إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. { { رِجَالً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتـَّقُوا اللََّ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالَْرْحَامَ إِنَّ اللََّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً { وَمَنْ يُطِعِ اللََّ وَرَسُولَهُ فـَقَدْ فَازَ فـَوْزاً عَظِيماً أما بعد.. فما جعل الله من داء إلا وجعل له دواء، واسمع قول النبي ﷺ: « وفي لفظ البخاري « وزاد أحمد ِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه « وفي هذا الحديث حثٌّ على طلب الدواء والتفتيش عنه، فإن المريض إذا أيقن أن لكل مرض دواءً، قويت في قلبه بواعث الرجاء، وتعلق بأسباب الشفاء، وانطفأت عنده نيران اليأس،وكان هذا من أهم عوامل تعافيه. ويشمل هذا الأدواء الحسية والمعنوية، فالطب نوعان: جسماني وروحاني، والأول محل اهتمام الأطباء، وأما الثاني فمهمة الرسل بما أوحى الله به إليهم. وقد أنزل الله الوحي على النبي ﷺ بالقرآن ليكون شفاء ورحمة للمؤمنين، فبدَّد ظلام الشبهات والشهوات، وشفى من الأمراض والآفات، وبدلا من أن يكون العبد أسير شهوة صار خادم فكرة، وبدلا من أن يكون عبدا للمال أو الجاه صار عبدا لله مولاه، وكان الوحي الرباني علاجا لما كان في الجاهلية من أمراض. وقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى أدوية أخرى كثيرة بحسب حال كل شخص وظروفه، حيث كان مخالطا لأصحابه، فيشكون له ما يجِدون، فيرشدهم إلى ما فيه خيرهم وشفاؤهم، ويحذِّرهم من كل شر وداء، فوجدناه مثلا:
عدد الصفحات ٣• يوصي من تمكَّن منه داء الشهوة أن يأتي أهله، فقال « يرد ما في نفسه • ويوصي من تملَّك منه داء الغضب، فقال: « • ويوصي من خاف داء الرياء بالاستعاذة، فقال « • ويوصي من شكا إليه قسوة القلب، فقال « • ويوصي من شكاء إليه شدة الكرب، فقال « كله، لا إله إلا أنت • ويوصي من ابتُلِي بالكِبر، ويخوِّفه من عاقبة كِبره قائلا: « وبنظرة إلى حالنا اليوم .. نرى أنه قد اشتد الإعراض رغم كثرة الأمراض، وتمكنت العلل والآفات من القلوب رغم فداحة الخطوب، واستُخدِم أحيانا الداء مكان الدواء، فكثر جرحى القلوب والمصابون، وقلَّت السلامة والناجون، وتراكمت الأدواء، وأَعْيا علاجَها الأطباء، فمهما طلبوا العلاج من غير صيدلية الوحي، فسيتفاقم الأمر ويعظم الخطب، ولسان الحال: ومِــنَ العجائــب والعجائــبُ جََّــةٌ ... قـُــرْبُ الشِّــفاء ومــا إليــه وصــولُ كالعِيــسِ في البيــداء يقتلهــا الظمــا ... والمــاء فــوق ظهورهــا محمــولُ ومن رحمة الله أن سخَّر الله لهذا الدين بعد الأنبياء علماء وأولياء، فأرشدوا الناس إلى أدوية قلوبهم إن اشتكوا قسوة القلوب وكثرة العيوب، وكان من أهم هؤلاء الإمام ابن قيِّم الجوزية الذي تلقى يوما من الأيام هذه الرسالة: « إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما يزداد إ توقدا وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ 4
عدد الصفحات ٤فرَحِم الله من أعان مُبتَلى، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أفتو مأجورين رحمكم الله تعا على هذا الخطاب كتابا كاملا نافعا اسمه: ابن القيِّمفكان جواب (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) أو (الداء والدواء). لكننا اليوم نعاني من قلة أطباء القلوب وغياب أو تغييب العلماء الربانيين، وهو ما ضاعف أثر المرض اليوم وباعد بيننا وبين الشفاء، وأدى لاستشراء الوباء، وقد قال سفيان الثوري: « وقال وهو يشرح دور العالم في علاج مراض القلوب « غيره؟ وقد يسَّر الله لي في هذا الكتاب التعرض لنماذج من هذه الأمراض التي تفشت بيننا، وعمدت إلى ذكر آثارها السيئة وكوارثها بهدف توعية الناس بها وتحذيرهم منها، ثم عمدت إلى ذكر الدواء على هيئة نقاط محددة، ثم ختمت ذلك باختيار سؤال متعلق بهذا الداء مما وردني من أسئلة، لتكون الفائدة أتم، ولأتعرض لمشاكل عملية تواجه الناس أثناء عملية التعافي. اللهم إنا ننشد حياة الدين وقوة الدين ودواء الدين لنستطب به مما تفشى فينا من أمراض وآفات. ونعوذ بالله من داء الدين وما يصاحبه من كثرة السيئات وانتشار الشبهات واتباع الشهوات. اكتب لنا اللهم شفاء، ومن بعد الشفاء مسارعة إلى الخيرات. وأخذا بأيدي مرضى القلوب نحو شاطئ الهداية والمعافاة. 5
عدد الصفحات ٥6
عدد الصفحات ٦الغيبة أولاً: 7
عدد الصفحات ٧الداء تعريف ما هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: « قال رسول الله ﷺ « :قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ . أي افتريت عليه.« قال فالغيبة هي ذكر مساوىء الإنسان في غيبته وهي فيه، وذلك بشيء يكرهه، سواء كان هذا في بدنه أو لبسه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه. ولا تقتصر الغيبة على الأقوال، بل تجري كذلك بالأفعال كالحركة والإشارة والكناية. وقد ذكر الإمام الغزالي في أسباب الغيبة وبواعثها ما خلاصته: 1 2 3 4 5 6 .7 8
عدد الصفحات ٨9 داء الغيبة 1 «مرّ النبي ﷺ بقبرين فقال وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة ولذا قال قتادة: « البول 2 في مواجهة استسهال الغيبة، والاستخفاف بعثرات اللسان، وفي رسالة موجهة لِمَن فقدوا تحديد معايير الحرام وتقدير دركاته، فاجتنبوا ذنوبا يسيرة وهم يرتكبون ذنوبا أعظم؛ إلى كل هؤلاء قال رسول الله ﷺ: الربا اثنان وسبعون بابا؛ أدناها مثل إتيان الرجل أمَّه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في « .»عِرْض أخيه ولعل من قبح الغيبة وعظيم وزرها بالغ الإمام الغزالي في الترهيب منها حتى جعلها أشد من الزنا، وليست كذلك، ولكن دفعه إلى هذا التشديد تهاون الناس بها، واستصغارهم لفعلها. قال أبو حامد الغزالي: « واشتد إنكارها، وقد يشاهد في مجلس طويل ل يتكلم إل بما هو اغتياب للناس ول يستبعد منه ذلك، والغيبة أشد من الزنا، فكيف ل تكون أشد من لبس الحرير؟! ولكن كثرة سماع الغيبة ومشاهدة المغتابين أسقط وقعها عن القلوب، وهوَّن على النفس أمرها 3 قال الحسن البصري الغيبة تأكل حسناتك التي تعبت في تحصيلها، وتبدِّدها بعد ما جمعتَها، تبني الجوارح عباداتها في
عدد الصفحات ٩10 أيام ويهدمها اللسان في دقائق معدودات! فاللسان يعمل دون تعب بعكس الجوارح قال الغزالي: « .»به حسناته شرقا وغربا ويمينا وشمال 4 حسبك من صفية كذا وكذا، فقال ﷺ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي ﷺ: « ومعنى مزَجَتْه أي خالطته مخالطةً يتغيرَّ بها طعمه أو ريحه لشدة قُبحِها، وإذا كانت كلمةً واحدة بهذه الخطورة والتأثير في البحر، وهو من أعظم خلق الله، فما بالك بترديد كلمات الغيبة، وتكرارها يوما من بعد يوم؟! قال النووي: « ذمها هذا المبلغ من المُشاهَد أننا كثيرا ما نمدح الناس بكثرة صلاتهم وصيامهم، لكن قلَّما نمدح أحدا بعفة لسانه! مع أن حفظ اللسان خيرٌ وأعظم أجرا لأنه ثمرة العبادات التي تنهى صاحبها عن المنكرات وتصرف عن السيئات. 5 قيل للربيع بن خثيم: ألا تذم الناس؟! فقال « ذنوبهم وصدق رحمه الله، فقد انتشر في مجالسنا قول البعض: نخشى على فلان من عذاب الله، لكنهم لا يخشون عذاب الله من حصائد أفعالهم وألسنتهم! قال عون بن عبد الله: « وقال محمد بن سيرين « وكان مالك بن دينار يقول
عدد الصفحات ١٠11 .»« ولما قيل لعمر بن عبد العزيز: ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضِّب بها لساني.. لسان حاله: لعمرك إن في ذنبي لشغلاً عن ذنوب بني أمية على ربي حسابهم إليه .. تناهى علم ذلك لا إليَّ وليس بضائري ما قد جَنـَوْه .. إذا ما الله أصلح ما لديَّ 6 مرّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغل ميِّت فقال لبعض أصحابه « وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما « وقد قالها لينفِّر الناس من آفات اللسان، وكأنه يدعونا إلى طهارة حقيقية، فيأمرنا بالمضمضة من الكلام الخبيث تشبيها له بالنجاسة الحسية، حتى نتحرَّز منه كما نتحرَّز من القاذورات. ومثله أم المؤمنين عائشة حين قالت: « ومثلهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال « وكأن الجميع اتفق على خطورة الكلمة الخبيثة (ومنها الغيبة)، وضرورة الحذر منها قبل النطق بها، والتطهر منها بالتوبة فور النطق بها. 7 هي غيبة الملتزمين وأصحاب التدين، فإذا ذُكِر عندهم أحد يكرهونه أعرضوا وقالوا: دعوه .. يستر الله علينا وعليه، أو اتركوه لا شأن لنا به، أو نعوذ بالله من الغيبة، وإنما مرادهم الغيبة وانتقاص قدره، لكنهم يسلكون إليها طريقا غير مباشر. هؤلاء يتصنعون الشفقة بالخلق ويتظاهرون بالرحمة، لكن باطنهم السوء وإرادة الغيبة، فيقولون مثلا: فلان طيب! وهم يقصدون أنه مُغفَّل!
عدد الصفحات ١١12 8 قال شيخ الإسلام ابن تيمية « يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قَطَع المجلس، واستثقله أهل المجلس ونفَروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة فواعجبا كيف لانت الألسنة بالغيبة والنميمة وهما أصل الداء، وفترت عن الذكر؛ وهو للقلوب خير دواء وشفاء. 9 قال الإمام الوزاعي رحمه « 10 قال الإمام الوزاعي « .»بلى .. ذكَرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا
عدد الصفحات ١٢13 1 ذنب الغيبة يتضمن حقين: حق الله، وحق الآدمي، فالتوبة من حق الله بالندم فيما بينه وب الله، والتوبة من حق الآدمي بالتحلل ممن اغتبته بالاستغفار له، ولا يخبره بوقوعه فيه، فإنه ربما أخبره، فتدُبُّ بينهما العداوة والبغضاء والقطيعة، ، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره فيها من الغيبة، فيبدِّل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، ويستبدل قذفه بذكر عفته وأمانته، ويستغفر له بقدر ما اغتابه. قال مجاهد: »« وبعضهم يعوِّل على دعاء ختام المجلس ليكفِّر الغيبة؟ لكن الحقيقة أن الغيبة كبيرة لا تكفِّرها إلا التوبة، فإذا اغتبت أحدا، فكفارتك أن تتوب، وتتحلل ممن اغتبته. 2 قال الفضيل »الظن سلم من التجسس، ومن سلِم من التجسس سلِم من الغيبة وأكثرها شيوعا غيبة الموظفين للمديرين، وغيبة المرؤوسين للكبراء، وغيبة الطلبة للمدرسين. 3 قال النووي « بيده، فإن لم يستطع باليد ول باللّسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كان من أهل الفضل والصّلاح، كان العتناء بما ذكرناه أكثر أخي .. من أراد أن يشفيه الله من داء الغيبة فلا ينبغي أن يكون سلبيا، وليحاصر الغيبة في شخوص أصحابها، وليقلِّد إما سعيد بن جبير أو محمد بن سيرين! • أما سعيد بن جبير، فكان لا يدع أحدا يغتاب عنده. دواء الغيبة
عدد الصفحات ١٣14 • وأما محمد بن سيرين، فكانوا إذا ذكروا عنده رجلا بسيِّئة، ذكره بأحسن ما يعلم فاسلك أي الطريقين تصل إلى واحة الشفاء! وهذا هو قانون السلف: أن لا يسمحوا في مجالسهم لأحد أن يتلفَّظ بغَيـْبَة. قال ابن الجوزي واصفا شيخه عبد الوهاب الأنماطي: »« وكانوا يحاسبون أنفسهم على سماع الغيبة -فضلا عن النطق بها- أشد المحاسبة، ومنهم إبراهيم بن أدهم، فقد دُعِيَ إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلا لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل، فقال إبراهيم فعلت هذا بنفسي؛ حيث حضرت موضعًا يُغتاب فيه الناس
عدد الصفحات ١٤15 موجز الداء والدواء داء الغيبة دواء الغيبة الغيبة لعل الغيبة تشعر أخطر الغيبة النفس تحذير 1 11 الغيبة الغيبة 1111111 كفارة 1.12 1.13
عدد الصفحات ١٥16 ؟ ؟ س و ج: س مــاذا أعمــل فــي الغيبــة، فكلمــا قــررت إيقــاف الغيبــة أرجــع إليهــا، فكيــف أتــوب عــن الغيبــة توبــة صادقــة؟! : ج أبشر! ما دام في قلبك ألم عند وقوع الزلل فهناك أمل! وما دمت تعاني من تأنيب الضمير، فعندك خير كثير.. نصيحتي لك للبراءة من الغيبة: إتباع السيئة بالحسنة (إن الحسنات يذهبن السيئات)، وهذه خطوة لزمة لإصلاح قلبك وتكفير ذنبك وتقويم عيبك، ومن جيل ذلك ما جاء في ترجة عبد الله بن وهب القرشي أنه قال يومًا، فأجهدني، فكنتُ أغتاب وأصوم، فنويت كلما اغتبت إنساناً أن أتصدَّق بدرهم، فمن حُبِّ الدراهم تركتُ الغيبة : س هنــاك مشــكلة تؤرِّقنــي جــدا، وأحــس أنهــا ســبب فــي قســوة قلبــي، وهــي أن أهــل زوجــي دائمــا يقتاتــون علــى ســيرة اقاربهــم وينتقدونهــم؛ ممــا يجعــل الحديــث يســير فــي طريــق الغيبــة والنميمــة، وأكــون مضطــرة للتواجــد معهــم، وأســكت طــوال الحديــث، ولــو تكلمــت أدافــع عــن مــن ينتقدونهــم، فهــل المفــروض أن يكــون لــي موقــف أقــوى معهــم؟! :ج حدِّدي درجتك عند الله؟! بين يديكِ هنا ثلاث مقامات: المقام العلى: وهو مقام الإنكار عليهم، وهو أشرفها عند الله، لقول النبي ﷺ: « .رقم
عدد الصفحات ١٦17 المقام الوسط إن لم تستطيعي الإنكار باللسان أو لم يستجيبوا لكلامك، فغادري المكان الذي يجلسون فيه إلى مكان آخر، لن ذلك منكر ل تقوين على إزالته ولو بالكلمة، فزولي أنت عنه، وهذه درجة وسطى.. الحد الدنى: وأما أقل الدرجات: فهو الإنكار بالقلب لعدم قدرتك على الإنكار باللسان أو مغادرة المكان، وذلك لقول النبي ﷺ: «
عدد الصفحات ١٧18
عدد الصفحات ١٨