الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م السياسة الشرعية في النهي عن التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد إعداد أ.د. حسن بن محمد سفر أستاذ السياسة الشرعية والأنظمة المقارنة نُظم الحكم والقضاء والمرافعات الشرعية – قسم الدراسات القضائية جامعة الملك عبد العزيز المحكم القضائي الدولي المعتمد بوزارة العدل بالمملكة العربية السعودية الخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي لمنظمة التعاون الإسلامي 5341هـ/3153م
عدد الصفحات ١1 مقدمة الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، الذين قادوا مشعل الهداية وأنوار التشريع ، وخلفوا خير البرية ، وأوضحوا من منهجه صلى الله عليه وسلم التعامل الإنساني وحقوق الإنسان في جميع مناحي حياته ، تفعيلاً وتطبيقاً ، وبعد . فإن من كمال الشريعة الإسلامي ومزايا الشرع ا لمحمدي إتمام الله عز وجل على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم الأحكام في شتى مجالات الحياة من التعامل الأخلاقي الإنساني الذي جاءت به الشريعة الإسلامية نحو تحقيق السمو الخلقي وتحقيق العدالة في المعاملات الإنسانية بين الناس والأمم والشعوب ، فح ثت تعاليم الإسلام على إقامة العدل ، وحُسن الأخلاق ، والتعامل بين الأفراد والجماعات وبين المسلمين وغيرهم . وقد تختلف صور هذا العطاء في النهي عن الغدر بالمسلم وقتاله ، وحيث إن اختيار موضوع التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد موضوعاً هاماً من الموضوعات التي هي حديث الساعة وما يعيشه الإسلام دول وشعوب وأنظمة في أحول ومتغيرات قاصرة عند البعض عن فهم الشريعة .. وقد شرفت بتكليف مجمعنا الموقر لي بأن أكتب في هذا الموضوع ضمن كوكبة من العلماء والباحثين وهو إحدى موضوعات الدورة الحادية والعشرون ، وأسميت عنوان بحثي ( السياسة الشرعية في النهي عن التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد ) من منطلق الهدي التشريعي للقرآن الكريم والهدي النبوي الشريف ومصادر التشريع الإسلامي . ولتوضيح النظرية حول موضوع القتال باسم الجهاد فإنني سوف أتناول في بحثي لهذا الموضوع وفق المنهجية العلمية الشرعية والقانونية والتي تشتمل ع لى النقاط الآتية .
عدد الصفحات ٢2 أولا مصطلحات الموضوع من المقرر في عرف أهل العلم الشرعية والحقوقي أنه لا سبيل إلى فهم واستيعاب وتحليل وتبيان أي موضوع يُكتب فيه إلا بعد فهم ودراسة مصطلحاته الشرعية والقانونية . ولما كان عنوان البحث هو في فقه ومفهوم السياسة الشرعية التي مصادرها هي مصادر التشريع الإسلامي ، كان من المقتضي إيضاح وتبيان مصطلحات الدراسة : (1) السياسة الشرعية ( أ) عرَّفها الإمام ابن عقيل الحنبلي بقوله : " السياسة ما كان فعلاً من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يشرع ه الرسول صل ى الله عليه وسلم أو نزل به وحياً (1) . ( ب) وعرفها العلامة ابن نجيم وابن عابدين والشيخ خلاف بقولهم : " هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار ، مما لا يتعدى حدوداً للشريعة و أصو لها الكلية(2). فمن خلال هذه التعاريف يتضح أن الس ياسة الشرعية هي تدبير وتنظيم من قبل ولي الأمر للمحافظة على الحقوق والواجبات للإنسان والمجتمع والدولة في حقن الدماء والمحافظة على الكليات الخمس . (2) الغلو: جاء في الصحاح : غلو الأمر يغلوا غلواً أي جاوز فيه . وفي الاصطلاح التشدد في الأمور ومجاوزة الحد الطبيعي في كل شي ء ، وأشد ما يكون ذماً إذا كان في أمور الدين(3) . (3) التطرف: لغة من الطرف وهو عدم الثبوت على مرعى واحد ، واصطلاحاً هو مجاوزة الاعتدال في الأمر ولزوم طرفه بعيداً عن جمهور الأمة ومنهجها الوسط(4) . (1) انظر كتابنا " السياسة الشرعية وأنظمة الدول ة الإسلامية " : ص9 ؛ المدخل إلى السياسة الشرعية ، أستاذنا عبد العال عطوة : ص99 . (2) الطُرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص99 ؛ البحر الرائق : 5/91 ؛ رد المحتار : 5/02 ؛ السياسة الشرعية . البنا : ص90 ، السياسة الشرعية والفقه الإسلامي . الشيخ تاج : ص99 ؛ وراجع كتابنا السياسة الشرعية : ص99 . (3) انظر صحاح الجوهري ، مادة غلو : 6/0441 . (4) صحاح الجوهري ، مادة طرف ، 4/9994.
عدد الصفحات ٣3 (4) العتداء: مشتق من العدوان وهو الظلم ، يقال اعتدي عليه ، إذا ظلمه وجاوز إليه بغير حق (1) . (5) الختطاف: من خطف الشيء خطفه ، أي جذبه وأخذه واستلبه ، والاختطاف أخذ الشيء بسرعة واستلابه . وقال الفقهاء هو الاختلاس وهو أخذ الشيء علانية بسرعة . قال الإمام الشوكاني رحمه الله في فتح القدير : والخطف الأخذ بسرعة ومنه سمي الطير خطف اً لسرعته(2) . (6) الجهاد: مصدر جاهد جهاداً ومجاهدة . والجهد بمعنى المشقة والطاقة والوسع(3) .وقد ورد على لسان الفقهاء و أدبيات الموضوع تعريفات نذكر منها قول الإمام الكاساني من الحنفية قوله : بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللس ان أو غير ذلك(4) .وللإمام ابن رشد من فقهاء المالكية القول بأنه المبالغة في إتعاب النفس في ذات الله وإعلاء كلمته التي جعلها الله طريقاً إلى الجنة وسبيلاً إليها(5) .وللإمام الباجوري من الشافعية القول بأنه القتال في سبيل الله لإقامة الدين(6) .وقال الإمامالبهوتي من فقهاء الحنابلة الحنابلة هو قتال الكفار(7) . ومن خلال ما تقدميتبين أن الجهاد الذي قصده جمهرة من جهابذة العلماء والفقهاء في أدبياتهم هو قتال الكفار المبني على المفهوم في الشريعة الإسلامية أخذاً من مصادر التشريع الإسلامي (8) وأنه يشمل البيان والدعوة باللسان والقتال بالسيف والسنان . ولكل نوع من هذه الأنواع والتقسيمات أسبابه وأدواته وعدته (9) . . قال الإمام السبكي: " وقد أمرنا الله بالجهاد في نصرة دينه إلا أن سلاح العالم علمه ولسانه ، كما أن سلاح الملك سيفه وسنانه ، فكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن الملحدين والمشركين لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين فمن ناضل عن الله وأظهر دين الله كان جديراً أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام ، ويعزه بعزه الذي لا يضام ، ويحوطه بركنه الذي لا يرام ، ويحفظه من جميع الأنام "(10) .وللإمام شيخ (1) انظر المفردات . الراغب : ص904 ؛ معجم المصطلحات الفقهية: 9/004 . (2) انظر المصباح المن. الفيومي : 9/092 ؛ طلبة الطلبة: ص000 ؛ معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية : 9/96 . (3) انظر المصباح المن: 9/955 ؛ المطلع على أبواب المقنع: ص029 . (4) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : 2/92 ؛ حاشية رد المحتار على الدر المختار : 4/909 . (5) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات : 9/059 . (6) حاشية الباجوري : 0/069 ؛ حاشية الشرقاوي : 0/099 . (7) كشاف القناع على متن الاقناع : 9/90 ؛ الروض المربع بشرح زاد المستنقع : 9/926 . (8) انظر كتابنا المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية وتاريخ التشريع الإسلامي تاريخه ومصادره : ص49 . (9) انظر زاد المعاد : 0/40. (10) طبقات الشافعية: 5/92 .
عدد الصفحات ٤4 الإسلام ابن تيميةكلام نفيس للأمر بالجهاد فقال : " منه ما يكون بالقلب ، والدعوة ، والحجة ، والبيان ، والرأي ، والتدبير ، والبدن "(1) . وهكذا نجد أن للفقهاء وقفات مع مفهوم الجهادفلا ينصرف إلى التقاتل مباشرة بل له درجات ومراحل ، ومن هنا أشار بعض فقهاء السياسة الشرعية والأحكا م السلطانية في كُتبهم إلى ولايته . (1) الإنصاف. المرداوي : 4/996 .
عدد الصفحات ٥5 اهتمام فقهاء السياسة الشرعية والأحكام السلطانية بولية الجهاد وإمارته تسييراا وتدبيراا الإمام الماوردي ، وأبي يعلى الحنبلي أنموذجاا اهتم فقهاء السياسة الشرعية والأحكام السلطانية بأمر الجهاد ، كون البعض قد عاصرها وعايشها فقعد القواعد وأرشد إلى إمارتها ، فمن هؤلاء الإمام العلامة الشيخ أبي الحسن الماوردي (452هـ) ، والعلامة الشيخ القاضي أبي يعلي الحنبلي (451هـ) اللذان عقدا في كتابيهما الأحكام السلطانية والولايات الدينية باباً في تقليد الإمارة على الجهاد وأحكامها(1) . استهل امامين الباب مشيرين إلى أن الإمارة على الجهاد ختتصة بقتال المشركين وهي على ضربين : أحدهما أن تكون مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب ، وهي الإمارة الخاصة ، والضرب الثاني : أن يُفوض إلى الأمير فيها جميع أحكامها ومنها عقد الصلاح ، وهذه هي الإمارة العامة ، مُ رشدين الأمراء بتيسير الجند والعسكر و، رسم الخطط ، والرفق في السير ، ومر اعاة المقاتلة ، وتصفح الأحوال ، وإخرا ج المتخاذلين والعيون وكذا المتطرفين ، وعدم ممالاة البعض دن الآخر ، وأن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل ، وأن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تبارك وتعالى من حقو قه وأمر به من حدوده ، وعدم انصراف الاهتمام عن مصابرة العدو وصدق النية في الجهاد(2) . ومن خلال هذه الأدبيات الشرعية في السياسة الجهادية يتضح رؤى هذين الفقيهين لمفهوم وواجبات المجاهدين وفيه دلالات على اهتمام العلماء والفقهاء بهذه السياسة الإسلامية ، وإجلاء ا لنظر في مفاهيم الجهاد والتقاتل باسمه ، كما سيتم توضح ذلك من تبيان لبعض الأمور عن النحو الآتي : التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد : في ظل ما تشهده المجتمعات الإسلامية والعربية المعاصرة وأنظمتها من الموجات المتلاحقة والاضطرابات المتنوعة والصراعات الشرعية والس ياسة ، التي تُنذر بغيوم داكنة وشرور آثمة ، تتفيأ هلاكها ودماره ا و تخريب بناءة الإنسانية ووحدته ا الإسلامية وفقدان شعار إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة (3) . وما كان ذلك يحدث وحدث إلا نتيجة الفهم القاصر والنظرة الضيقة بمقاصد الشريعة الإسلامية وأهدافها(4) ، وعدم إدراكهم لسماحتها وتجنب لغايتها النبيلة العظيمة ، ومجافاة لتطبيقها وتغليب المصا الشخصية على المصالح العامة للأمة الإسلامية . (1) انظر الإمامين الماوردي وأبي يعلى . فقهي الحكم والسياسة : ص00 . (2) الأحكام السلطانية للإمام الماوردي : ص19 ؛ الأحكام السلطانية للإمام أبي يعلى الحنبلي: ص99 ؛ وانظر الجهاد من الهجرة إلى الد عوة إلى الدولة . محمد الرحموني : ص69 . (3) الحجرات : 92 . (4) انظر دفاع عن الشريعة . العلامة علال الفاسي : ص99 ؛ مقاصد الشريعة الإسلامية تأصيلاً وتفعيلاً . جيب : ص026 .
عدد الصفحات ٦6 الحمل للسلاح والتقاتل باسم الإسلام : وإنه لمن العجب العُجاب والشرع المنحرف عن منهج الإسلام أن يتذرع الداعون والمروجون لأفكارهم الشاذة المريضة أن حملهم للسلاح واتخاذهم قانون وشريعة التقاتل وسيلة إلى ما يدعون ويزعمون بأنهم المجاهدون في سبيل الله(1) ، وإن فعلهم هذا المتمثل في اجترائهم على الحرمات وسفكهم للدماء وانغماسهم في العدو أو في بني جلدتهم ، والتخطيط للعمليات الانتحارية بهد ف القتل وإراقة الدماء واعتدا ئهم على الأعراض والأموال إنما هو تطبيق لشرع الله ، وتنظيف المجتمعات من جاهلية القرن العشرون هو واجب من واجبات الجهاد(2) الذي شرعه الدين وحث عليه ودعا إليه في كثير من نصوص القرآن الكريم والسُنة النبوية الشريفة ، وما سار عليه الرا شدون ومن سلك نهجهم من السلف الصالح ، لإعزاز الدين ونصرة شريعة سيد المرسلين ودعوته للعالمين ، والدفع عن عزته وأمنه (3) . السياسة الشرعية والجهاد الصحيح: والمتأمل في نصوص الشريعة الإسلامية وآداب الحرب (4) ، والمتبع لهديها ولنهجها التشريعي في كافة مجالاتها السياسة والسلطانية والعسكرية والأدبية في المعاهدات والحروب (5) والدفاع الشرعي يرى تناقضاً واضحاً بين ما يتذرع به المتقاتلين باسم الجهاد والدفاع الشرعي من حجج واهية ومزاعم باطلة لا سند لها من الشرع الحكيم ، ولا دليل عليها من وحي الله وسمو شرعه (6) . فهم يبررون مسلكهم المشين وأفعالهم المحرمة والضارة بأن ذلك جهاد ونصرة للدين . وصداً عن ذلك يأتي هذا البحث مستهدفاً جلاء هذا الزعم الباطل والفكر المعوج والمنطق المنحرف في الإفصاح والإيضاح عن مفهوم الجهاد في الإسلام ، وما يرتبط بذلك من مسائل تحت إطار السياسة الشرعية من مكارم وأخلاق وسلوك وآداب وعدل وإنصاف ، وما يرتبط بالجوانب التشريعية والحقوقية القانونية ، إحقاقاً للحق وتبياناً للشرع وهديه (7) ، وإسهاما في مجال التبصير والتنوير بحقيقة المفاهيم الشرعية المرتبطة بالسياسة الشرعية في تحرير مفهوم الجهاد الصحيح والتي تصون النظ رات الإنسانية في مجال العلاقات الدولية الإسلامية وتعصمها من الجنوح وتدفع بها إلى ما يراد لها من حاضر آمن وطمأنينة ومستقبل زاهر لا انحراف فيه عن فِطْر ة اللَّهِ الَّتيِ ف ط ر النَّاس ع ل يـْه ا ، امتثالاً لأمر الشارع الحكيم في قوله تعالي : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (1) انظر الجهاد والقتال في السياسة الشرعية . محمد خير هكيل : 9/99 . (2) المناهج الأصولية : ص099 . (3) راجع بتأمل الدفاع الشرعي في الفقه والقانون : ص19 ،92 . (4) انظر القانون الدو الإسلامي في السلام والحرب . مجيد خدوري : ص965 . (5) العلاقات الدولية في القرآن والسُنة. محمد الحسن : ص990 ؛ وكتابنا السفارات في النظام الإسلامي : ص45 . (6) انظر القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي . علوان : ص999 . (7) انظر الجوانب التشريعية والحقوقية في الشريعة والقانون العلمي : ص09 .
عدد الصفحات ٧7 حَنِيفاا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَي ْهَا لَ ت َبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْث َرَ النَّا سِ لَ ي َعْلَمُونَ (1) . مفهوم الجهاد: الجهاد مأخوذ من بذل الجهد وهو القوة . فالمجاهد يبذل جهداً يحس فيه بجهد قد بذله وبقوة يحس فيها أو بعدها بتعب ، ويراد بالجهاد في حقيقته البذل لنيل مرغوب فيه ثمرته الأجر والثواب من الله تبارك وتعالى (2)، أو دفع مرغوب عنه لجلب الخير أو دفع الشر (3) ، أي تحقيق النفع ومنع الضرر وذلك يكون بأي وسيلة من الوسائل وفي أي ميدان من الميادين وفي السلم والحرب (4) ، مع السواء. ولا يتحتم أن يكون بالقتال وحمل السلاح . فهو يرد في مجالات عدة منها : جهاد النفس والشيطان ، وجهاد الفقر والجهل والمرض ، وجهاد البشر فقد أشار إلى ذلك الحق تبارك وتعالى بقوله : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَن َهْدِي َن َّهُمْ سُب ُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (5) .وقال في جهاد النفس: قَدْ أَف ْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (6) .و الحديث النبوي الشريف في جهاد النفس قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : « رجعنا من الجهاد الأصغر إ الجهاد الأكبر جهاد النفس » .أما جهاد الفقر فيكون بالعمل لكسب المال للعيش والتقوت به. ومن جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرشد أمته إلى أن يسألوا الله تعالى العفو والعافية والمعافاة ، كما استعاذ صلوات الله وسلامه عليه من الفقر والجوع ، ليتبين من هذا الهدي النبوي لمفهوم الجهاد الصور المرشدة والعطاء الخيري لهذه الأمة المحمدية . الجهاد وإناطة إعلانه لولي الأمر : لا يمكن حصر أنواع الجهاد بل هو روافد للخير واجتناب للشر ، متعدد المشارب والغايات والتنوع . ولكن من أهم أنواعه وأعظمها منزلة وأشرفها غاية الج هاد في سبيل الله ، ويعرف في الشرع بما يرادف الحرب لإعلاء كلمة الله تعالى ، ووسيلته حمل السلاح للقادر عليه وما يتصل بذلك من إعداد وتموين وتخطيط ، ويشترك فيه عدد كبير من الأمة (7) .وقد جاءت الآيات التشريعية في القرآن العظيم والسُنة التفسيرية بالكث من الآيات والأحاديث للأمر بهذا النوع ذي المرتبة العليا فشجعت عليه وأمرت به وحثت عليه ، فقال تعالى : انْفِرُواْ خِفَافاا وَثِقَالا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (8) . (1) الروم: 92 . (2) بدائع الصنائع. الكاساني : 2/91 . (3) القاموس الفقهي: ص29 . (4) راجع الحرب والسلم في شرعة الإسلام . البرو فيسور مجيد خدوري : ص999 ، الدار المتحدة. (5) العنكبوت: 69 . (6) الشمس: 9 ،92 . (7) انظر حقيقة الجهاد وأطواره . الشيخ عبد القادر شيبة الحمد : ص905 ، ندوات رابط ة العالم الإسلامي ، 9911هـ. (8) التوبة: 49 .
عدد الصفحات ٨8 والجهاد فرض عين على كل قادر عليه إن أغار على المسلمين العدو أو اعتدي عليهم ، وفرض كفاية إن لم يكن سلك طريق الإغارة على المسلمين وأرضهم وديارهم ، ولهذا قال الفقهاء : وإذا استنفر الإمام القوم وجب الامتثال لأمر الخروج ونداء السلطان أو ولي أمر المسلمين يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاق َلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّن ْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّن ْيَا فِي الآخِرَةِ (1) . فالجهاد في كل الأوقات والظروف ليس منوط بالأشخاص ليخرجوا إليه من عند أنفسهم ، بل هو منوط بولي أمر المسلمين الذي عُقد له البيعة الشرعية فيُسمع ويُطاع أمره ولا يُعصى فيما أمر أو نهى إلا إذا كان في معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . أما من يدعوا ويحرض الشباب ويشعل الفتن ويقلب الرأي العام ويشق عصى الطاعة على الإمام ويدعو الشباب للجهاد فهو تغرير بهم و زجهم إلى الهوى والعصيان . لذلك ليس لأي شخص كائناً من كان أن يدعو الناس والشباب ويغرر بذوي الأحلام والأحداث إلى الخروج للجهاد والمقاتلة فإن فِعل هؤلاء يعد أفتيات وتطاول على سلطة ولي الأمر . وقد أولى فقهاء السياسة الشرعية والأحكام السلطانية هذا الأمر جل اهتمامهم وبيانهم وأوجبوا أن من اختصاصات الإمام هو إقامة علم الجهاد وقتل أهل الزيغ والفساد ومن خالف وغرر بالناس فقد تعدى على اختصاصات ولي الأمر في الدولة الإسلامية فيجب على السلطان والسلطة الحاكمة أن تحاكم هؤلاء وتكف أذاهم وتحريضهم على العصيان والتمرد على طاعة ولي الأمر وتحاكمهم محاكمة شرعية على هذه الإفتيات وتجاوز الصلاحيات المنوطة بولي أمر المسلمين(2) .فالحقيقة المؤكدة في النظام الشرعي السياسي الإسلامي إن إعلان الجهاد أو الحرب على الأعداء لا يكون إلا عن طريق ولي الأمر ( الحاكم ، الخليفة ، الإمام ، أمير المؤمنين ) (3) ، قال الإمام الخرقي : " ولا يخرجون إلى العدو إلا بإذن الأمير "(4) .فاشترط إذن السلطان أو الأمير في الجهاد الذي هو فرض عين ، قال قال الإمام الزركشي : " لا يجوز الخروج إلى العدو إلا بإذن الأمير إذ أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بأمورها ومكامن العدو(5) ،وقال الإمام ابن قدامة : " وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجته ـــــاده وي لزم الرعية طاعته فهو الذي يناط به الدفاع عن البيضة وحفظ العقيدة والدفع عن حياضها وهو الذي وكل إليه المسلمون الرعية قيادة الأمة والسهر على مصالحها وحماية العقيدة من أي سوء أو خطر يقع على الرعية وذلك أمر أشار إليه فقهاء السياسة الشرعية والأحكام السلطانية ويعد من بديهيات وأساسيات نظام الحكم في الإسلام "(6) . (1) التوبة: 91 . (2) سلطة ولي الأمر في الدولةوتنظيم الحقوق ، دراسة مقارنة . عمر محمد إبراهيم : ص924 ، طبعة النجاح ، تونس 9499هـ. (3) انظر كتابنا النظام السياسي والقانون الدستوري في الإسلام : ص45 . (4) انظر الخرقي : 9/520 . (5) ينظر كلامه في شرح الزركشي على ا : 6/452 . (6) انظر تحرير الأحكام في ت دبير أهل الإسلام . الإمام ابن جماعة : ص99 .
عدد الصفحات ٩9 الجنوح إلى السلم ل الحر ب ول القتال : لما كان الإسلام دين السلم والسلام فقد شرع الجنوح إلى السلم أو أي وسيلة ضد أي عمل فيه قتل واقتتال وسفك للدماء ، وجعل هناك وسيلة لانتهاء القتال إما من قبل المسلمين ، أو من قبل الأعداء أو كليهما معاً . فأما من جانب ترك القتال من جهة المسلمين فقد أجاز الفقهاء ترك الصلح أو الانسحاب أو الفراغ أو الانهزام (1) ، وذلك في حالة غلبة الظن والقتل مع العجز عن القتال ، أو إذا لحق بالمسلمين ودولتهم من العدو ما لا يطيق ، أو إذا كان الثبات يؤدي إلى الهلاك ، أو إذا نفد السلاح أو كان غير ملائم لمجابهة أسلحة الأعداء خصوصاً في وقتنا الحاضر كأسلحة الدمار الشامل وغيرها . والأدلة على جواز ترك المسلمين القتال عند وجود هذه الم قتضيات كثيرة ، منها ما حدث في ترك المسلمين الحرب في مؤتة و قوله صلى الله عليه وسلم لمن ترك سرية قبل نجد وقدموا المدينة « أنهمالعفارون في سبيل الله ، وأنا لكم ، فئة لترجعوا معي إلى الجهاد في سبيل الله » ، وأما ترك الأعداء لقتال المسلمين للفرار أو الانسحاب أ و الإعراض أو بأي شكل من أشكال القتال فقد قال تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاا (2) ، وقال صلى ا عليه وسلم : « لا تتمنوا لقاء العدو»(3) ، ويكون الجنوح للسلم عن طريق الموادعة والمعاهدة والصلح (4) المؤقت والمسالمة . وقد نظم الفقه الإسلامي في مجال العلاقات الدولية في السلم والحرب أمور المهادنة أو الهدنة فوضح ما يتعلق بمدتها وآثارها وما يكون لها من مقابل وأحكام نقضها من جائز في التشريع الحربي الإسلامي أو من غيرها(5) . النحراف عن مفهوم الجهاد في الشرع الإس مي : إن مما يؤسف له على الساحة اليوم هو هذا الجنوح الذي ضاق بالمجتمعات الإسلامية من صور الاقتتال المتعددة ، وصنوف المنازعات والتي يلبسها البعض ثوب الجهاد زوراً وبهتاناً لعدم فهمهم لمفهوم الجهاد في الإسلام(6) . ولقد كان جميلاً من المستشرق البريطاني السير ت وماس أرنولد أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعات البريطانية أن يحلل هذه النظرات إلى الجهاد بالقول " إنه ليس صحيحاً أن ينظر إلى الجهاد في الإسلام على أنه حرب عدوانية " . وقد أرجع هذا الادعاء إلى أن بعض الفقهاء الذين ينتسبون إلى الإسلام فهمهم قاصر وأن (1) انظر قانون السلام في الإسلام. دراسة مقارنة . محمد طلعت الغنيمي : ص99 ، منشأة المعارف ، الإسكندرية . (2) الأحزاب : 05 . (3) صحيح الإمام البخاري . (4) انظر المصالحات والعهود في السياسة الشرعية . محي الدين عيسى : ص909 . (5) انظر ابن قدامة. المُغني : 5/99 . (6) انظر الجهاد في الإسلام المفهوم والتطبيق. راشد العلي : ص995.
عدد الصفحات ١٠11 تلك النظ رة لا أساس لها من القرآن وإنما ترجع إلى اجتزاء بعض الآيات من قبل المنتسبين إلى الشريعة الإسلامية من مواقعها عن كامل مضمونها (1) .وقد تنوعت صور هذا الاقتتال بين المسلمين ومن أهمهاما تشهده بعض المجتمعات الإسلامية من حرب طاغية وعدوان سافر تشنها الفئات المتصارعة باسم الجهاد ، وهو أمر في الحقيقة بعيداً عن فلسفة الجهاد الذي يقره الإسلام(2) .فالحرب الإسلامية التي تعد جهاداً سبيل الله والتي من أحكامها أن الشهداء لا يغسلون ولا يصلي عليهم وه م أحياء(3) عند ربهم يرزقون هي الحرب بين المسلمين والكفار والتي يأذن فيها الإسلام ، وبدون ذلك لا تكون جهاداً في سبيل الله ، كما أن السبيل إلى درء هذا التدافع الظالم لأهله هو على أئمة الإسلام وحكام المسلمين وأهل الحل والعقد في الأمة المحمدية ألا يقفوا موقف المتفرج أو الشامت أو المسرور والمعارك تطحن المتخاصمين وتفتك بالزرع والضرع وتهلك الحرث والنسل . فذلك بلادة في الحس وغموض في العاطفة والتواد وضعف في الإيمان . وقد حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم على المنهج السديد والتوجه الصائب لعلاج ذلك التعدي والفتك فقال عليه الصلاة والسلام : « انصر أخاك صالماً أو مظلوماً ، قالوا يا رسول الله كيف ننصره ظالما ، قال : تحجزه عن ظلمه فإن ذلك نصره »(4) .وقد أبان فقه الحرب والجهاد والاقتتال أن الواجب في قتلى هذه المعارك معاملتهم مثل بقية موتى المسلمين والصلاة عليهم ، وإذا كانوا متطوعين في هذه الحروب فهم آثمون ، وإذا كانوا مكروهين فالإثم على من أكرههم أو دفع بهم(5) . وكل حالة تصنف وفق مقاصدها عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم« إنما الأعمال بالنيات » ، وبالقاعدة الفقهية" الأمور بمقاصدها " . (1) انظر السير توماس أرنولد ARNOLD SIR THOAS_Tee Preaching of Islam ,1935 . (2) فلسفة المجاهد. محاضرات ابن باديس : ص49 . (3) انظر أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي : ص96 . (4) صحيح الإمام البخاري . (5) انظر ابن قدامة. المُغني : 5/99 .
عدد الصفحات ١١11 العمليات القتالية التي تُفعل باسم الجهاد ضد المسلمين وغيرهم أبانت كُتب السياسة الشرعية أن هناك أفعال ترتكب باسم الجهاد ولا بد من الوقوف على بعضها للتنوير والتوضيح من ذلك : أولا : الصيال : عد الفقهاء ما يدخل في مجال الاقتتال بين المسلمين ما يعرف في الفقه الإسلامي باسم الصيال ، ويراد الصائل شرعا : كل من قصد مسلماً بأذى في جسمه أو عرضه أو ماله(1) . وقد تضمنت النصوص الشرعية الإشارة إلى أدلة العدوان كقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَات َّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (2) ، وقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : « من قُتل دون أهله فهو شهيد ، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد »(3) . ويرد الصيال في العدوان على النفس فقصد القتل أو الإضرار بالجسم بجرح ونحوه والصائل أما أن يكون معصوم الدم كالمسلم والذمي والمعاهد (4) ،إذا قُ تل فدمه هدر لا قصاص فيه ولا دية ، وكذلك إ ذا كان غير معصوم الدم بالطرف المعتد ى عليه أن يبدأ مباشرة بقتله وليس عليه أن ينذره أن يبدأ بالأخف ثم الأشد . ثانياا : البغاة : ويدخل في عداد اقتتال المسلمين ما يعرف في الفقه السياسي الإسلامي بالبغاة ، ويقصد بهم : جماعة من المسلمين خرجوا على إمام المسلمين وتم ردوا على أوامره ، أو منعوا حقاً من حقوق الله سواء كان هذا الحق لله أم للناس(5) . وحكم البغاة أنه ب على إمام المسلمين إذا ظهرت بادرة البغي من أي فئة من فئات المسلمين أن يندب لهم من يسألهم عن سبب خروجهم وفي عنقهم بيعة لإمامهم (6) ، فإن ذكروا سبباً يمكن إزالته وجب إجابتهم كرد مظالم وتعدي ، وإن لم يكن ذلك وعظهم وخوَّفهم بالقتال وأمرهم بالعودة إلى لزوم الطاعة وعدم شق عصى الطاعة ، فإن لم يتعظو ا أعلمهم بالقتال ، فإن أبوا وأصروا وجب عليه قتالهم . وقد أشار الإمام ابن (1) انظركتابنا معجم المصطلحات الفقهية في الفقه السياسي الإسلامي : ص09 . (2) البقرة : 991 . (3) أخرجه الإمام البخاري . (4) المُغ: 6/092 . (5) انظر كتابنا معجم ا صطلحات الفقهية في الفقه القضائي الإسلامي : ص51 . (6) الأم: 9/449 .
عدد الصفحات ١٢12 عبد الهادي المقدسي الحنبلي في كتابه " مُغني ذوي الأفهام " بقوله : " وكل قوم خرجوا على الإمام بتأويل سائغ ولهم منعة وشوكة يلا طفون ويردون بكل ممكن ويزيل ما لهم من ظلامه ويكشف كل شبهة فإن لم يرجعوا قاتلهم ويجب على الرعية مساعدته ولا يقاتلهم بما يعم إتلافه ، ولا يستعين عليهم بكافر بل بالرعية ولا يتبع لهم دبراً ، ولا يقتل جريحاً وإن اقتتلت طائفتان لعصبية وطلب رئاسة يأثم الكل "(1 . )وقد أبان فقهاء السياسة الشرعية أن الحكمة من وجوب قتالهم هو استتباب الأمر والأمن بالإمام بعد صحة إمامته على المسلمين وخضوعهم لأمر ولي الأمر عملاً بالطاعة وعدم المعصية(2) . ثالثاا: العمليات القتالية أو الستشهادية ضد المسلمين وغيرهم : العمليات القتالية أو ما تسمى بالاستشهادية والتي حدثت وما زالت تمارس في أنحاء العالم ، وخصوصاً في العالم الغربي والعربي والإسلامي ، احتلت كثيراً من أدبيات الجهاد عند الباحثين والنقاد خصوصاً الفكر الغربي، كونها تمثل أنماط متطو رة وجديدة في النزاعات والخلافات ، خصوصاً في الجانب السياسي عند بعض الجماعات والتنظيمات(3) ، وهي أعمال يقوم بها المحارب باسم الجهاد ضد العدو تُعرّضه وغيره للقتل ولها من آثار التدمير وتفرز تهديداً ورُعباً ، وشرع الإعلام الغربي رصدها بهجمات شرسة على منفذيها من المسلمين واصفين فاعليها بأنهم إنتحاريون إرهابيون أو قتاليون إلى غير ذلك من الأوصاف التي شوهت بها نُظم الإسلام وشريعته ظلماً وعدواناً لأن فيها قتلاً للنفس وتدمير للغير من الأبرياء وتحمل صور من الإرهاب كما زعم الفكر والإعلام الغربي(4) . وقد أحدثت بعض الفتاوى من المجيزين والمجوزين بلبلة واضطرابات في الفهم بشأن هذه العمليات القتالية أو الاستشهادية التي تقع نتيجة عدم وض و ح الرؤى والضوابط في بناء أحكامها وفهمت على أنها استباحة للقتل المتعمد للمدنين والأطفال والنساء والشيوخ وأهل الذمة وا لمستأمنين وإبادة مدن وقرى وهلاك للحرث والنسل وخراب للبلاد والعباد ، كما أدت إلى تفويت الفرصة للحوار وإضاعة الحقوق و ذر ائعاً إصرارية متعمدة ، لتمييع القضايا والحقوق ، ووصم الإسلام وأهله والعرب وأتباعهم بالعنف والإرهاب ، وإسكات صوت الحكمة والتعقل ، وأنه من منطلق النهل من مصادر التشريع (5) الإسلامي واستقرا ء لنصوص الشريعة (1) مُغني ذوي الأفهام: ص959 (2) انظر السياسة التشريعية الجنائية في النظام الإسلامي . حسن بن محمد سفر : ص99 . (3) انظر الهجوم والحرب على الإرهاب . تأليف دانيال بنجامين ، وسايمون U.S.A 2005 , The Next Attack . (4) انظر بحثنا الإرهاب والعنف في ميزان الشريعة الإسلامية والقانون الدو : ص904 ، مجلة البحوث القانونية ، عدد 0220 ، كلية الحقوق ، جامعة القاهرة . (5) المرجع السابق : ص901 ؛ راجع العمليات الاستشهادية صورها وأحكامها . هاني بن جبير : ص09 ، دار الفضيلة ؛ دراسة للعمليات الاستشهادية من منظور السياسة الشرعية . سامي الصالحات : ص992 ، مجلة كلية الشريعة ، جامعة الكويت ، العدد 52 ،9405 ؛ راجع ندوة تحريم العمليات الانتحارية للحد من الإرهاب المدمر للإنسانية : ص91 ، لندن ، العدد 9159 ،0225م.
عدد الصفحات ١٣13 ومقاصد التشريع الأخذ بالسياسة الشرعية والعمل بها من قواعد الحرب وآدابها الإسلامية وجوب تجريمها وتحريمها (1) ، وهذا ما يتفق القانون الدولي والعلاقات الدولية الإنسانية فيه مع الشريعة الإ سلامية(2) . (1) انظر العمليات الاستشهادية وآراء الفقهاء فيها . محمد سعيد غبية : ص69 ، دار المكتبي ، سورية ؛ انظر مقاصد الشريعة ومكارمها الأخلاقية الإنسانية : ص09 (2) الشريعة الإسلامية والقانون الدو . علي علي منصور : ص992 ؛ قواعد العلاقات الدولية في القانون الدولي والشريعة الإسلامية . جعفر عبد السلام : ص959 .
عدد الصفحات ١٤14 المملكة العربية السعودية والدول العربية ومكافحة الإرهاب تنهج المملكة العربية السعودية والتي اختار لها الله أن تحتضن وترعى فوق أرضها وبين دفتي قلبها أشرف البقاع وأطهر الأماكن المقدسة الحرمين الشريفين " بيت الله الحرام ومسجد رسوله سيد الأنام " نهجاً إسلامياً يطبق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة ويحارب كل ما يخلافها فعلاً وسلوكاً وعملاً . ولما كان الإرهاب والعنف بكافة أشكاله ، وبمختلف صوره ، والتطرف بمجاوزته الاعتدال ليس من الإسلام ، والإسلام برئ منه وقفت المملكة وأشقائها من الدول الع ربية موقفاً قاطعاً حاسماً من ظاهرة الإرهاب وناشدت العالم أجمع لتقويض ظواهره ومكافحته (1) . كما لعبت المملكة دوراً مهماً في صياغة الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب واعتبرت أن ما يقوم به الإرهابيون من صور إجرامية وأفعال ترويعية وأخطار على الأمن والسلام العالم يين يفوق أعمال المحاربين وهو يعتبر ضرب من ضروب الإفساد في الارض يطبق فيه على الجاني إزاء ذلك أعلى درجات عقوبة الحرابة . وقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بيان في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء من تاريخ 0/4/9499هـ أشار فيه أن المجلس " درس ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير ، وما ينشأ عنه من سفك للدماء وتخريب للمنشآت ، ونظراً إلى خطورة هذا الأمر وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة ، وإتلاف أموال معصومة ، وإخافة للناس وزعزعة لأمنهم واستقرارهم فقد رأى المجلس أن ما نجم عن هذا من استباحة الدماء وانتهاك الأعراض وسلب الأموال الخاصة والعامة وتفجير المساكن والمركبات ، وتخريب المنشآت ، فهذه الأعمال وأمثالها محرمة شرعاً بإجماع المسلمين لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة وهتك لحرمة الأموال وهتك لحر مات الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مســاكنهم ومعايشـهم وغدوهم ورواحهم ، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها . وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها وشدد في ذلك ، وإن ما يجر ي في بعض البلدان من س فك للدماء البريئة وتفجير للمساكن والمركبات والمرافق العامة والخاصة وتخريب للمنشآت هو عمل إجرامي والإسلام بريء منه "(2) . كما أكد علماء المسلمين في كل مكان عن شجبهم المطلق لما يرتكبه بعض المغامرين من جرائم إرهابية تسيء إلى الإسلام وتجعل المسلمين في كل مكان عرضة للانتقام والاضطهاد . وأكدوا في بيانات لهم صدرت عقب الأحداث الإرهابية التفجيرية أن من أعظم الكبائر المحرمة التي شددت الشريعة الإسلامية على حرمتها (1) انظر المملكة العربية السعودية ومكافحة الإرهاب . عزت مراد : ص912 ، ط9409 ،0220م. (2) بيان مجلس هيئة كبار العلماء . مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 56 ،9499 ،9402 :ص952 ، تصدر عن رئاسة إدارة البحوث العلمية والإ فتاء ، الرياض .
عدد الصفحات ١٥15 وأكدت على ضرورة اجتنابها سلب الأمن أو الراحة عن الناس وإرعابهم وإخافتهم سواء كانوا مسلمين أو غ مسلمين(1) . فالشريعة الإسلامية والقانون الدولي يتبرأن من الإفساد والإجرام كما تأباه الفطرة السليمة . فكل من ثبت شرعاً إنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الارض التي تزعزع الأمن بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة كنسف المساكن أو المساجد أو المدار س أو المستشفيات والمصانع والجسور وختازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنابيب البترول ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك ، فإن عقوبته القتل لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد ، ولأن خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله ، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة (2) .فأي إفساد وإجرام وترويع وإرهاب للناس تحرمه الشريعة الإسلامية والقانون الدو . (1) انظر البيان الختامي للمؤتمر الثاني عشر لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف : ص9 ؛ كتيب البيان ملحق بمجلة الأزهر ، الجزء الثالث ، السنة الخامسة والسبعون ، ربيع الأول 9499هـ/يونيو 0220م. (2) راجع بيان مجلس هيئة كبار العلماء رقم 941 ،وتاريخ 90/29/9429هـ: ص914 ، مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 04 ،9499 ، تصدر عن رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ، الرياض .
عدد الصفحات ١٦