433 إن أول خطوة في الرقابة هي حسن اختيار العمال الذين سيتولون الإشراف على تنفيذ الأعمال، وجباية الأموال، وتوصيل الحقوق إلى أهلها، وبمقدار النجاح في هذه الخطوة يكون النجاح في بقية الخطوات وبمقدار الفشل فيها تفرغ كل الخطوات التالية من مضمونها1. ولهذا عد الماوردي من واجبات الإمام: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكل إليهم من الأموال، وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكل إليهم من الأموال، لتكون الأ عمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأ مُرُكُم أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَه لِهَا ﴾ (النساء، آية : 58.) والمناصب والمسؤوليات من الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، فقد بيان النبي صلى ا عليه وسلم أن تعيين العاملين في مختلف المواقع أمانة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن الساعة: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، فقال: وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فأنتظر الساعة»2. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنيأراك ضعيفاً، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيه»3. قال النووي : هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، سيما لمن كان فيه ضعف عن قيام وظائف تلك الولاية، وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً ولم ي عدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة4. ـ الشروط التي يجب توفرها في الموظفين: "القوة والأمانة يجب أن يتوفر في الموظف شرطان أساسيان، هما: القوة والأمانة وقد أخذ العلماء هذين الشرطين من قول الله تعالى: ﴿قَالَت إِح دَاهُمَا يَا أَبَتِ اس تَأ جِر هُ إِنَّ خَي رَ مَنِ اس تَأ جَر تَ 1 الرقابة الإدارية، ص241. 2 البخاري، ك العلم، الرقابة ادارية، ص: 242. 3 مسلم في الإمارة، الرقابة الإدارية، ص242. 4 شرح النووي على مسلم12 /177.)
عدد الصفحات ٤٣٣434 ال قَوِي الأ َمِينُ ﴾ (القصص، آية : 26). ومن قوله الله تعالى ﴿اج عَل نِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَر ضِ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾ (يوسف، آية : 55.) فقوله﴿إنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾. أي: أمين أحفظ ما تستحفظنيه عالم بوجوه التصرف، وصفاً لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، فقد تضمنت وصف يوسف بالصفتين اللازمتين لتولي المسؤولية وهما الحفظ والعلم اللتان: تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن1. قال ابن تيمية: والقوة في كل ولاية بحسبها فالقوة في قيادة الجيوش غير القوة في الحكم بين الناس والقوة في ضبط الدخل والخرج غير القوة المطلوبة في الفتوى، وهكذا، والقوة تتضمن العلم والقدرة وتتنافى مع الضعف والعجز، ولهذا نصح النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر ـ وهو الصادق التقي البار ـ أن لا يتأمر على اثنين، فقال له: يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرني على اثنين، ولا تولين مال يتيم2، وقد أشار الذهبي إلى قوة أبي ذر في بدنه وشجاعته، وحمل الضعف على ضعف الرأي في إدارة الحكم وأن فيه حدة تتنافى مع الإمارة التي تتطلب الحلم والمداراة3. أما الأمانة التي هي ركن الولاية الأساسي فتتضمن العدالة وتتنافى مع الفسق، قال ابن تيمية والأمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على الناس في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَخ شَوُا النَّاسَ وَاخ شَو نِ وَلاَ تَش تَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُو لَـئِكَ هُمُ ال كَافِرُونَ ﴾ (المائدة، آية : 44.) وتأمل حرص النبي صلى الله عليه وسلم على استعمال الأمناء،فعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين فاستشرف لها 1 التسهيل ابن جزي، ص316. 2 السياسة الشرعية، ص20. 3 سير أعلام النبلاء3 /54.)
عدد الصفحات ٤٣٤435 أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبعث أبا عبيدة1، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرص على تعيين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن أبا عبيدة قال له: دئست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: يا أبا عبيدة إذا لم استعن بأهل الدين على سلامة ديني فيمن أستعن؟ قال: أما فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة، يقول: إذا استعملتهم على شيء فأجزل لهم في العطاء والرزق لا يحتاجون2، وكان يستشير كثيراً في تعييناته وقد بحث مرة إلى أهل الكوفة يبعثون إليه رجلاً من أخيرهم وأصلحهم وإلى أهل البصرة كذلك، وإلى أهل الشام كذلك، قال فبعث إليه أهل الكوفة عثمان بن فرقد، وبعث إليه أهل الشام معن بن يزيد، وبعث إليه أهل البصرة الحجاج بن علاط كلهم سلميون، قال فاستعمل كل واحد منهم على خراج أرضه3. ـ القواعد الشرعية التي يجب على ولي الأمر اتباعها في الاختيار ـ وجوب تولي الأصلح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله من صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم»4. ـ وجوب اختيار الأمثل من الموجود قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهََّ مَا اس تَطَع تُم ﴾ (التغابن، آية : 16.) وقال النبي صلى الله عليه وسلم«ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيت كم عن شيء فاجتنبوه»5، وسئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو أحدهما قو ي فاجر، 1 البخاري، الرقابة الإدارية، ص244. 2 الرقابة الإدارية، ص244. 3 المصدر نفسه، ص244. 4 الحاكم في المستدرك4 /93) صحيح الإسناد 5 البخاري، الرقابة الإدارية، ص246.
عدد الصفحات ٤٣٥436 والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه للمسلمين، ويغزى مع القوي الفاجر1. ـ لا تجوز المحاباة عند تولية المناصب فلا يجوز التعيين على أساس القرابة النسبية ولا الصلة الحزبية، وإنما يكون الاختيار على الأسس الشرعية، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة بلد أو مذهبه، أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية أو الرشوة يأخذها منه أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن2 في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُ وا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُم وَأَنتُم تَع لَمُونَ ﴾ (الأنفال، آية : 27). ثم قال ﴿وَاع لَمُوا أَنَّمَا أَم وَالُكُم وَأَو لاَدُكُم فِت نَة وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَج ر عَظِيم ﴾ (الأنفال، آية : 28.) ـ طلب الولاية سبب في الحرمانمنها: فقد بيا ن النبي صلى الله عليه وسلم أن من حصل على المنصب من غير طلب فإن الله يعينه عليه بخلاف من سأله، فعن عبد الرحمن بن سمرة قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»3. ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلاً، بل إذا كان كافياً وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة ولا يخفى ما في ذلك من الفضل4. 1 السياسة الشرعية، ص22. 2 الضغن: الحقد كالضغينة وقد ضغن: حقد 3 البخاري، الرقابة الإدارية، ص248. 4 فتح الباري13 /133.)
عدد الصفحات ٤٣٦437 وقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: «إنكم ستحرصون على ا مارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة»1، وقد حذر العلماء إسناد المناصب إلى من يحرص عليها2. وأما قول يوسف عليه السلام في كتاب ا ﴿اج عَل نِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَر ضِ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾ (يوسف، آية : 55.) فالتوفيق بينه وبين ما سبق أن نقول: إن يوسف عليه السلام كان بين قوم كفار، فأراد استصلاحهم ودعاءهم إلى الله تعالى بالسعي في هذه الولاية دون غيرها، لأن المتولي لأرزاق العباد تذل له الرقاب، وتخضع له الجبابرة، ولا يستغني أحد عن بابه، فلهذا طلب هذه المرتبة دون الإمارة والوزارة، وغير ذلك من الولايات3، فيوسف عليه السلام: إنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد.. فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا4. والذي نخلص إليه أن الذي يسأل الإمارة ويحرص رغبة في الدنيا فإنه لا يولى، أما من رأى أنه لا يوجد من يقوم مقامه فتقدم لأداء الواجب، لا طلباً لمال أو جاه، فتوليته مطلوبة مشروعة، ولا تترتب عليها أي مفسدة من المفاسد التي ترتب على تولية من يطلب المنصب رغبة في الدنيا5. ب ـ الإشراف: قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته»6. 1 البخاري في الأحكام،الرقابة الإدارية، ص: 248. 2 الرقابة الإدارية، ص248. 3 تبصرة الحكام لابن فرحون1 /6.) 4 الرقابة الإدارية، ص249. 5 المصدر نفسه، ص250. 6 البخاري ومسلم، الرقابة الإدارية، ص251.
عدد الصفحات ٤٣٧438 وقد نص الماوردي على أن من واجبات الإمام: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة قد يخون الأمين ويغش الناصح1. وقيادة الدولة تشرف بالطرق التالية ـ ملاحظة الموظف أثناء العمل. ـ تبادل وجهات النظر. ـ تخطيط العمل. ـ الاجتماعات. ـ المتابعة الإدارية بواسطة تقرير العمل. ـ التفتيش الدوري والتفتيش المفاجئ. فالاشراف عبارة عن متابعة الأمور أولاً بأول، والاتصال المستمر بالعمال والحصول على المعلومات دائماً بمختلف الوسائل وتصحيح الا نحرافات في أسرع وقت2. والاشراف يحقق الأغراض التالية ـ التأكد من أن العمل ينفذ وفقاً لمبادئ وأصول الإدارة ووفقاً للخطة. ـ مساعدة الموظفين على إتقان أعمالهم. ـ إلمام المشرف بالأعمال التي تمت، مع اكتشاف ما قد يكون هناك من صعوبات تعترض التنفيذ وبحث وسائل التغلب عليها. ـ توجيه وتعليم الموظفين بما يجعلهم أقل احتياجاً للإشراف في المستقبل. ـ تقييم قدرة ودرجة إتقان الموظفين لأعمالهم. ـ التنسيق بين جهود الموظفين3. 1 الرقابة الإدارية، ص251. 2 الرقابة الإدارية، ص251،252. 3 مبادئ الإدارة العامة، فوزي حبيش، ص: 72.
عدد الصفحات ٤٣٨439 ومن نماذج الإشراف في الدولة الإسلامية ما رواه عبد الرزاق عن ابن طاووس عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم، وأمرته بالعدل أقضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل ما أمرته أم لا1؟ وروى الطبري عنه قال: أنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد 2، وفي قوله: لا أكله إلى أحد " دلالة على أنه مادام يستطيع الإشراف والمتابعة بنفسه فإنه لا يكل أداء هذا الواجب إلى غيره، أما البعيد فإنه يستعين عليه بأهل الأمانة والكفاءة والتقوى، الذين لا يكون التعاون إلا معهم3." ـ الزيارات التفقدية ومن وسائل الإشراف الزيارات التفقدية، فقد كان عمر رضي الله عنه يقول: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولاً فإني أعلم أ ن للناس حوائج تقطع دوني، أما هم فلا يصلون إلي، وأما عمالهم فلا يرفعونها إلي: فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى الجزيرة، فأقيم فيها شهرين ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى البحرين، فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى الكوفة، فأقيم بها شهرين ثم أسير إلى البصرة، فأقيم بها شهرين والله لنعم الحول هذا4. وقال: إني قد بدأ لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم وقد خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زيارة تفقدية إلى الشام ضمن هذه الزيارات التي كان يرى أهميتها، وقد أبدأ بالشام الذي ضاعت فيه مواريث المسلمين، بسبب الوباء وفي هذه الزيارة قسم عمر الأرزاق وسمى 1 الرقابة الإدارية، ص253.) 2 تاريخ الطبري4 /215.) 3 الرقابة الإدارية، ص253. 4 تاريخ المدينة، عمر بن شبة3 /821.)
عدد الصفحات ٤٣٩440 الشواتي1، والصوائف2، وسد فروج الشام3 ومسالحها4، وأخذ يدور بها :أي الشام" وسمى ذلك في كل كوزة5، كما يقول الطبري6، وفي هذه الزيارة عزل وولى، وكان فيمن عزل شرحبيل بن حسنة وولى مكانه معاوية بن أبي سفيان 7. وكان ممن ولى في هذه الزيارة أبو موسى الأشعري على السواحل ا لشامية وودع الناس بخطبة بليغة قال فيها بعد أن حمد الله وأثنى عليه: ألا أني قد وليت عليكم، وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم ـ إن شاء الله ـ قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شامكم وسمينا لكم من أطعمتكم، وأمرنا لكم بعطائكم وأرزاقكم ومعاونكم، فمن علم علم شيء ينبغي العمل به، فبلغنا نعمل به إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله8. ومن هنا نعرف برنامج هذه الجولات التفقدية، فليس أكلاً وشرباً ونزهة وتفرجاً واستقبالاً وتوديعاً فحسب، وإنما هي تخطيط وجهاد وعزل وتولية، وحل للمشكلات العالقة، وبسط العدل، وتعميق للإصلاح، وتوجيه وإرشاد، وإعلان عام يشجع الناس على بذل النصيحة للحاكم ويدعوهم إلى التفكير في مصالح الأمة فيقول: من علم علم شيء ينبغي العمل به فبلغنا نعمل به، إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله9. ـ مؤتمر الحج 1 الشواتي: غزوات الشتاء 2 والصوائف: غزوات الصيف غزوة الروم 3 الفروج: الثغور 4 مسالحها: جمع مسلحة وهي الثغر 5 كوزة: الصقع: الناحية 6 تاريخ الطبري4 /203.) 7 الرقابة الإدارية، ص255. 8 الرقابة الإدارية، ص255، تاريخ الطبري4 /204.) 9 الرقابة الإدارية، ص256.
عدد الصفحات ٤٤٠441 من وسائل الإشراف: الاجتماعات، ومن أهم الاجتماعات الإسلامية اجتماع المسلمين في موسم الحج: ﴿لِيَش هَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذ كُرُوا اس مَ اللهِ فِي أَيَّام مَّع لُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأ َن عَامِ ﴾ (الحج، آية : 28.) وقد كان عمر رضي الله عنه ملازماً للحج في سني خلافته وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة في موسم الحج ليحجزهم1، وبذلك عن الرعية ويحجز عنهم الظلم ويتعرف أحوالهم عن قرب وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم2. ـ إستطلاع الأخبار قد يتم الإشراف بواسطة التقارير والمعلومات التي تصل إلى المسؤول الإداري فيكون بواسطة المعلومات متابعاً للعمل مشرفاً عليه، ومراقباً له، روى الطبري أن عمر رضي الله عنه كان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه، وفي قصة التحقيق مع خالد بن الوليد رضي الله عنه قال الراوي وكان عمر لا يخفى عليه شيء من عمله3، وهذا ما عبر عنه الجاحظ بقوله عن عمر: كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن يأت معه في مهاد واحد وعلى وساد واحد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي، عامل ولا أمير جيش إلا وعليه لا يفارقه ما وجده كانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل مُ مس ومصبح، وأنت ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه وأخصهم به4. ج ـ متابعة العمال ومحاسبتهم وما يترتب على ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات والفيء وغير ذلك ومحاسبة النبي صلى الله عليه وسلم لأحد عماله ثابتة في الصحيح، فعن أبي حميد الساعدي، قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللتيبة، على صدقه فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد 1 ليحجزهم: ليمنعهم 2 الرقابة الإدارية، ص257. 3 تاريخ الطبري4 /67.) 4 الرقابة الإدارية، ص258.
عدد الصفحات ٤٤١442 الله وأثنى عليه ثم قال«ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر »، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟»1، وفي رواية: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتيبية فلما حاسبه 2، قال المهلب حديث الباب أصل في محاسبة المؤتمن3. ـ عهد التعيين: كان عهد التعيين الذي يتضمن وصفاً كاملاً للمهمة، وشرحاً واضحاً للواجبات والصلاحيات وحقوق الرعية، أساساً ممتازاً للرقابة الإدارية والمالية، منسجماً مع تعاليم الإسلام، في البيان والوضوح والإبلاغ والإنذار قبل المعاقبة، فعندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعين عاملاً، فإنه كان يعطي عهد تعيين يحتوي على أمر تنصيبه وتحديد ما يحول من صلاحيات، وما يكلف من واجبات، ويحمل هذا الأمر خاتم الخليفة أو توقيعه ويشهد عليه عدد من المهاجرين والأنصار، وقبل أن يبرح العامل المدينة مباشرة يجتمع الناس في المسجد، ويقرأ على الملأ الأمر أو عهد التعيين وبذلك يعرف كل مواطن حقيقة سلطات الولاة والعمال وواجباتهم4. د ـ كيف يتم التحقيق مع العمال؟ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحاسب عماله محاسبة دقيقة، ويحقق معهم تحقيقاً صارماً لا مجاملة فيه ولا محاباة، أداء للواجب ونصحاً للرعية مع ما يكن لهم من المحبة والود وإليك نموذج من هذه التحقيقات: *ـ التحقيق مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: 1 البخاري في كتاب الأحكام، الرقابة الإدارية، ص262. 2 الرقابة الإدارية، ص262. 3 فتح الباري4 /586.) 4 الرقابة الإدارية، ص263.
عدد الصفحات ٤٤٢443 اتهم بعض أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بأغرب التهم، حتى أُ تهم بأنه لا يحسن يصلي، وعندما أرسل عمر مسؤول التحقيقات ع نده :محمد بن مسلمة ليحقق في مضمون هذه الشكاوي، وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعث محمد بن مسلمة، وسأله عنه في مساجد الكوفة أثنوا عليه خيراً، إلا واحداً ممن كانوا يتحاملون عليه، وهو أسامة بن قتادة فإنه قال عن سعد: إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في الرعية ولا يغزو في السرية وقد دعا سعد فقال: اللهم إن كان قالها كذباً ورياءً وسمعة فأعم بصره وأكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن، وقد استجاب الله دعاء سعد فطال عمر الرجل، وكثر عياله ووصلت به الفتنة إلى حد أنه كان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يحبسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك1. وكانت نتيجة التحقيق تبرئة سعد مما نسب إليه، ومع ذلك فقد عزله عمر بن الخطاب درءاً للفتنة2، حتى لا تبقى حجة لناقد أو مشاغب، لأن مذهبه في هذا الخصوص ـ حسب قوله ـ إن تغيير الوالي أيسر من تغيير الرعية3. وكان يقول: أهون علي شيء أصل ح به قوماً أن أبدلهم أميراً مكان أمير 4، ولكن عمر كان حريصاً في الوقت ذاته على تبرئة ساحته وكان عمر رضي الله عنه مقتنعاً بكفاءته ولذلك أوصى باستعماله فقال: إن ولي سعد الإمارة فذاك، وإلا فأوصي الخليفة بعدي أن يستعمله فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة5. وكان عمر وهو يحاسب سعد بن أبي وقاص يقول له عزمت عليك ألا تدعو على أخيك ويضحكه، وإذا ذهب غضبه، قال: تعالى نتحاسب فإنه اليوم أيسر عليك من غد6، وهذه الواقعة نستفيد منها في مجال الرقابة: 1 تاريخ الطبري4 /120.) 2 البداية والنهاية8 /81.) 3 عمر بن الخطاب وأصول السياسة، سليمان الطماوي، ص: 286. 4 الطبقات الكبرى لابن سعد3 /284.) 5 الرقابة الإدارية، ص269، طبقات ابن سعد3 /137.) 6 تخريج الدلالات السمعية، ص254.
عدد الصفحات ٤٤٣444 ـ أن جميع عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانوا سواء أمام المحاسبة والتحقيق، فعلى الرغم من فضل سعد بن أبي وقاص، وتهافت التهم الموجهة إليه فقد خضع كغيره للتحقيق1. ـ علنية التحقيق واستخدام المساجد وسيلة لهذه العلنية، الأمر الذي يبعد التحقيق عن أية شبهة تستر أو تمالئ مع العمال المدعى عليهم، وهذا يشبه المبدأ القضائي المتبع الآن وهو علنية المحاكمات. ـ الاهتمام بالشكاوي المقدمة من عامة المسلمين مهما كان المدعي عليه. ـ السرعة في القيام بالتحقيق والبث في الأمر والابتعاد عن الاجراءات الرتيبة الطويلة المناقضة لتحقيق الأهداف الرقابية2. كما تم التحقيق مع أبي موسى الأشعري ومع النعمان بن نضلة ومععياض بن غنم وخالد بن الوليد وقام بعزل الكثير من الولاة. هـ ـ إحصاء أموال الموظفين عند تولي العمل: روى ابن سعد وابن الجوزي عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملاً كتب ماله 3، وعن عبد الله بن المبارك: قال كان عمر بن الخطاب يكتب أموال عماله إذا ولاهم ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك وربما أخذه منهم4. وقال ابن حبيب المالكي: وكان عمر إذا ولي أحداً أحصى ماله لينظر ما يزيد ولذا شاطر العمال أموالهم حيث كثرت وعجز عن تمييز ما زادوه بعد الولاية قاله مالك وشاطر أبا هريرة وأبا موسى وغيرهما5. لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بع د أن يتعرف على الوضع المالي للعامل قبل الولاية، يتابعه متابعة دقيقة فإذا أثرى وزاد ثراؤه عن الحد المعقول دل ذلك عند الفاروق عمر رضي الله عنه على نوع من استغلال النفوذ، أو استخدام المنصب أو الاستفادة من جاه العمل في كسب المال، الأمر الذي يقتضي المحاسبة والمقاسمة أو المصادرة على حسب قوة القرائن 1 الرقابة الإدارية، ص270. 2 المصدر نفسه، ص270. 3 الطبقات الكبرى3 /307.) 4 فتوح البلدان، ص307. 5 مواهب الجليل شرح مختصر خليل6 /119 ـ120.)
عدد الصفحات ٤٤٤445 ووضوح الأدلة، وقد قاسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد ابن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وأبا هريرة1. وقد بنى الفقهاء على هذه السنة العمرية قولهم: ويحصى ما عند القاضي حين ولايته، ويأخذ ما اكتسبه زائداً على رزقه 2. إن البداية الصحيحة للرقابة المالية الإدارية هي: تطبيق دعائم النظام السياسي الإسلامي التي منها: سيادة الشرع التي تقتضي خضوع الدولة لحكم الإسلام، والانصياع لأوامره ونواهيه، والتزام جميع السلطات البرلمانية والقضائية والتنفيذية بنصوصه وتعاليمه وأحكامه ومنها إقامة العدل والشورى، والبيعة الاختيارية التي تقتضي أن تعقد الأمة عقداً تلتزم بموجبه بالسمع والطاعة للرئيس المنتخب ويلتزم الرئيس بموجبه بقيادة الأمة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين. موارد الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: لابد من التركيز على غرس القيم الإيمانية في مختلف مؤسسات التكوين المهني حتى نخرج موظفين مؤهلين لحمل الأمانة بعد أن أصبحت مؤسساتنا تخرج لاهثين وراء المال إلا من رحم ربك3. ـ الرقابة والتدقيق على كافة موارد الدولة وفقاً للقوانين واللوائح والأنظمة المالية والمحاسبية. ـ تحديث أساليب الرقابة المالية في الدولة وجعلها متسقة مع المعايير العالمية ذات الصلة، سواء ما تعلق منها بالتقارير الرقابية أو تقارير التدقيق والتفتيش والمتابعة. ـ تجنب الخلط الشائع بين مفاهيم الموازنة والحساب الختامي، وبين الموازنة العامة والموازنة الاقتصادية والحسابات القومية، والموازنة العامة وموازنة المشروعات الخاصة، وإيلائها ذات القدر من الاهتمام والتدقيق والمراجعة. 1 الرقابة الإدارية، ص290. 2 مواهب الجليل شرح مختصر خليل6 /119.) 3 الرقابة الإدارية، ص300.
عدد الصفحات ٤٤٥446 ـ مراقبة مدى شرعية وقانونية وملاءمة القروض التي تبرمها الدولة سواء كانت مقرضة أو مقترضة. ـ مراقبة وتدقيق كافة أوجه الاستثمار لأموال الدولة في الداخل والخارج. ـ فحص وتدقيق الحسابات الختامية لكافة أجهزة الدولة وهيئاتها ومؤسساتها. ـ التدقيق والمراجعة لكافة قرارات الإعفاء التي تتخذها سلطات الدولة للأفراد أو للأشخاص من الحقوق المترتبة على كاهلهم للدولة. ـ الرقابة الصارمة على إعداد الموازنة العامة وتنفيذها. ـ ضمان الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية والتقنية للدولة بما يقلل الهدر في موارد الدولة، ويحكم توجيه تلك الموارد نحو خدمة المواطن أيما كان وأينما وجد. ـ حسن اختيار وتدريب وتأهيل والارتقاء بخبرات كافة الكوادر البشرية العاملة في حقل المحاسبة والتدقيق والمراجعة لموازنة الدولة وأوجه الإنفاق. ـ سن التشريعات اللازمة لإحكام الرقابة على إيرادات ونفقات الدولة وتدقيق أوجه الصرف، وتغليظ العقوبات على كافة أوجه الفساد والرشوة والغش والمحسوبية والمحاباة والابتزاز والتدليس والإهمال وهدر المال العام والاستيلاء وتسهيل الاستيلاء عليه، وت غليب المصالح الاقتصادية لبعض الأشخاص أو الجهات على المصلحة الاقتصادية للدولة. ـ أن تتسم دواوين وأجهزة الرقابة والمحاسبة بالحياد والنزاهة والاستقلالية عن أجهزة الدولة إدارياً ومالياً وسيا سياً. ـ زيادة رقعة التعاون وتبادل الخبرات بين الأجهزة الرقابية المالية والإدارية والمحاسبية داخل الدولة، وكافة المنظمات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالرقابة المالية الحكومية، وفي طليعتها المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة وهي أعلى هيئة تنظيمية دولية لشؤون الرقابة المالية الحكومية.
عدد الصفحات ٤٤٦447 ـ عدالة توزيع عائدات النفط، وسائر ثروات البلاد بين مواطنيها ومدنها وأقاليمها على نحو عادل متوازن ووفقاً لمنهج علمي، يحفظ حق الأجيال القادمة ويرفع الظلم عن المناطق والمدن والمواطنين الذين حرموا من ثروات بلادهم لردح طويل من الزمن. ـ إبرام عقود بيع النفط بشكل شفاف ومعلن وإيجاد آلية تكفل الرصد والرقابة والمحاسبة عن كافة ما يتعلق بمفردات موازنة الدولة، وسبل إنفاقها، وذلك بما يكفل القضاء على سوء الإنفاق وتبديد ثروات البلاد. ـ فتح ملفات الفساد المرتبطة بكبار موظفي الدولة الذين تورطوا في هدر وسرقة الأموال العامة ومحاربة الرشوة والمحسوبية والاستيلاء على المال العام والتلاعب بمقدرات الدولة. ـ إرساء مفاهيم الشفافية والمساءلة العامة، والعمل على تغيير وإعادة تسويق الدولة ككيان محارب للفساد المالي والإداري والسياسي، وذلك خروجاً من تلك الصورة القاتمة التي رسمتها النظم الاستبدادية لبعض دول المنطقة والتي عبرت عنها منظمة الشفافية الدولية من خلال موقعها بعض الدول العربية والإسلامية مرتبة متدنية بين دول العالم في هذا المجال.
عدد الصفحات ٤٤٧448 الخاتمة وبعد، فهذا ما يسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل في هذا الكتاب فيما يتعلق بـ "الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها". فما كان فيه من صواب فهو محض فضل الله عليَّ، فله الحمد والمناة، وما كان فيه من خطأ فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه والله ورسوله بريء منه وحسبي أني كنت حريصاً ألا أقع في الخطأ وعسى ألا أحرم من الأجر. وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين، وأن يذكرني من يقرؤه في دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى. وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى:﴿ رَبَّنَا اغ فِر لَنَا وَلإِِخ وَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإ ِيمَانِ وَلاَ تَج عَل فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَّحِيم ﴾ (الحشر ، آية : 10.)
عدد الصفحات ٤٤٨