المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مع الهدي النبوي منزلة السنة في التشريع الإسلامي

محمد أمان بن علي الجامي

صفحة ٢ من ٢

ب– ما حد اليد ىنا ؟ ىل ىي من الدنكب ؟ ىل ىي من الدرفق ؟ أو ىي من مفصل الكف ؟ والسنة الفعلية ىي التي تٕيب على ىذه التساؤلات، إذ كانوا يقطعوف من مفصل الكف ىذا، ولو أردنا أف نسرد الأحكاـ التي أجملت في القرآف، وبينتها السنة – أو الأحكاـ التي انفردت بها السنة في جميع الأبواب الفقهية، لاحتاج الدقاـ إلذ سِفْر، فلنكتف بهذه الإشارة، وىي كافية لدعرفة مكانة السنة، ومنزلتها في التشريع الإسلبمي، وىو ما أردناه والله ولر التوفيق . من ه أعداء السنة ؟!! على الرغم لشا ذكر، ولشا لد يذكر من الأدلة القطعية من الآيات الصرلػة، والأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة، ومن بعدىم من أىل العلم . على الرغم من تلك الأدلة التي تصرخ بأعلى صوتها، بأف السنة صنو الكتاب، وأف السنة ىي الحكمة الدذكورة في القرآف في غتَ ما آية، وأنها من وحي الله، وأف ديننا يؤخذ من الكتاب والسنة معاً لا من كتاب وحده، على الرغم من كل ذلك، لد تسلم السنة من تهجم جهلو الدتفقهة، وعداء غلبة الرافضة والزنادقة، حيث زعمت الرافضة، وجوب الإستغناء بالقرآف عن السنة في أصوؿ الدين وفروعو والأحكاـ الشرعية، لأف الأحاديث في زعمهم رواية قوـ كفار، وذلك لأنهم كانوا يعتقدوف أف النبوة إلظا كانت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنو، وأف جبريل عليو السلبـ، أخطأ فنزؿ بها إلذ لزمد عليو الصلبة والسلبـ بدؿ أف ينزؿ بها إلذ علي . وىذا الزعم يعتٍ : أف أمر الوحي كاف مضطرباً، ولا يصدر من تنظيم لزكم من قبل رب حكيم سبحانو، وإلظا يتخبط فيو ملك الوحي (جبريل)، وأف ملك الوحي نفسو ليس تٔعصوـ تعالذ الله عن ذلك علواً كبتَاً . ومنهم من يقر للنبي - عليو الصلبة والسلبـ – بالنبوة، ولكنو يقوؿ: إف الخلبفة كانت حقاً لعلي – رضي الله عنو – فلما عدؿ بها الصحابة إلذ أبي بكر رضي الله عنو، كفروا بذلك – في زعمهم – حيث جاروا وظلموا- في زعمهم - بعدولذم بالحق عن مستحقو، وبالتالر كفروا علياً، لعدـ طلبو حقو، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها، لأنها - عندىم في زعمهم - رواية قوـ كفار، كما تقدـ وىذه القاعدة الكفرية الواىية في نفس الوقت، ىي أساسهم في رد أحاديث رسوؿ اللّو عليو الصلبة والسلبـ، وأختَاً أطلق أتباع ىؤلاء من الدتأخرين على أنفسهم بأنهم (القرآنيوف ) أي العاملوف بالقرآف، الدستغنوف بو عن السنة، ىذا تفستَ كلمة (القرآنيوف ) حسب (رغبتهم )، ولكن التفستَ الدطابق لواقعهم، أنهم الدخالفوف للقرآف، الدتبعوف للهوى، وىذا أشبو بإطلبؽ كلمة (القدرية ) على نفاة القدر، لأنهم في الواقع لسالفوف للقرآف، خارجوف عليو، كما خرجوا على السنة، لأف القرآف يدعوا الناس إلذ الأخذ بالسنة إلغاباً وسلباً، إذ يقوؿ الله تعالذ:{وَمَا آتَاكُ ُ الرلَّسُولُ فَخُذُو ُ وَمَا نـَهَاكُ ْ عَنْهُ فَانـْتـَهُوا }، ولا يتم الإلؽاف بالقرآف، إلا بالإلؽاف الصادؽ تٔن أنزؿ عليو القرآف، والإلؽاف بو إلظا يعتٍ تصديقو في أخباره إتباع أمره ونهيو . وقد ذكر الإماـ السيوطي في

عدد الصفحات ١٧

رسالتو اللطيفة ( مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة )، قاعدتهم ىذه بٍ قاؿ مستهجناً ومستقبحاً :" ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليو الضرورة من بياف أصل ىذا الدذىب الفاسد، الذي كاف الناس في راحة منو من إعصار " إلذ أف قاؿ:" وقد كاف أىل ىذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم ومناظراتهم وتصنيفاتهم " 41، بٍ ساؽ من نصوص كلبمهم الشيء الكثتَ، وقد سبق أف نقلنا من كلبـ أىل العلم من الصحابة ومن بعدىم، ما يكفي لدعرفة موقف أىل السنة من أحاديث رسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ، وىو يتضمن تزييف كلبـ أىل البدع والذوى، ومن أراد الدزيد فعليو بالرسالة الدشار إليها، وقبلها رسالة الإماـ الشافعي الدعروفة، وغتَلعا من الدراجع الدعتبرة في ىذا الباب ولو أخذنا نستعرض الأبواب الفقهية التي تقوـ بتنظيم حياة الناس في معاشهم مثل أبواب البيوع التي مررنا بها مراً سريعاً، بذكر بعض الأمثلة منها، ومثل باب التفليس والحجر، وباب الصلح والحوالة والضماف، وتْوث الشركات والوكالة والشفعة والقرض، ومبحث الدساقاة والإجارة والذبة والعارية وغتَىا، من أبواب الفقو، لو استعرضنا السنن التي تنبتٍ عليها ىذه الأبواب ومسائلها، لوجدنا أف السنة ىي التي تنظم للناس حياتهم اليومية، لأف جميع الدسائل الفقهية التي يتعامل بها الناس في معاشهم، ويرجعوف إليها في لزاكمهم، فمستندىا إلظا يكوف إلذ الكتاب أو السنة معاً، ولا يصح حكم أو قضاء لا مستند لو منهما. أما الكتاب، فأكثر الأحكاـ التي وردت فيو من الأبواب الدشار إليها، إلظا كانت لرملة، وفصلتها السنة، وقد تكوف أكثر تلك الأحكاـ لد يرد بها نص في الكتاب، وإنها انفردت بها السنة، كما أوضحنا فيما سبق، فكيف يزعم زاعم بعد ىذا كلو، الإستغناء عن السنة ؟ !! ودعوى الإستغناء عن السنة ىي في واقعها لزاولة للئستغناء عن الإسلبـ، بأسلوب ملتوٍ، غتَ صريح، ويؤكد ىذا ما سبق أف ذكرنا من أف أصل ىذه المحاولة من الزنادقة، وغلبة الرافضة، الذين صرحوا بتكفتَ الصحابة، الذين ىم سند ىذا الدين، والذين نطق بهم القرآف وأثتٌ عليهم، من الدهاجرين والأنصار؛ وتكفتَ ىؤلاء السادة، إلظا يعتٍ تكذيب الله سبحانو في إخباره أنو رضي الله عنهم ورضوا عنو، وأنههم اتبعوا رسولو، النبي الأمي في ساعة العسرة . كما يتضمن تكذيب خبر الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ في ثنائو عليهم، وشهادتو لمجموعة كبتَ منهم أنهم من أىل الجنة، ومن تٕرأ على مثل ىذا التصرؼ، ووصل إلذ ىذه الدرجة، فعليو أف يراجع الإسلبـ من جديد، لأنو قطع علبقتو بالإسلبـ بهذا التصرؼ، الذي يعتبر ردة عن الإسلبـ، والله الدستعاف . وقد حاوؿ ىؤلاء الزنادقة، إزالة السنة من الوجود، والقضاء عليها لو استطاعوا، أف لغعلوا وجودىا وجوداً شكلياً فاقداً للقيمة، إلا أنهم لد يستطيعوا أف ينالوا منها شيئاً، وانقلبوا خاسرين ومهزومتُ، مثلهم كمثل الذي لػاوؿ قلع جبل أحد مثلبً، فيحوـ حولو، وفي سفحو، وينقل من أحجاره حجراً حجراً، ظناً 41 مفتاح الجنة للسيوطي.

عدد الصفحات ١٨

منو أنو بصنيعو ىذا يستطيع قلع الجبل وإزالتو من مكانو، أو كالذي يغتًؼ من البحر اغتًافاً بيده أو بدلوه، لزاولاً بذلك أف ينفد البحر أو ينقص؛ وما من شك أف ىذا الدسكتُ سوؼ تنتهي أوقاتو ولػل أجلو المحدود، والجبل جبل، والبحر تْر بل يبقى البحر ثابتاً في مكانو، يغوصو الغواصوف من رجاؿ ىذا الشأف، ليخرجوا للناس اللآلئ والدرر من الدسائل العلمية النافعة، كما يبقى الجبل ثابتاً وشالساً، يصعده أصحاب الخبرة، ويتًددوف بتُ شعابو، ليعثروا على ما قد لؼفى على غتَىم بتُ تلك الشعاب الدتنوعة، التي لا يسلكها إلا الخواص، ليخرجوا بالدسائل الدقيقة، التي لا يفطن لذا غتَىم – إذ لكل ميداف رجاؿ . ىذه نهاية لزاولة الرافضة ومن يشابههم ويستَ في ركابهم، وقد أراد الدنكروف لأخبار الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ، بناء على القاعدة الكفرية السابقة، أف لغدوا ما يتعلقوف بو أماـ خصومهم من أىل السنة، وذىبوا يبحثوف عن الأخبار والأحاديث التي تؤيد ما ذىبوا إليو، من قريب أو بعيد، وفي أثناء تْثهم، عثروا على كلبـ باطل بطلبف مذىبهم ونصّو ىكذا:" ما جاءكم عتٍ فاعرضوه على الكتاب فما وافقو فأنا قلتو، وما خالفو فأني لد أقلو ". وطاروا بو فرحاً، ولكنهم لد يستطيعوا أ ف ينفلتوا تْديثهم ىذا من أيدي حراس السنة ولد تنم عنهم تلكم العيوف الساىرة، حفظاً على السنة، بل عثروا على حديثهم ذاؾ، فأعلنوا أنو من أباطيلهم ودسائسهم، حتى عرفو الناس، فسجلوه في كتبهم، وأجروا لو عمليتهم الخاصة، وفندوه وجرحوه، وعرّوه، حتى انكشف حالو، فللو الحمد والدنة. قاؿ السيوطي في رسالتو اللطيفة ( مفتاح الجنة ): بٍ قاؿ البيهقي:" باب بياف بطلبف ما لػتج بو بعض من رد السنة، من الأخبار التي رواىا بعض الضعفاء، في عرض السنة على القرآف – قاؿ الشافعي – رحمو الله : احتج عليّ بعض من ردّ الأخبار، تٔا روى أف النبي عليو الصلبة والسلبـ قاؿ:" ما جاءكم عتٍ فاعرضوه على الكتاب، فما وافقو فأنا قلتو، وما خالفو فأنا لد أقلو " فقلت لو : ما روى ىذا أحد يثبت حديثو في شيء صغتَ ولا كبتَ، وإلظا ىي رواية منقطعة عن رجل لرهوؿ، ولضن لا نقبل مثل ىذه الرواية في شيء " ا. ىػ . قاؿ البيهقي:" أشار الإماـ الشافعي إلذ ما رواه خالد بن أبي كرلؽة، عن أبي جعفر عن النبي عليو الصلبة والسلبـ، أنو عاد اليهود فسألذم، فحدثوه حتى كذبوا على عيسى عليو السلبـ، فصعد النبي الدنبر، فخطب الناس:فقاؿ:" إف الحديث، سيفشوا عتٍ ، فما أتاكم يوافق القرآف فهو عتٍ، وما أتاكم لؼالف القرآف فليس عتٍ " قاؿ البيهقي: خالد لرهوؿ، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع "؛ وقاؿ الشافعي:" ليس لؼالف الحديث القرآف، ولكن حديث رسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ يبتُ معتٌ ما أراد خاصاً أو عاماً، وناسخاً ومنسوخاً، بٍ يلتزـ الناس ما سن بفرض الله، لشن قيل عن رسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ، فعن الله قبل "، بٍ ذكر السيوطي بقية كلبـ البيهقي حوؿ الحديث، والله أعلم .

عدد الصفحات ١٩

تقديس الآراء أدى إلى الإعراض عن السنة وإذا كاف الحامل للرافضة، والدخدوعتُ بهم على ذلك الدوقف العدائي، ىو ما تكتنفو نفوسهم الخبيثة من الأحقاد على أصحاب رسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ، والظن السيئ برسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ، وعدـ الإلؽاف بو، الإلؽاف الصادؽ واعتقادىم في الدلبئكة عدـ العصمة، وأختَاً عدـ تقديرىم لرب العالدتُ حق قدره، إذ كاف الحامل لذم ىو ىذه الدعاني – فيا ترى ما الذي حمل بعض الدتفقهة على ىذا الجفاء والإعراض عن السنة، والوقوؼ منها موقف الدستغتٍ عنها ؟ !! الجواب: الذي يبدو لر أف الذي حمل القوـ على ذلك ىو الغلو في تقديس آراء الرجاؿ، واعتبارىا ديناً يداف بو لرب العالدتُ، وقد أدى بهم ىذا الغلو إلذ إساءة الظن بنصوص الكتاب والسنة، فزعموا أنها إلظا تقرأ وتسمع لأجل التبرؾ بألفاظها فقط، لا للئىتداء بها بتطبيق الأحكاـ التي اشتملت عليها !! صحيح أنها نصوص مباركة حقاً، فكتاب الله كتاب مبارؾ { وَهَذَا كِتَابٌ أَنـْزَلْنَا ُ مُبَارَكٌ}42 . وسنة رسولو عليو الصلبة والسلبـ، مباركة أيضاً، وإذا ما تعلم الدسلموف كتاب ربهم وسنة نبيهم، وعملوا بهما، لزللتُ حلبلذما، لزرمتُ حرامهما، ومطبقتُ أحكامهما على حياتهم العامة والخاصة حصلت لذم بركة لا يتوقعونها، وقد حصلت لسلفهم يوـ كانوا مؤمنتُ بهما حق الإلؽاف، أجل لو فػَعَل الدسلموف اليوـ ذلك، لتغتَت حياتهم الجاىلية ىذه، إلذ حياة إسلبمية مباركة، حياة الأمن والرفاىية، حياة الرحمة، يتمتعوف فيها بالذيبة والدنعة والكرامة، يستًدوف فيها كل ما سلبوا من حقوقهم، الدادية والدعنوية وتعود إليهم وحدة الصف، وينالوف فيها النصر والغلبة، ىذه ىي البركة التي تتوقع من الإلؽاف بالكتاب والسنة، أما البركة التي معناىا حصوؿ الرزؽ الواسع للمنزؿ الذي يقرأ فيو القرآف الكرنً، وصحيح البخاري، وأف ذلك الدنزؿ سوؼ يسلم من الحريق، وتسلط العدو، ومفاجآت الثعابتُ وغتَ ذلك من حوادث الأياـ، فتقوؿ لذم : إف القرآف لد ينزؿ لذذا الغرض، ولا السنة أوحت إلذ النبي بهذا الغرض، وعلى رسلكم – أيها القوـ - !! وفي زعم ىؤلاء (البركيِّتُ) : إف النصوص معزولة عن حياة الدسلمتُ العامة والخاصة، وأف مصادر الأحكاـ ىي آراء الرجاؿ، وإليها الدرجع، فعلى أىل كل مذىب أف يراجعوا آراء علماء مذىبهم، وإذا أرادوا معرفة حكم ما، وأف الدين كلو ىو ما في الكتب، التي ىي عبارة عن ( لرمع ) آراء الرجاؿ واجتهاداتهم واستحساناتهم وأقيستهم، وقد تقرأ بعض تلك الكتب، التي قد يعتبرىا بعضهم ( موسوعة علمية ) من ألفها إلذ يائها، ولا تكاد ت٘ر تْديث واحد أو آية واحدة يستشهد بها الدؤلف على حكم من الأحكاـ . قد يتهمتٍ البعض بالدبالغة، إذا قلت إف ىذا التعصب للمذاىب، ىو الذي حاؿ بتُ كثتَ من الدسلمتُ وبتُ فهم السنة، كما لغب، وىو من أسباب تفوؽ الدسلمتُ وتشتتهم، وبالتالر فهو من أسباب 42 الأنعاـ ، آية(92. )

عدد الصفحات ٢٠

تٗلف الدسلمتُ، وتسلط أعدائهم عليهم، لأنهم خالفوا كتاب ربهم، الذي ىو عزىم، وىو يناديهم بقولو:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الللَّهِ جَمِيعاً وَلا تـَفَرلَّقُوا }43 حتى أصبحت الأمة الواحدة، كأصحاب ملل لستلفة، كل حزب تٔا لديهم فرحوف، وقد صار لذذا التفرؽ الديتٍ – إف صحّ التعبتَ – أثره السيئ في حياة الأمة الإجتماعية والسياسية، وإف ما تعيشو أمتنا – اليوـ – من ىذا التشتت الذي لد يسبق لو مثيل، ومن التخاذؿ أماـ أعدائهم، والذزائم الدتلبحقة، والفجر عن إلغاد وحدة إسلبمية، تٕمع شتات ىذه الأمة، كل ذلك من شؤـ التعصب الدذموـ، الدمزؽ للؤمة، والله الدستعاف . وقد تٖدث غتَ واحد من أئمة الدسلمتُ، عن أضرار التعصب الدذىبي، وأعراض كثتَ من الناس بسببو، عن الكتاب والسنة، والإستغناء عنهما بالآراء، واختًت لحديثي ىذا نبذة من كلبـ الإماـ ابن قيم الجوزية، بٍ اتبعو إف شاء الله بكلبـ شيخو، شيخ الإسػلبـ ابن تيمية رحمهما الله . قاؿ الإماـ ابن القيم في بعض كتبو :" لدا أعرض الناس عن تٖكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدـ الإكتفاء بهما وعدلوا إلذ الآراء، والقياس، والإستحساف وأقواؿ الدشايخ، عرض لذم من ذلك، فساد في فطرىم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ولزق في عقولذم، وعمتهم ىذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربى فيها الصغتَ، وىرـ عليها الكبتَ، فلم يروىا منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقاـ السنن، والنفس مقاـ العقل، والذوى مقاـ الرشد، والضلبؿ مقاـ الذدى؛ والدنكر مقاـ الدعروؼ، والجهل مقاـ العلم، والرياء مقاـ الإخلبص والباطل مقاـ الحق، والكذب مقاـ الصدؽ، والدداىنة مقاـ النصيحة، والظلم مقاـ العدؿ، فصارت الدولة والغلبة لذذه الأمور، وأىلها ىم الدشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادىا ". بٍ قاؿ رحمو الله :" فإذا رأيت دولة ىؤلاء قد أقبلت، ورايتها قد نصبت، وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض – والله – ختَ من ظهرىا، وقلل الجباؿ ختَ من السهوؿ، ولسالطة الوحوش أسلم من لسالطة الناس ". بٍ قاؿ وىو ينصح لدن وقع في ىذا الأمر: "اشتً نفسك اليوـ، فإف السوؽ قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأبٌ على تلك السوؽ والبضائع يوـ لا تصل فيو إلذ قليل ولا كثتَ، ذلك يوـ التغابن:{وَيـَوْمَ يـَعَضبُّ ال لَّالِ ُ عَلَى يَدَيْهِ يـَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتلَّخَذْتُ مَعَ الرلَّسُولِ سَبِيلاً }" 44 بٍ أردؼ قائلبً:" العامل بغتَ إخلبص، ولا اقتداء كالدسافر لؽلؤ جرابو رملبً يثقلو ولا ينفعو" بٍ قاؿ: في رصف الدتعصبتُ:" وأكثر ما عندىم كلبـ وآراء خرص، والعلم وراء الكلبـ، كما قاؿ حماد بن زيد : قلت لأيوب: العلم اليوـ أكثر أو فيما تقدـ ؟!! فقاؿ: الكلبـ اليوـ أكثر، والعلم فيما تقدـ أكثر ففرّؽ ىذا الراسخ بتُ العلم وبتُ الكلبـ، فالكتب كثتَة جداً، والكلبـ والجداؿ والدقدرات الذىنية كثتَة، والعلم تٔعزؿ عن أكثرىا، 43 آؿ عمراف ، آية : (103. ) 44 الفرقاف ، آية : (27. )

عدد الصفحات ٢١

وىو ما جاء بو الرسوؿ عن الله، قاؿ الله تعا :{فَمَنْ حَاجلَّكَ فِيهِ مِنْ بـَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْ ِ }45 وقاؿ:{وَلَ ِنِ اتـلَّبـَعْتَ أَهْوَاءَهُ ْ مِنْ بـَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْ ِ }46 وقاؿ في القرآف :{أَنـْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}47 أي ومعو علمو "؛ بٍ واصل الإماـ كلبمو قائلبً :" ولدا بعد العهد بهذا العلم، آؿ الأمر بكثتَ من الناس إلذ أف اتٗذوا ىواجس الأفكار، وسوانح الخواطر والآراء، علماً، ووضعوا فيها الكتب، واتفقوا فيها الأنفاس، فضيعوا فيها الزماف، وملؤوا بها الصحف مداداً، والقلوب سواداً، حتى صرح كثتَ منهم، أنو ليس في القرآف والسنة علم، وأف أدلتهما لفظية لا تفيد يقيناً ولا علماً، وصرخ الشيطاف بهذه الكلمة فيهم، وأذف بها بتُ أظهرىم، حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القلوب من العلم والإلؽاف كانسلبخ الحية من قشرتها، والثوب من لابسو " إلذ أف قاؿ:" وقاؿ لر بعض أئمة ىؤلاء : إلظا نسمع الحديث لأجل البركة، لا نستفيد منو العلم، لأف غتَنا قد كفانا ىذه الدؤونة، فعمدتنا على ما فهموه وقرروه، ولا شك أف من كاف ىذا مبلغو من العلم فهو كما قاؿ القائل : نزلـوا بم ـة فـي قبـائل هاشـ ونزلـت بالبطحـاء أبعـد مـنزل قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله في وصف ىؤلاء :" إنهم طافوا على أبواب الدذاىب، ففازوا بأخس الدطلب، ويكفيك دليلبً على أف ىذا الذي عندىم ليس من عند الله ما ترى من التناقض والإختلبؼ، ومصادمة بعضو لبعض؛ قاؿ تعالذ:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ َيْرِ الللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَلِيراً }48 وىذا يدؿ على أف ما كاف من عنده سبحانو لا لؼتلف،وأف ما اختلف وتناقض، فليس من عنده، وكيف تكوف الآراء والخيالات، وسوانح الأفكار ديناً يداف بو، ولػكم بو على الله ورسولو عليو الصلبة والسلبـ، سبحانو ىذا بهتاف عظيم وقد كاف علم الصحابة الذي يتذاكروف فيو، غتَ علوـ ىؤلاء الدختلفتُ الخراصتُ كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قاؿ :" كاف أصحاب رسوؿ الله عليو الصلبة والسلبـ إذا اجتمعوا إلظا يتذاكروف كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس ا .ىػ." كلبـ شيخ الإسلبـ . وىذا لا يعتٍ إنكار القياس كلياً، فمثل قياس العلة أمر لا مفر منو، والبحث معروؼ في موضعو. وبعد؛ ىذا ما استحسنت أف أسجلو في ىذا الدقاـ من كلبـ أىل العلم، للئستدلاؿ على ألعية الدقاـ وىو مقاـ جد خطتَ، كما ترى إذا انشغل جمهور الدسلمتُ اليوـ بتلكم الآراء تاركتُ نصوص الكتاب والسنة وراءىم مهجورة، وكأني بقائل يقوؿ : إف الدسلمتُ لد يهجروا كتاب ربهم ولد يهملوه، بل قد انتشرت 45 آؿ عمراف ، آية : (61. ) 46 البقرة ، آية : (145. ) 47 النساء ، آية: (166. ) 48 النساء ، آية: (82. )

عدد الصفحات ٢٢

في الآونة الأختَة إذاعة القرآف الكرنً في عواصم الدسلمتُ، كما انتشرت مدارس تٖفيظ القرآف في أكثر الددف، بل خصصت الجامعة الإسلبمية، بالددينة الدنورة كلية للقرآف وعلومو الدتنوعة، فكيف يقاؿ : إف الدسلمتُ قد ىجروا القرآف، والحالة ىذه ؟ !! الجواب: إف ما ذكر واقع وىو عمل نافع جليل إف شاء الله، إلا أف الدقدار ليس ىو كل ما لغب على الدسلمتُ لضو القرآف، بل كل ما ذكر إلظا ىي وسائل، ولا ينبغي الوقوؼ عند الوسائل، قبل الوصوؿ إلذ الغاية، لأف الغرض من إذاعة القرآف وحفظو ودراسة علومو ىو المحافظة عليو كدستور للؤمة لغب الحفاظ عليو، كما لغب الرجوع إليو في جميع لرالات الحياة، ولا يكفي أبداً أف لػفظ ويذاع فقط دوف أف يتحاكم إليو في أي شيء، بل لغب أف يكوف ىو الحكم في كل شيء . واعتقاد خلبؼ ىذا خطأ أو مغالطة، لأف عدـ الإحتكاـ إليو مع الإحتكاـ غتَ ما أنزؿ الله يعتبر كفراً بالقرآف، وىجراً لو؛ وىجر القرآف أنواع كثتَة، مع التفاوت بينها، يقوؿ ابن القيم 49 ": ىجر القرآف أنواع خمسة : أحدهما : ىجر سماعو، والإلؽاف بو، والإصغاء إليو. واللاني : ىجر العمل بو والوقوؼ عند حلبلو وحرامو إف قرأه وآمن بو . واللالث : ىجر التحكيم والتحاكم إليو في أصوؿ الدين وفروعو، واعتقاد أنو لا يفيد العلم اليقيتٍ وأف أدلتو لفظية لا لػصل لذا العلم. والرابع : ىجر تدبره وتفهمو، ومعرفة ما أراد الدتكلم بو منو . والخامس : ىجر الإستشفاء بو والتداوي بو في جميع أمراض القلوب، وأدرانها فيطلب شفاء دائو من غتَه ويهجر التداوي بو. وكل ىذا داخل في قولو تعالذ :{وَقَالَ الرلَّسُولُ يَا رَبذِّ إِنلَّ قـَوْمِي اتلَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }50، وإف كاف بعض الذجر أىوف من بعض " ا.ىػ. ىذا ما عنيناه بهجر الدسلمتُ كتاب ربهم وإلعالذم إياه، وكلبـ ابن القيم واضح شامل، ولا شك أف أخطر أنواع ىجر القرآف، ىو ىجر تٖكيمو والإستغناء بغتَه، واعتقاد أنو غتَ صالح لحل مشكلبت العصر، وما في ىذا الدعتٌ من العبارات الإلحادية التي يطلقها بعض الدلحدين اليوـ والتي تبتٍ عن عدـ الإلؽاف بالقرآف، وعدـ الإعتبار بو، إلا أنو آيات تتلى في بعض الدناسبات وتأكيداً لدا ذكرت، أنقل لكم ما قالو عن شريعة الإسلبـ مسئوؿ عربي بدرجة ( وزير ) عندما سئل السؤاؿ الآبٌ: " ما ىو موقف حزب البعث من الدنطق ذي الروح الإسلبمية الذي تعرضو بعض الدوؿ العربية 49 الفوائد. 50 الفرقاف ، آية : (30. )

عدد الصفحات ٢٣

المحافظة في نظرىا للمشكلبت العربية اليوـ ؟ !! أما زاؿ الحزب لزافظاً على نظرتو العلمانية تٕاىها ؟!!". ىكذا نص السؤاؿ . قاؿ الدسئوؿ جواباً على ىذا السؤاؿ:" لضن لطتلف مع الذين يظنوف أف في الإسلبـ الخلبص من الدآزؽ التي تقع فيها الأمة العربية، أما أولئك الذين يعملوف على تنشيطو للحركات الإسلبمية، والشريعة القرآنية فهم لػملوف نظرة لا تتوافق معنا، ولضنُ لا نعتقد بهذه الأشياء ولضن بالتأكيد حزب علماني " إلذ أف قاؿ:" وفي ىذه الدرحلة التارلؼية التي نعيشها، فنحن نعتقد أنو لغب علينا إلغاد طرؽ علمية للتطبيق أكثر من الأدياف "51 وبعد. ىذا ما آلت إليو قيادات الأمة الإسلبمية في كثتَ من البلداف، وىو لػتم على طلبب العلم أف يكرسوا جهودىم في دراسة الكتاب السنة، ليسلحوا أنفسهم بسلبح العلم والدعرفة، ويؤىلوا بذلك أنفسهم للقيادة، بعد إت٘اـ دراستهم، ىادفتُ إصلبح ما فسد من أمر ىذه الأمة الدسكينة، التي وقعت فريسة الإلحاد الشيوعي، الذي أخذ لػلق بها من جميع الجهات، ليفسد عليها أمر دينها ويبعدىا عن إسلبمها وقرآنها وسنة نبيها صلى الله عليو وسلم، كما لغب عليهم أف يهدفوا إلذ تغيتَ ذلك الدفهوـ السائد لدى كثتَ من الأوساط من أف دراسة شريعة القرآف، لا تؤىل الإنساف للقيادة والإصلبح، وحل مشكلبت العصر وأف الذي يتولذ القيادة، يشتًط فيو أف يكوف ( واشنطونيّ ) الفكر أو ( لندنيو )، وأف يكوف ( باريسيّ )، الأخلبؽ أو ( رومانيّها ) وأختَاً أف يكوف ( موسكوي ) العقيدة أو (بكينيّها)، وعلى طلبب العلم الديتٍ أف يغتَوا ىذا التصور الدلحد، ليبينوا للناس أف الدارس للئسلبـ وشريعة القرآف صالح للقيادة، بل يشتًط فيمن يتولذ قيادة الأمة الإسلبمية أف يكوف بعيداً من تلك الدواصفات السابقة الذكر، بل لغب أف يؤمن بالله ربّاً ومعبوداً وبالإسلبـ ديناً ومنهجاً، وبالقرآف دستوراً، وتٔحمد صلى الله عليو وسلم رسولاً وإماماً وأُسوة، وأف يكوف ذا بصتَة وفقو في الدين، لزمديّ الأخلبؽ والسلوؾ والعقيدة، وبالله التوفيق . إذا درسنا الكتاب والسنة بهذه الذمة، وعلم الله منا الصدؽ والإخلبص في ذلك سوؼ يوفقنا الله، ويكلل عملنا بالنجاح بإذنو، لأف الأمر كلو لو، ما شاء كاف، وما لد يشأ لد يكن، وىذا الضرب من الدراسة، نوع من الجهاد، فلتَ الله منكم الإخلبص، والصدؽ في جهادكم أيها الطلبة :{وَاللَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنـَهْدِيـَنـلَّهُ ْ سُبـُلَنَا وَإِنلَّ الللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }52؛ وكل الذي أريد أف أصل إليو أف تعلموا أف ىدؼ الأىداؼ من دراسة ىذا الدنهج الذي تدرسونو في جامعتكم ىذه، أف تٗرجوا إلذ العالد بعد إت٘اـ دراستكم، لتسالعوا في حركة البناء والإصلبح، لإلغاد لرمع مبتٍ على أسس ثابتة، مأخوذة من دراسة الإسلبـ 51 لرلة الجامعة الإسلبمية– العدد الأوؿ – العاـ 11. 52 العنكبوت ، آية: (69. )

عدد الصفحات ٢٤

العظيم، وىي: 1 -الرضى بالله رباً ومعبوداً، وحده الذي لو الحكم وحده، والحكم حكمو، والأمر أمره، والخلق خلقو. 2 -الرضى بالإسلبـ ديناً ومنهجاً وطريقاً إلذ العزة والكرامة، وىو الذي فيو الخلبص من جميع الدشكلبت الدعاصرة، رغم أنوؼ أولئك الذين زعموا أف الإسلبـ ليس فيو الخلبص من الدشكلبت، والخروج من الدآزؽ :{كَبـُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفـْوَاهِهِ ْ إِنْ يـَقُولُونَ إِلالَّ كَذِباً }53 . 3 -والرضى بالنبي لزمد صلى الله عليو وسلم رسولاً وقدوة وأُسوة وإماماً للمتقتُ، وىم الدتبعوف لو. 4 -والرضى بالقرآف الكرنً دستوراً ومنهجاً للحياة الكرلؽة، حياة العز والشرؼ. 5 -والرضي بالسنة النبوية كمصدر ثاف من مصادر التشريع الإسلبمي، يتوقف الدصدر الأوؿ على بيانو، في كثتَ من مواده وأحكامو . إف المجتمع الذي ىذه أسس بنائو، ىو المجتمع الإسلبمي، وكل لرتمع يتخلف في بنائو مادة من ىذه الدواد وتغيب، فهو لرتمع جاىلي، رضي أو أبى؛ والله الذادي وحده . والله ولر التوفيػق . 53 الكهف ، آية: (5. )

عدد الصفحات ٢٥