1 بسم الله الرحمن الرحيم أيها القارئ الكريم : اقرأ سورة الفاتحة كلما قرأت في كتاب من كتبي ، واهدِ ثوابها إلى العلامة الشهير ، والعارف الكبير ، حامل لواء الحجة بالكتاب والسنة ، المفس ر والمحدث بالأسانيد المتصلة ، عن كبار المحدثين – في حلب ودمشق والمغرب وغيرها من البلاد الإسلامية – بإجازات عالية الأسانيد – محفوظة عندي – سيدي وشيخي والدي الكريم ، الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني ، رحمه الله تعالى ، وجزاه عن المسلمين خيراً ، إنه هو السميع العليم . آمين .
عدد الصفحات ١2 سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة بقلم عبد الله سراج الدين
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم ، على سيدنا محمد ، إمام الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين . وبعد ، فقد جمعت في هذا الكتاب فصولاً موجزة تُعب ر عن بعض الشمائل المحمدية ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، وتحكي بعض جوانب أخلاقه العلي ة ، وسيرته السني ة ، لعلها تذك ر العاقل ، وتنب ه الغافل ، وتعل م الجاهل . وإنه ليتحتم الأمر على كل عاقل مكل ف أن يتعرف إلى أوصاف هذا الرسول العظيم والنبي الكريم ، ليسير بنور سيرته ، وليتأسى بكمال أخلاقه صلى الله عليه وسلم . وإذا كانت العقلاء تطمح إلى معرفة عظماء العالم وكبرائه ، فإن أحق ما يجب أن تطمح إليه وتطمع فيه هو التعرف إلى سيد السادات ، وفخر الكائنات ، الذي رفعه الله تعالى أعلى الدرجات ، ورق اه فوق جميع أهل المراتب والمقامات صلى الله عليه وسلم ، وإن أحداً من الناس مهما علا فضله ، واتسع علمه ، وكمل عقله ، لا يستطيع أن يحيط بمحاسن هذا النبي الكريم ، ولا أن يستقصي أنواع كماله ، وألوان جماله صلى الله عليه وسلم ، بل كلُّهم عاجز عن التعبير عن تلك المعاني المحمدية ، والصفات المصطفوية : وإن قميصاً خِيط من نسج تسعةٍ وعشرين حرفاً عن معانيه قاصر المقدمة في وجوب التعرف إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب الاطلاع على شمائله الشريفة وسجاياه اللطيفة . قال الله تعالى : ( واعلموا أن فيكم رسول الله .... ) الآية . وقال تعالى : ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون .. ) ؟! .
عدد الصفحات ٣4 إن حقاً على جميع العقلاء المكلفين أن يتعرفوا إلى هذا الرسول الكريم وشمائله الحميدة وخصائِ له المجيدة ، وذلك لوجوه متعددة : الوجه الأول : أن الله تعالى أمر العباد أن يؤمنوا بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال : ( آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير ) والإيمان به صلى الله عليه وسلم يتطلب من العباد أن يعرفوا فضل هذا النبي الكريم ، ورفعة مستواه على غيره ، وما أسبغ الله تعالى عليه من الكمالات النفسية ، وما أد به من الآداب الكريمة الرضية ، وما وهبه من الخُلق العظيم والخَلق الحسن الكريم ، وما أبدع فيه سبحانه من المحاسن ، وجمع فيه مجامع الكمالات ، فجعل جوهره الكريم عالياً على سائر الأفراد والأجناس ، بحيث لا ينقاس بغيره من الناس . وكيف يقاس بغيره ؟ وقد مي زه الله تعالى بممي زات الكمال ، وخص ه بأكرم الخصال ، وأعلاه ذروة الخُلق العظيم ، وجم له في أحسن صورة وأبدع تقويم ، وخص ه سبحانه بأنواع الاختصاص : فرباه بعنايته ، ورعاه برعايته ، فقال سبحانه : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَ وَجَدَكَ ضَالًًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًً فَأَغْنَى ) وتولى سبحانه إقراءه وتعليمه ، في حين أنه صلى الله عليه وسلم نشأ أمًياً ، فقال له سبحانه : ( اقرأ باسم ربك ) أي : لّ بدراستك ولّ بثقافتك ، وقال : ( سنقرئك فلً تنسى ) وقال : ( وعلً مك ما لم تكن تعلم ،وكان فضل الله عليك عظيماً ) . وإن مقام ( يوحى إليً ) المذكور في قوله تعالى : ( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليً ) – يلفت الأنظار إلى موضع الّعتبار ، في شأن هذا الرسول المختار ، ويشير إلى خصائص هذا النبي الكريم ، الذي هيًأه الله تعالى وأهًله ، وأعدًه وأمدًه في روحه وجسمه ، وعقله وفهمه ، وسمعه وبصره ، وسائر مداركه وجوارحه ، وجوانحه ، وأعطاه قابلية الّختصاص لأن يتلقًى الوحي بجميع طرق الوحي من رب العالمين .
عدد الصفحات ٤5 ومن ثمً لما واصل صلى الله عليه وسلم الصيام ، واصل بعض أصحابه معه ، فنهاهم عن الوصال ، فقالوا : ( نراك تواصل يا رسول الله ) ؟ فقال : ( إني لست مثلكم – وفي رواية : إني لست كهيئتكم – أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) كما جاء في الصحيحين . فهو صلى الله عليه وسلم بشر لا كالبشر ، كما أن الياقوت حجر لا كالحجر . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر العباد باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللههَ فَاتهبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللههُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللههُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فجعل سبحانه الدليل الصادق على محبته هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) أي : إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة وهذا يتطل ب البحث عن أعماله صلى الله عليه وسلم ، وعن أقواله وأحواله ، ويتطل ب التعر ف إلى سجاياه الكريمة وأخلاقه العظيمة ، ليُتأس ى به ، وليُت بع في ذلك اتباعاً كاملاً شاملاً ، إلا فيما خص ه الله تعالى به من الأحكام والأحوال . ومن ثم كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحرصون كل الحرص على تتبُّ ع أفعاله وأقواله ، وأحواله وآدابه وأخلاقه ، ليت بعوه في ذلك ، بل كانوا يحرصون كل الحرص على تتبُّع عاداته صلى الله عليه وسلم ، لأن عادات السادات هي سادات العادات ، فكيف بعادات سيد السادات عليه أفضل الصلوات والتسليمات ؟! قال العلا مة السنوسي رحمه الله تعالى في شرح مقد مته : وقد عُلم من دين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ضرورة ات باعه صلى الله عليه وسلم من غير توقُّ ف ولا نظر في جميع أقواله وأفعاله ، إلا ما قام عليه دليل اختصاصه به صلى الله عليه وسلم ، فقد خلعوا نعالهم لما خلع صلى الله عليه وسلم نعله ،
عدد الصفحات ٥6 ونزعوا خواتيمهم الذهبية لما نزع صلى الله عليه وسلم خاتم الذهب ، وحسر أبو بكر وعمر في قصة جلوسهما على البئر كما فعل عليه السلام ، وكاد يقتلُ بعضهم بعضاً من شدة الازدحام على الحلاق عندما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يحلق رأسه الشريف ، وحل من عمرته في قضية الحديبية – وكان الصحابة يبحثون البحث العظيم عن هيئات جلوسه صلى الله عليه وسلم ونومه ، وكيفية أكله وشربه ، وغير ذلك ليقتدوا به . اهـ . بل كانوا يحب ون ما يحبُّه صلى الله عليه وسلم من الطعام 1 ويكرهون ما يكره .2 وقد ذكرنا في كتابنا هذا جانباً من جوانب أخلاقه صلىعليه وسلم وآدابه وأعماله وأقواله ، وأذكاره وعباداته ، ليُ قتدى به في ذلك صلى الله عليه وسلم . الوجه الثالث : أن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يحب وا النبي صلى الله عليه وسلم فوق محبة الآباء والأبناء ، والأزواج والعشيرة ، والتجارة والأموال ، وأوعد من تخل ف عن تحقيق ذلك بالعقاب ، فقال سبحانه : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبه إِلَيْكُمْ مِنَ اللههِ وَرَ سُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبهصُوا حَتهى يَأْتِيَ اللههُ بِأَمْرِهِ وَاللههُ لَّ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَ ةٌ كما روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه ، قال أنس : فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام ، فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزاً من شعير ومرقاً فيه دباء – أي : قرع – فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتب ع الدباء فلم أزل أحب ه من يومئذ . كما ورد في صحيح مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه لما صنع طعاماً للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثوم ، فقيل لأبي أيوب : لم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أحرام هو ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ، ولكني أكرهه ) قال أبو أيوب : فإني أكره ما تكره ... الحديث )
عدد الصفحات ٦7 تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبه إِلَيْكُمْ مِنَ اللههِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبهصُوا حَتهى يَأْتِيَ اللههُ بِأَمْرِهِ وَاللههُ لَّ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) . ولّ ريب أن أسباب المحبة ترجع إلى أنواع الجمال والكمال والنوال ، كما قرره الإمام الغزالي رضي الله عنه وغيره . فإذا كان الرجل يُحبُّ لكرمه ، أو لشجاعته ، أو لحِ لمه ، أو لعِ لمه ، أو لتواضُ عه ، أو لتعبُّده وتقواه ، أو لزُ هده وورعِ ه ، أو لكمال عقلِ ه ، أو فور فهمِ ه ، أو جمال أدبه ، أو حُ سن خُلُ قه ، أو فصاحة لسانه ، أو حُ سن مُ عاشرته ، أو كثرة برًه وخيره ، أو لشفقتِ ه ورحمتِ ه ، أو نحو ذلك من صفات الكمال ... فكيف إذا تأصًلت واجتمعت هذه الصفات الكاملة وغيرها من صفات الكمال ، في رجل واحد ، وتحقًقت فيه أوصاف الكمال ومحاسن الجمال على أكمل وجوهها ، ألّ وهو السيد الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي هو مجمع صفات الكمال ومحاسن الخصال ، قد أبدع الله تعالى صورته العظيمة ، وهيئته الكريمة ، وطوى فيه أنواع الحسن والبهاء ، بحيث يقول كل من نعته : لم يُرَ قبله ولّ بعده مثله . ولذلك كان من الواجب على المكلًف أن يتعرًف إلى جمال هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، ومحاسنه الخُ لقية ، وكمالّته النفسية والروحية ، والقلبية والعقلية والعلمية ، وذلك لينال مقام محبًته الصادقة ، لأنً المعرفة هي سبب المحبة ، فكلما زادت المعرفة بمحاسن المحبوب ، زادت المحبة له . قال سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما : سألت خالي هند بن أبي هالة – وكان وصًافاً – عن حِلية النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلًق به ، فقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مُ فخًماً ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر .. ) الحديث كما سيأتي . الوجه الرابع : أن اطلًع الإنسان على أوصافه صلى الله عليه وسلم العظيمة وشمائله الكريمة – ليُ عطي صورة علمية تنطبع في القلب ، وترتسم في المُخيًلة ، كأنه قد رأى محبوبه صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٧8 فقد كان صلى الله عليه وسلم يذكُر لأصحابه أوصاف الرسل قبله ويقرًب إليهم ذلك بأشباههم ، حتى إنهم يصيرون بحال كأنهم قد رأوهم ، وذلك أقرب سبيل للتعرف بهم ، وأقرب طريق للتحبُّب فيهم . جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليلة أُسريَ بي لقيتُ موسى – قال الراوي – فنعته النبي صلى الله عليه وسلم – أي : وصفه – رجِل الرأس ، كأنه من رجال شنوءة ، قال : ولقيت عيسى – فنعته صلى الله عليه وسلم فقال : ربعة أحمر ، كأنما خرج من ديماس – يعني – الحمام – ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به .. ) الحديث . الوجه الخامس : أن في ذكر شمائله صلى الله عليه وسلم وسماع أوصافه ونعوته ، تحيا قلوب المحبين ، وتطرب أرواحهم وعقولهم ، ويزداد حُ بهم ، ويتحرك اشتياقهم . قال العارف الكبير الشيخ أبو مدين رضي الله عنه : ونحيا بذكراكم إذا لم نكن نراكم ألا إن تذكار الأحبة يُنعشنا فلولا معانيكم تراها قلوبنا إذا نحن أيقاظ وفي النوم إن غبنا لم تنا أسى من بعدكم وصبابة ولكن في المعنى معانيكم معنا يحر كنا ذكر الأحاديث عنكمُ ولولا هواكم في الحشا ما تحر كنا
عدد الصفحات ٨9 ويرحم الله القائل: أخلاي إن شط الحبيب وربعه وعز تلاقيه وناءت منازله وفاتَكُم أن تنظروه بعينكم فما فاتكم بالسمع هذي شمائله صلى الله عليه وسلم حول محاسن صورته الشريفة صلى الله عليه وسلم اعلم – عل منا الله تعالى وإياك – أن الله تعالى خلق سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم في أجمل صورة بشرية ، وأكمل خلقة آدمية ، فهو صلى الله عليه وسلم مجمع المحاسن المبدَعات ، والفضائل والكمالات الخلقية والخُلُقية ، وقد أجمعت كلمة الذين رأوه ووصفوه على أنه صلى الله عليه وسلم لم يُرَ له مثيل سابق ولا نظير لاحق . قال البراء بن عازب رضي الله عنه : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً ، وأحسنهم خُلُقاً ، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ) متفق عليه . وعنه رضي الله عنه أنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعاً ، بعيد ما بين المنكبين ، له شعر يبلغ شحمة أذنيه ، رأيته في حُلة حمراء ، لم أرَ شيئاً قطُّ أحسن منه صلى الله عليه وسلم ) رواه مسلم . وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير ولا بالطويل ، ضخم الرأس ، شثن الكفين والقدمين ، مُشرباً وجهه بحمرة ، طويل المسرُبة ، إذا مشى تكفأ كأنما يقلع من صخر ، لم أر قبله ولا بعده مثله ) رواه الإمام أحمد .
عدد الصفحات ٩10 وعن علي رضي الله عنه أنه كان إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل المُمغ ط ، ولا بالقصير المتردد ، وكان رُبعة من القوم ، ولم يكن بالجعد القَطط ، ولا بالسبط ، كان جعداً رجِلاً ، ولم يكن بالمطهم ولا بالمُكلثم ، وكان في وجهه تدوير ، أبيضُ 1 ، مُشرب بحمرة ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش والكتَد ، أجرد ، ذو مسربة ، شثن الكفين والقدمين ، إذا مشى تقلع كأنما ينحطُّ من صبب ، وإذا التفتَ التفتَ معاً ، بين كتفيه خاتم النبو ة وهو خاتم النبيين ، أجود الناس صدراً ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عِشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحب ه ، يقول ناعته : لم أرَ قبله ولا بعده مثله ) 2 وأما ما ورد في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أسمر ، فقد أعله الحافظ العراقي بالشذوذ ، وقال : هذه اللفظة – يعني أسمر – انفرد بها حميد عن أنس ، ورواه غيره من الرواة عن أنس بلفظ ( أزهر اللون ) وقد ورد وصف لونه صلى الله عليه وسلم بالبياض عن خمسة عشر صحابياً كما نب ه عليه المحققون . قال الحافظ أبو عيسى الترمذي بعدما روى هذا الحديث : سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول : سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وسلم : المُم غط : الذاهب طولاً ، وقال : سمعت أعرابياً يقول في كلامه : تمغط في نشابته أي : مد ها مداً شديداً ، فهو اسم مفعول من التمغيط ، كما حكاه في ( جامع الأصول ) عن المحدثين .وقال القسطلاني : المم غط بتشديد الميم الثانية وبكسر الغين ، اسم فاعل ،وأصله : منمغط ، فقلبت النون ميماً وأدغمت اهـ من ( شرح المواهب ) باختصار 4 : 11 . المتردد: الداخل بعضه في بعض ، وأما القطط : فالشديد الجعودة . والرجل : الذي في شعره حجونة أي : تثنٍ قليلاً . وأما المطهم : فالبادن الكثير اللحم ، والمكلثم ، المدور الوجه ، والمشرب : الذي في بياضه حمرة ، والأدعج : الشديد سواد العين ، والأهدب : الطويل الأشفار ، اي : طويل شعر الأشفار ، لأن الأشفار هي الأجفان التي تنبت عليها الأهداب . والكتد : مجتمع الكتفين ، وهو الكاهل . والمسربة : هو الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة . والشثن : الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين . والتقلع : أن يمشي بقوة ، والصبب : الحدور ، يقال : انحدرنا في صبوب وصبب . وقوله : جليل
عدد الصفحات ١٠11 وروى البيهقي وغيره1 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر ، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي ، فمرُّوا بخيمة أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية – وكانت أمُّ معبد امرأة برزة 2 جلِدة- أي : قوية – تحتبي وتجلس بفِناء الخيمة فتطعم وتسقي ( من يمرُّ بها ) فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك ، وقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القِرى – أي : ما أحوجناكم بل كنا نُ ضيفكم – وإن القوم مُرمِلون مُسنتون 3 . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كِسر– أي : جانب – خيمتها فقال : ( ما هذه الشاة يا أمَّ معبد ؟) . فقالت : شاة خل فها الجهد 4 عن الغنم. فقال صلى الله عليه وسلم : ( فهل فيها من لبن ؟) . فقالت : هي أجهد – أي : أضعف – من ذلك . فقال : ( أتأذنين لي أن أحلبها ) ؟ فقالت : إن كان بها حلب فاحلُبها – وفي رواية : نعم ، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلُبها - . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها ، وذكر اسم الله ومسح ضرعها – في رواية : ظهرها – وذكر اسم الله ، ودعا بإناء لها يُريض المشاش يريد رؤوس المناكب . والعشرة : الصحبة ، والعشير : الصاحب . والبديهة : المفاجأة . يقال بدهته بأمر أي : فجأته به اهـ ورواه الحاكم وصححه وصاحب الغيلانيات وابن عبد البر وابن شاهين وابن السكن والطبراني وغيرهم اهـ من الزرقاني على المواهب . عفيفة جليلة مسنة . أي : أصابتهم السنة الجدباء . 4 أي: منعها الهزال عن لحوق الغنم للمرعى .
عدد الصفحات ١١12 الرهط– أي : يُشبع الجماعة حتى يُريضوا 1 - وتفاج ت2 ، واجتر ت– وفي رواية – فحلب فيه ثج اً 3 حتى ملأه. فسقى أم معبد وسقى أصحابه فشربوا عَللاً بعد نَهل ، حتى إذا رووا شرب صلى الله عليه وسلم آخرهم وقال : ( ساقي القوم آخرهم شرباً ) . ثم حلب صلى الله عليه وسلم فيه ثانياً عوداً على بدءٍ فغادره – أي : تركه – عندها – وفي رواية : قال لها صلى الله عليه وسلم : ( ارفعي هذا لأبي معبدٍ إذا جاءك ) – ثم ارتحلوا . فقلما لبث – أي : ما لبث إلا قليلاً – أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عِجافاً يتساوكن هُزلاً ، مُخهنَّ 4 قليل ، فلما رأى اللبن عجب وقال : من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوب في البيت ، والشاء عازب 5 ؟! فقالت : لا والله إلا أن ه مر بنا رجل مبارك ، كان من حديثه كذا وكذا – وفي رواية : كيت وكيت – فقال : صفيه لي يا أم معبد . فقالت : رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، حسن الخَلق ، مليح الوجه ، لم تعِبه ثجلة 6 ، ، ولم تُزرِ به صعلة 7 ، ، قسيم وسيم8 ، في عينيه دَعَج9 ، وفي وفي أشفاره وطَف 10 ، وفي صوته صَحَل11 ، أحور1 ، أكحل2 ، أزجُّ ، أي : حتى يرووا من اللبن ويثقلوا فيناموا أي : فتحت ما بين رجليها . الثج : هو السيلان . 4 المخ: هو الودك الذي في العظم . أي : بعيدة عن المرعى . الثجلة : بفتح الثاء وسكون الجيم : عِظم البطن . الصعلة : بفتح الصاد وسكون العين : صغر الرأس . صفتان تدلان على الحسن . 1 الدعج: شدة سواد حدقة العين . الوطف : مفتوح الطاء : كثرة شعر الحاجبين والعينين . الصحل : بفتح الصاد والحاء : وهو كالبحة في الصوت .
عدد الصفحات ١٢13 أقرن3 ، في عنقه سطع4 ، وفي لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، كلامه فصل لا نزر5 ولا هذر6 ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، أبهى الناس وأجمله من بعيد ، وأحسنه من قريب ، ربعة ، لا تشنؤه 7 عين من طول ، ولا تقتحمه8 عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قد اً ، له رفقاء يحف ون به ، إن قال استمعوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره ، محفود محشود 9 ، لا عابس ولا مفن د10 . قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ، ولو صادفته لالتمستُ أن أصحبه ، وفي رواية : لو رأيته لات بعته – ولأجهدن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً – ثم هاجرت مع زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلما 11 . وروى مسلم والترمذي عن الجُريري– بالتصغير – أنه قال لأبي الطُفيل : رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم . قلت : كيف رأيته ؟ - الحور : أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها ، وهو المحمود والمحبوب الكحل : بفتحتين : سواد في أجفان العين خِلقة . الأقرن : هو مقرون الحاجبين ، ولكن هذا مخالف لحديث هند بن أبي هالة الذي سيأتي ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم أزج الحواجب سوابغ من غير قرن ، وهو المشهور ، وقد يجاب عن هذا : بأن بين الحاجبين الشريفين شعراً خفيفاً يظهر إذا وقع عليه غبار السفر ، وحديث أم معبد كان في حال السفر اهـ ملخصاً من شرح المواهب . 4 أي: ارتفاع وطول . النزر : بسكون الزاي : هو القليل . الهذر : بفتح الذال : الكثير . أي لا يُبغض لفرط طوله ، والمراد ليس فيه طول مبغوض إلى النفوس . أي : لا تتجاوزه إلى غيره احتقاراً 1 محفود: أي مخدوم ، والمحشود الذي عنده حشد وهم الجماعة . المفن د : الذي يكثر اللوم . انظر شرح المواهب وتاريخ ابن كثير .
عدد الصفحات ١٣14 وفي رواية الترمذي: فقلت : صفه لي – فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مليح الوجه – وفي رواية : أبيض 1 مليحاً مقص داً2 تلألؤ وجهه المنير وإشراق مُحياه كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً ، وأنورهم مُحي ا ، اجتمعت كلمة الصحابة الذين وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أنه صلى الله عليه وسلم ، كان منير الوجه ، مُشرق المحيا ، يتلألأ بالنور الباهر ، والضياء الزاهر ، والبهاء الظاهر . فمن الصحابة من ضرب المثل لبهاء نوره صلى الله عليه وسلم بالشمس ، ومنهم من شب ه ذلك بالقمر ، ومنهم من شب ه لمعة إشراقات وجهه الشريف بلمعة القمر ، وجميع هذا مما يثبت لنا إشراقات وجهه الظاهرة ، وأنواره الباهرة صلى الله عليه وسلم . وإليك الأحاديث الساطعة والأدلة القاطعة : روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ، كأن الشمس تجري في وجهه )3 . قال الإمام الغزالي رضي الله عنه: وكانوا يقولون : هو كما وصفه صاحبه أبو بكر رضي الله عنه : يعني أيضاً مشرباً بحمرة كما دلت عليه بقية الروايات . أي : متوسطاً في جميع أوصافه ، والوسط هو مجمع كمال الطرفين المتقابلين . ورواه الإمام أحمد والبيهقي وابن حبان وابن سعد : قال عمرو بن سالم الخزاعي حين قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في المسجد – يستنصره على قريش لما نقضوا العهد : يا رب إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولداً وكنا والداً ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً أبداً وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجر دا أبيض مثل البدر يسموا صعدا
عدد الصفحات ١٤15 أمينُ مصطفى للخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال : قلت للرُبي ع بنت معو ذ : صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : ( يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة ) رواه الترمذي . والبيهقي وغيرهما . وروى الترمذي من حديث هند بن أبي هالة من رواية الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : سألت خالي هند بن أبي هالة – وكان وص افاً – عن حِلية النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصِف لي منها شيئاً أتعل ق به . فقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخ ماً ، يتلألؤ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر .. ) الحديث كما سيأتي . وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان 1 وعليه حُلة حمراء ، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر ) رواه الترمذي . وعن أبي إسحق الس بيعي أنه قال : سأل رجل البراء بن عازب : أكان وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟2 . فقال: ( لا ، بل مثل القمر ) رواه البخاري والترمذي . وروى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وقال رجل : كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ فقال جابر : ( لا بل مثل الشمس والقمر ، وكان مستديراً ) 1 يقال: ليلة ضحيا وإضحيان وهي : المقمرة من أولها إلى آخرها . أي : أهو مثل السيف في اللمعان والإضاءة .
عدد الصفحات ١٥16 وفي صحيح البخاري من حديث كعب بن مالك أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُر استنار وجهه كأنه قطعة قمر .. ) الحديث . وروى البيهقي عن أبي إسحق الهمداني 2 عن امرأة من همدان سماها( أبو إسحق ) قالت : حججتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات ، فرأيتُه على بعيرٍ له يطوف بالكعبة ، بيده محجن عليه بُردان أحمران ، يكادُ يمسُّ شعره منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ، ثم يرفعه إلى فيه فيُقب له ، قال أبو إسحق : فقلت لها : شب هيه صلى الله عليه وسلم فقالت : ( كالقمر ليلة البدر ، لم أرَ قبله ولا بعده مثله ). ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة جعل أهلها يتناشدون : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع فوجهه صلى الله عليه وسلم المشرق بالأنوار ، والفياض بالمعاني والأسرار ، دليل ساطع وبرهان قاطع على أنه رسول الله تعالى حقاً وصدقاً . قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه : أو ل ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه – أي : أسرعوا إليه – فكنت فيمن جاءه ، فلما تأملت وجهه صلى الله عليه وسلم واستبنته – أي : تحق قته وتبي نته – عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب – أي : بل هو وجه إمام المرسلين – قال : فكان أول ما سمعتُ من كلامه أن قال : ( أيها الناس : أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصِلوا الأرحام ، وصل وا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) رواه الترمذي وصححه . ومن أجل ذلك قال عبد الله بن رواحة : يعني أنه وجهه صلى الله عليه وسلم مثل الشمس في الإشراق والضياء ، ومثل القمر في الملاحة والبهاء ، وفيه استدارة ، صلى الله عليه وسلم ، كما في شرح المواهب . هو السبيعي المتقدم ، وهو تابعي جليل روى له الأئمة الستة
عدد الصفحات ١٦