المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يمختصر الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١ من ١٥

4 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى

عدد الصفحات ٥

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|7 بسم الله الرحمن الرحيم التعريف بموسوعة محمد رسول الله ﷺ)‏(1) الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ رسول ا ﷺ، وعلى آلِه وصحبِه، ومَن اقتفَى أثرَه وعملَ بهديِه واستنَّ بسنتِه، أمَّا ب عدُ : فتمتازُ هذه الموسوعةُ -التي استغرَقَ العملُ فيها نحوًا مِن عامينِ - بجمعِها لأهمِّ علومِ السيرةِ النبويةِ الشريفةِ وفنونها في وعاءٍ واحدٍ، وانتقاءِ أفضلِ ما كتبَه أئمةُ سلفِنا الصالحِ وعلماؤهم في كل فنٍّ مِن فنونهِا، مما لقيَ شهرةً وقبولاً لدى الأمةِ، وقد قمتُ باختصارِ هذه الكتبِ وتهذيبِها، نسأل الله الإخلاص والقبول. وكان منهجي في اختصارِ كتبِ هذه الموسوعةِ أن تكونَ على أفضلِ الطبعاتِ المعتمدةِ لكلِّ كتابٍ، مع حذفِ الضعيفِ وما دونَه، والاستطراداتِ، وما أغنَى عنه غيرُه، أو كان مكرَّرًا سبقَ ذكرُه، وكذلك أسانيدُ الأحاديثِ إلا الصحابيَّ أو مَن دونَه مما يحتاجُ الكلامُ إليه، وقد حافظتُ على لفظِ المصنفِ وترتيبِه، فإن زدتُ في عنواناته شيئًا وضعتُه بين معقوفَينِ، وكذا ما كان مِن طبعةٍ أخرى غيرِ التي اعتمدتهُا. وكان هدفي مِن هذا المنهجِ تقريبَ سيرة النبي ﷺ وتيسيرَ هال لنتعلَّمَ يعيعًا علومَها وفنونهَا من كتبِ علماءِ سلفِنا الصالحِ الأصيلةِ، لنحقِّقَ الاقتداءَ به ﷺ في عقيدتِه وعباداتِه ومعاملاتِه وأخلاقِهل فنسعدُ في الدنيا ونفوزُ بالآخرةِ. وقد اقتصرتُ في الحاشيةِ على التخريجِ الموجزِ للأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ والآثارِ، وبيانِ غريبِ ألفاظها. (*) هذا تعريف موجز بالموسوعة، وقد تقدَّم التعريف بها مفصَّلاً في صدر ا لمجلد الأول.

عدد الصفحات ٨

8 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وقد جاءَ هذا الإصدارُ الأوَّلُ مِن «موسوعة محمد رسول اﷺ» جامعًا لستةِ علومٍ مِن علومِ السيرةِ النبويةِ الشريفةِ وفنونهِا في ستةِ مجلداتٍ، عبرَ اختصارِ ثمانيةِ كتبٍ، وهي على النحو التالي: المجلد الأول: 1- في علم الدلائلاب «دلائل النبوة»لأبي نعيم (ت034هـ المجلد الثاني: 5- في علم السيرة النبوية «السيرة النبوية »لابن هشام (ت552هـ المجلد الثالث: 3- في علم الخصائص«غاية السول في خصائص الرسول» لابن الملقن(ت240هـ 4- في علم الشمائل، وفيه ثلاثة كتب، هي - [«شمائل النبي ﷺ»للترمذي (ت572هـ - [«محمد رسول ا ﷺ والحقوق والقيم والأخلاق وعلاج مشكلات العام المعاصر»، لـ أ.د أحمد بن عثمان المزيد المجلد الرابع: - [«زاد المعاد في هدي خير العباد »لابن قيم الجوزية (ت 715هـ المجلد الخامس: 5- في علم حقوق النبي ﷺ[ :«الشفا بتعريف حقوق المصطفى»للقاضي عياض (ت100هـ المجلد السادس : 6- في علم الحديث النبوي الشريف «رياض الصالحين»للنووي (ت676هـ

عدد الصفحات ٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|9 في علم حقوق النﷺ أهميته: إن حقوقَ النبيِّ ﷺ على أمتِه لهي في يعلتِها الأصلُ الثاني من أصلََ الدين، كما يدل عليه قولُنا: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول ا »ل ولذا ينبغي على المسلمِ أن يحيطَ بتلك الحقوقِ معرفةً، ويلتزم بها اعتقادًا وقولاً وعملاً، فذلك عقدٌ من عقودِ الإيمانِ. وهذه الحقوقُ منها ما يتصلُ بجانبِ الرس الةِ التي بُعِثَ بها ﷺ، ومنها ما يتعلَّقُ بشخصِ رسول الله ﷺ تفضيلاً وتكريماً مِن الله له. وحقوقُ النبيِّ ﷺ على أمتِه كثيرةٌ، فمنها: الإيمانُ الصادقُ به ﷺ قولاً وفعلاً، وتصديقُه في كلِّ ما جاءَ به ﷺ، ووجوبُ طاعتِه، والحذرُ مِن مخالفتِه ﷺ، ووجوبُ التحاكمِ إل يه والرِّضىَ بحكمِه، وإنزالُه منزلتَه ﷺ بلا غلوٍ ولا تقصيرٍ، واتخاذُه قدوةً وأُسْوةً في يعيعِ الأمورِ، ومحبتُه أكثرَ مِن النفسِ والأهلِ والمالِ والولدِ والناسِ أيععين، وتوقيرُه، ونصرتُه، والذبُّ عن شريعتِه وسنتِه، والصلاةُ عليه... إلخ.

عدد الصفحات ١٠

01 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ترجمة القاضي عياض (ت104هـ) اسمه ونسبه هو أبو الفضلِ عِياضُ بنُ عمرون بنِ موسى بنِ عِياض، اليَحْصبِيُّ، سَبْتِيُّ الدارِ والميلادِ، أندلسيُّ الأصلِ. تاريخ مولده: وُلِدَ القاضي عياضُ في منتصف شهر شعبان عام ( 076هـ) في سَبْتَة (1). نشأته وأخلاقه قال عنه ابنُه محمد: «نشَأَ أ على عفةٍ وصيانةٍ، مرضيَّ الحالِ، محمود الأقوالِ والأفعالِ، موصوفًا بالنُّبْلِ والفهمِ والحذقِ، طالبًا للعلمِ حريصًا عليه، مجتهدًا فيه، معظماا عندَ الأشياخِ مِن أهلِ العلمِ، كثيرَ المجالسةِ لهم والاختلافِ إليهم، إلى أن برَعَ أهلَ زمانِه وسادَ يعلةَ أقرانِ هل فكان مِن حفَّاظِ كتاب الله تعالى، مع القراءةِ الحسنةِ والنغمةِ العذبةِ، والصوتِ الجهيرِ، والحظِّ الوافرِ من تفسيرِه ويعيعِ علومِه، وكان مِن أئمَّةِ الحديثِ في وقتِه، أصولياا متكلماً فقيهًا، حافظًا للمسائلِ عاقدًا للشروطِ، بصيرًا بالأحكامِ، نحوياا ريَّ انًا مِن الأدبِ، شاعرًا مجيدًا، كاتبًا خطيبًا، حافظًا للغةِ والأخبارِ والتواريخِ، حسنَ المجلسِ، ‏نبيلَ النادرةِ، حلوَ الدعابةِ، صبورًا حليماً، يعيلَ العشرةِ، جوادًا سمحًا، كثيرَ الصداقةِ، دؤوبًا على العملِ، صلبًا في الحقِّ »(2).‏ (1) الديباج المذهب لابن فرحون5/06-15 باختصار (2) أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض لأحمد بن محمد المقري3 /2.)

عدد الصفحات ١١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|00 شيوخه وطلبه للعلم ومناصبه قال ابنه عنه : «أخَذَ عن أشياخِ بلدتِه سَبْتَة كالقاضي أبي عبد الله بن عيسى والخطيبِ أبي القاسم والفقيهِ أبي إسحاق بن الفاسي وغيرهم »(1). رحَلَ إلى الأندلسِ سنة 147هـ) طالبًا للعلمِ، وبعدَ عودِه مِن الأندلس أجلسَه أهلُ سبتةَ للمناظرةِ عليه في المدونةِ وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ثم أُجلس للشورى، ثم وَلي قضاءَ بلدِه مدةً طويلة حمدت سيرتُه فيها، ثم نقلَ إلى قضاءِ غرناطةَ في سنة ( 135هـ) وم يطل أمرُه بها، ثم وَليِ قضاءَ سَبْتَة ثانيًا (2). محنته لما ظهَرَ أمرُ الموحدين بادَرَ إلى المسابقةِ بالدخولِ في طاع تِهم ورحَلَ إلى لقاء أميرِهم بمدينة سلا، فأجزَلَ صلتَه وأوجبَ برَّه، إلى أن اضطربَتْ أمورُ الموحدين عام (103هـ) فتلاشت حالُه ولحق بمراكش مشردًا به عن وطنِه، فكانت بها وفاتُه(3). تصانيفه للقاضي عياض تصانيف مفيدة، منها: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وإكمال الم علم في شرح مسلم، وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك، وجامع التاريخ، ومشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار وغيرها. وفاته: تُوفيِّ القاضي عياض بمراكش في شهر يعادى الأخيرة، وقيل: في شهر رمضان سنة (104هـ (1) أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض لأحمد بن محمد المقري3 /2.) (2) ينظرالسابق. (3) ينظر: الديباج المذهب لابن فرحون5/02).

عدد الصفحات ١٢

02 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى التعريف بكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (ت100هـ) أهميته: يعدُّ كتابُ الشفا بتعريفِ حقوقِ المصطفى للقاضي عياضِ مِن أوائلِ المصنفات التي تناولت خصائصَ النبيِّ ﷺ وأفردتها بمصنفٍ، وقد تميز بحسنِ ترتيبِه وتقسيمِه ويعال عرضِه، وبهاءِ لغته وفصاحتها. «وكتابُ الشفا أيععُ وأجلُّ مصنفٍ يبحثُ في شرفِ المص طفى ﷺ وقدرِه العظيمِ ومنصبِه الجليلِ، يتناولُ ذلك من جوانبَ فقهيةٍ أصوليةٍ عقديةٍ، بأسلوبٍ بليغٍ، وبيانٍ بديعٍ، وحججٍ قويةٍ، وبراهينَ ساطعةٍ، مؤيدةً بالدليلِ مِن قرآنٍ وسنةٍ وأقوالِ السلفِ والأئمةِ. والغايةُ مِن هذا الكتابِ ليس إقناعَ جاحدٍ، ولا قهرَ معاندٍ ، وإنما ليكونَ منماةً لأعمالِ المسلمين، وزيادةً في إيمانِ المؤمنين، ومحبةً في سيدِ المرسلين، وقد أبان المصنفُ عن هذه الغايةِ في أولِ البابِ الرابعِ مِن القسمِ الأولِ »(1). ترتيبه ومنهجه: يقولُ القاضي عياض في مقدمةِ كتابهِ، معرِّفًا بترتيبِه ومنهجِه: «حصرتُ الكلامَ فيه في أربعة أقسامٍ: القسمُ الأولُ : في تعظيمِ العلَِّ الأعلى لقدرِ هذا النبيِّ ﷺ قولاً وفعلاً. القسمُ الثاني : فيما يجبُ على الأنامِ مِن حقوقِه ﷺ. (1) مقدمة الشفا للقاضي عياض، تحقيقعبده كوشك (ص2 بتصرف يس

عدد الصفحات ١٣

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|03 القسمُ الثالثُ : فيما يستحيلُ في حقِّه ﷺ، وما يجوزُ عليه، وما يمتنعُ ويصحُّ مِن الأمورِ البشريةِ أن يُ ضافَ إليه. وهذا القسمُ -أكرمَك الله تعالى- هو سرُّ الكتابِ، ولبابُ ثمرةِ هذه الأبوابِ، وما قبلَه له كالقواعدِ والتمهيداتِ والدلائلِ على ما نوردُه فيه مِن النكتِ البيناتِ، وهو الحاكمُ على ما بعدَه، والمنجزُ من غرضِ هذا التأليفِ وعدَه. القسمُ الرابعُ : في تصرُّ فِ وجوهِ الأحكامِ على مَن تنقَّصَه أو سبَّه ﷺ»(1). اهتمام العلماء به وثناؤهم عليه وقد نال كتابُ الشفا للقاضي عياض حظاا وافرًا مِن اهتمامِ العلماءِ، وتنوَّعَتْ طرقُ خدمتِهم لهذا الكتابِ مِن بين شرحٍ واختصارٍ إلى تخريجٍ وتريعةٍ وتهذيبٍ: فمِن شروحِه المط بوعة: 5- شرح الملا علَ القاري(ت5450هـ). 5- نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض، لشهاب الدين الخفاجي (ت5462هـ)، وهو شرح موسع في مجلدات. 3- مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء لأحمد بن محمد الشمني(ت273هـ). ومن مختصِاته: 5- مختصر الإسنوي(ت763هـ). 5- مختصر لمحمد بن محمود، انتهى منه سنة 264 هـ (1) (ص54.)

عدد الصفحات ١٤

04 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ومن تخريجاته: - مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا لجلال الدين السيوطي (ت255هـ). وقد حاز كتابُ القاضي عياض مِن ثناءِ العلماءِ على قصبِ السبقِ: قال ابنُ فرحون (ت722هـ): «أبدَعَ فيه كلَّ الإبداعِ، وسلَّمَ له أكفاؤُه كفايتَه فيه، وم ينازِعْه أحدٌ من الانفرادِ به، ولا أنكروا مزيةَ السبقِ إليه، بل تشوَّفوا للوقوفِ عليه، وأنصفُوا في الاستفادةِ منه، وحملَه الناسُ عنه، وطارَتْ نُسَخُه شرقًا وغربًا »(1). وقال الملا علَ القاري (ت5450هـ): «أيععُ ما صُنِّفَ في بابِه، مجملاً الاستيفاءِ لعدمِ إمكانِ الوصولِ إلى انتهاءِ الاستقصاء ِ »(2). وقال أحمد بن محمد المقري(ت5405هـ): «بلَغَ فيه الغايةَ القصوى، وكان فيه لضروبِ الإحسانِ مرتشفًا، وبذَّ فيه المؤلفين وأربَى، وحاز قصبَ السبقِ به دونهَم، وطار صيتُه شرقًا وغربًا »(3). الطبعة المعتمدة في هذا المختصر اعتمدتُ في هذا المختصرِ على طبعة وحدة البحوث والدراسات بدبي، تحقيق عبده كوشك، الطبعة الأولى، سنة 5030هـ، وقد اعتمد محققه على طبعة البجاوي ومقابلتها بنسخة من الكتاب محفوظة بالمكتبة الظاهرية. (1) الديباج المذهب لابن فرحون5/02) (2) شرح الشفا للملا علَ القاري5/2.) (3) أزهار الرياض في أخبار عياض لأحمد بن محمد المقري0/575.)

عدد الصفحات ١٥

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|05  موســـــــوعة محمــــــــــد رســـــــول اﷺ دلائل نبوته وسيرته وخصائصه وشمائله وهديه وحقوقه وقبس من حديثه مختصر الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياضأبو الفضل عياض بن موسى بن عياض (ت444هـ اختصره أ.د. أحمد بن عثمان المزيد أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة الملك سعود

عدد الصفحات ١٦

06 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى

عدد الصفحات ١٧

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|07 [ بسمِ الله الرحمنِ الرحيم، وبه أتوكلُ قال الفقيهُ القاضي الإمامُ الحافظ أبو الفضلِ عياضُ بن موسى بن عياضٍ اليَحْصُبِيُّ  وأرضاه الحمد لله المنفرِدِ باسمه الأَسمى، المختصِّ بالعزِّ الأَحمى، الذي ليس دونَه مُنتهى ولا وراءه مَرمى، وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً، وأسبغَ على أوليائه نِعماً عُماا، وبعثَ فيهم رسولاً من أنفُسِهم ، أنفَسَهم عربًا وعجماً، وأزكاهُم محَتِدًا ومَنمَى، وأرجَحَهم عقلاً وحلماً، وأوفَرَهم علماً وفهماً، وأقواهُم يقينًا وعَزمًا، وأشدَّهُم بهم رأفةً ورُحمًا، صلى الله عليه وسلم صلاةً تَنمو وتُنمى، وعلى آله وسلم تسليماً. أما بعدُ ، فإنك كَرَّرتَ علََّ السؤالَ في مجموعٍ يتضمن التعريفَ بقدرِ المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما يجبُ له من توقيرٍ وإكرامٍ، وما حُكمُ من م يوفِّ واجبَ عظيمِ ذلك القدرِ، أو قصرَ في حقِّ منصبِه الجليلِ قُلامةَ ظُفرٍ، وأن أيععَ لك ما لأسلافِنا وأئمتِنا في ذلك من مقالٍ، وأبينَ ه بتنزيلِ صورٍ وأمثالٍ. فاعلم رَحمَِك الله أنك حمَّلتَني من ذلك أَمرًا إِمْ رًا (1)، وأرهَقتَني فيما نَدَبتني إليه عُسرًا، وأرْقَيتَني بما كلَّفتني مُرتقًى صعبًا، ملأ قلبي رُعبًا، فإن الكلامَ في ذلك يَستدعي تقديرَ أصولٍ، وتحَريرَ فصولٍ، والكشفَ عن غوامضَ ودقائقَ من علم الحقائقِ، مما يجَبُ للنبيِّ ﷺ ويُضافُ إليه، أو يَمتنعُ أو يجوزُ عليه، ومعرفةُ النبيِّ والرسولِ، والرسالةِ والنبوة، والمحبةِ والخُلةِ، وخصائصِ هذه الدرجةِ العليَّةِ. (1) (إمْرًا): شديدًا

عدد الصفحات ١٨

08 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى فبادرتُ إلى نكتٍ مُسفرةٍ عن وجهِ الغرضِ، مؤديا من ذلك الحقَّ المفترضَ، اختلستُها على استعجالٍ، لما المرءُ بصددِه من شغلِ البدنِ والبالِ، بما طُوِّقَه الإنسانُ من مقاليدِ المحنةِ التي ابتُلََ بها فكادَت تشغلُ عن كل فرضٍ ونفلٍ، وتردُّ بعد حصنِ التقويمِ إلى أس فلِ سُفلٍ، ولو أرادَ الله بالإنسانِ خيرًا لجعلَ شغلَهُ وهمَّهُ كلَّهُ فيما يحُمدُ غدًا ولا يُذمُّ محله، فليس ثَمَّ سوى نضرةِ النعيمِ أو عذابِ الجحيمِ، ولكان عليه بخويصتِه، واستنقاذِ مُهجتِه، وعملٍ صالح يستزيدُه، وعلم نافعٍ يفيدُه أو يستفيدُه. جبرَ الله تعا لى صدعَ قلوبِنا، وغفرَ عظيمَ ذنوبِنا، وجعلَ يعيع استعدادِنا لمعادِنا، وتوفُّرِ دواعينا فيما يُنجينا ويُقربنا إليه تعالى زُلفى، ويحُظينا بمنِّه وكرمِه ورحمته. ولما نويتُ تقريبَه، ودرَّجت (1) تبويبَه، ومهدتُ تأصيله وخلَّصتُ تفصيلَه، وانتحيتُ حصرَه وتحصيلَه - تريعتُه بـ«الشِّفا بتَعريفِ حُقوقِ المصُطَفى ». وحصرتُ الكلامَ فيه في أقسامٍ أربعةٍ : القسمُ الأولُ : في تعظيمِ العلَِّ الأعلى لقدرِ هذا النبيِّ ﷺ قولاً وفعلاً. القسمُ الثاني : فيما يجبُ على الأنامِ مِن حقوقِه ﷺ. القسمُ الثالثُ : فيما يستحيلُ في حقِّه ﷺ، وما يجوزُ عليه، وما يمتنعُ ويصحُّ مِن الأمورِ البشريةِ أن يُضافَ إليه. وهذا القسمُ -أكرمَك الله تعالى- هو سرُّ الكتابِ، ولبابُ ثمرةِ هذه الأبوابِ، وما قبلَه له كالقواعدِ والتمهيداتِ والدلائلِ على ما نوردُه فيه مِن النكتِ البيناتِ، وهو الحاكمُ على ما بعدَه، والمنج زُ من غرضِ هذا التأليفِ وعدَه. القسمُ الرابعُ : في تصرُّفِ وجوهِ الأحكامِ على مَن تنقَّصَه أو سبَّه ﷺ. (1) (درَّجت أي: أدناه منه على التدريج.

عدد الصفحات ١٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|09 القسمُ الأولُ في تعظيمِ العلي الأعلى لقدرِ النبيِّ المصطفى ﷺ قولً ا وفعلً ا

عدد الصفحات ٢٠

21 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى

عدد الصفحات ٢١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|20 لا خفاءَ على من مارسَ شيئًا من العلمِ، أو خُصَّ بأدنى لمَحةٍ من فهمٍ بتعظيمِ الله تعالى قدرَ نبينا ﷺ وخصوصِه إياه بفضائلَ ومحاسنَ ومناقبَ لا تنضبطُ لزِمامٍ، وتنويهِه من عظيمِ قدره بما تكِلُّ عنه الألسنةُ والأقلامُ: فمنها: ما صرَّحَ به تعالى في كتابِه، ونبَّه به على جليلِ نِصَابِه (1)، وأثنى به عليه من أخلاقِه وآدابِه، وحضَّ الع بادَ على التزامِه وتقلُّدِ إيجابِه. فكان جل جلاله هو الذي تفضلَ وأولى، ثم طهَّرَ وزكَّى، ثم مدحَ بذلك وأثنَى، ثم أثابَ عليه الجزاءَ الأوفى، فله الفضلُ بدءًا وعودًا، وله الحمدُ أُولى وأُخرى. ومنها: ما أبرزه للعِيانِ من خلقِه على أتمِّ وجوهِ الكمالِ والجلالِ ، وتخصيصِه بالمحاسِن الجميلةِ، والأخلاقِ الحميدةِ، والمذاهبِ الكريمةِ، والفضائلِ العديدةِ، وتأييده بالمعجزاتِ الباهرة، والبراهين الواضحةِ، والكرامات البينة التي شاهدَها من عاصرَه، ورآها من أدركَه، وعلِمَها علمَ يقينٍ من جاء بعده، حتى انتهى علمُ حقيقةِ ذلك إلينا، وفاضَت أنوارُه علينا ﷺ كثيرًا. عن أنسٍ : أن النبي ﷺ أُتَِِ بالبرَُاقِ ليلة أسريَ به ملجماً مسرجًا، فاستصعَبَ عليه، فقال له جبريل: أبمحمدٍ تفعلُ هذا؟ فما ركبك أحدٌ أكرمُ على الله تعالى منه! قال: فارفَضَّ (2) عرقًا(3). (1) (نِصابه): منصبه (2) (ارْفَضَّ): جرى وسال (3) أخرجه الترمذي3535.)

عدد الصفحات ٢٢