلي: 1 .إبراز معاني الرحمة ومظاهر الإحسان في التشريع 2 .تأصيل مقاصد الرحمة من خلا ل النصوص الشرعية والأحكام الفقهية. 3 .مراعاة الشريعة لمبدأ الرحمة في مضامين التشريع وقد جعلت هذا البحث في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في معاني الرحمة ومشتقاتها. المطلب الثاني: الرحمة وعلاقتها بالنوع الإنساني. المطلب الثالث: في الكشف عن مقاصد الرحمة في قواعد الشريعة ونصوصها العامة. يقول الحق وهو يهدي السبيل. اللهو
عدد الصفحات ٤255 المطلب الأول في معاني الرحمة ومشتقاتها لا بد لنا قبل الحديث عن مقاصد الرحمة في التشريع من بيان معاني الرحمة في وضع اللسان، وفي لغة القرآن، وهذا حتى نتفهم هذا المصطلح ونبني عليه سائر مطالب هذا البحث. فأما المعنى اللغوي: فالرحمة مأخوذة: من الفعل رحم، والمصدر: رَحْما ورحمة، ويقال: تعالى: الله أم رُحم: أي: أصل الرحمة. يقال: رَحمِة رَحماً ورُحْما. قال قرئ باللغتين. وقال زهير: ]81الكهف[ )ﯘ ﯙ( والرّحُمُ. الله ومن ضريبته التَّقْوى ويَعْصمه من سيء العثرات والرحمة: بمعنى الرقة والتعطف، وتأتي بمعنى المغفرة. الرَّحْمَنُ الرحيم: بنيت الصفة الأُولى على فَعْلانَ، لأَن معناه الله و الكثرة، وذلك لأَن رحمته وسِعَتْ كل شيء، وهو أَرْحَمُ الراحمين. فأَما عز وجل، الله الرَّحِيمُ فإِنما ذكر بعد الرَّحْمن؛ لأَن الرَّحْمن مقصور على الرَّحْمن الله والرحيم قد يكون لغيره. قال الفارسي: إِنما قيل: بسم الرحيم، فجيء بالرحيم بعد استغراق الرَّحْمنِ، ومعنى الرحمة لتخصيص وكما ]43الأحزاب[ )ﰑ ﰒ ﰓ (المؤمنين به في قوله تعالى: )ﮅﮁ ﮂ ﮃ ﮄ( . ثم قال: ]1العلق[ )ﮀﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ( قال:
عدد الصفحات ٥256 ، فخصَّ بعد أَن عَمَّ لما في الإِنسان من وجوه الصِّناعة ووجوه ]2العلق[ الحكمةِ ونحوه كثير عز وجل، مذكور في الكتب الله قال الزجاج: الرَّحْمنُ اسم من أَسماء . قال أَبو الحسن: أَراه يعني اللهالأُوَل ولم يكونوا يعرفونه من أَسماء أَصحاب الكتب الأوَلِ ومعناه عند أَهل اللغة: ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة، لأَن فَعْلان بناء من أَبنية المبالغة، ورَحِيمٌ فَعِيلٌ بمعنى .)1(فاعلٍ؛ كما قالوا سَمِيعٌ بمعنى سامِع وقديرٌ بمعنى قادر وات والرحيم ذهب إليه الإمام الطبري في تفسيره. ومن حيث المعنى: بينهما تمانع؛ فالرحمن: موصوف بعموم الرحمة لجميع خلقه، وتسميته بالرحيم: .)2(موصوف بخصوص الرحمة لبعض خلقه وأما تعريف الرحمة اصطلاحًا: فقال ال المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان .)3(عن الرقة وقال العلامة ابن عاشور في تعريفها .)4(لمن تتعدى إليه وهي عند الإمام عبدالرحمن حبنكة الميداني .)5(آلام حين تدرك الحواس، أو تدرك بالحواس .1436، القاموس المحيط230 /12 لسان العرب، لابن منظور، )1( .128 /1 تفسير الطبري )2( 347 /1 مفردات القرآن، الراغب الأصفهاني، )3( .26 /21 التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور )4( .3 /2 الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن حبنكة الميداني، )5(
عدد الصفحات ٦257 ويمكن أن أختار لها تعريفًا فأقول والإحسان يدرك وجودها حسًّا أو معنى ومقتضى معاني الرحمة أن يتعدى خيرها ومنافعها إلى الأغيار من الناس حتى وإن كان هذا الجزاء من الخير لمن تكره وتبغض، وفي هذا تعالى الله يقول ابن القيم رحمه والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع .)1(المضار عنك هذا ما تعلق بلفظ الرحمة وما اشتق عنها من المعاني والأوصاف في كلام أهل اللغة والاصطلاح. .174 /2 إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، )1(
عدد الصفحات ٧258 المطلب الثاني الرحمة وعلاقتها بالنوع الإنساني خصصنا الكلام عن الرحمة وعلاقتها بالنوع الإنساني لما له من أثر تعالى بالإنسان، فالإنسان من حيث الله في تحمل الأمانة التي أناطها كونه نوع من أنواع الأكوان المخلوقة هو جوهر متصف بالعقل والإدراك لا كباقي المكونات الأخرى، لأجل ذلك كانت الشهادة إحدى خصائصه ومقوماته، وهو الكائن المقصود بعمارة الأرض والاستخلاف في الكون. إن الرحمة من حيث تعريفها العام وصف جامع لمعاني الرأفة والرقة والإحسان، إذ هي بعض خصائص الفطرة الإنسانية، فلا تنفك عن جوهر الإنسان إلا بإكراه أو بالقهر والاضطراب. وحيث إن الفطرة هي الأصل؛ فإن ما يدخلها من الأوصاف الخَلْقية يكون تبعا لها غير خارج عنها، فالرحمة إذًا هي واحدة من خصائص النفس الإنسانية التي فطر عليها الإنسان، فيكون محتاجًا إليها كاحتياجه للدين الحنيف. الله بعباده، الله فهذا التلازم الوثيق بين الفطرة والتشريع هو أثر من آثار رحمة فلا يمكن أن تجد التشريع إلا مطابقًا وموافقًا لمقتضى هذه الفطرة، أي: أن ﯔ (عز وجل: الله النفوس فطرت على الدين وتشريعاته، وهو معنى قول ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ، ومقتضى هذا الكلام أن الفطرة النفسية كالرحمة ]30الروم[ )ﯦ ﯧ المودعة في الإنسان هي نظام إلهي تتجلى فيها صبغة الخالق في خلقه لصلاح
عدد الصفحات ٨259 العالَم، وقد تكلم الشيخ الطاهر بن عاشور عن هذا المعنى في تفسيره فقال ؛ فمعناه أن أصل الاعتقاد فيه جار على الله« مقتضى الفطرة العقلية، وأما تشريعاته وتفصيلاته، فهي إما أمور فطرية أيضًا، أي: جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه . وقد نبه هنا إلى أن تشريعاته وتفصيلاته تتفق مع )1(مما لا ينافي فطرته أصل الفطرة، وهو ما نحن بصدده في مبحث مقاصد الرحمة في التشريع. الله ومن آثار شهود الرحمة على النوع الإنساني، ما أنبأنا به رسول عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي الله عن رب العزة والجلال،S وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، . )2(وإن تقرب إليَّ ذراعاً، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة فقوله عز وجل وبالقبول والإجابة إذا دعا، وبالكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد منه تحقيق الرجاء، وتأميل العفو وهذا أصح، وقوله: وأنا معه إذا ذكرني . )3(يعني بالرحمة والتوفيق والهداية والإعانة إلى الخلائق أجمعين دليلاً من دلائل الرحمة Sولقد كانت بعثة النبي وشمولها على العالمين، وإحاطة الرحمة بدقائق شريعته إجمالاً وتفصيلاً، . ]الأنبياء[ ) ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ (تعالى بقوله: الله فقد وصفه قال العلامة ابن عاشور أحواله، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة. ووقوع الوصف مصدراً يفيد المبالغة في هذا الاتحاد، بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدلّ بقولهSلهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبي .91 /21 التحرير والتنوير )1( .7405 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما يذكر في الذات والنعوت، رقم الحديث )2( .126 /1 تفسير الخازن )3(
عدد الصفحات ٩260 وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، بعباده الله . وتظهر آثار رحمة) 1(والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته ﭙ ﭚ ﭛ (تعالى في وصفه: الله الأكمل، فقد قالSفي خُلُق رسوله ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ . ]159اآل عمران[ )ﭻﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ وإن آثار شهود الرحمة في النوع الإنساني لتراها في أسمى مواضع التجلي في هيئة السجود بين يدي المنعم الواهب المتفضل، فإن السجود تضمن دعاء . )2( في سجودهSالرحمة كما صح ذلك عن النبي وطلب المغفرة والعصمة من السيئات، وزلل الخطايا رحمة من رحمات ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ( كما قال تباركت أسماؤه: الله . إنه كثيرًا ما تضيق الأنفس، ]9غافر[ )ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ وتشتد الكروب في خضم الحياة، فلا عاصم من أوضار اضطراب النفوس تعالى والدخول في ساحة الله المؤدية إلى الكآبة والان ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ (كرمه ورحمته، فإنه تعالى ينادي عباده قائلاً: )ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ وفي هذا النداء من التلطف والتودّد ما يجعل النفوس تتعلق بعتبة ]53الزمر[ ﯚ ﯛ ﯜ(تعالى: الله باب العبودية، وتقطع الرجاء من كل أحد، إلا رجاء ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯣﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯮﯬ ﯭ . ]17 - 15الأنعام[ )ﰁﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ .166 /17 التحرير والتنوير )1( . وقال850 أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، رقم الحديث )2( « :671/3ابن الملقن في البدر المنير
عدد الصفحات ١٠261 المطلب الثالث مقاصد الرحمة في قواعد الشريعة ونصوصها العامة البالغة أن تكون التكاليف والأحكام الشرعية الله اقتضت حكمة متضمنة لمعاني الرحمة والتيسير، منوطة بالعلل والمصالح والحكم والغايات التي طولب العبد بتحصيلها وجلبها، وليس من سبيل للناظر في دفع مقصد الرحمة واليُسر أثر أو نظر، فإن هذا الأصل مستقرأ من الجزئيات في كثير من الأحاديث والآيات، وقد تضافرت أدلة السماحة والرحمة حتى نصب لها علماء الشريعة قواعد شرعية وكليات فقهية إما استنباطًا أو تأويلاً، ولقد دقق الإمام الشاطبي الوصف فاعتبر أهم موارد الشريعة مبناها على التيسير ورفع الحرج، أو تكاد.)1(الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع وقبل التطرق إلى بيان مقاصد الرحمة في التشريع يتلزم علينا تعريف مصطلح المقاصد في اللغة والاصطلاح، إذ هي جوهر هذا البحث وأصل الموضوع. من الفعل الثلاثي قَصَدَ، وهو يأتي على معان في فأما المقاصد لغة: أصل اللغة، فمنها: التوسط: وهو خلاف الإف .254 /1 الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي، )1(
عدد الصفحات ١١262 ،]19لقمان[ )ﰉ ﰊ ﰋ (تعالى: الله مرتبة بين الإسراف والتقتير. قال ، أي: مرتبة بين الظالم والسابق. ]32فاطر[ ) ﭮ ﭯ (وقوله: ﭬ ﭭ (ومن معاني المقاصد لغة: استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى: والقَصْد: العدل. قال أبو اللحام التغلبي الشاعر: ]9النحل[ ) ﭮ ﭯ )1(على الحَكَم المأتي يومًا إذا قضى قضيته أن لا يجور ويعد عرف علماء الشريعة المقاصد بتعاريف مختلفة، بيد واص « :اأنها تلتقي في معنى واحد، وحدها كما قال الغزالي رحمه المقاصد عبارة حاوية للإبقاء ودف .)2(الابتداء وأما الشاطبي فلم يضع للمقاصد تعريفًا معينًا ولعل السبب في ذلك وضوحها في الذهن، ومع ذلك فقد عرفها بنوع التقسيم في مبحث بيان ، أي: أنواع المقاصد فجعل لكل نوع )3(قصد الشارع في وضع الشريعة حدًا وتعريفًا. وهو ما يسمى عند المناطقة بن بيه بقولهعبدالله وعرفها الدكتور المفهومة من خطاب الشارع ابتداء، وكذلك المرامي والمرامز والحكم المستنبطة من ا مدركة للعقول البشرية، متضمنة لمصالح العباد معلومة بالتفصيل أو في . وهذا الحد رغم طوله إلا أنه يبقى جامعًا مانعًا لجزئيات )4(الجملة التعريف وغير واقع في الدور. ولقد قسم العلماء مقاصد الشريعة إل ومقاصد عامة وأخرى خاصة، ومقاصد أصلية وتبعية. وهذه التقسيمات .94 /5، معجم مقاييس اللغة، ابن فارس،335 /3 لسان العرب، ابن منظور، )1( .159 شفاء الغليل، أبو حامد الغزالي، ص )2( .7 /2 مقاصد الشريعة، الشاطبي )3( .47 مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات، ابن بيه، ص )4(
عدد الصفحات ١٢263 متشابهة قد تتوالد وتتداخل وتتسلسل، وقد يكون بينها عموم وخصوص، ويلحقها التعارض ونحو ذلك من المسائل المتعلقة بها. فالمقاصد الكلية الضرورية التي اتفقت عليها جميع الشرائع خمسة )1(هي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل والمقصد الكلي هو كما قال العلامة ابن بيه .)2(ينطبق عليها بحيث يكون الحكم فيه على جميع هذه الجزئيات وأما المقاصد الخاصة مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم . )3(الخاصة وأما المقاصد الجزئية . ولا نطيل في التمثيل )4(كقصده لفعل الصلاة بأمر وأقيموا الصلاة لهذه الأنواع حتى لا نخرج عن المطلوب في البحث. ونأتي الآن إلى بيان مقاصد الرحمة في التشريع، ونحصر الكلام في أربعة مقاصد خاصة، وهي على النحو التالى:: المقصد الأول: دوران الشريعة بين الرحمة والصرامة و أول أوص التشديد تارة أخرى، أعني بذلك جريانه بين الترغيب والترهيب، وهو المناسب للفطرة الإنسانية خصوصًا في محل الفعل التعبدي، وهو ما بنفوذ التشريع واحترامه، وجعل في الله أسماه الطاهر بن عاشور رحمه سبيل تحقيق ذلك مسلكان؛ الأول: مسلك الحزم والصرامة في إقامة .8 /2 مقاصد الشريعة، الشاطبي )1( .47 مقاصد المعاملات: ص )2( .146 مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص )3( .50 مقاصد المعاملات، ص )4(
عدد الصفحات ١٣264 الشريعة، والمسلك الثاني: مسلك التيسير والرحمة بقدر لا يفضي ، ويشهد لهذا الكلام حديث أبي ثعلبة )1(إلى انخرام مقاصد الشريعة فرض فرائض فلا تضيعوها، الله قالS االخشني أن رسول وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا .)2(تسألوا عنها إن معظم أحوال التشريع دائرة على هذا النسق؛ ألا ترى إلى الحكمة الله من تشريع القصاص في صون النفس من الإزهاق والاعتداء في قول ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ (تعالى: ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ، فقوله: ]179-178البقرة[ ) ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ (ذلك تخفيف من ربكم)، فيه على الناس، فهو الله وإحسان الأداء والعدولُ عن القصاص، تخفيف من رحمة منه أي: أَثَر رحمته، إذ التخفيف في الحكم أثر الرحمة، فالأخذ .)3(بالقصاص عَدْل والأخذ بالعفو رحمة واعتبرت الشريعة أعراف الناس وعوائدهم الخاصة التي أقرتهم عليها من قبيل الرحمة بالخلق التي ينبغي أن تراعى ولا تُصَادَر، ففي الموطأ أن قالS ارسول .)4(وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام والسنّة التقريرية من هذا القبيل في مرتبة العفو والمرحمة تفضلاً منه ورحمة، فإذا ثبت إقراره على شيء؛ فإن هذا يندرج تحت ما هو واقع S .377 مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص )1( .298 /4،104 أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب الأشربة، رقم الحديث )2( .143 /2 التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور )3( .746 /2،1433 أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في قسم الأموال، رقم الحديث )4(
عدد الصفحات ١٤265 في مفهوم رفع الحرج والجناح، وما هو في معنى الفعل المأذون في فعله توسعة على المكلفين، وقد قرر الإمام الشاطبي في باب الأدلة من كتابه الموافقات ، وفي هذا ملحظ؛ وهو أن الإقرار )1(السلام فأقره، أو سمع به فأقره فيما رآه وإن لم يفعله Sمركوز على أصل التيسير والرفق، فإقراره فيه من معاني الرحمة والإحسان ما يُرغّب في الامتثال والإقبال على أفعال الطاعة طلبًا للثواب. وقد تنعقد هذه القاعدة أي: دوران التشريع بين الترغيب والترهيب كلية من كليات التشريع، ولا يعترض عليه كونه آح « الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم .)2(بها وعليها، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود إن النظر في اعتبار الترغيب والترهيب في أحكام الشريعة هو محل العناية بمقصد التوسط والاعتدال في تنفيذ الأحكام والإتيان بها على الوجه الذي لا يميل بالمكلف إلى جهة الإفراط أو التفريط، وهو عصمة له من أن يغالي في الدين أو يجافي عنه، فإذا رأى المكلف من نفسه إفراطًا وغلوًا في معاملته مع الحق أو مع الخلق، كان ذلك أدعى له أن يتبصر جهة الترغيب، فلا يَعْنَت نفسه فيما لا يطيقه، وعكس هذا في التفريط والإهمال، فأدعى له أن يتبصر جهة الترهيب، فينشط ويحمل نفسه على المجاهدة والطاعة، فيتحقق بمبدأ التوسط والاعتدال، وهذا وجه من وجوه مراعاة الرحمة في قواعد الشريعة الإسلامية السمحة، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الشاطبي .434 /4 الموافقات )1( 363 /3 الموافقات )2(
عدد الصفحات ١٥266 على الطريق الأوسط الأعدل... فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين؛ كان التشريع رادًا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل .)1(الاعتدال فيه عليهم في انتباههم الله وقد كان هذا سبيل السلف الصالح رضوان لمراعاة الأوامر والنواهي الدائرة على معنى الترغيب والترهيب، فقد روي عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له الله الرخاء؛ ليكون المؤمن راغبًا راهبًا؛ فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيده إلى التهلكة، أو لم تر يا عمر ذكر أهل النار بسيئ أعمالهم؛ لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن، الله أن فإذا ذكرتهم قلت: إني أخشى أن أكون منهم، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم؛ لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيئ، فإذا ذكرتهم؛ قلت: إني .)2(مقصر، أين عملي من أعمالهم؟ المقصد الثاني: مقصد التدرج في التشريع. وإذا اقتحمنا الحديث عن الرحمة والصرامة في أصل الشّرع، حق علينا أن نفي مقصد التدرج حقه من البيان؛ لأنه أبلغ مظاهر الرحمة في التشريع وأكبر مقاصدها. والمقصود بالتدرج؛ الإتيان ببعض أحكام الشريعة مجزأة من زمن فائت أو حاضر إلى زمن مستقبل لتستقر على حكم معين مراعاة لحال المخاطبين بالتشريع، وتارة يكون التدرج بتأخير البيان إلى وقت استعداد المكلفين، ليكون أنسب لهم في القبول والإذعان، ولما في ذلك من حكمة تأليف القلوب على التدين والاستمرار .124 /2 الموافقات، الشاطبي، )1( .106 /3 المصدر نفسه )2(
عدد الصفحات ١٦