دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 44، العدد4، ملحق3،2017 - 1 - 2017 عمادة البحث العلمي وضمان الجودة/ الجامعة الأردنية. جميع الحقوق محفوظة. الردّ على تصحيح الدّوخيّ القول المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه "وّددت أني لم أحرق بيت فاطمة" محمد عودة الحوري * ملخص قمت في هذا البحث بالردّ على الباحث يحيى الدّوخيّ ، في تصحيحه القول المنسوب إلى أبي بكر رضي الله عنه " وددت أني لم أحرق بيت فاطمة"، وبينت أنّ هذا القول لم يقله أبو بكر البتة، وإنما هو تحريف لعبارة" وددت أني لم أكشف بيت فاطمة" ، الواردة في حديث مكذوب على أبي بكر، وبينت أنّ الحديث مردود؛ بهدم الأسس التي بنى عليها الدّوخيّ تصحيحه، وذلك بالتخريج الموسع للحديث، والدراسة المستفيضة لحال علوان بن داود الذي يدور عليه الإسناد، وتتبع أحكام النقاد عليه، وبينت أنه من رواة مرتبة الترك ، فلا يجوز الاعتداء بخبره ، فضلا عن الاحتجاج به الكلمات الدالة: السّنّة النّبويّة، الشّبهات، أبو بكر الصدّيق، الشّيعة. المقدمـة الحمد لله رب العالمين، ((الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)) (التوبة: 33)، القائل جل شأنه: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللََِّّ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِْسْلاَمِ وَاللََُّّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ ال ظَّ الِمِينَ ( 7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللََِّّ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللََُّّ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّ هِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) (الصف 7-9)، والصلاة والسلام على ((رَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُْمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللََِّّ وَكَلِمَاتِهِ)) ( الأعراف: 158) القائل: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (1)، والقائل: "هل أنتم تاركون لي صاحبي، هل أنتم تاركون لي صاحبي، إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعا. فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت" (2)، وبعد، فإنّ الصراع بين الحق والباطل قديم متجدد، وصوره متنوّعة، ولعلّ من أبرزها النَّيل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ خاصّة الشّيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والحطّ من مكانتيهما، وأبرزها صورة ما ينسب للشيخين رضي الله عنهما، زورا وبهتانا، اعتداءهما على فاطمة، بنت رسول الله رضي الله عنها، وصلى الله وسلم وبارك على أبيها، وكتب أهل الأهواء مليئة ببهتان يفترونه عليهما، وليس في ذلك جديد، فإنها سُنّة الحاقدين على هذا الدِّين، منذ الفتنة الأولى، وإنما الجديد الذي يُطلّ علينا، ويكشفه هذا البحث، أنّ يقول أحد باحثيهم وهو الدكتور يحيى الدوخي (3): أنّ في كتب علماء أهل السنة ما ينصر مذهبه المنحرف، ويدعم عقيدته الباطلة، مما يطعن بالشيخين، خاصّة أبي بكر رضي الله عنه، وأنّ ذلك القول المزعوم، مرويّ بالسّند، صحيح من جهة الرّواية والدّراية، وأنّ صحّته قائمة على مذهبنا أهل السّنة في الجرح والتّعديل، فههنا أصور حال المعتدي الآثم، وأتمثّل قول القائل: "بلغ الحزامُ الطُّبْيَيْن، وخلف السَّيْلُ الزُّبي، وبلغ الأمرُ فوق قدْره، وطمع في الأمر من لاَ يدفع عَنْ نفسه" (4). فوجب التّصدي لذلك، ودراسته، وبيان الخطأ والصواب، والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل سبب اختيار الموضوع السّبب الرئيسيّ لاختياري الكتابة في هذا الموضوع ، هو زعم الباحث يحيى الدّوخيّ، أنّ القول المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه: * كلية الشريعة ، جامعة اليرموك، الأردن . تاريخ استلام البحث 17/2/2016، وتاريخ قبوله 8/6/2016.
عدد الصفحات ١الردّ على تصحيح... محمد عودة الحوري - 2 - "وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة(5) صحيح، وفق المباني السنّيّة لعلم الجرح والتّعديل، وقد سمّى الدّوخيّ كتابه باسم مثير للاهتمام، فقال: "ظلامة الزّهراء في روايات أهل السنّة دراسة تأريخيّة حديثيّة تحليليّة وفق المباني السنّيّة في علم الدّراية والرّجال"، ويعدّ أسلوب هذا الكتاب في الطّرح مع عنوانه خطرا: على عاميّ جاهل؛ إذ ربما خُدع بمعسول كلام الدّوخيّ وتلبيسه، ولآخر حاقد مغرض، يستغلّ كلامه لتشكيك العامّة. مشكلة الدراسة يمكن صياغة مشكلة الدّ راسة بالأسئلة الآتية: 1. هل صحّ أن أبا بكر رضي الله عنه قال"وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة"؟ 2. ما أقوال نقّاد الجرح والتّعديل في هذه المقولة، وفيمن نسبها إلى أبي بكر رضي الله عنه؟ 3. كيف صحّح الباحث يحيى الدّوخيّ نسبة هذا القول إلى أبي بكر رضي عنه؟ 4. وهل أقام تصحيحه على أسس علمية وفق مذهب أهل السنّة في الجرح والتّعديل كما زعم؟ أهداف الدّراسة تهدف هذه الدّراسة إلى: بيان وجه الحق في تصحيح الدّوخيّ عند نسبة هذا القول إلى أبي بكر رضي الله عنه. وذلك بـ: 1. تحقيق نسبة قول "وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة" إلى أبي بكر رضي الله عنه 2. بيان كيف نسب هذا القول إلى أبي بكر رضي الله عنه 3. تتبع مصادر القصّة التي بسببها نسب هذا القول إلى أبي بكر رضي الله عنه. 4. دراسة أسانيد هذه القصّة وبيان أقوال النقّاد فيها الدّراسات السّابقة بعد بحث وتتبع، وجدت هذا الموضوع تم تناوله على الشبكة العنكبوتية، ويعدّ الشيخ عبد الرحمن دمشقيّ ة(6) رائد من تناوله، وناقش الشيعة فيه، على موقعه المسمّى فيصل النّور. وعنه أخذ من ردّ على الشيعة من كتّاب أهل السنّة وباحثيهم. وهذه الدّراسة التي قدّمها الشيخ دمشقيّة، على أهميتها، غير كافية في الردّ على الدّوخيّ؛ لأسباب ثلاثة: 1. إنّ دراسة الدّوخيّ جاءت ردّا على كتابات الشيخ دمشقيّة، وزعم في ها أنه اعتمد أسس الجرح والتّعديل عند أهل السنة للردّ على الشيخ دمشقيّة، ولم أجد من ردّ عليه أسسه التي ناقش فيها الشيخ دمشقية. 2. إنّ الشيخ دمشقيّة فاته بعض الأمور، أهمّها عدم التّحققّ من صحة نسبة القول بلفظ" أحرق" لأبي بكر رضي الله عنه. 3. إنّ ردود الشيخ دمشقية تقوم على الإجمال، دون التفصيل والاستقراء. منهج البحث قام هذا البحث على منهجين رئيسين هما: المنهج الاستقرائي؛ وذلك لتتبع القول المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه، وكذا تتبع أقوال النقاد في رواته، وأحكامهم عليه. ثم المنهج التحليلي النقدي؛ وذلك لتحليل كلام الدّوخيّ ونقده، وسأقوم في المبحث الأول بالرد الإجمالي على كلام الودخي دون تخريخ عبارة "وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة" أو دراستها، وسيكون موضع ذلك المبحث الثاني- إن شاء الله تعالى-، وسأنقل عبارات الدوخي بما وقع فيها من أخطاء طباعية وإملائية، أو خلل في علامات الترقي م. خطة البحث جاء هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة: المبحث الأول: منهجية الدوخي في تصحيح نسبة قول "وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة" إلى أبي بكر رضي الله عنه والرد عليها. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: البحث المنهجي عند الدّوخيّ.
عدد الصفحات ٢دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 44، العدد4، ملحق3،2017 - 3 - المطلب الثاني: البحث السّندي عند الدّوخيّ. المطلب الثالث: البحث الدّلالي عند الدّوخيّ. المبحث الثاني: دراسة القصّة سبب نسبة قول "وددت أني لم أحرق بيت فاطمة" لأبي بكر رضي الله عنه. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تتبّع القصّة في الكتب التي روتها بأسانيدها ودراستها. المطلب الثاني: تتبّع القصّة في الكتب التي ذكرتها بدون أسانيد ودراستها. المطلب الثالث: أحكام النقّاد على القصّة. الخاتمة: وفيها أبرز النتائج. المبحث الأول منهجية الدوخي في تصحيح نسبة قول "وددت أنّي لم أحرق بيت فاطمة" إلى أبي بكر رضي الله عنه والرد عليها بنى الدّوخيّ تصحيحه ما نسب إلى أبي بكر رضي الله عنه من قول على ثلاث قضايا، تمثلها المطالب الآتية، وهي: المطلب الأ ول: البحث المنهجي عند الدّوخيّ بداية أسوق كلام الدّوخي حرفيّا كما ورد في كتابه، قال الدّوخيّ : "الشبهة الأولى: قال الدمشقية: وددت أني لم أحرق بيت فاطمة. (قول أبي بكر) فيه علوان بن داود البجلي... قال البخاري وأبو سعيد بن يونس وابن حجر والذهبي: "منكر الحديث"... جواب الشبهة: نقول- والكلام للدّوخيّ -: أخرج هذه الرواية الحافظ أبو عبيد في الأموال، وابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة، واليعقوبي في تأريخه، والطبري في تاريخه، وابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد، والمسعودي في مروج الذهب، والطبراني في المعجم الكبير، وابن عساكر في تأريخه، وضياء الدين المقدسي الحنبلي في الأحاديث المختارة، حيث قال : هذا حديث حسن عن أبي بكر، والمتقي الهندي في كنز العمال(7). في حين أننا نجد أنّ ا لكاتب أغفل ذكر هذه المصادر، وكان عليه أنّ يذكرها مع السند ويناقشها، لكي يكون التحقيق موضوعياً وعلمياً . وأنقل للقارئ – ولا زال الكلام للدوخي - الرواية بلفظ الطبري، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا علوان عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: أنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي تو فى فيه... قال أبو بكر رضى الله تعالى عنه، أجل إني لا آسى على شيء من الدنيا، إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلاث ترك تهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وأنّ كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً، و وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر وأبا عبيدة، فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً، وأما اللاتي تركتهن فوددت أني يوم أتيت بالأشعث ابن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إليّ أنه لا يرى شراً إلا أعان عليه، ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصّة، فأنّ ظفر المسلمون ظفروا، وأنّ هزموا كنت بصدد لقاء أو مدداً (8)، وودت أني كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله ومد يديه، ووددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحد، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب، ووددت أنى كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة، فأنّ في نفسي منهما شيئاً (9)"(10). إلى هنا انتهى كلام الدّوخيّ بحروفه قلت– الباحث-: وقبل أنّ أناقش الدوخي فيم ذكر، أريد التنبيه إلى قضية محورية في هذا البحث، وهي أنّ القول المنسوب إلى أبي بكر "وددت أني لم أحرق بيت فاطمة"، هكذا بلفظ "أحرق"، لا يوجد البتة في أيّ مرجع كان، وإنما الموجود لفظ " أكشف".
عدد الصفحات ٣التنبيه إلى قضية محورية في هذا البحث، وهي أنّ القول المنسوب إلى أبي بكر "وددت أني لم أحرق بيت فاطمة"، هكذا بلفظ "أحرق"، لا يوجد البتة في أيّ مرجع كان، وإنما الموجود لفظ " أكشف". وهنا يؤخذ على الشيخ عبد الرحمن دمشقية - حفظه الله-مع جهوده الكبيرة في الدفاع عن الصحابة الكرام، والردّ على الشّيعة، عدم تنبيهه على هذا، فقال:" قالوا أنّ الصّدّ يق رضي الله عنه، قال: " وددت أني لم أحرق بيت فاطمة" وقد ذكرنا الرد على هذا، وقلنا أنّ في الرواية علوان بن داود..."(11).
عدد الصفحات ٣الردّ على تصحيح... محمد عودة الحوري - 4 - فكلام الشيخ دمشقية مشعر بأنّ لفظ العب ارة صحيح، وإنما الردّ من جهة الراوي، والواقع أننا أمام عبارة مكذوبة لا تصح، ومع ذلك حرَفت، فهي مكذوبة مرتين. وهذا ما دعا أحد كتّاب مواقع الشّيعة حينما تـنبّه لهذا أنّ يعتذر؛ فقد جاء في موقع منتديات الإمام الحسين ما حرفه: (رد شبهة عدم قول ابو بكر ((وددت اني لم احرق بيت فاطمة ع)) في محاولة لطمس جرائم ائمتهم بحق اهل البيت ع) . تنويه: اعتذر منكم ايها الافاضل كان هناك خطأ طباعي في العنوان وددت أنّ اصححه :رد شبهة عدم قول ابو بكر ((وددت اني لم اكشف بيت فاطمة ع))"(12). قلت- الباحث-: فلا أدري هل هذا جهل من الدّوخيّ؛ فلم يتفطن للفرق كما تنبه إليه هذا الكاتب!! أم أنه خبث، وسوء طويّة؛ حيث استهواه أنْ ينسب مثل هذا الكلام لأبي بكر رضي الله عنه فسكت. ثم بعد ذلك أقول: لم يفصح لنا الدّوخيّ عن سبب اقتصاره على ذكر هذه المراجع فحسب؛ مع أنّ القصّة مذكورة في كتب أخرى، كما سيأتي في المبحث الثاني، ويسجّل على الدوخي هنا أنه لم يميّز في المصادر التي ساقها، بين مَن روى القصّة بسند، ممن ذكرها بدون سند، مع أنه عاب على الشيخ دمشقية أنه لم يذكر أسانيد هذه القصّة، ولم يناقشها. فإن قيل: بم تفسر ذلك؟ قلت: هذا كاشف لنا عن محاولة تدليس؛ هي إيهام كثرة المصادر، والتي ربما يَعتَقِد من خلالها أنه يمكنه تصحيح الرواية التاريخية، وإن كانت بدون سند، كما صرح الدّوخيّ نفسه في مقدمة كتابه(13)، وفي هذا من التلبيس ما فيه، خاصة إذا علمنا أنّ مرد تلك المصادر جميعها إلى راو واحد، هو مدار رواية تلك القصّة. ثم ما أسرع أن ناقض الدوخي نفسه، فالمطلوب أن يذكر الأسانيد، ويناقشها، كما طلب من الشيخ دمشقية أنْ يفعل، لكننا نجده يقتصر على ذكر الرواية من مرجع واحد، هو تاريخ الطبري، دون أن يبين سبب اقتصاره على هذا المرجع. وأما تفسير ذلك؛ فهو أنّ الدّوخيّ لا يستطيع أن يسرد أسانيد هذه الرواية من الكتب التي روتها بالأسانيد، لأنه سرعان ما سيظهر الاضطراب فيها، واكتفى بذكرها من مصدر واحد؛ ليوهم أنه إسناد واحد، يمكنه أنْ يصححه. و سأبين– إن شاء الله تعالى- بطلان هذا الأمر بالتّفصيل، وهو موضوع المطلب الأوّل من المبحث الثاني، بعون الله تعالى. ثم نرجع إلى الدوخي مرة أخرى، وإلى سياقه رواية الطّبري، حرفيّا كما زعم. وأسجل عليه ملحوظات: الأولى: أنّ المراجع التي ذكرها ليست سواء، فمنها ما يذكر القصّة بالإسناد، ومنها ما يحذف الأسانيد، فكيف يقول لنا إنّ الدراسة الموضوعية، العلمية، تقتضي ذكر أسانيد القصّة، ودراستها - وهي كذلك فعلا- ثم يذكر لنا مصادر تروي بدون أسانيد!!، فماذا ندرس؟ الثانية: أنّ القصّة التي ذكرها، واختار لها تاريخ الطبري مرجعا وحيدا، موجودة في معظم المصادر التي ذكرها، وليس جميعها، وهذا ما سيكشفه لنا المبحث الثاني بإذن الله تعالى. وأما نقله الحرفي للقصة من تاريخ الطبري فأسجل عليه ملحوظات كذلك، هي: الأولى: أنه بتر من النصّ أوَّله، نعم، وضع نقاطا تشير إلى المحذوف، لكنه لم يبين للقارئ أنه هو الذي حذف، وليس الطبري. فإن قيل ما المحذوف؟ ولم حذفه؟ قلت: المحذوف، هو قول الراوي: "فَأَصَابَهُ مُهْتَم ا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَصْبَحْتَ وَالْحَمْدُ للََِِّّ بَارِئًا! فقال ابو بكر رضى الله عَنْهُ: أَتَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي وَلَّيْتُ أَمْرَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ أَنْفُهُ مِنْ ذَلِكَ، يُرِيدُ أنّ يَكُونَ الأَ مْرُ لَهُ دُونَهُ، وَرَأَيْتُمُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلُ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ حَتَّى تَتَّخِذُوا سُتُورَ الْحَرِيرِ وَنَضَائِدَ الدِّيبَاجِ وَتَأَلَّمُوا الاضْطِجَاعَ عَلَى الصُّوفِ الأَذْرِيِّ، كَمَا يَأْلَمُ أَحَدُكُمْ أنّ يَنَامَ
عدد الصفحات ٤بِلُ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ حَتَّى تَتَّخِذُوا سُتُورَ الْحَرِيرِ وَنَضَائِدَ الدِّيبَاجِ وَتَأَلَّمُوا الاضْطِجَاعَ عَلَى الصُّوفِ الأَذْرِيِّ، كَمَا يَأْلَمُ أَحَدُكُمْ أنّ يَنَامَ عَلَ ى حَسَكٍ، وَاللََِّّ لئنّ يَقْدَمُ أَحَدُكُمْ فَتُضْرَبُ عُنُقُهُ فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنّ يَخُوضَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا وَأَنْتُمْ أَوَّلُ ضَالٍّ بِالنَّاسِ غَدًا، فَتَصُدُّونَهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ يَمِينًا وَشِمَالا يَا هَادِيَ الطَّرِيقِ، إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ أَوِ البجر، فَقُلْتُ لَهُ: خَفِّضْ عَلَيْكَ رَحِمَكَ اللََُّّ، فَأنّ هَذَا يَهِيضُكَ فِي أَمْرِكَ إِنَّمَا النَّاسُ فِي أَمْرِكَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ رَأَى مَا رَأَيْتَ فَهُوَ مَعَكَ، وَإِمَّا رَجُلٌ خَالَفَكَ فَهُوَ مُشِ يرٌ عَلَيْكَ وَصَاحِبُكَ كَمَا تُحِبُّ، وَلا نَعْلَمُكَ أَرَدْتَ إِلا خَيْرًا، وَلَمْ تَزَلْ صَالِحًا مُصْلِحًا، وَأَنَّكَ لا تَأْسَى عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا" (14). وأما سبب حذفه، فهو ما فيه من إثبات فضل أبي بكر رضي الله عنه، وحرصه على وحدة الأمة، ووصيت ه بالخلافة لعمر رضي الله عنه من بعده، وزهده في الدنيا، وهذا مما يشرق به مبغضو أبي بكر رضي الله عنه. الثانية: أنه وضع هامشا عند كلمة (مددا)(15)، من القول المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه: "ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصّة، فإن ظفر المسلمون، ظفروا، وإن هزموا، كنت بصدد لقاء أو مددا". كتب في هذا الهامش (هكذا في الأصل). ولم يذكر للقارئ أنّ هذا الهامش من صنع يديه، وليس من صنع المحققين كما يوهم ظاهره.
عدد الصفحات ٤دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 44، العدد4، ملحق3،2017 - 5 - فإنّ قال قائل: لِمَ وَضَع هذا الهامش؟ قلت: أراد منه أنْ يعرِّض بأبي بكر رضي الله عن ه، وينتقص منه، بأنه يتكلّم بكلام غير مفهوم، فإنّ عبارة (هكذا في الأصل) يستخدمها محققو الكتب، عند وجود كلام غير مفهوم في أصل النصّ. الثالثة: أنه بتر من النصّ آخره كذلك، وهو قول الطبري: "وحدثني محمد بن إسماعيل المراديّ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال: حدثني الليث، عن علوان بن صالح، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنّ أبا بكر الصديق، رضى الله تعالى عنه، قال: ثم ذكر نحوه، ولم يقل فيه، عن أبيه" (16). قلت: وفي هذا الكلام من الطبريّ، تنبيه واضح على الاختلاف في إسناد هذا الحديث، من حيث: وصله، وإرساله، واسم علوان. الرابعة: أنّ الطّبري رحمه الله، نصّ على أنّ في كتابه هذا ما يستنكره القارئ، ويستشنعه السامع، فقال: "فما يكن في كتابي هذا، من خبر، ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معن ى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا"(17). قلت: وهذا ما يصدق على قصة علوان هذا، فلا يمكن أنْ يصدر من أبي بكر رضي الله عنه، أدنى إساءة لبضعة رسول صلى الله عليه وسلم، كيف يصدر عنه!! وهو الصديق، الصادق، المصدق، القائل: "وَاللََِّّ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي" (18). المطلب الثاني: البحث السندي عند الدّوخيّ وفيه ذكر الدّوخيّ أمورا؛ أراد منها الخلوص إلى توثيق علوان بن داود، وتصحيح الرواية: الأول: إنّ دمشقية، أغفل توثيق ابن حبّان لعلوان بن داود، ثم تحدث الدوخي عن مكانة ابن حبّان في الجرح والتعديل، ونقل قول الذهبي فيه، وأنه مرجع في الثقات، ثم نقل عن السيوطي، أن الحازمي يقول في تصحيح ابن حبّان للأحاديث: أن غاية ما في الأمر، أنّ ابن حبّان، يجعل الصحيح حسنا...، وخلص بعد ذلك إلى ثقة علوان(19). قلت– الباحث-: وفي هذا الموضع سأكشف فقط تدليس الدّوخيّ أو جهله، أمّا حال علوان، واستيعاب أقوال النقاد فيه، فمحلها المبحث الثاني– بإذن الله تعالى-، وأما هنا فيكفي الردّ بالقول: أولا : إنّ ابن حبّان لم يوثق علوانا، وإنما ذكره في كتابه الثقات، ومع هذا، فقد بيّن ابن حبّان رحمه الله، أنّ الراوي يكون عدلا إذا لم يعلم فيه جرح، قال في مقدمة الثقات: "الْعدْل من لم يعرف مِنْهُ الْجرْح ضد التَّعْدِيل فَمن لم يعلم بجر ح فَهُوَ عدل إِذا لم يبين ضِ دّه"(20)، فوصف العدل هنا لا يصدق على علوان؛ فقد جرحه غير واحد كما سيأتي ثانيا: إنّ ابن حبّان نصّ على أنّ خبر الثقة حتى يقبل لا ينبغي أن يكون منكرا (21)، وهذا كذلك لا يصدق على خبر علوان هذا- إن سلمنا بكونه ثقة- فهو خبر منكر بنص العلماء، كما سيأتي كذلك. ثالثا: ثم اعتماد الدّوخيّ على كلام الذهبي هنا في مكانة تعديل ابن حبّان مسلّم له حينما ينصّ ابن حبّان على توثيق الراوي بلفظ صريح في التوثيق. رابعا : يلزم الدوخي الذي يستشهد بكلام الذّهبي أنْ يقبل حكم الذهبيّ على علوان وحديثه بالنكارة، لكننا نجده ينتقي من كلام العلماء، ما يظنّه صالحا لنصرة مذهبه، وهنا أقول له ما قاله الذهبي في ترجمة عمارة بن حديد: "ولا يفرح بذكر ابن حبان له في الثقات، فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف" (22). خامسا: وأما نقله الدّوخيّ عن الحازميّ، فليس له نصيب فيما نحن بصدده، فابن حبّان لم يخرج الحديث في صحيحه حتى يستشهد الدوخي بكلام الحازمي، لكنها عادته - بئست العادة- في التدليس والتلبيس. الثاني: توثيق منكر الحديث
عدد الصفحات ٥زميّ، فليس له نصيب فيما نحن بصدده، فابن حبّان لم يخرج الحديث في صحيحه حتى يستشهد الدوخي بكلام الحازمي، لكنها عادته - بئست العادة- في التدليس والتلبيس. الثاني: توثيق منكر الحديث قال الدّوخيّ: "ليس بالضرورة أنّ يكون (منكر الحديث) ضعيفا، فقد يطلق هذا المصطلح على الثقة أيضا" (23). وهنا لم يفرّق الدّوخيّ، بين قول العلماء في الرّاوي "منكر الحديث"، وقولهم "له أحاديث منكرة"، وجعلهم في مرتبة واحدة، بل ذهب الدوخي أبعد من ذلك، فقال: "أنّ البخاري وهو إمام الصّنعة عند القوم قد روى عن منكر الحديث... وحينئذ نسأل: كيف أنّ البخاري يصف علوان بن داود منكر الحديث ولا يمكن الاحتجاج به؛ ثم نجده يخرج لمن له نفس هذه التهمة، فإما أنه وقع تهافت في كلامه وهو سهو منه، واما أنه يرى أنّ منكر الحديث ليس بالضرورة أنّ يكون حديثه ساقطا كما وضحناه سابقا، أو أنه يرى أنّ يكتب حديثه ويحتج به... والثاني هو الأقرب للصواب" (24). قلت– الباحث-: أما عدم التّ مييز بين منكر الحديث وله مناكير، فهذا مخالف لما عليه نقّاد الصنعة، ولم يكلّف نفسه بيان الفرق
عدد الصفحات ٥الردّ على تصحيح... محمد عودة الحوري - 6 - بينهما عند النقّاد– مع زعمه أنّ دراسته ستكون وفق مذهب أهل السنة في النّقد - ويردّ عليه قول ابن دقيق العيد: "روى أحاديث مناكير، لا يقتضي بمُجرَّده تركَ روايته، حتى تكثرَ المناكير في روايته، وينتهيَ إلى أنّ يقال فيه: منكر الحديث" (25). زاد السخاوي "لأِنّ مُنْكَرَ الْحَدِيثِ وَصْفٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّرْكَ لِحَدِيثِهِ. وَالْعِبَارَةُ الأُْخْرَى لاَ تَقْتَضِ ي الدَّيْمُومَةَ"(26). قلت: وهذا مع مراعاة أن كلام النقّاد، وابن دقيق العيد، والسّخاوي، في التفريق بين المصطلحين حينما يكون الراوي مكثرا من الرواية، وتقع المناكير في روايته. وليس الأمر كذلك ههنا فنحن أمام راو ليس له إلا حديث واحد منكر. وأما قول الدوخي: "أنّ البخاري وهو إمام الصنعة عند القوم قد روى عن منكر الحديث..."؛ فهذا من تخليطه المتعمد، وتلاعبه بالألفاظ، نعم، وجد فيمن طعن عليه من رجال البخاري مَن قال فيه بعض النقاد "منكر الحديث"، وعدتهم اثنا عشر، لكنّ حالهم العام ليس كذلك، وتفصيل ذلك: ثلاثة ممن انفرد الأزدي بوصفهم ب "منكر الحديث"، بينما وثقهم النقّاد و ضعفوا الأزدي، واثنان ممن انفرد ابن سعد بوصفهم ب "منكر الحديث" بينما وثقهم النقاد، وثلاثة انفرد الإم ام أحمد بوصفهم ب "منكر الحديث" بينما وثقهم غيره، مع مراعاة قول ابن حجر: " هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله "(27)، وواحد وصفه بذلك أبو حاتم وأثنى عليه البخاري وهو شيخه، وواحد قال النسائي: ليس به بأس وهو منكر الحديث، ووثقه غيره، وواحد قال فيه أبو زرعة منكر الحديث، ووثقه غيره، وواحد انفرد البرديجي بوصفه بمنكر الحديث، ووثقه غيره، قال ابن حجر فيه: "أوردت هذا لئلا يستدر ك، وإلا فمذهب البرديجي، أنّ المنكر هو الفرد، سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة، فلا يكون قوله "منكر الحديث" جرحا بينا..."(28()29). وأما تساؤل الدّوخيّ، واحتمالاته لدلالة منكر الحديث عند البخاري، فجوابه: أنّ البخاريّ لم يقل في راو منكر الحديث ثم أخرج له، ليقال بعد ذلك: وقع تهافت في كلامه وسهو، ودلالة منكر الحديث عند البخاريّ، ومرتبة من قال فيه البخاريّ منكر الحديث، أبانها البخاريّ نفسه، فقال: "كلّ مَن قلت فيه منكر الحديث؛ فلا تحلّ الرّواية عنه"(30). الثالث: قاعدة ابن عدي في كتابه الكامل: ذكر الدوخي قول ابن عدي في مقدمة كتابه الكامل: "وذاكر في كتابي هذا، كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيهم فجرّحه البعض، وعدّله البعض الآخر، ومرجّح قول أحدهما؛ مبلغ علمي، من غير محاباة، ولاَ يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلاَّ من هو ثقة أو صدوق"(31). وبنى الدوخي على هذا الكلام قاعدة،هي: من لم يذكرهم ابن عدي في الكامل فهو ثقة، وبنى على هذا أنّ علوان بن داود، ثقة عند ابن عدي، لأنه لم يترجم له في كامله!! (32). قلت– الباحث-: والغريب هنا أنّه قال ثقة، ولم يقل "أو صدوق" كما هو ظاهر كلام ابن عدي! وعلى هذا، فإنّ الوضّاعين، والكذّابين، والمجاهيل ، الذين ذكروا في كتب العلماء، ولم يذكرهم ابن عدي في كامله، فهم: إمّا ثقة أو صدوق!! ويكفي لبيان بطلان مثل هذا الكلام، المتهافت، أنّ نعلم عدد من ذكرهم ابن عدي في كامله، وهم ( 2206)، ومن ذكرهم الذهبي في ميزانه ( 11053)، فهناك عشرات الرواة الثقات عند ابن عدي، فق ط لأنه لم يذكرهم!!، وهذا الكلام قطعا لم يرده ابن عدي، ولا يقوله من عنده أدنى معرفة بصناعة النقد. الرابع: تصحيح الضياء المقدسي لرواية أبي بكر رضي الله عنه. قال الدّوخيّ: "أضف إلى ذلك أنّ الرواية صححها الضياء المقدسي في المختارة كما تقدم، حيث قال عنها: هذا حديث حسن عن أبي بكر"(33).
عدد الصفحات ٦تصحيح الضياء المقدسي لرواية أبي بكر رضي الله عنه. قال الدّوخيّ: "أضف إلى ذلك أنّ الرواية صححها الضياء المقدسي في المختارة كما تقدم، حيث قال عنها: هذا حديث حسن عن أبي بكر"(33). قلت– الباحث-: وأفضل ما يقال هنا، أنّ الضياء خفي عليه حال علوان هذا، كما خفي عليه حال ضعفاء هلكى آخرين، وأخرج لهم ما تفردوا به، كما هو الحال هنا (34). المطلب الثالث: البحث الدلالي عند الدّوخيّ قال الدّوخيّ : "أما دلالة الحديث التي فيها مؤاخذات على الخليفة أبي بكر، من كشف بيت فاطمة عليها السلام، وحرق الفجاءة السلمي، وتردده في سؤال رسول الله في أمر الخلافة، وتردده في سؤاله صلى الله عليه وآله عن ميراث ابنة الأخ. فهذا كاشف أنّ الخليفة نادم على جملة أمور، ود لو لم يفعلها، وأمور ود انه فعلها، لتغيّرت مجرى الأحداث في السقيفة وفي غيرها، وكذلك بعض الأمنيات تمناها الخليفة كاشفة عن جهل وعدم إدراك، كحرقه للسلمي، وكذلك جهله بميراث ابنة الأخ والعمة.
عدد الصفحات ٦دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 44، العدد4، ملحق3،2017 - 7 - والذي يهمنا هو كشفه لبيت فاطمة عليها السلام الذي أقر نفسه بهذا الفعل، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز، ف ثبت بذلك صدق هذا الفعل"(35). ثم عمد الدوخي إلى الإتيان باعترافين على صحة الواقعة – كما يزعم -، الأول: نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية، قال الدوخي: "ابن تيمية يعترف بكبس بيت فاطمة عليها السلام، قال ابن تيمية في منهاج السنة: غاية ما يقال إنه كبس البيت ل ينظر هل في شيء من مال الله... نقول: ابن تيمية اعترف ضمنا بأنّ البيت قد كبس وهذا كاف في صدق ما روي في الجملة. أما كلامه ا لآخر فهو مجرد عصبية ليس إلا..."(36). والثاني: لكاتب سعودي معاصر اسمه: حسن بن فرحان المالكي(37)، نقل عنه الدوخي قوله: "ولكن حزب علي كان أقل عند بيعة عمر منه عند بيعة أبي بكر الصديق نظرا لتفرق الأول عن علي بسبب مداهمة بيت فاطمة في أول عهد أبي بكر، فكانت لهذه الخصومة والمداهمة وهي ثابتة بأسانيد صحيحة... منها ما أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه" (38). قلت– الباحث-: بداية، أسجل أن الدوخي لم يستطع أنّ يخفي بغضه لأبي بكر رضي الله عنه، وانتقاصه من مكانته، فقال: "وكذلك بعض الأمنيات تمناها الخليفة كاشفة عن جهل وعدم إدراك، كحرقه للسلمي، وكذلك جهله بميراث ابنة الأخ والعمة.. .". فيلحظ هنا كيف يصرّ الدّوخيّ على نسبة أبي بكر رضي الله عنه – وحاشاه- إلى الجهل، معتمدا على رواية موضوعة. وإذا بحثنا عن حقيقة حرق أبي بكر رضي الله عنه للسّلميّ، نجدها حكاية لا تروى إلا من طريق سيف ابن عمر الضبّى: مصنّف الفتوح، والردّة، وغير ذلك، ويلخص لنا الذهبي حال سيف، فيقول:" هو كالواقدي، يروى عن هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين. كان إخباريا عارفا... وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبّان: اتهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر"(39). مع أنّالرواية- لو صحت- لا يفهم ما قاله الدّوخيّ، بل مراجعة النفس منقبة عظيمة، تسجل لصاحبها لا عليه. ويسجل هنا على الدّوخيّ بتره للنصوص، ليستطيع تحريف معناها، فتمام عبارة ابن تيمية هو: "قَالَ الرَّافِضِيُّ (40)" :الثَّامِنُ: قَوْلُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَكْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ لَمْ أَكْبِسْهُ (41)،... وَالْجَوَابُ: أنّ الْقَدْحَ لاَ يُقْبَلُ حَتَّ ى يَثْبُتَ اللَّفْظُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَيَكُونَ دَالا دَلاَلَةً ظَاهِرَةً عَلَى الْقَدْحِ، فَإِذَا انْتَفَتْ إِحْدَاهُمَا انْتَفَى الْقَدْحُ، فَكَيْفَ إِذَا انْتَفَى كُلٌّ مِنْهُمَا؟! وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا أنّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَقْدَمْ عَلَى عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الأَْذَى، بَلْ وَلاَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْمُتَخَلِّفِ عَنْ بَيْعَتِهِ أَوَّلاً وَآخِرًا. وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ كَبَسَ الْبَيْتَ لِيَنْظُرَ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ اللََِّّ الَّذِي يُقَسِّمُهُ، وَأنّ يُعْطِيَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَهُمْ لَجَازَ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنّ يُعْطِيَهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ. وَأَمَّا إِقْدَامُهُ عَلَيْهِمْ أَنْفُسِهِمْ بِأَذًى، فَهَذَا مَا وَقَعَ فِيهِ قَطُّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَال دِّينِ، وَإِنَّمَا يَنْقُلُ مِثْلَ هَذَا جُهَّالُ الْكَذَّابِينَ، وَيُصَدِّقُهُ حَمْقَى الْعَالَمِينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: أنّ الصَّحَابَةَ هَدَمُوا بَيْتَ فَاطِمَةَ، وَضَرَبُوا بَطْنَهَا حَتَّى أَسْقَطَتْ. وَهَذَا كُلُّهُ دَعْوَى مُخْتَلِقٍ، وَإِفْكٌ مُ فْتَرًى، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَرُوجُ إِلاَّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْنْعَامِ" (42).
عدد الصفحات ٧حَتَّى أَسْقَطَتْ. وَهَذَا كُلُّهُ دَعْوَى مُخْتَلِقٍ، وَإِفْكٌ مُ فْتَرًى، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَرُوجُ إِلاَّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْنْعَامِ" (42). قلت– الباحث-: فظاهر جدّا، نصّا لا يحتمل التأويل، أنّ ابن تيمية ينكر هذا الكلام المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه، من جهة الرّواية والدّراية، ثم تـنزّل مع الرّافضة مفترضا صحّة القصّة، فيكون توجيهها حينئذ على تفتيش البيت لمسألة تتعلق بميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بموضوع الخلافة. أما عبارة المالكي، فلم تسلم هي كذلك، من: بترها، وتحريف معناها، ولما رجعت إلى كتاب المالكي وجدته يقول : "... نظرا لتفرقهم الأول عن علي، بسبب ما رأوه، من بوادر الفتنة، التي انتهت بمداهمة بيت فاطمة، في أول عهد أبي بكر... منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، بسند صحيح عن أسلم مولى عمر، وغير ذلك، لكن ليس كما يبالغ غلاة الشيعة، وليس كما ينفي غلاة الحنابلة..."(43). فنجد المالكي هذا، يقول: إنّ سبب التفرق، هو خشية الفتنة، التي بدت بوادرها، وانتهت بمداهمة البيت، لا المداهمة، كما أوهم نقل الدّوخيّ، واعتمد المالكي على تصحيح رواية ابن أبي شيبة وغيرها كما زعم، ثم رفض المالكي مبالغة غلاة الشيعة في القصّة، ونفى مبالغة غلاة الحنابلة؛ وختم بذكر فضل أبي بكر واستقرار أمر الأمة على يديه، وهذا ما أخفاه الدّوخيّ حينما نقل عن المالكي(44). ثم استشهد الدّوخيّ بما رواه ابن أبي شيبة، قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَد ثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عْن أَبِيهِ أَسْلَمَ؛ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَان عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يدخلان عَلَ ى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَ رَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللهِ مَا مِنْ الْخَلْقِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيك، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْ دَ أَبِيك مِنْك، وَأَيْمُ اللهِ، مَا ذَ اكَ بِمَانِعِيَّ أنّ
عدد الصفحات ٧الردّ على تصحيح... محمد عودة الحوري - 8 - اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أنّ آمُرَ بِهِمْ أنّ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمَ الْبَيْتُ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاؤُوهَا، فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أنّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي، وَقَدْ حَلَفَ بِاللهِ لَئِنْ عُدْتُ مْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمَ الْبَيْتَ، وَأَيْمُ اللهِ، لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرُوْا رَأْيَكُمْ، وَلاَ تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عنها، فَلَمْ يَرْ جِعُوا إِلَيْهَا، حَتَّى بَايَعُوا لأَبِي بَكْرٍ (45). ثم قال الدّوخيّ قوطويلا أنقله حرفيا: "ثم قال الدمشقية: على أنّ ابن أبي شيبة قد أورد رواية أخرى من طريق محمد بن بشر، ... قلت- الكلام للدوخي-: وهذه رواية منقطعة؛ لأنّ زيد بن أسلم كان يرسل وأحاديثه عن عمر منقطعة كما صرح به الحافظ ابن حجر... كذلك الشيخ الألباني... ولئن احتججتم بهذه الرواية أبطلتم اعتقادكم بحصول التحريق إلى التهديد بالتحريق. وأبطلتم اعتقادكم بأنّ علياً لم يبايع؛ لأنّ هذه الرواية تقول: فلم يرجعوا إلى فاطمة حتى بايعوا أبا بكر. نقول- القائل هو الدّوخيّ -: شبهة الإرسال منتفية؛ لأنّ الراوي لها ليس زيد بن أسلم مولى عمر بن ا لخطاب، بل الراوي (أبيه) وأسلم (والد زيد يروي عن عمر بن الخطاب وهو مولى له) ولك أن تراجع الذهبي في تذكرة الحفاظ ليتضح لكم صدق قولنا. ثم أنّ هناك قاعدة قررها ابن حجر العسقلاني وهي أنّ حكم الإرسال بالقطع - على فرض أنّ هذه الرواية مرسلة - يأخذ حكم الاتصال، وتصحح الرواية، وذلك لوجود قرينة وهي نفس نقله (أي أسلم) لمجريات هذه الأحداث، وهذا كاشف عن أنّ الذي حدّثه بها هو (عمر) وإلا كيف وصلت إلينا، وعليه فالرواية تكون متصلة وصحيحة. وهذا الكلام نقله ابن حجر في رواية مشابهة لهذه الرواية، يعترض فيها على الدارقطني الذي حكم على رواية من صحيح البخاري بالإرسال، وهي عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر. (لاحظ أنّ السند أيضا عن زيد بن اسلم عن أبيه)... إذن فالكلام هو الكلام، لأنّ روايتنا التي نقلها أسلم كان يتحدث فيها عن وقائع عاشها مع مولاه عمر بن الخطاب، وأنّ لم يكن المتحدث هو عمر، وعل يه فالرواية تأخذ حكم الاتصال وليست مرسلة" (46). هنا ينتهي كلام الدّوخيّ قلت- الباحث-: ويؤخذ على الشيخ دمشقية، أن هذه الرواية لا تتعلق بما نسب إلى أبي بكر رضي الله عنه فالمورد مختلف، والقصة مختلفة؛ فلا تصلح رواية ابن أبي شيبة أن تكون شاهدا لرواية "وددت أني لم أكشف بيت فاطمة"، ولو صَدَقَنا الدوخي لنبّه لهذا وفق المباني السّنيّة في الجرح والتعديل، ولكنها كسابقتها عند لفظ "أحرق"، أمور لا تثبت، تستهويه؛ فيسكت عنها؛ خدمة لمذهبه، ظنا منه أنها ستمرّ. ثم أقول- الباحث-: إن هنا أمورا يشرق الدوخي بها: الأول: أنّ ما استش هد به من كلام ابن حجر، قد دلس فيه؛ على عادته؛ فإنّ الحكم بالوصل الذي ذكره ابن حجر، مرده التصريح بالوصل في الإسناد، وليس لوجود قرينة، هي نفس نقله، وهي (أسلم) الراوي، كما زعم الدّوخيّ، قال ابن حجر:" بل ظَاهر رِوَايَة البُخَارِيّ الْوَصْل؛ فَإنّ أَوله، وَإن كَ ان صورته صُورَة الْمُرْسل، فَإنّ بعده مَا يُصَرح بِأنّ الحَدِيث لأسلم عَن عمر، فَفِيهِ بعد قَوْله: "فَسَأَلَهُ عمر عَن شَيْء فَلم يجبهُ"، فَقَالَ عمر" (47). الثاني: في مناقشة إرسال هذه الرواية. نعم، استطاع الدوخي أنْ يأخذ على الشيخ دمشقية قوله "هذه رواية من قطعة؛ لأنّ زيد بن أسلم كان يرسل، وأحاديثه عن عمر مرسلة. .." فرد الدّوخيّ قائلا: "شبهة الإرسال منتفية؛ لأنّ الراوي لها ليس زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، بل الراوي (أبيه) وأسلم (والد زيد يروي عن عمر بن الخطاب وهو مولى له) ولك أن تراجع الذهبي في تذكرة الحفاظ ليتضح لكم صدق قولنا"(48).
عدد الصفحات ٨الراوي لها ليس زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، بل الراوي (أبيه) وأسلم (والد زيد يروي عن عمر بن الخطاب وهو مولى له) ولك أن تراجع الذهبي في تذكرة الحفاظ ليتضح لكم صدق قولنا"(48). قلت- الباحث-: لكن لا يسلم له انتفاء شبهة الإرسال؛ فإنّ أسلم مولى عمر يحدثنا بما لم يحضره، ولم يبين لنا مستنده فيه، وليس كما دلس الدّوخيّ، فقال: "لأنّ روايتنا التي نقلها أسلم كان يتحدث فيها عن وقائع عاشها مع مولاه عمر بن الخطاب" (49)، فإنه ههنا يحاول أنْ يطمس التاريخ؛ فإنّ إنما اشتراه عمر أسلم سنة إحدى عشر، بالحج، قال الذهبي في التذكرة: "هو حبشي، اشتراه عمر سنة إحدى عشرة، لمّا حجّ"(50). وبين لنا الذهبيّ أنّ هذا الحج كان في خلافة الصديق، فقال: "اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ، لَمَّا حَج بالناس، سنة إِحْدَى عَشْرَةَ، فِي خِلافَةِ الصِّدِّيقِ" (51). فمن أين له أنْ يحضرها! وكيف ؟ ولم ينحصر أمر هذه الرواية بالإرسال فحسب، بل نجد الذهبيّ - وقد استشهد به الدّوخيّ وطلب منا مراجعته - قد حكم على رواية أسلم هذه في تلخيصه لمستدرك الحاكم بالغرابة، فقد أخ رج الحاكم من رواية ابن أبي شيبة إلى قول "وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيك مِنْك، وَأَيْمُ اللهِ". قال الذهبي: معلقا على قول الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، قال: غريب عجيب (52). وهذا القول استخدمه الذهبي لبيان نكارة بعض الروايات(53). بقي أن أقول: إنّ متن هذه الرواية لا يصلح للاستشهاد به على ما نسب إلى أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنّ ما في هذه القصّة
عدد الصفحات ٨دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 44، العدد4، ملحق3،2017 - 9 - الغريبة العجيبة كما قال الذهبي، منسوب لعمر، وليس لأبي بكر رضي الله عنهما المبحث الثاني دراسة القصّة سبب نسبة قول "وددت أني لم أحرق بيت فاطمة" لأبي بكر رضي الله عنه إن سبب نسبة قول "وددت أني لم أحرق بيت فاطمة" لأبي بكر رضي الله عنه، هو تحريفه من رواية " وددت أني لم أكشف بيت فاطمة"، فوجب عليّ تتبع هذه الرواية في الكتب، والكتب التي ذكرها الدّوخي على وجه الخصوص؛ لبيان مدى مصداقيته في الإحالة إلى هذه الكتب، والتأكد من جملة أمور، هي: هل رويت هذه القصة في الكتب التي ذكرها؟ وهل رويت بالإسناد في جميع هذه الكتب كما زعم؟ وهل هو إسناد واحد من علوان إلى أبي بكر رضي الله عنه لنجوّز للدّوخي الاقتصار على رواية الطبري وسنده؟ المطلب الأول: تتبع القصّة في الكتب التي روتها بأسانيدها ودراستها وسأقوم هنا باستدراك ما أراده الدّوخيّ، وهو ذكر أسانيد القصّة؛ ليتسنى الحكم عليها. وسأقتصر في الترجمة على الرواة المشكل أمرهم لئلا يطول البحث، ويخرج عن المقصود: أولا: إسناد القصّة في كتاب الأموال لأبي عبيد (ت 224هـ) "قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي علوان بْنُ دَوَادَ، مَوْلَى أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِي رٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ،... (54)." ترجمة رجال الإسناد المشكل أمرهم 1. علوان. وهو علوان بْنُ دَاودَ، مَوْلَى أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، كذا جاء في إسناد أبي عبيد، وهذا الراوي مختلف في اسمه، متفق على عدم الاحتجاج به. قال ابن شاهين (ت 385هـوفي كتاب جدي، عن ابن رشدين، قال: سألت أحمد بن صالح (ت 248هـ) عن حديث علوان بن داود...، وكأني رأيت علوان عنده متروكاً، هو وحديثه..."(55). وذكره البرديجي (ت 301هـ) فقال: "علوان بن داود، عن الأعمش، روى عنه عمرو بن عثمانالحمصي(56)." وقال العقيلي (ت322هـ"علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح. ولاَ يُتَابَعُ على حدِيثهِ، ولاَ يُعرف إلاَّ به، حَدَّثَنِي آدم بن موسى، قال: سَ مِعْتُ البُخاريَّ (ت 256هـ)، قال: علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح: منكر الحديث... وأخبرنا يحيى بن عثمان، أنه سمع سعيد بن عفير، يقول: كان علوان بن داود زاقوليا من الزواقيل"(57). وقال ابن أبي حاتم (ت 327هـ): "علوان بن إسماعيل القرقساني، روى عن: حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، روى عنه الليث، وأبو صالح، وابن عفير، سمعت أبي يقول ذلك(58)." وقال ابن يونس (ت 347هـ"علوان بن داود بن صالح، مولى جرير بن عبد الله البجلي، يكنى أبا خالد، من أهل قرقيسيا، قدم مصر، روى عنه: الليث بن سعد، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وسعيد بن عفير، ويحيى بن بكير، وهو منكر الحديث، توفي قريباً من سنة ثمانين ومائة(59)." وذكره ابن حبّان(ت 354هـ) في الثقات فقالعلوان بن داود البجلي، من أهل الكوفة، يروى عن مالك بن مغول، روى عنه عمر بن عثمان الحمصي(60)." وقال الدارقطني (ت 385:) "شَيْخٌ لأَِهْلِ مِصْرَ، يُقَالُ لَهُ: علوان بْنُ دَاوُدَ (61). وقال ابن منده (ت470هـ): "وعلوان بنُ دَاوُدَ بنِ صَالِحٍ، مَوْلَى جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، أَبو خَالِدٍ، مِنْ أَهْلِ قَرْقِيْسيا، تُ وفِّي قَرِيبًا مِنْ سَنَةِ ثَمَانِينَ وَ مِائَةٍ (62)." وقال ابن الجوزي (ت571هـ): "علوان بن داود، أبو خالد، مولى جرير بن عبد الله، روى عن الليث، قال أبو سعيد ابن يونس (ت 347هـ): هو منكرالحديث(63)."
عدد الصفحات ٩سَنَةِ ثَمَانِينَ وَ مِائَةٍ (62)." وقال ابن الجوزي (ت571هـ): "علوان بن داود، أبو خالد، مولى جرير بن عبد الله، روى عن الليث، قال أبو سعيد ابن يونس (ت 347هـ): هو منكرالحديث(63)." وقال الذهبي (ت 748هـ): "علوان بن داود البجلي، مولى جرير بن عبد الله، ويقال علوان بن صالح، قال البخا ري: علوان بن داود- ويقال ابن صالح. منكر الحديث"(64). وقال ابن حجر (ت852هــ) نقلا عن العقيلي: "لا يعرف علوان إلا بهذا، مع اضطرابه في حديث أبي بكر (65). الخلاصة: اختلف في اسمه، فقيل: علوان بن داود، وقيل ابن صالح، وقيل ابن إسماعيل، وقيل: وعلوان بنُ دَاوُدَ بنِ صَالِحٍ، ولم
عدد الصفحات ٩