المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الاستشراف في السنة ضوابطه وأخلاقياته

فيصل غازي جاسم

صفحة ١ من ٢

ال � م .م. فيص كلي

عدد الصفحات ١

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -537 - تمهيد الحمد لله الكبير المتعال والصلاة والسلام على اشرف خلقه محمد صاحب فصل المقال وعلى خيرة قومه من الصحابة والال وبعد: فإن السنة النبوية المطهرة التي تعد المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وأساس نضتنا، وعماد معرفتنا، قد ندبت إلى استشراف المستقبل، ورغبت في التخطيط المستقبلي، وكان لنظرة النبي المستقبلية وإعداده العدة لكثير من الأحداث أثر كبير في تطور الدولة الإسلامية، واستكمال نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فانتشر الإسلام، واتسعت رقعته الجغرافية، ولم يكن ازدهار الحضارة الإسلامية والنهضة العلمية والتطور العمراني الذي شهده العالم الإسلامي خلال العصور الذهبية إلا أثراً لاستشراف المستقبل في العهد النبوي، وثمرة من ثمرات العناية المتوازنة بحاضر الأمة ومستقبلها، وفي الأحاديث النبوية ما يبين أثر استكشاف المستقبل في صنع القرار، وتطوير مجالات الحياة المختلفة. باتت العناية بالاستشراف او التخطيط المستقبلي من الامور المفروغ من فائدتها للامة، فهي تعد الان من البديهيات في ظل المعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحاضرة أن دراسة المستقبل تعزز كفاءة المؤسسات المعنية بعملية التنمية، وإدارة الأزمات، وتطوير الموارد البشرية والطبيعية، ومن أجل ذلك فقد عملت الدول المتقدمة على تلمس احتمالات مستقبلها، وترتيب أولوياته، ورسم صورته، منطلقة من الاعتبار بالماضي، وتحليل الحاضر، ومعرفة سنن التغيير. ان الاعتناء بالدراسات المستقبلية يضع امتنا الاسلامية امام تحدي كبير، فنحن نعيش في عصر تعددت فيه مناهج استشراف المستقبل، وكثرت مراكزه ودراساته، وتداعت الأمم للعناية به. ولا تتمثل هذه التحديات في بيان منهج الإسلام في العناية بالمستقبل

عدد الصفحات ٣

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -538 - وضبط وسائل دراسته، وتأصيل ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية فحسب، بل زيادة الوعي بأهميته، وتطبيقه في حياتنا العملية، وتحديد موقعه في التنشئة الاجتماعية، والمناهج التعليمية، والنظم الإدارية . بعد ان تبين شرعية الاستشراف في الكتاب والسنة اصبح لزاما على الامة الاخذ بالفكرة والعمل الجاد على تأصيلها في المجتمع التخطيط والتطلع للمستقبل ليس رجما بالغيب او تعلقا بالظنون والتخرصات واشتغالا بالخزعبلات انما هوتوضيف لمعطيات الماضي المدروس والحاظر الملموس ومسببا لتوقع 1(نتائجها ولوازمها .ومن ثم رسم خطط العمل وتنظيمها بناء على ذلك وللامام ابن القيم قولا بديعا في تأصيل الاستشراف وبيان اهميته حيث يقول التخطيط والاستشراف للمستقبل من قبيل التمرد والانكار للقدر ،اوهو من قبيل مغالبة 2(الاقدار بالاقدار (كما يقال) نفرمن قدر الله الى قدرا *** 1( 2(

عدد الصفحات ٤

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -539 - المبحث الأول بيان م مأخوذ من الفعل الثلاثي(شرف) والشين والراء والفاء أصل يدل الاستشراف لغة: على علو وارتفاع. فالشرف: العلو. والشريف: الرجل العالي. ويقال استشرفت الشيء، إِذا رفعت بصرك تنظر إليه. والمشرف: المكان تشرف عليه وتعلوه. ومشارف الأرض: 1(أعاليها.واشتقاقه من الشرفة التي تشرف بها القصور، والجمع شرُف و يستظل من الشمس حتى يبصره ويستبينه، واسْتَشرَْفْتُ الشيء: إذا رفعت بصرك إليه وبسطت كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس، وعن النبي ﷺ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيرٌْ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيرٌْ مِنْ المَْاشيِ وَالمَْاشيِ فِيهَا خَيرٌْ مِنْ السَّاعِي مَنْ . 2(تَشرََّفَ لهََا تَسْتَشرِْفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ 3(وأصله من الشرف العلو، كأنه ينظر إلى موضع مرتفع فيكون أكثر لإدراكه 4(« 1( بيروت، 2( حديث رقم حديث رقم 3( 4(

عدد الصفحات ٥

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -540 - والاشتراف: الانتصاب، واستشرفت الشيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه وبسطت“ 1(كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس ويقول الثعالبي: ِاذَا نَظَرَ إِنْسانٌ الى قَوْم في الشَّمْسِ فألصَقَ حَرْفَ كَفِّهِ بِجَبْهَتِهِ فَهُوَ الاسِتكْفَافُ،فَإِنْ زَادَ فيِ رَفْعِ كَفِّهِ عَنِ الجَْبْهَةِ فَهُوَ الاسْتِشفْافُ ،فإِنْ كَانَ أَرْفَعَ مِن ذَلِكَ 2(قَلِيلا فَهُوَ الاسْتِشرَْافُ ويعرف ابن الجزري الاستشراف فيقول: الاستشراف: هو أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء. والمعنى في الحديث: أمرنا أن نختبر 3(العين والأذن فنتأمل سلامتهما من آفة تكون وبالجملة فانه يمكننا ان نلخص معنى الاستشراف عند اهل اللغة بما لخصته الموسوعة الفقهية الكويتية حيث جاء فيها ((الاِسْتِشرَْافُ فيِ اللُّغَةِ: وَضْعُ الْيَدِ عَلىَ الحَْاجِبِ لِلنَّظَرِ، كَاَلَّذِي يَسْتَظِل مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى يَسْتَبِينَ الشيَّْءَ . وَأَصْلُهُ مِنَ الشرََّفِ: الْعُلُوُّ، وَأَشرَْفْتُ عَلَيْهِ بِالأَْلِفِ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ. وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى: التَّطَلُّعِ إِلىَ الشيَّْءِ، كَماَ فيِ اسْتِشرَْافِ الأُْضْحِيَّةِ . وَهُوَ فيِ الأَْمْوَال بِأَنْ يَقُول: سَيَبْعَثُ إِليََّ فُلاَنٌ، أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ، وَإِنْ لمَْ يَسْأَل . وَقَال أَحمَْدُ: الاِسْتِشرَْافُ بِالْقَلْبِ وَإِنْ لمَْ يَتَعَرَّضْ، قِيل لَهُ: إِنَّ هَذَا شَدِيدٌ، قَال: وَإِنْ كَانَ بيروت، م 1( ج 2( 3( الجزري ابن الأثير (المتو مكتبة دار البيان

عدد الصفحات ٦

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -541 - شَدِيدًا فَهُوَ هَكَذَا، قِيل لَهُ: فَإِنْ كَانَ الرَّجُل لمَْ يَوَدَّ فيِ أَنْ يُرْسِل إِليََّ شَيْئًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ 1(بِقَلْبِي، فَقُلْتُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَ إِليََّ، قَال: هَذَا إِشرَْافٌ فلقد وجدناهم يبينون المعنى الاجمالي لمعنى الاستشراف بلا اما في اصطلاح العلاء: خوض في جزئياته فقال أبن الملك الاستشراف الاستكشاف قال الطيبي وقيل هو من 2(الشرفة وهي خيار المال أي أمرنا أن نتخيرهما أي نختار ذات العين والأذن الكاملت والاستِشرْافِ إِمّا على حقيقته أَو كناية عن الرجل صاحب التأَنيِّ والتَفكُّرِ والناظرِ 3(عواقِب الأُمورِ ذلك أن علم الاستشراف يقوم على منهجيات تعتمد أمورا منها: وضع المشاهد المستقبلية (السيناريوهات) في ضوء أنماط المشاهد الماضية، وبتعبير آخر: الإفادة من وعرفه بعضهم بأنه: 4(التجارب الناجحة في الماضي في وضع الاستراتيجيات للمستقبل الوقوف على ربوة عالية لاستطلاع افاق المستقبل المنظور كل بحسب مايسمح به ملء 5(بصيرته فالجهد الاستشرافي المستقبلي هو نوع من الحس التاريخي المستند الى قاعدة علمية ولا يختلف الاستشراف في معناه الذي نقصده في هذه الدراسة عن تلك المعاني اللغوية بل إنه يدور في إطارها وينطلق منها فهو: استطلاع مبكر للمستقبل في ضوء معطيات 201 / 1( 625 / ومغني ابن قدامة 2( بيروت– العلاالناشر: ج 3( الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي ج 4( 18/5(

عدد الصفحات ٧

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -542 - الحاضر والتحديات المستقبلية التي تفرضها طبيعـة النمو والتحول والتطور والطموح وهو إلقاء نظـرة فاحصة على المستقبل بمنظار تتكون عدساته من عبـق تجارب الماضي ونتائج وثمرات الحاضر ومؤشرات التطلع المستقبلي. إنـه عمليات علمية أساسها التخطيط وتستهدف حشـد الطاقات وتوفير الإمكانات اللازمة وترشيد استخدامها . 1(لمواجهة أعباء المستقبل وتحقيق الغايات المرجوة والمتوقعة فيه *** 1( 15

عدد الصفحات ٨

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -543 - المبحث الثا اثر ال إن الاستشراف (الرؤية المستقبلية) ليست جديدة ولا بعيدة عن الإسلام، بل هي جزء من جوهر هذا الدين، الذي يمثل المستقبل لجميع الأديان الماضية، إذ كانت كلها تمهد له، وتبشر بقدومه، حتى بزغ فجره، وسطعت شمسه، لاجل هذا نجد ان الدين الاسلامي يحث وفي مواطن كثيرة من القران الكريم ومن سنة المصطفى الكريم على استشراف المستقبل وامعان النظر في الامور المستقبلية ليمكننا من وضع الخطوط العريضة لمستقبل الامة وفق المنهج القراني والذي اسس منهجه الرسول الكريم. فإن السنة النبوية المطهرة التي تعد المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وأساس نضتنا، وعماد معرفتنا، قد ندبت إلى استشراف المستقبل، ورغبت في التخطيط المستقبلي، وكان لنظرة النبي المستقبلية وإعداده العدة لكثير من الأحداث أثر كبير في تطور الدولة الإسلامية، واستكمال نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فانتشر الإسلام، واتسعت رقعته الجغرافية، ولم يكن ازدهار الحضارة الإسلامية والنهضة العلمية والتطور العمراني الذي شهده العالم الإسلامي خلال العصور الذهبية إلا أثراً لاستشراف المستقبل في العهد النبوي، وثمرة من ثمرات العناية المتوازنة بحاضر الأمة ومستقبلها، وفي الأحاديث النبوية ما يبين أثر استكشاف المستقبل في صنع القرار، وتطوير مجالات الحياة المختلفة. ينطلق مفهوم الاستشراف في السنة النبوية من نظرتها إلى المدى الزمني لحياة الإنسان، كما هو التصور – ولما كانت الحياة الدنيا ليست ناية المطاف بالنسبة لرحلة الإنسان إلى الله

عدد الصفحات ٩

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -544 - كانت نظرة السنة إلى المستقبل تمتد إلى ما بعد الحياة الأولى ؛ حيث يواجه– المادي لها الإنسان مستقبلاً آخر لا ناية له ولا حدود، وهذا أمر تفتقده كل النظم الحديثة التي تتسم نظرتها إلى المستقبل بالمحدودية بناء على عملية الفصل بين الحياتين الأولى والآخرة. لقد كان نظر النبي ﷺ يتجه دائماً نحو المستقبل، ولم يكن ينظر إلى الماضي أو الحاضر إلا بقدر ما يفيده في سعيه نحو المستقبل، ويرجع اهتمام النبي ﷺ بالمستقبل إلى أنه الوعاء الزمني لمنجزات الإنسان وأعماله المرجوة.والمتأمل في أدعية النبي ﷺ وأذكاره يشعر فيها بظلال الأمل الفسيح في رحمة الله وكرمه أن يهيئ له مستقبلاً خالياً من العوائق والمنغصات ليتمكن من تحقيق آماله في تبيلغ الرسالة وأداء الأمانة على الوجه الذي يرضى ربه سبحانه. فمن الامور الجليلة للدراسات المستقبلة انا تعزز كفاءة المؤسسات المعنية بعملية التنمية، وإدارة الأزمات، وتطوير الموارد البشرية والطبيعية، ومن أجل ذلك فقد عملت الدول المتقدمة على تلمس احتمالات مستقبلها، وترتيب أولوياته، ورسم صورته، منطلقة من الاعتبار بالماضي، وتحليل الحاضر، ومعرفة سنن التغيير، وإعمال الفكر لمعرفة الممكن، والمحتمل، والمفضل. وهذا الواقع يطرح تحديات فكرية متعددة أمام أمتنا الإسلامية، فنحن نعيش في عصر تعددت فيه مناهج استشراف المستقبل، وكثرت مراكزه ودراساته، وتداعت الأمم للعناية به. ولا تتمثل هذه التحديات في بيان منهج الإسلام في العناية بالمستقبل وضبط وسائل دراسته، وتأصيل ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية فحسب، بل في زيادة الوعي بأهميته، وتطبيقه في حياتنا العملية، وتحديد موقعه في التنشئة الاجتماعية، والمناهج التعليمية، والنظم الإدارية .

عدد الصفحات ١٠

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -545 - ولم يبرح تفكير كثير من المسلمين اليوم وهمومه يدور في المحاولة لمواكبة العصر، وهذا من أسباب القصور الواقع. لأن المفروض على جيل الصحوة أن يفكر في صياغة المستقبل ومسابقة العصر ليس فقط مواكبته ومسايرته. بل نسبقه برؤية واضحة ونصوغ المستقبل بخطة محكمة. وليس هذا معارضة للأقدار ولا إنكارا لمبدأ الإيمان بالقدر والتسليم له، لأن إيماننا بالقدر لا يدعونا إلى التقاعس عن العبادة وعمل الخير، بل هو كما قال عبد ، فحين نطالب بالتسليم 1(القادر الجيلاني رحمه ا بالأقدار المحتومة لا يعني ذلك ركودا واستسلاما أمام مغيبات مستقبلية، وهو كما قال 3(2(عمر الفاروق الإيمان بعلم الله السابق وقدرة الله الشاملة . *** 458/1( )33/2( 895/3(

عدد الصفحات ١١

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -546 - المبحث الثالث اهمية ال واأثره في واقع الأمة إلى استشراف bمما يؤكد قيمة المستقبل في حياة الرسول ﷺ ودعوته اصحابه المستقبل والتخطيط له تارة بالأسلوب المباشر، وأخرى عن طريق ضرب المثل وحكاية القصة. إن هذا الأسلوب في التخطيط الذي يتسم ببعد النظر وعمق الفكر يحتاج إليه المعلم في إدارة التعليم، ورجل الاقتصاد في السوق، والمفاوض وفي كل مفردات الحياة. فليس من شك أن الإلحاح المستمر في أي أمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ومن هنا فإن الحكمة التخطيطية تقتضي مراعاة الأوقات المناسبة لتنفيذ الخطط وتحقيق الأهداف. المصدر الثاني للتشريع (السنة النبوية) فحواها بالجملة دعوة إلى المستقبل، وذلك أنا جاءت بأوامر ونواه، ورتبت عليها جزاء عاجلاً أو آجلاً، فلفتت السنة النبوية بهذا الأنظار إلى ضرورة النظر للمستقبل والعمل له سواء أكان قريباً أم بعيداً، ومن ثم قيل: إن التشريعات العقابية قائمة على النظرة المستقبلية من حيث إنا تدابير واقية للمنع من الجريمة قبل وقوعها. بل إن حديث السنة النبوية عن أخبار الأمم الماضية، إنما هو في حقيقته من وسائل التخطيط للمستقبل عن طريق الاستفادة من تجارب تلك الأمم. ان تسمية الاستشراف بالتخطيط للمستقبل هي الاعمق بمضمونه وسيلة وغاية ويراد به:حسب تقريرات العلماء في بيان المصطلح والتحليل والإحصائيات الثابتة للعمليات المستقبلية، ويتم عادة قبل العمل والتنفيذ

عدد الصفحات ١٢

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -547 - « )1(ويمكن التعبير عنه بأنه محفوف بالقرائن، ومقدمات تؤدي إلى نتائج معينة في الغالب منهج السنة النبوية. من اجل هذا نجد أن دائرة التخطيط للمستقبل هي دائماً دائرة الممكنات، وهي الأمور التي تقع في مقدور البشر، وأما دوائر الواجبات والمستحيلات فلا يشملها التخطيط،وهذاالذي يؤكد عليه علماء الإسلام، وهو ما ينبغي أن يضعه المخططون في حسابهم نظراً لوجود قوانين إلهية تحكم المستقبل. ودائرة الممكن تشمل كل مناحي الحياة الدنيا التي يعيشها المسلم، بل تمتد إلى الحياة الأخرى لتشمل مصيره النهائي في ذلك اليوم، فإنه أيضاً داخل في دائرة الممكنات. على أن المستقبل أو الواجب إنما هو بالنسبة لما في علم الله لا علم البشر، فلا يعني كون الموت واجب الوقوع ألا يتعاطى الإنسان أسباب البقاء وحفظ الصحة، وقد تداوى النبي ﷺ وتفف من ألم المرض، وأخذ بأسباب النجاة في 2(الحرب، ورجع عمر رضي الله عنه عن أرض الطاعون ناجياً بنفسه ومن معه وفي ضوء الفهم المستنير لحقيقة التخطيط المستقبلي ومجالاته في ضوء السُنة ينطلق الإبداع العقلي في: استحداث مصادر جديدة للطاقة، والبحث عن أراض جديدة صالحة للحياة ولو كانت فوق سطح القمر أو في أعماق الأرض، واكتشاف أدوية جديدة للأمراض التي عجزت الأدوية القديمة عن علاجها. والناظر في سيرة رسول الله ﷺ وسُنته العملية يدرك تمام الإدراك أنه لم يدع مجالاً من مجالات التخطيط المشروعة والممكنة إلا وسعى فيه، واستعان عليه بكل الوسائل 1( 2( الثاني المجلد

عدد الصفحات ١٣

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -548 - والأدوات المتاحة حتى ولو صدرت من عقول وتجارب غير مسلمة كأخذه بنظام حفر الخندق وهى وسيلة حربية مأخوذة عن الفرس، وكأخذه بنظام ختم الكتب والرسائل لما قيل له إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا مختوماً، وذلك حينما وجه رسله وكتبه إلى الملوك والأمراء في خطته لتوسيع رقعة الدولة الإسلامية عن طريق سفراء الدعوة. ويعد هذا من دلائل سعة التخطيط المستقبلي في الإسلام، حيث تتسم وسائل العمل للمستقبل بالمرونة وعدم التقيد بوسائل معينة مادام ذلك كله في إطـار القواعد الشرعيـة المرعية. وأكدت السيرة العملية للرسول ﷺ أنه كان من أكثر الناس انفتاحاً على العالم من حوله ودراية بأحوال الأمم والشعوب. فاختياره لأرض الحبشة والطائف والمدينة للهجرة إليها مثلاً تعنى درايته الجيدة بأحوال الأمم من حوله وحسن دراسته للواقع وهو يخطط لمستقبل الإسلام، وعقده الأحلاف مع قبائل العرب في مواجهة معسكر الشرك، ورسله وبعثاته التعليمية والدبلوماسية إلى الملوك والأمراء في الداخل والخارج يؤكد مدى أهمية الانفتاح والمرونة وأثرها في نجاح عملية التخطيط. لذلك حرص الصحابة الكرام رضي الله عنهم على أن يسألوا رسول الله ﷺ عن نوع الهدف الذي يسعى المسلم إلى تحصيله والتخطيط له،لأن المنافقين لم تكن لهم أهداف ولا تطلعات كبرى نبيلة فقد قعدوا خلاف رسول الله ﷺ، بينما غامر الصحابة بأنفسهم وأموالهم في سبيل الهدف الأسمى، والأمة الإسلامية الآن تفتقد تلك التطلعات والرؤى الكبيرة، لذا فهي تتخبط خبط عشواء في الوقت الذي تسعى فيه الأمم والشعوب الأخرى إلى تحقيق أهداف واضحة واحداً تلو الآخر. ولا تعارض بين استئثار الله بعلم المستقبل وبين استشراف الإنسان لهذا المستقبل والتخطيط له بناءً على الظن الغالب المبني على القرائن، أو المعطيات المتاحة التي هي بمثابة المقدمات التي تؤدي إلى نتائج معلومة وقد تتخلف.

عدد الصفحات ١٤

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -549 - لأجل ذلك فالعمل للمستقبل أمر لا مانع منه شرعاً في حالتي القضاء الناجز والمعلق حيث إنه لا علم للإنسان بما سيكون من أمره، على أنه إما أن يتغير إذا كان مشروطاً في علم الله وهو المعلق، وإما أن يقع مصحوباً باللطف وهو المبرم، وعلى فرض خلوه من اللطف فحظ المسلم عند استقباله بصبر وثبات خير من الدنيا وما فيها. والذي يتعمق في دراسة كتاب الله وسُنة رسوله ﷺ يتبين له أنما يرفضان الارتجال والعشوائية، وترك الأمور تجرى في أعنتها بغير ضابط ولا رابط ولا نظام، وقد بين الرسول ﷺ أن التوكل على الله لا يعنى اطراح الأسباب أو إغفال السنن التي أقام الله عليها نظام هذا الوجود. إن تحديد الأهداف والغايات هو أول خطوات التخطيط السليم، فالذي ليست لديه أهداف واضحة لن يصل إلا إلى المجهول، ومن فوائد هذا التحديد أنه يحفز الإنسان نحو المزيد من الإنجاز. إن مسيرة الدعوة والدولة الإسلامية كلها قامت على مبدأ ترتيب الأولويات، فنجد أن مبدأ الدعوة الإسلامية كان الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، حتى إذا استوعب الناس أمور العقيدة كانت الدعوة إلى شرائع الإسلام،كما أنه رتب المدعوين أيضاً على هذا النحو: فبدأ بعشيرته الأقربين، ثم بالقوم جميعاً من العرب، ثم بغير العرب من جميع أنحاء العالم، وكذا بدأ بالدعوة السرية قبل الدعوة الجهرية. وحينما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة رتب أولويات بناء الدولة على هذا النحو: بناء المسجد، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، تنظيم العلاقة مع اليهود عن طريق عقد المواطنة، فبدأ بها قبل غيرها من الأعمال، كما أنه اتجه أولاً إلى تصفية الكيان السياسي للمشركين في الجبهة الداخلية، حتى إذا أتم هذه المرحلة اتجه إلى تصفية الكيانات السياسية الكبرى في الجبهة الخارجية، فكانت حروبه مع إمبراطوريتي فارس والروم،

عدد الصفحات ١٥

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -550 - وبهذا قامت الدعوة والدولة الإسلامية على أساس من مبدأ إن حياة النبي ﷺ كانت كلها تطيطا عملياً، ولم تكن مجرد أماني أو أحلام مجردة، فمثلاً نجد أنه حينما أراد أن يهاجر بحثاً عن أرض جديدة للدعوة وضع خطة عملية محكمة، ولم ينتظر أن يهبط عليه ملك من السماء يحمله على جناحه مع أنه أحق الناس بذلك. كان الحذر والترقب إحدى سمات التخطيط عند النبي ﷺ، وكم هي كثيرة تلك المواقف التي كانت تدعوه للحذر، فكان يحتاط لها ويضعها في حسابه، ومن المتعذر إحصاء تلك المواقف، لأنا تشكل جزءاً من نسيج تطيطه في حياته كلها. ***

عدد الصفحات ١٦

الاستشراف في السنة النبوية، ضوابطه واخلاقياته -551 - المبحث الرابع � ان الذي يميز المنهج الوضعي عن المنهج السماوي مصدرية المنهج فلما كان المنهج الذي وضع للاستشراف من لدن النبي محمد ﷺ كان الاستشراف مبنيا على اسس علمية ومنهجية واضحة ليست هي من قبيل التخرص ولا الكهانه ولا تتعارض مع روح الدين الاسلامي هدفها الرئيس هو الهدف الذي يدور علية بناء الدين كله المصالح ودرء المفاسد إن السُنة النبوية في إطلاقها العنان للطاقات الفكرية والإبداعية في التخطيط للمستقبل لم تترك هذا الإطلاق دون أن تقيده بضوابط وأخلاقيات تحميه من الانفلات والشطط، شأنه في ذلك شأن كل صلاحية تعطى للإنسان، حتى يكون هناك توازن بين ما يمكن فعله، وما ينبغي أن يكون. الثابت من سيرته عليه الصلاة والسلام أنه رغم الأجواء التي كانت ملبدة بالغيوم من حوله إلا أنه كان متفائلاً بالمستقبل إلى أقص حد، ولم تمنعه تلك الظروف الحوالك من السعي والتخطيط لمستقبل الإسلام والمسلمين، وأي مشهد من حياته ﷺ كاف لإدراك تلك الحقيقة، لقد رأيناه وقد حاصرته جيوش الأحزاب حول المدينة من فوقهم ومن أسفل منهم، وهو يشارك أصحابه في حفر الخندق، ثم هو يبشرهم بكنوز كسرى وقيصر! أي تفاؤل هذا الذي لا تشير إليه قرائن الأحوال ولا تدل عليه شواهد الأمور في ظاهر الأمر؟ إنه تفاؤل المسلم الواثق بربه مادام أنه يعمل له، ويجاهـد في سبيله. إن المتشائم يعيش في ظلمات الإحباط واليأس، وليس لديه القدرة على رؤية شعاع النور في

عدد الصفحات ١٧