آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 15 الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام الأدعد تاروخ التقدوم: 25/3/2008 تاروخ القبول: 2/4/2008 الاحتراس في اللغة والاصطلاح وتأدوس المصطلح الاحتراس لغة: عند دراسة المعنى المغوي للبحتراس لابد من دراسة الألفاظ المترادفة ليذا الفن فقد ورد عند البعض باسم الاحتراز، وعند آخرين باسم التكميل، وسنحاول في ىذا العرض أن نرجع الكممات إلى أصميا المغوي من خلبل المعاجم ومن ثم محاولة وضع مفيوم لغوي ليذا المصطمح من خلبل جذور ىذه الكممات، ونبدأ بالاحتراس، ومعناه في المغة : التحفظ في انتباه وتيقظ، وىو من الفعل احترس، يقال: حَرَسَ الشيء يَحْرُسُو ويَحْرِسُو حَرْساً حفظو وىم الحُررَّاسُ والحَرَسُ والأَحْراسُ واحْتَرس منو تَحَررَّزَ وتَحَررَّسْتُ من فلبن واحْتَرَسْتُ منو بمعنى واحد، أَي تحفظت منو(1)، وأحرس بالمكان أقام بو حرساً، قال رؤبة بن العجاج: كَم ناَمَ ْ مِن َدَ ٍ وَرْزِ ... َككَّ َ ْ من ُؤْ َ ٍ وَمْزِ وإرَمٍ أَ ْرَسَ وَ ْقَ َ ْزِ ... َدْ ِ أررٍ مُ نخٍ َ ْزِ (2) ومنو الحَرَسِيُّ وىم حرس السمطان الذين يرتبون لحفظو وحراستو، والاحتراس دفع الإييام (3)، وقيل ىو أن تسرق الشاة وتؤخذ من المرعى (4) . قسم المغة العربية / كمية الآداب/ جامعة الموصل. قسم التربية الإسلبمية / كمية التربية لمبنات / جامعة الموصل. (1 ) :=لسان العرب، ابن منظور : 6/48 مادة(حرس )، والقاموس المحيط، الفيروز آبادي: 692مادة(حرس ). (2 ) :=تاج العروس،الزرَّبيدي: 15/532، مادة(حرس ). (3 ) :=م.ن: 15/531، والمصباح المنير، احمد الفيومي: 1/129 مادة(حرس ). (4 ) :=غريب الحديث، ابن الجوزي : 1/204، والنياية في غريب الأثر، الجزري : 1/367 .
عدد الصفحات ١الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 16 أمن ولا تروز فيو من حرز، يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً إذا حفظتو وضممتو إليك وصنتو عن الأخذ(1)، ومنو الدعاء"الميم اجعمنا في حرزٍ حارز "أي في كيفٍ منيع (2) .أمن ولتكميل، فيو التمام أو الإتمام، يقال كَمَل الشيء يَكْمُل وكَمِل وكَمُل كَمالاً وكُمولاً ، أي تم، وأكممت الشيء، أتممتو، ﭧ ﭨ ﭽﭻ ﭼﭽﭾ ﭿ ﮀﮁﭼ (المائدة:٣)، أي أكممتو وأتممتو، والكامل ضد الناقص وفوق التام، فالشيء يكون ناقصاً، ثم يصير بعد النقص تاماً، ثم يصير كاملبً بحيث لا يقبل الزيادة(3) . مما سبق ذكره يمكن القول أن الاحتراس أو الاحتراز أو التكميل في المغة يعني التحفظ وزيادة الكلبم حتى يبمغ تمامو وصيانتو عن الأخذ . من ىذا يمكن أن نفيم المعنى الاصطلبحي الذي وضعو عمماء البلبغة ليذا الفن بمسميات مختمفة كما سيأتي في ىذا البحث إن شاء ا﵀ تعالى. الاحتراس اصطلاحاً (تأدوس المصطلح): أورد عمماؤنا - رحميم ا﵀ - ليذا الفن البلبغي عدة تعاريف تتشابو في المضمون وا ن اختمفت التسميات عند البعض منيم، وتعددت عباراتو إلا أنرَّو يكاد يتقارب أو يتوحد معناه، فمنيم من أطمق عميو الاحتراس ومنيم من أطمق عميو التكميل ومنيم من سماه الاحتراز . والمتتبع لدلالة الاحتراس عند البلبغيين يجدىا تتحد كثيراً في المضمون، وا ن اختمفت أحياناً في التسميات. ومعنى الاحتراس في اصطلبح البلبغيين لا يكاد يخرج عن معناه عند المغويين إن لم يكن ىو أخذاً منو وتطوراً عنو. وسنقوم بعرض موجز لمسيرة ىذا النوع من الإطناب حتى استقراره مصطمحاً ومفيوماً . بداية لابد من الإشارة إلى أن الاحتراس لم يرد عمى أنرَّو باب مستقل عند الأقدمين من البلبغيين، بل كانوا يعدونو من التتميم ومعانيو، وقبل ذلك كان مجرد إشارات سريعة من غير تسميتو، في حين ورد عمى أنرَّو باب مستقل عند القزويني (1 ) :=لسان العرب : 5/333، مادة حرز، وتاج العروس: 15/102 مادة حرز. (2 ) :=النياية في غريب الأثر : 1/366 . (3 ) :=العين، الفراىيدي : 5/378، والقاموس المحيط: 1362 .
عدد الصفحات ٢آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 17 ومن جاء بعده كما سيأتي. ونستطيع أن نجعل الجاحظ (ت 255 ىـ) أول من ذكر ىذا الفن من غير تسميتو وقد مثلرَّ لو بصورة عامة تحت باب (إصن ة ولمقدور) وقد طرح في باب الكمم الموزون وا صابة المقادير بعض الشواىد الشعرية التي استخدميا من جاء بعده أمثمة لمتكميل أو الاحتراس . منيا قول طَرَفة في المقدار وا صابتو: وسقى دينرَك غير مفسدهن ص ْ ُ ولر يع ديمةٌ تهمي(1 ) فقال الجاحظ معمقاً عمى ىذا البيت: "طمب الغيثَ عمى قَدْر الحاجة، لأن الفاضل ضارّ، وقال النبيُّ () في دعائو: الميمرَّ اسقِنا سقياً نافعاً، لأنّ المطر ربّما جاءَ في غير إبرَّان الزّراعات، وربما جاء والتّمر في الجُرْنِ، والطّعام في البَيادر، وربّما كان في الكثرة مجاوزاً لمقدار الحاجة، وقال النبي () :الميمّ حوالَيْنا ولا عمينا"(2)، وىذه تعد أول إشارة إلى ىذا الفن البلبغي ومن جاء بعده أخذه منو وطوره وىذا ما نجده عند أبي ىلبلٍ العسكري (ت395 ىـ) فقد سماه باسم التكميل وعده والتتميم شيئاً واحداً وأوردىما تحت باب (وي ولتتميم ولتكميل) وقال في تعريفو عنو : "وىو أن توفي المعنى حظو من الجودة وتعطيو نصيبو من الصحة ثم لا تغادر معنى يكون فيو تمامو إلا تورده أو لفظا يكون فيو توكيده إلا تذكره "(3)،وأورد تحتو كلبماً منو تعميقو عمى البيت السابق لطرفة بقولو "فقولو (غير مفسدىا) إتمام المعنى وتحرز من الوقوع فيما وقع فيو ذو الرُّمة"(4)، من ىذا يتبين أنرَّ أبا ىلبلٍ لم يفرق بين التكميل والتتميم وعدىما نوعاً واحداً . وىذا حال من جاء بعده فأبو بكر الباقلبني (ت403 ىـ) لم يفرق بينيما وجعميما بابا واحداً وعدىما من البديع قال عنو: "كقول نافع بن خميفة: ر نل إذو لم يق م و ول ق م هم يعط ه ند و نلسي ف ولق وطع (1 )ديوان طرفة : 82 . (2 )البيان والتبيين: 1/127 . (3 )كتاب الصناعتين: 1/389 . (4 )م.ن: 1/390 .
عدد الصفحات ٣الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 18 وا نما تم جودة المعنى بقولو: "ويعطوه". وذلك كقول ا﵀ عز وجل: (إن ا﵀ عنده عمم الساعة) إلى آخر الآية ثم قال: (إن ا﵀ عميم خبير)"(1) . أما ابن رشيق القيرواني (ت465 ىـ) فأورده تحت مصطمح (ولتتميم ولتكميل) وعدّه نوعاً من أنواع التتميم وليس كل تكميلٍ احتراساً كما عند سابقو وقال عنو: "وبعضيم يسمي ضرباً منو احتراساً واحتياطاً ، ومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلب يدع شيئاً يتم بو حسنو إلا أورده وأتى بو: إما مبالغة، وا ما احتياطاً واحتراساً من التقصير"(2) .وبعد العسكري والقيرواني أخذ المصطمح يتشكل شيئاً فشيئاً وخرج من تحت التتميم إلى باب مستقلٍ غير التتميم وأول من ميزه من التتميم ابن سنان الخفاجي (ت466ىـ) إذ إنو ذكره تحت اسم "التحرز" أي الاحتراز وقال عنو "أن يأتي بكلبم لو استمر عميو لكان فيو طعن، فيأتي بما يتحرز بو من ذلك الطعن كقول طرفة : وسقى دينرك غير مفسدهن ص ولر يع ديمة تهمي فمولم يقل:غير مفسدىا لظن بو أنو يريد توالي المطر عمييا، وفي ذلك فساد لمديار ومحو لرسوميا "(3). ويمكننا عدُّ أسامة بن منقذ(ت 584 ىـ) أول من أفرد ىذا الفن في بابٍ مستقلٍ وأطمق عميو اسم "الاحتراس " وقال عنو: "اعمم أن الاحتراس ىو أن يكون عمى الشاعر طعنٌ، فيحترس منو، كما ﭧ ﭨ ﭽﮆ ﮇ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌ ﮍ ﮀﭼ لأنرَّ الاشتراك في المصيبة يخفف منيا، ويسمي عنيا، فأعمميم تعالى أّنو أول ما يعاقبيم بو لا يميميم التأسي، ولا يقضي عمييم بالتسمي "(4)،فيذه أول إشارة صريحة في باب مستقل ليذا الفن البلبغي البديع . وىكذا نجد أنرَّ من جاء بعد ابن سنان أخذ يحده بالكلبم نفسو تحت مصطمحي التكميل أو الاحتراس، وا ن كان بعضيم قد فرق بين المصطمحين، كما فعل ابن أبي الإصبع المصري (ت654ىـ) حين أفرد الاحتراس في باب خاص لو (1 )إعجاز القران : 147 . (2 )العمدة في محاسن الشعر وآدابو : 2/50 . (3 )سر الفصاحة: 265 . (4 )البديع في البديع في نقد الشعر: 90 .
عدد الصفحات ٤آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 19 وقال عنو: "ىو أن يأتي المتكمم بمعنى يتوجو عميو دخل، فيفطن لو، فيأتي بما يخمصو من ذلك"(1)، وأفرد التكميل في باب مستقل أيضاً وقال عنو: "وىو أن يأتي المتكمم أو الشاعر بمعنى من معاني المدح أو غيره من فنون الشعر وأغراضو، ثم يرى مدحو بالاقتصار عمى ذلك المعنى فقط غير كامل، فيكممو بمعنى آخر، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ورأى مدحو بالاقتصار عمييا دون الكرم مثلبً غير كامل، فكممو بذكر الكرم، أو بالبأس دون الحمم، وما أشبيو"(2)، والفرق عنده بينيما أنرَّ التكميل لا يكون إلا في المدح أما الاحتراس فيكون في الكلبم مدحاً كان أو غيره، والمعنى في التكميل تام قبمو وليس ىو نفسو مع الاحتراس . وعمى خطى ابن أبي الإصبع سار بدر الدين بن مالك (ت 686ىـ) حين فرق بين التكميل والاحتراس فقال عن ىذا الأخير : "أن تأتي في المدح وغيره بكلبمٍ فتراه مدخولاً بعيبٍ من جية دلالة منطوقو أو فحواه، فتردفو بكلبمٍ آخر لتصونو عن احتمال الخطأ"(3)، وقال عن التكميل: "أن تأتي بشيءٍ من فنون الكلبم تراه ناقصاً لكونو مدخولاً بعيب من جية دلالة مفيومو، فتكممو بجممة ترفع عنو النقص، مثل أن تجيد مدح رب السيف بالكرم دون الشجاعة، أو رب القمم بالبلبغة دون سداد الرأي ونفاذ العزم، فتراه ناقصاً، فتذكر معو كلبماً يكمل المدح ويرفع إبيام الذم"(4)، والمعيار في التفريق عنده ىو نفسو عند سابقو، ولا نرى داعياً إلى التفريق والفصل بينيما، فكلبىما واحد كما لا يخفى؛ وليذا من جاء بعدىم لم يفرق بينيما بل أطمق عميو اسم التكميل أو الاحتراس، وىذا حال القزويني (ت739ىـ) فقد استقر عنده المصطمح وعرفو بقولو : "وىو أن يؤتى في كلبم يوىم خلبف المقصود بما يدفعو، وىو ضربان : ضرب يتوسط الكلبم..... وضرب يقع (1 )تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر : 2/245 . (2 )م.ن: 2/245- 246 . (3 )المصباح في المعاني والبيان والبديع: 224 . (4 )المصباح في المعاني والبيان والبديع: 225 .
عدد الصفحات ٥الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 20 في آخر الكلبم"(1 )وىذا أوضح وأدق تعريف وتقسيم ليذا الفن؛ لأن الاحتراس يكون من الاحتمال الخاطط سواء أكان قريباً أم بعيداً . أما الحمبي (ت 725ىـ) فقد أورد كلبم ابن أبي الإصبع المصري حولو والأمثمة نفسيا (2)، أما ابن القيم (ت751ىـ) فقد ذكره من غير تسميتو بقولو : "ىو أن يذكر لفظاً ظاىره الدعاء بالخير والنفع وذلك بما في ضمنو مما يوىم الشر فيذكر كممة تزيل ذلك الوىم وتدفع ذلك الوىن"(3)، وىذا ىو الاحتراس نفسو . وىكذا استقر المصطمح بعد ىذه الفترة وبخاصة بعد القزويني إذ بان المصطمح ووضح، كما ىو الحال عند الزركشي ( 794هـ)(4)، والسيوطي ( 911هـ)(5)، والبغدادي( 1093هـ)(6 )والمدني(ت1120ىـ)(7)، وغيرىم، إذ لم لم يخرج لا اصطلبحاً ولا مفيوماً عن سابقييم. خلبصة القول مما سبق ذكره يتبين أن التكميل والاحتراس ىما اسمان أطمقا عمى مسمى واحد، يدل عمى زيادة إطنابية في الكلبم لفائدة يدفع بيا المتكمم إيياماً اشتمل عميو كلبمو. ويكون ىذا الاحتراس حينما يأتي المتكمم بكلبم يوىم خلبف ما يريد، فيأتي بعده بكلبمٍ يدفع بو ذلك الإييام. وسبب تفضيمنا لاسم الاحتراس عمى التكميل أو التحرز؛ لأن بعض العمماء أطمق اسم التكميل عمى التتميم، ففضمنا اسم الاحتراس حتى لا يمتبس النوعان عمى القارئ . والاحتراس يوجد في أرفع الكمم لتحقيق غرضٍ بلبغي، وقد يوجد في كلبم أىل الخطب الارتجالية عمى سبيل التدارك لما جاء في كلبميم من دخلٍ، ففطنوا إليو فاحترسوا منو تكميلبً (8) .ىذه ىي مسيرة الاحتراس من أول إشارة لو عمى يد الجاحظ، وحتى استقراره عمى يد القزويني ومن جاء بعده . (1 )الإيضاح في عموم البلبغة: 192 . (2 )حسن التوسل إلى صناعة الترسل : 287 . (3 )الفوائد المشوق إلى عموم القران : 131 . (4 ) :=البرىان في عموم القران : 3 :64-66 . (5 ) :=الإتقان في عموم القران : 2/199 . (6 ) :=خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : 9/57 . (7 ) :=أنوار الربيع في أنواع البديع : 285 . (8 ) :=البلبغة العربية أسسيا، وعموميا، وفنونيا، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني : 84 .
عدد الصفحات ٦آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 21 ذروط الاحتراس: إنْ كان بعضيم قد جعل الاحتراس والتتميم شيئا واحداً، والبعض الآخر فرق بينيما، كان لابد لنا من بيان شروط كل فن وصفاتو واختلبفو عن الآخر لكي لا يُتوىرَّم ان كمييما فن واحد، ونبدأ بالاحتراس الذي من شروطو(1) : 1. لا يأتي الاحتراس في بداية الكلبم، ولا يكون إلا في وسط الكلبم أو نيايتو . 2. تتنوع صور الاحتراس، فتارة يكون مفرداً بالحرف أو الفعل أو الاسم، وتارة غير مفرد (جممة) فعمية كانت أو اسمية، ليا محل من الإعراب، أو ليس ليا محلٌ من الإعراب. 3. يأتي لنكتة بلبغية، ىي دفع التوىم الموجب لمعيب في الكلبم. 4. يكون بأساليب عدة منيا المقابمة والطباق، والترقي، وغيرىا من الأساليب . 5. يكون فضمة واردة في الكلبم، وغير فضمة . أما التتميم فيتوافق مع الاحتراس في بعض الشروط ويختمف عنو في بعضيا، إذ أن التتميم يأتي لنكتة ولكنيا ليست لدفع التوىم الموجب لمعيب في الكلبم كما في الاحتراس، ويمكن بيان شروط كل فن من الاحتراس والتتميم في الجدول الآتي حتى يُرى الفرق بينيما: ولا تروس ولتتميم 1 يرد في وسط الكلبم وآخره . يرد في وسط الكلبم وآخره . 2 تتنوع صوره في الكلبم . تتنوع صوره في الكلبم . 3 يكون فضمة وغير فضمة. لا يكون إلا فضمة. 4 يكون لنكتة ىي دفع التوىم في الكلبم. يكون لنكتة غير دفع التوىم. 5 يجعل الكلبم التام كاملبً. يجعل الكلبم الناقص تاماً . 6 يكون متمما ومكملبً لمعاني النفس وأغراض الشعر. يكون متمماً لمعاني النفس لا لأغراض الشعر. (1 ) :=حاشية الدسوقي(ضمن شروح التمخيص ): 3/231-233 .
عدد الصفحات ٧الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 22 من ىذا يتبين الفرق بين الاحتراس والتتميم، أنرَّ الاحتراس يجعل الكلبم التام كاملبً، والتتميم يجعل الكلبم الناقص تاماً، والاحتراس لدفع التوىم بخلبف التتميم، والتتميم يكون متمماً لمعاني النفس لا لإغراض الشعر ومقاصده والاحتراس يكمميا جميعاً . بلاغة الاحتراس في الكلام: يمكن أن مل ولأغرور ول لاغية للا تروس من ي تي : 1. الاحتياط، وصيانة الكلبم عن احتمال الخطأ وفساد المعنى. 2. إكمال المعنى، ودفع التوىم(الإييام) الموجب لمعيب والنقص في الكلبم. 3. المبالغة في المعنى المراد من مدحٍ أو ذمٍ، أو غيرىا من المعاني. 4. تحسين الكلبم وتجميمو من خلبل ىذه الزيادة الإطنابية . الاحتراس في الكلام العربي (النثر والشعر): الاحتراس بوصفو فناً من فنون البلبغة، وطريقة من طرائق الإطناب استعممتيا العرب في نثرىا وشعرىا ليفيد أغراضاً ما كانت لولا ىذا الفن مع ما يفيده من دفع الإييام والشك عن قوليا، وسنورد عدداً من الأمثمة لنبين أصالة ىذا الفن ووظيفتو في الكلبم. فمن أمثمته وي ول ديث ول ي ما روتو أم المؤمنين عائشة -رضي ا﵀ عنيا - عن النبي() أنو قال ليا: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع ) ثم أنشأ يحدث بحديث أم زرع وصواحبيا قال: (اجتمع إحدى عشرة امرأة فتعاىدن وتعاقدن أن ينعتن أزواجين ويصدقن، فقالت إحداىن: زوجي عياياء طباقاء كل داء لو داء........ قالت الأخرى : زوجي الري ح ريح زرنب والمس مس أرنب أغمبو ول نس يغم ..)(1)، ففي قوليا( ول نس يغم ) احتراس حسن جميل، لأنيا لو قالت وأغمبو وسكتت، لقال قائل:إن رجلبًًُ تغمبو امرأة لضعيف(2)، فجاء (1 )صحيح البخاري، البخاري، باب حسن المعاشرة مع الأىل، حديث رقم (4893 :) 5/1989، والسنن الكبرى، النسائي، باب شكر المرأة لزوجيا، حديث رقم (9839 :) 5/354 . (2 )تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر : 2/247 .
عدد الصفحات ٨آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 23 قوليا(والناس يغمب) احتراساً من ذلك، وناسبت بين قرائنيا بجممة تتضمن معنى الاحتراس مما يتوجو عمى معنى المدح وا بعاد الدخل الذي ينقص بو المعنى، وبيذا الاحتراس الحسن أثبتت المرأة لزوجيا الشجاعة ولم تنقص من قدره . ومنو أيضاًًَ قولو ()(( :مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَمِّي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ ولْفَرِيوَةِ إِلا بَنَى المرَّوُ لَوُ بَيْتًا فِي الْجَنرَّةِ ))(1)، ففي قولو() (غير الفريضة ) تكميل واحتراس لئلب يظن احد أن المقصود من ىذه الركعات الصموات الخمس المكتوبات فخرج بقولو (غير الفريضة ) إلى النوافل، وفي ىذا الاحتراس ترغيب في الحث عمى إقامة السنن من الصموات لأنرَّ فييا الأجر العظيم الذي لا يخفى كما مر في الحديث. أما في ول عر ولعر ي فأمثمتو كثيرة ومتنوعة، منيا قول طرفة بن العبد يدعو لأحدىم بمطر نافع: وسقى دينرك غير مفسدهن ص ولر يع ديمة تهمي فقولو (غير مفسدىا) فضمة واردة (جممة اعتراضية ) توسطت البيت الشعري ووقعت بين متلبزمين لرفع الإييام الحاصل ممن يدعو عمى الديار بكثرة المطر ليكون مفسداً ليا، فجاءت ىذه الفضمة احتراساً وتكميلبً لممعنى وصيانتو عن الفساد، أي احتراس عن المطر الشديد المسترسل الذي يسبب الخراب والدمار للؤرض من طمس آثارىا ومحو معالميا، فنزول المطر قد يكون سبباً لذلك، والشاعر ذكر في البيت (الديمة) التي معناىا (المطر المسترسل )، (وتيمي) التي بمعنى (تسيل) والمطر إذا زاد وكثر كان فيو مضرة لا فائدة، فدفع الشاعر ىذا التوىم بقولو (غير مفسدىا) وصان المعنى من الخمل والأخذ الذي لولا ىذا الاحتراس لكان (2) .ومثمو قول جرير : وسقنك يث مم غير وقيد ٍ هزج ولر وح ديمة لا تقمع (3) (1 )صحيح ابن حبان، ابن حبان، باب النوافل، حديث رقم (2451 :)6/204 . (2 ) :=سر الفصاحة: 265، والبديع في البديع: 91 . (3 )ديوان جرير : 244 .
عدد الصفحات ٩الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 24 ففي قولو(غير فقيدة) احتراس، ذلك انو جرت العادة أن يدعى لمغائب الميت بالسقي، فجاء قولو (غير فقيدة) تكميل لما أراد من دنوىا وسقياىا غير راحمة ولا ميتة(1) .ومنو أيضاً قول ابن المعتز يصف الخيل: خيل ط وهن ولسير تى ك هن أ ن ي سمر من ا ن ول طِّ ذُيكَّلُ ص ن ميهن ظنلمين سينطنـو وطنر هن أيد سروع أر ل (2) فقولو(ظالمين) فضمة واردة معترضة بين الفاعل ومفعولو جاءت وسط الشطر الأول من البيت الثاني لتفيد معنى الاحتراس والتكميل، فمو لم يذكر (ظالمين) لأوىم من ان ىذا الضرب نتيجة بطئيافي المشي وثقميا في السير، أو كونيا متبمدة لا تجري إلا بالضرب، فأنيى وقطع بقولو (ظالمين) سؤالاً معترضاً بقولو: إنما ضربت ىذه الخيل لبطئيا، وىذا خلبف المقصود لأنرَّ المقام مقام مدحٍ كما لا يخفى(3) . من أمثمة هذو ولفن أيونً ا ل كع ولغ ي من اصيد ٍ له وي رثنء أخيه أ ي ولمغ ور: َميمٌ إذو من ول ِممُ زَيكَّنَ أَهمَهُ مَعَ ول ِممِ وي َينِ ولعَدُ ّ َمَهي ُ (4) ففي قولو(إذا ما الحمم زين أىمو ) احتراس من وقوع الإييام من أن يكون حممو ناتجٌ عن عجزٍ، فأزال الاحتراس ىذا الوىم، إذ لولاه لكان المدح مدخولاً فبعض التغاضي قد يكون من عجزٍ، وا نما يزين الحمم أىمو إذا كان عن قدرة، ثم رأى أن يكون مدحو بالحمم وحده غير كامل، لأنو إذا لم يُعرف منو إلا الحمم طمع فيو عدوه فاحترس احتراساً ثانياً بقولو (وي َينِ ولعَدُ ّ َمَهي ُ )(5) .ومنو أيضاًا ل تر ن دود : أَث ي َمَيكَّ ِمن َمِم ِ وَإِ كَّ ي سَمحٌ مُخنلَقَتي إذو لَم أُظمَمِ (6) (1 ) :=معجم البلبغة العربية، بدوي طبانة : 1/186 . (2 )ديوان ابن المعتز: 364 . (3 ) :=سر الفصاحة: 266 . (4 )جميرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي : 134 . (5 ) :=حسن التوسل إلى صناعة الترسل، الحمبي : 288 . (6 )جميرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي : 147 .
عدد الصفحات ١٠آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 25 فقولو(إذو لم وظمم) احتراس، دلرَّ بو عمى انو قد يخالف فيرجع إلى الحق والصواب راضياً، ولكنو لا يقبل الظمم عمى نفسو، فدل بيذا الاحتراس عمى عفوه وسماحتو في الحق من غير الانتقاص من شجاعتو(1) .ومن أمثمتوا ل ول منسي: من من م ن سيد وي ورو ه لا طُلكَّ م ن يث كنن اتيل(2) فانو لو اقتصر عمى وصفيم بشمول القتيل إياىم لأوىم ىذا أنرَّ ذلك لضعفيم وقمتيم، فصدر البيت وان تضمن وصفيم بالإقدام والصبر ربما أوىم العجز والضعف؛ لان قتل الجميع يدل عمى الوىن والقمة، فأزال ىذا الوىم بالاحتراس بوصفيم بالانتصار عمى من قاتميم وبأخذىم الثأر، فكمل حسنو في قولو (ولا طُلرَّ منا حيث كان قتيل)(3)، ومنو قول أبي الطيب المتنبي: َتَ تَقِرُ ولدُ ين وِ تِقنرَ مُ َرِّ ٍ يَرى كُلكَّ من ويهن َ ن نكَ ون ِين(4) فقولو( ن نك) احتراس من دخولو كل من ما فييا (5)، ومنو قولو أيضاً: إِذو خَمَ مِ كَ ِمصٌ لا خَمَ أَ َدوً وَلا سَقنهن مِنَ ول َسمِيِّ نكِرُهُ (6 ) نكِرُهُ(6 ) ففي قولو(لا خم أ دوً ) احتراس وتكميل من توىم الدعاء عميو (7) .وغيرىا من الأمثمة التي ورد فييا ىذا النوع من الإطناب -الاحتراس -لا يسع المقام لذكرىا، وكلّ ما مضى يبين أصالة وجمالية ىذا الفن البلبغي في أدائو ودفعو كل ما يشوب الكلبم من عيبٍ ونقصٍ، كما تبين ىذه الأمثمة أصالة ىذا الفن في الكلبم (1 ) :=عمم المعاني، درويش الجندي: 184 . (2 ) :=حسن التوسل إلى صناعة الترسل : 288 . (3 ) :=م.ن: 288 . (4 )ديوان المتنبي: 339 . (5 ) :=إعراب القران الكريم وبيانو، محي الدين الدرويش : 3/432 . (6 )ديوان المتنبي: 37 . (7 ) :=إعراب القران الكريم وبيانو : 3/432 .
عدد الصفحات ١١الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 26 العربي فقد ورد في كلبم أفصح الفصحاء وابمغ البمغاء سيدنا محمد () وفي الشعر العربي، وان العرب استعممتو في كلبميا نثراً وشعراً، لتؤدي مقاصد ما كانت لتؤدييا لولا وجود ىذا النوع البديع من الإطناب . الاحتراس في القران الكروم: قسم البلبغيون الاحتراس إلى قسمين وذلك بحسب موقعو من الكلبم، فقالوا بأنو ضربان : ضربٌ يتوسط الكلبم وضرب يأتي في نيايتو، غير أننا لا نرى في ىذا التقسيم الثنائي جمالية ودلالة لما يؤديو الاحتراس من وظائف في الكلبم ما كانت لولاه، لذا ارتأينا تقسيمو بعد جمع شواىده في القران الكريم، والاطلبع عمييا والتأمل فييا إلى أربعة أقسام : 1. ولا تروس ولودي، أي أن يكون لفظ الاحتراس ضد لفظ المحترس منو . 2. ولا تروس ولتكميمي، أي أن يكون لفظ الاحتراس مكملبً ومتمماً لممعنى. 3. ولا تروس ولتهكمي، أي أن يكون في لفظ الاحتراس تيكم وسخرية . 4. ولا تروس ولمتراي، أي أن يكون في لفظ الاحتراس مترقياً عن المفظ المحترس منو وأعمى درجة . وسنقوم ببيان كل واحد من ىذه الأقسام، ونورد تحتو مثالين نبين من خلبليما جمالية ىذا الفن مع ذكر الأمثمة المتناظرة لكل قسم في اليامش عمى سبيل المثال لا الحصر. أولاً . الاحتراس الضدي: من أمثمة ىذا النوع في القران الكريم (1 )قولو تعالى: {يَا أَيُّيَا الرَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدرَّ مِنكُمْ عَن دِينِوِ فَسَوْفَ يَأْتِي المّوُ بِقَوْمٍ يُحِبُّيُمْ وَيُحِبُّونَوُ أَذِلكَّةٍ َمَى ولْمُؤْمِ ِينَ أَ ِزكَّ ٍ َمَى ولْكَنوِرِينَ يُجَاىِدُونَ فِي سَبِيلِ المّوِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ المّوِ يُؤْتِيوِ مَن يَشَاءُ وَالمّوُ وَاسِعٌ عَمِيمٌ }( المائدة54 .) (1 )ينظر عمى سبيل التمثيل قولو تعالى في: (البقرة /139)،(البقرة /284)،(آل عمران / 46)، (الأنعام/103)،(الإسراء /83)،(الإسراء /110 .)
عدد الصفحات ١٢آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 27 تخاطب ىذه الآية الكريمة المؤمنين عمى وجو التحذير والوعيد، من انو من يرتد منيم عن دينو، ويرجع عن الحق الذي تمسك بو ويبدلو بغيره، وينقمب من الإيمان إلى الكفر، فإنرَّ ا﵀ غنيٌ عنو وسيأتي بقومٍ آخرين مكانيم يحبيم ويحبونو، أذلة عمى المؤمنين، أعزة عمى الكافرين، يجاىدون في سبيل ا﵀ ولا يخافون لومة لائم، ويعد الارتداد ىنا من الغيبيات التي اخبر عنيا القرآن قبل وقوعيا، فكأنيا تحذير من أمر واقع في المستقبل القريب كما حصل مع مسيممة، وأسود العنسي وغيرىم من العرب ممن ارتدوا عن طريق الحق والصواب فضموا وأضموا. وىذه الآية جمعت صفات الأمة الإسلبمية التي عمى الحق واليداية أمثال الصحابة والتابعين ومن سار عمى نيجيم وبفيميم، بل ان ىذا الوصف جاء مدحاً ليم؛ لأنرَّ المؤمنين الذين كانوا مع النبي عميو الصلبة والسلبم، ىم حينيا فئة الحق ونشروا الإسلبم، فلب يميق بيم إلا إظيار الغضب ﵀، والحب في ا﵀ والبغض في ا﵀، وىم أقوى المؤمنين إيماناً فلب جرم أن يكونوا أعزة عمى الكفار الذين يعادونيم ولا يخشوىم، وفي مقابمو أذلة لينون عمى إخوانيم من المؤمنين، وجاء الجمع بين ىاتين الصفتين (ولذل-ولعز) عمى سبيل الاحتراس لتكتمل صفاتيم في أعمى درجاتيا ورفعتيا، فيذا الفن البميغ جاء في الآية ليدفع الإييام الذي كان ليحصل لولا وجوده، من إثبات كمال الصفات ليذه الطائفة المختارة، فبعد أن وصفيم سبحانو وتعالى بأنو يحبيم ويحبونو ذكر بأنيم (أذلة عمى المؤمنين)، وأذلة كما لا يخفى جمع ذليل الذي ىو ضدُّ العزيز، كما يقال رجل ذليل في القوم أي غير عزيز، فدفع ما قد يشوب ىذا الوصف لممؤمنين من أن أحدىم قد يتصور أن ىذا الذل ىو من ضعف وجبن واستكانة، فدفعو بما يضاده ويقابمو في المغة بقولو: (أعزة عمى الكافرين )، فكانت ىذه الجممة احتراساً مما قد يشوب الآية من نقصٍ وعيب فانو لما كان وصفيم بالذلة يوىم انو من ضعفيم دفع ىذا الإييام بضده بقولو (أعزة عمى الكافرين )، ليبين أن ذلتيم في جانب المؤمنين ما كانت إلا تواضعاً منيم، بدليل أنيم أعزة عمى الكافرين، أي أشداء
عدد الصفحات ١٣الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 28 أقوياء عمييم، وليذا عدي(الذل) بحرف الجر (عمى) مع انو يتعدى باللبم، وذلك لتضمينو معنى العطف فكأنو قال: عاطفين عمى وجو التذلل والتواضع لإخوانيم، وىذا مما يميز المؤمنين عن غيرىم؛ لأنرَّ شرف الإخوة بشرف التقوى والإيمان والعمل الصالح وحسن التواضع وكرم الخمق الذي يجعل صفرَّ الجماعة والمؤمنين كالبنيان المرصوص يشد بعضو بعضاً، وىذا مما يؤيد أن ذلتيم ليست قائمة عمى الضعف بل ىي قائمة عمى التواضع والعطف عمى المؤمنين(1)، ويجوز أن يراد بيذه التعدية الدلالة عمى انيم مع شرفيم وعمو طبقتيم وفضميم، خافضون أجنحتيم لممؤمنين، ومما يعضد ىذا المعنى ما ورد عنو () قولو عن المؤمنين وصفاتيم: "ولْمُسْمِمُ نَ تَتَكَنوَ ُ دِمَنؤُهُمْ يَسْعَى ِذِمكَّتِهِمْ أَدْ َنهُمْ َيُ ِيرُ َمَيْهِمْ أَاْصَنهُمْ َهُمْ يَدٌ َمَى مَنْ سِ َوهُمْ يَرُددُّ مُ ِددُّهُمْ َمَى مُوْعِفِهِمْ َمُتَسَرِّيهِمْ َمَى اَن ِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ ِكَنوِرٍ َلاَ ذُ َهْدٍ وِي َهْدِهِ "(2). وفي ىذا الاحتراس في الآية بالجمع بين النقيضين إرشاد وتعميم لممؤمنين وبيان حاليم مع بعضيم ومع عدوىم، من خلبل حسن تعامل أبنائو بعضيم مع بعض ورحمة بعضيم ببعض، وتكافميم وتناصرىم، واتساع صدورىم لإخوانيم، فالأخ الذي يضيق ذرعاً بإخوانو، ولا يحسن حوارىم ومخاطبتيم، لا يتحمى بيذا الخمق وىكذا، بل تراحميم فيما بينيم ىو الذي يزيدىم قوة ليقفوا وقفة العز والكرامة في وجو أعداء ا﵀ والإسلبم، ومكرىم وكيدىم لممسممين، وىذا ما عبر عنو شاعر الإسلبم محمد إقبال بقولو(3) : ي تسم ولمسـمم وـي سـممه ن راـة ولمنء لين ول رير ت صـر ولف لاذ وي ـزمه إذو د ى ولدو ي ندى ول فير ومما يعضد معنى الاحتراس ويقويو قولو تعالى (يجاىدون في سبيل ا﵀ ولا يخافون لومة لائم ) فثبتت ليم بيذه الآيةأحسن الصفات من شجاعة وقوة وبأس (1 ) :=الكشاف، الزمخشري : 296، والإيضاح في عموم البلبغة: 181، وعمم المعاني، درويش الجندي: 183-184 . (2 )صحيح البخاري، باب في الديات والعقل، حديث رقم (663:) 1/260 . (3 ) :=خصائص الأمة الإسلبمية الحضارية كما تبينيا سورة المائدة، د . إبراىيم الكيلبني : 165 .
عدد الصفحات ١٤آداب الراػدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 29 وغيرىا من صفات الرجال بأنيم يدافعون عن حمى ا﵀ ورسولو ويذودون عن أعراض المسممين ولا تأخذىم في نصرة دينيم لومة لائم . وىذا كمو بفضل ا﵀ ومنّو عمييم فيو الذي يزيدىم قوة وا يماناً، وىو الذي أحبيم فثبتيم عمى الحق، فلب ينبغي لمسمم-كما تنبّو الآية-أن يغفل عن فضل ا﵀ ومنّتو، وما يقتضيو من شكره وعبادتو، وىذا ما يدعو المؤمنين لنيل فضل ا﵀ ونصرة دينو (1) .وفي تنكير (ل مة) في قولو (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ) بلبغة لا تخفى فكأنو قيل لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللبئمين، فيم لا يبالون بمن لاميم أياً كان لأنيم أشداء صُلبرَّب في دين ا﵀ لا يخافون فيو أحداً (2) . ومن أمثمة ىذا النوع من الاحتراس الضدي قولو تعالى : {مُّحَمرَّدٌ ررَّسُولُ المرَّوِ وَالرَّذِينَ مَعَوُ أَ ِدكَّوء َمَى ولْكُفكَّنرِ رُ َمَنء َيْ َهُمْ تَرَاىُمْ رُكرَّعاً سُجرَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلبً مِّنَ المرَّوِ وَرِضْوَاناً سِيمَاىُمْ فِي وُجُوىِيِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَمُيُمْ فِي الترَّوْرَاةِ وَمَثَمُيُمْ فِي الإِْنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْمَظَ فَاسْتَوَى عَمَى سُوقِوِ يُعْجِبُ الزُّررَّاعَ لِيَغِيظَ بِيِمُ الْكُفرَّارَ وَعَدَ المرَّوُ الرَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِمُوا الصرَّالِحَاتِ مِنْيُم مرَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }( الفتح29) .وىذه الآية تشبو سابقتيا من حيث المعنى، فيي تصف الرسول محمد () وأصحابو بأجمل صورة وأبمغيا عن طريق التشبيو التمثيمي البميغ إذ انو ضرب ليم مثلبً بزرعٍ مباركٍ، نما بسرعة في أرضٍ طيبة، فأخرج (شطأه) فراخو وفروعو، واشتد فظير فيو الحب (فَآزَرَهُ فَاسْتَغْمَظَ ) فقوي الزرع حتى صار غميظاً، بعد أن كان دقيقاً (فَاسْتَوَى عَمَى سُوقِوِ ) فوقف الزرع بنفسو، واستقام عمى أصولو، ونبت فيو الحب وازدىر (يُعْجِبُ الزُّررَّاعَ لِيَغِيظَ بِيِمُ الْكُفرَّارَ ) حتى يعجب ىذا النبات الفلبحين لقوتو وكثرتو وحسن نباتو، ليغتاظ بيم أعداء ا﵀ تعالى، وىذا مثل ضربو ا﵀ تعالى لأصحاب الرسول كانوا قمة فكثروا، وضعفاء فقواىم ا﵀ تعالى، حتى عز بيم دينو، وصار الإسلبم كالطود الراسخ، وانتشر في آفاق الدنيا، يملؤ الأرض خيراً وعدلاً، ونوراً وبراًًُ، ولم يزل أمرىم يزداد يوماً بعد يوم، (1 ) :=خصائص الأمة الإسلبمية الحضارية كما تبينيا سورة المائدة : 166 . (2 ) :=الكشاف: 296 .
عدد الصفحات ١٥الاحتراس في القرآن الكروم: درادة بلاغوة أ.م.د. احمد ػتحي رمضان و م.م. عدنان عبد السلام 30 حتى دخل الناس في دين ا﵀ أفواجاً ولما كان وجو التشبيو صورة منتزعة من متعدد، سمي تشبييا تمثيمياً، فالزرع محمد عميو الصلبة والسلبم، والأفراخ أصحابو رضوان ا﵀ تعالى عمييم أجمعين، وىو مثلٌ بديع في غاية الحسن والجمال(1) . وفي ىذه الآية جاء الاحتراس في قولو (رُ َمَنء َيْ َهُمْ ) بالطريقة نفسيا التي جاء بيا في المثال الأول في آية المائدة غير أنرَّ ىذا الاحتراس عكس المثال الأول، لأنرَّ فيو استدراكاً من ضعفٍ، أما ىذا ففيو استدراك من قسوة، وفي ىذه الآية الكريمة لو لم يذكر (رُ َمَنء َيْ َهُمْ ) لوقع في بعض النفوس من أنرَّ ىؤلاء المؤمنين أجلبف وقساة في التعامل، فدفع ىذا الإييام بالاحتراس بقولو (رُ َمَنء َيْ َهُمْ ) فعمم بيذا الفن واكتمال الوصف بالمقابمة بين النقيضين الشدة والرحمة، أن سبب شدتيم ىو عدم موالاتيم لأىل الكفر، ولاسيما أن كفار مكة في بداية الدعوة كانوا شديدي القسوة عمى المؤمنين، فعامميم القران بالمثل (2)، فضلبً عن أن في ىذا الاحتراس اكتمالاً لصفات المؤمنين كسابقتيا فـ" في الجمع ليم بين ىاتين الخمتين المتضادتين الشدّةِ والرحمة إيماء إلى أصالة آرائيم وحكمة عقوليم، وأنيم يتصرفون في أخلبقيم وأعماليم تصرف الحكمة والرشد فلب تغمب عمى نفوسيم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل بالجبمة وعدم الرؤية"(3) .ويجوز أن يكون الاحتراس بجممة (أَشِدرَّاء عَمَى الْكُفرَّارِ ) فيكون من الاستدراك من الضعف، يعني أنيم يستعممون الشدة في مواضعيا، ويستعممون المين في مواضعو. وفي تعميق (رحماء ) مع ظرف (بين) المفيد لممكان الداخل وسط ما يضاف ىو إليو تنبيو عمى انبثاث التراحم فييم جميعاً كما قال النبي () :"تَرَى ولْمُؤْمِ ِينَ وِي تَرَو ُمِهِمْ َتَ َودِّهِمْ َتَعَنطُفِهِمْ كَمَثَلِ ولْ َسَدِ إذو و ْتَكَى ُوْ ٌ تَدَو َى لَهُ سَناِرُ َسَدِهِ ِنلسكَّهَرِ َولْ ُمكَّى"(4 )وىذه الصفات ىي صفات المؤمنين الكُمرَّل ان أحدىم يكون متواضعاً لأخيو متعززاً عمى عدوه(5) . (1 ) :=الإبداع البياني في القران الكريم . محمد عمي الصابوني: 311- 312 . (2) حدائق الروح والريحان في روابي عموم القران، محمد الأمين اليرري : 27/327 . (3 )التحرير والتنوير، ابن عاشور : 26/173 . (4 )صحيح البخاري، باب رحمة الناس والبيائم، حديث رقم (5665 :)5/2238 . (5 ) :=التحرير والتنوير : 26/173 .
عدد الصفحات ١٦