0 التجديد في تفسير القرآن الكريم بحث مقدم إلى "المؤتمر القرآني الدولي السنوي- مقدس: 4" المنعقد بمركز بحوث القرآن بجامعة ملايا في ماليزيا في الفترة: 14 – 15 /4 /2014 م إعداد د : علي ثابت عبدالحافظ عمران دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
عدد الصفحات ١1 ملخص البحث تمهيد انٜمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعانٞنٌ نذيرا، وللسالكنٌ سبيلب، الذين رضوا بالإسلبم دينا، وأشهد أن لا إلو إلا الله، وأشهد أن ن١مدًا رسول الله، صلى الله عليو وعلى نٗيع أصحابو وسلم تسليما كثنًا. أما بعد، يعد التجديد للدين أي التجديد من أجل الدين وليس التجديد في أصل الدين , نْديدا للئيدان في قلوب انٞسلمنٌ ، ومن ضروريات انٜياة الإيدانية للمؤمننٌ ، وبالرجوع نٞنهج القرآن الكريم وسنة رسولو الكريم عليو أفضل الصلبة وأزكى التسليم يكون أعظم التجديد للدين ؛ لذلك فانٞسلمون اليوم يجدون أنفسهم أحوج ما يكونون للعودة إلى القرآن الكريم قراءة وتدبرا واستنباطا، لفهم معانيو ونْديد ما يحتاج إليو من نْديد في التفسنً . و إن من صور التجديد في التفسنً توضيح ما صعب فهمو عند خاصة الناس فضلب عن عامتهم من مصطلحات السلف في الالفاظ اللغوية كما ىو انٜال في صعوبة فهم عبارات السلف في الفقو، التي ىي في حاجة للتجديد أيضا , وكذلك تقريب فهم الاعجاز البلبغي للناس ومن ثم يعد التجديد في تفسنً القرآن الكريم؛ مطلبا شرعيا و من انٞسائل انٞهمة . ويجب أن يعلم أن التجديد في تفسنً القرآن الكريم لابد أن يكون ن٣ا نٓتملو ألفاظ القرآن الكريم ؛ ون٣ا وقع فيو انٝلبف بنٌ السلف في معانيو وأن يكون اختلبف التفسنً انٛديد مع تفسنً السلف اختلبف تنوع، لا اختلبف تضاد، لأن الناظر و انٞتفكر يرى أن المجدد للتفسنً إما أن يكون نْديده ن١مودا أو مذموما كالتفسنً المحمود والتفسنً انٞذموم؛ فالتجديد انٞذموم الذي يتصادم فيو التجديد مع ثوابت وإنٗاعات انٞفسرين القدامى اليقينية أو الظنية أو السكوتية أو الانٗاع انٞركب. وفي ىذا البحث عالج الباحث قضية التجديد في تفسنً القرآن الكريم، وذكر من خلبلو أن التجديد السائغ يعد مطلبا ملحا ؛ لأن القرآن الكريم ن٘ال ذو وجو ه ومصلح لكل مكان وزمان. كما تناول الباحث في نُثو ضوابط التجديد في التفسنً , واختار صورا من صور التجديد مقارنا بينها وبنٌ أقوال انٞفسرين القدامى من السلف الصالح مبينا انٞقبول منها وغنً انٞقبول. وجدير بالذكر أن نُث التجديد في التفسنً الذي تناولو الباحث لو علبقة مباشرة بأحد ن١اور انٞؤنٕر انٞنعقد نّركز نُوث القرآن الكريم نَامعة ملبيا في ماليزيا والذي ىو بعنوان انٞؤنٕر القرآني الدولي السنوي -
عدد الصفحات ٢2 مقدس4 , وىذا المحور ىو المحور الثالث انٞوسوم بالتجديد في علوم القرآن والتفسنً وأثرهما عند القدامى والمحدثنٌ. تقسيم البحث خمسة مباحث:- المبحث الأول: المراد من التجديد في التفسير المبحث الثاني : ىل التفسير يقبل التجديد؟ المبحث الثالث : ضوابط التجديد في التفسير المبحث الرابع : حجية تفسير السلف المبحث الخامس : صور التجديد المتاح في التفسير المبحث الأول: المراد من التجديد في التفسير وفيو ثلبثة مطالب:- المطلب الاول : معنى التجديد لغة واصطلبحا المطلب الثاني : معنى التفسنً. المطلب الثالث : انٞراد من التجديد في التفسنً أولاً : المراد من التجديد في التفسير ليس يقصد بهذا العنوان أن نأتي بتفسنً مبتدع جديد وىو عن الصواب بعيد و لم يسبق إليو سابق من سلف ولا مفسر رشيد ؛ ن٣ا يترتب عليو ىدم و إلغاء تفسنً السلف الصالح الطيب السعيد ويكون ىذا التجديد ليس بقول سديد. وللئجابة على انٞراد من التجديد في التفسنً لابد أولا أن ن٤يب عن معنى التفسنً ومعنى التجديد المطلب الاول : معنى التجديد لغة واصطلاحا أ - التجديد في اللغة من ( جدد ) الشيء صنًه جديدا ويقال جدد العهد.(1) فإنو يدل على أن شيئا سابقا ومازال موجودا ثم حصل لو التجديد ب - التجديد في الاصطلاح : إحياء لأمر سابق وإعادتو الى أصلو. المطلب الثاني : معنى التفسير. إن القرآن يحتوي على عدد من العلوم ، منها التفسنً ، (1) انٞعجم الوسيط- إبراىيم مصطفى ـ أن٘د الزيات ـ حامد عبد القادر ـ ن١مد النجار - دار الدعوة - نٓقيق / ن٠مع اللغة العربية- عدد الأجزاء / 2- ج1 ، ص 109.
عدد الصفحات ٣3 وفي تعريف التفسيـر قال د مساعد الطيار : قد وقع خلبف في تعريف التفسنً ، وأوضحها - والله أعلم - :بيان معاني القرآن الكريم .(2) وعرفو الزركشي بقولو التفسنً علم يعرف بو فهم كتاب الله انٞنزل على نبيو ن١مد صَلَّى اللَّوُ عَلَيْوِ وَسَلَّمَ وبيان معانيو واستخراج أحكامو وحكمو (1) واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقو والقراءات ويحتاج نٞعرفة أسباب النزول والناسخ وانٞنسوخ (2) المطلب الثالثالمراد من التجديد في التفسير التجديد في التفسير: ىو نْديد الفهم لكتاب الله تعالى على ضوء واقع انٞسلمنٌ انٞعاصر، بعد التقيد بضوابط التفسنً وقواعده، والعمل على تنقية التفسنً من الفهوم البشرية انٝاطئة لكونها اجتهادات قابلة للنقد، أملب في العودة إلى انٞنبع الصافي(3) ويقول الاستاذ الدكتور الشريف حاتم بن عارف عوني في ن١اضرتو انٞسماه. ( التجديد في التفسنً), أن انٞراد من التجديد في التفسنً : ىو العودة بالتفسنً إلى انطلبقتو الاجتهادية الأولى وحريتو العلمية انٞنضبطة بانٞنهج الذي كان عليو سلفنا الصالح، من الصحابة والتابعنٌ وتابيعهم والأئمة انٞتبوعنٌ وأئمة التفسنً المجتهدين (4) ثانياًالمبحث الثاني : ىل التفسير يقبل التجديد؟ وفيو مطلبان : - المطلب الأول: قبول التفسير للتجديد: المطلب الثاني : الوجوه الدالة على قابلية التفسير للتجدبد: أولا : المطلب الأول: قبول التفسير للتجديد: نعم التفسنً يقبل التجديد ؛ لأن القرآن نَّ٘ال ذو وجوه، أَي ذو مَعَانٍ ن٢تلفة. فقد صح عن عدد من السلف(5)وصف القرآن الكريم بأنو: (حَـمّالٌ ذو وجوه)، فما ىي طبيعة ىذه الوجوه التي يحتملها القرآن (2) تصحيح طريقة معانٛة تفسنً السلف في نُوث الإعجاز العلمي د. مساعد الطيار. (1) التيار العلماني انٜديث وموقفو من تفسنً القرآن الكريم - عرض ونقد- تأليف: منى ن١مد بهي الدين الشافعي - ص 25( أصل الكتاب نُث لنيل درجة انٞاجستنً في التفسنً وعلوم القرآن من كلية الدراسات الإسلبمية والعربية - بنات - جامعة الأزىر - القاىرة )- وقد بذلت فيو الباحثة جهدا طيباً وعملب متقناً. (2) البرىان في علوم القرآن / الزركشي ج 1 ص 13. (3) التجديد في التفسنً- يحنٍ شطناوي : مكتبة شبكة التفسنً والدراسات القرآنية - ثقافتنا للدراسات والبحوث المجلد ٙ- العدد الثالث والعشرون -ٖٔٗٔ- ٕٓٔٓ. (4) "التجديد في التفسنً" د. الشريف حاتم العو- ملخص اللقاء (25) نٞركز تفسنً +انٜلقة بالفيديو كاملة (5) الاتقان في علوم القرآن - السيوطي: - ج 3 \ ص977.
عدد الصفحات ٤4 الكريم؟ روي عنْ أَبِِ الدَّرْدَاءِ، قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تـَفْقَوَ كُلَّ الْفِقْوِ حَتََّّ تـَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهً (1) " :أي ترى لو معاني يحتملها فتهاب الإقدام عليو . قال السيوطي : "وقولو ( ذو وجوه ) يحتمل معنينٌ أحدهما أن من ألفاظو ما يحتمل وجوىا من التأويل والثاني أنو قد نٗع وجوىا من الأوامر والنواىي والترغيب والترىيب والتحليل والتحريم , وقولو ( فان٘لوه على أحسن وجوىو ) يحتمل معنينٌ أحدهما انٜمل على أحسن معانيو والثاني أحسن ما فيو من العزائم دون الرخص والعفو دون الإنتقام . وفيو دلالة ظاىرة على جواز الإستنباط والإجتهاد في كتاب الله تعالى "(2) وعليو فتكون ىذه العبارة لأَبِِ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنو مدخلب للدلالة على التجديد في التفسنً ؛ لأن:" انٞعنى الأظهر فيها أن يعرف ىذه الوجو ه ." ثانيا : المطلب الثاني : الوجوه الدالة على قابلية التفسير للتجدبد: ومن ىذه الوجوه: 1- الدلالات الظنية والتي يصح فيها انٝلبف والتي يستنبطها انٞفسر من القرآن الكريم وىي متفرعة عن الدلالات اليقينية التي لا يصح ولا يقبل فيها انٝلبف وفي ظل ذلك يكون القرآن الكريم ن٘الا ذا وجوه لوجود الدلالات الظنية الكثنًة جدا؛ً و ذلك فيو دلالة على إمكانية التجديد في التفسنً لاحتمال بعض آياتو ولاختلبف الأفهام وتعددىا، دون إنكارٍ على أيِّ فهمٍ منها، ودون قطعٍ نِطأِ واحدٍ منها. وىو الاحتمال انٞتحقق في الدلائل الظنية انٞوجودة في كثنً من آيات الكتاب الكريم . نِلبف الدلائل اليقينية فيها، والتي لا تقبل تَـعَـدُّدَ الأفهام، ولا نُْيز الاختلبفَ فيها . وقد تبلغ انٞعاني الظنية انٞتعددة في درجة قوتها حدا قريبا من ا لتساوي، عند انٞفسر، ن٣ا يجعلو عاجزا عن الترجيح بينها، ولا يكون لديو فيها راجحٌ ومرجوح، فيقول: ولعل الله تعالى أراد كذا، أو أراد كذا! فإن بلغ التقارب بنٌ انٞعنينٌ حدَّ التساوي، فسوف يقول انٞفسر حينئذ: نٓتمل الآية معنينٌ، كلبهما صحيح! وىذا ىو الوجو التالي : 2 - احتمال التركيب في عبارة الآية لأكثر من تفسنً صحيح، وقد يستويان في انٞرجحات، فيجب ن٘ل الآية عليهما كليهما كاختلبف معنى الآية باختلبف موضع الوقف عليها: فالوقف عند لفظ انٛلبلة في قولو : (وَمَا يـَعْلَمُ تَأْوِيلَوُ إِلاَّ اللهُ) يجعل انٞعنى يختلف نُصر العل م بتأْوِيل انٞتشابو على الله، واذا وقفنا عند قولو تعالى : (وَمَا يـَعْلَمُ تَأْوِيلَوُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ) يدخل الرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ مع الله بعلم تأويل انٞتشابو. (1) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعدج2 \ ص357 ولفظو ''عن أبِ قلببة'': أن أبا الدرداء كان يقول: ''إنك لن تفقو كل الفقو حتَّ ترى للقرآن وجوىًا''. (2) مصدر سابق- الاتقان في علوم القرآن - السيوطي: - ج 6 \ ص2291.
عدد الصفحات ٥5 3- انٞشترك اللفظي: إذا لم يُرجِّحِ السياقُ إرادةَ أحدهما على الآخر. كقولو تعالى (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ)، فـ(عسعس) من الأضداد، والأضداد صورة من صور انٞشترك اللفظي، فهي تأتي نّعنى: أقبل، ونّعنى: أدبر أيضا، والآية ليس فيها ما يرجح أحد انٞعنينٌ على الآخر، فقد يكون الله تعالى قد أقسم بالليل إذا أقبل، وقد يكون أقسم بالليل إذا أدبر، وقد يكون سبحانو أراد القسم بكليهما معًا. ومع عدم وجود انٞرجح، نرجح الإحتمال الأخنً، فنقول : أقسم الله تعالى بالليل في حالتي الإقبال والإدبار معًا. 4- القراءات ذات انٞعاني انٞختلفة، حتَّ لقد قرر العلماء في ذلك قاعدة شهنًة تبنٌ عظم أثر القراءات في تعدد انٞعاني، حيث قالوا: إن القراءتنٌ إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة، كان نٟما حكم الآيتنٌ. وقد صُنف في بيان أثرىا في التفسنً عدد من انٞصنفات. وىذا كاختلبف التفسنً باختلبف القراءة في قولو تعالى (وَىُوَ الَّذِي يـُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بـَنٌَْ يَ دَيْ رَنَْ٘تِوِ)، ففي قراءة أخرى: (نُشُـرًا)، ويختلف معنى كل قراءة عن الأخرى اختلبفا تاما. 5- أفراد العمومات الذين يشملهم اللفظ العام، فقد يغيب عن الذىن شمولُ اللفظ العام لبعض أفراده في زمن من الأزمان وعند بعض انٞفسرين، ونٓضر تلك الأفراد في زمن آخر، وي تضح عند انٞفسرين انٞتأخرين شمولُ العموم نٟا . وذلك كقولو تعالى ( وَانَْٝيْلَ وَالْبِغَالَ وَانَْٜمِنًَ لِتـَرْكَبُوىَا وَزِينَةً وَيخَْلُقُ مَا لاَ تـَعْلَ مُونَ ) . فقولو تعالى (وَيخَْلُقُ مَا لاَ تـَعْلَمُونَ) أتاح فيو عمومُ اسم انٞوصول (ما) استحضارَ وسائل ا لتنقل انٜديثة (من سيارات وطائرات وقطارات وباصات وغنًىا)، في سياق تذكنً الله تعالى لنا بإنعامو علينا بنعمة انٞركوبات انٞعينة بالاسم من وسائل التنقل القديدة (انٝيل والبغال وانٜمنً). 6- الآيات التي تتضمن أصولا كليةً وقواعدَ فقهيةً وأُسُسًا فكريةً أو معرفيةً أو قضائيةً عدليةً، لتحتكم العقولُ إليها في الوقائع انٞتجددة، وفي الصور الكثنًة جدا التي لا تكاد تتناىى . خاصة عندما تكون تلك الآيات ىي النص الوحيد من نصوص الوحي (كتابا وسنة) الذي يُبنٌُ ىدايةَ الله تعالى في بعض تلك الوقائع والصور، فتأتي كليةُ تلك الآيات لتتيح استخراجَ أحكامٍ شرعية، ولتُوفِّـقَ انٞستنبطنٌ إلى استلهام ىداياتٍ ربانية لا تكاد تنحصر . ومن أمثال ىذه الآيات الكلية : قولو تعالى (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نـَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وقولو تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )، وقولو تعالى (وَمَ ا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وقولو تعالى (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بـَيـْنَكُم بِالْبَاطِلِ)، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). فهذه كلها أصول كلية، وقواع د عامة، تتيح الاجتهاد في تنزيلها على الوقائع التي لا تكاد تنتهي؛ إلا بنهاية الدنيا . 7- انٞتشابو الذي يحُمل على المحكم، فهو من جهة: ن٘ال ذو وجوه، ولذلك يرجع إليو الذين في قلوبهم مرض، ليحملوه على ما يوافق ىواىم من وجوىو. وىو من وجو آخر لا يحتمل إلا انٞعنى الذي نٓدده المحكمات. وبهذا تتبنٌ توسعة كتاب الله تعالى في الفهم، في كل ىذه الوجوه ؛ إلا الوجو الأخنً منها، الذي لا يتوسع بو إلا الذين في قلوبهم زيغ، ن٣ن يقلبون منهج انٜق في انٞتشابو، فلب يُرجعون انٞتشابو إلى
عدد الصفحات ٦6 الـمُحْـكَم، بل يُرجعون المحكم إلى انٞتشابو، ليشتبو بهذا انٞنهج الباطلِ (انٞتشابوُ) و(المحكمُ) نٗيعًا، ويَضِل الناسُ بهما معًا، وهما اللذان كان يجب أن يهتدي بهما نٗيعا الناسُ كلهم! المبحث الثالث : ضوابط التجديد في التفسير للتجديد في تفسنً القرآن الكريم ضوابط لابد من وضعها نٟذا الاحتمال انٛديد حتَّ يكون مقبولا ؛ لذلك فإن على كل من يقول بقول جديد في تفسنً الآية عموما ، وفي التفسنً العلمي (أو الإعجاز العلمي) خصوصا، أن يتبع الضوابط العلمية الصحيحة نٞعرفة القول الصحيح من غنًه ، وىذه الضوابط في انٞطالب الآتية . المطلب الأول :أن يكون القول الحادث صحيحا في ذاتو. والقول الصواب الصحيح تعلم صحتو من وجوه: ٔ- أن تدلَّ عليو لغة العرب ، وذلك في تفسنً الألفاظ أو الصيغ أو الأساليب . وىذا يعني أن تفسنً ألفاظ القرآن نّصطلحات علمية سابقة لو كمصطلحات الفلبسفة القدامى أو مصطلحات لاحقة متأخرة من أصحاب الفلك وغنًىم لا يصح البتة؛ لأن ألفاظ القرآن الكريم عربية ، وتفسنًىا يؤخذ من لسان العرب، ولغة ا لقرآن، لا من ىذه انٞصطلحات، ومن أوضح الأمثلة في أثر ىذه انٞصطلحات على تفسنً ألفاظ القرآن العربية التي لا نٓتمل معناىا نّا اصطلح عليو علماء الفلك: ما يرد من كون الشمس ن٤ما، والأرض كوكبا، وىذا غنً صحيح لأنك لا نْده في آية قرآنية، ولا سنة نبوية، ولا لغة عر بية، فالشمس جرم غنً النجم، والأرض جرم غنً الكوكب، والقمر جرم غنً ىذه كلها ، وإليك أدلة ذلك من القرآن . قال تعالى - في قصة مناظرة إبراىيم لقومو عبدة النجوم - : فـَلَمَّا جَنَّ عَلَيْوِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ ىَذَا رَبِِّ فـَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِنٌَ( 76) فـَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ ىَذَا رَبِِّ فـَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لمَّْ يـَهْدِنيِ رَ لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّنٌَ( 77) فـَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ ىَذَا رَبِِّ ىَذَآ أَكْبـَرُ فـَلَمَّا أَفـَلَتْ قَالَ يَا قـَوْمِ إِنيِّ بَرِيءٌ ن٣َِّّا تُشْرِكُونَ( 78) ففرق الله جل في علبه بنٌ الكوكب والقمر والشمس وقال تعالى - في قصة رؤيا يوسف: إِذْ قالَ يُوسُفُ لأَِبِيوِ يا أَبَتِ إِنيِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيـْتـُهُمْ ليِ ساجِدِينَ (سورة يوسف ، آية : 4 )، ففرق يوسف عليو السلبم بنٌ الكواكب والشمس والقمر وقال تعالى في سورة الأعراف عَلَى الْعَرْشِ يـُغْشِي اللَّيْلَ النـَّهَارَ يَطْلُبُوُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَوُ انَْٝلْقُ وَالأَْمْرُ تـَبَارَكَ اللَّوُ رَبُّ الْعَالَمِنٌَ 54 .]ففرق سبحانو بنٌ الأرض والشمس والقمر والنجوم . والأحاديث وآثار السلف وأقوال علماء اللغة في التفري ق بنٌ ىذه الأجرام أكثر من أن نٓصى ، فإذا جاء مفسر معاصر إلى مثل ىذه الآيات وزعم أن الشمس ن٤م ، أو أن القمر والأرض كوكبان ، فإنو يعترض
عدد الصفحات ٧7 عليو بأن القرآن فرق بينها ، وأن لغة العرب فرقت بينها كذلك ، ولم يرد في موطن واحد ما يدل على ىذا التفسنً لا من قريب ولا م ن بعيد ، ومن ىنا فالتفسنً بهذه انٞصطلحات انٞعاصرة نٟذه الأجرام لا يصلح . فإن قلت : ىل يدتنع أن يصطلح علماء الفلك في علمهم على ىذه الفروق التي لم نِْز ن٘لها على كتاب الله ؟ فانٛواب : لا ، لا يدتنع ، فاتفاقهم على ىذا مصطلحا بينهم لا غبار عليو ، لكن أن يحملوا ألفاظ القرآن والسنة واللغة عليو فهذا ىو المحذور ؛ لأنو لم يرد فيها ما يدل على صحة ىذه الإطلبقات الإصطلبحية التي جاءت في علم الفلك . ٕ - أن لا يخالف مقطوعا بو في الشريعة. فإن ما لا يوافق الشريعة لا يدكن أن تدل عليو آيات القرآن نُال، وذلك كمن يفسر قولو تعالى: { خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً 14] ، بأنها الأطوار الداروينية , ونظرية دارون (1) - كما ىو معلوم- ن٢الفة نٛميع الشرائع السماوية التي نْعل أصل الإنسان أبانا آدم عليو السلبم ليس على انٜالة التي أخبرنا بها الله جل وعلب في كتابو الكريم. وكذا من يفسر العرش أو الكرسي بأحد الكواكب السيارة (2) ,وىذا ن٢الف أيضا نٞا ثبت في الشريعة من كون ىذه انٞخلوقات فوق السموات، وأنها أكبر منها بكثنً. المطلب الثاني : أن تحتمل الآية ىذا القول الحادث . ويدكن معرفة ذلك بطرق ، منها أن تدلَّ عليو بأي وجوٍ من و جوه الدلالة : مطابقًة أو تضمنا أو لزوما ، أو مثالا نٞعنى لفظ عام في الآية ، أو جزءًا من معنى لفظ من الألفاظ ، أو غنً ذلك من الدلالات التي يذكرىا العلماء من أصولينٌ وبلبغينٌ ولغوينٌ ومفسرين . وىذا الضابط مهم للغاية ، إذ قد يصح القول من جهة وجوده في انٝارج ، لكن يقع انٝلل في صحة ربطو بالآية ، وىذا ن٠ال كبنً للبختلبف ، بل ىو ن٠ال نٓقيق انٞناط في كثنً من القضايا التي ثبتت صحتها من جهة الواقع ، لكن يقع التنازع في كونها مرادة في الآية ، وىذا الاختلبف لا يصلح أن يكون ن١طا للبنتقاص من الأطراف انٞختلفة ، فإني رأيت بعض من يدعو إلى تفسنً كثنًٍ من الآيات القرآنية نّا ثبت من انٞكتشفات في نُوث العلوم التجريبية والكونية يتنقص الآراء التي في الآية ، ويطالب علماء الشريعة بأن يلِموا بالعلوم انٞعاصرة لكي يتسنى نٟم أن يقدموا التفسنً انٞناسب لأىل ىذا العصر ، وتلك دعوى غنً لازمة . (1) ينظر جريدة الغد ، على الشبكة العنكبوتية http://www.alghad.jo/?news 39985 - = (2) ينظر على سبيل انٞثال كتاب أسرار الكون في القرآن للدكتور داود سلمان السعدي (ص -ٖٚٔ - 190 ) ، وعلى ىذا الكتاب ملبحظات في ىذا انٛانب، وفي غنًه من جوانب التفسنً .
عدد الصفحات ٨8 ولو روعيت قضية احتمال تنازع الطرفنٌ في صحة ن٘ل القضية العلمية انٜادثة على الآية القرآنية ، وأنها ن٠ال للبجتهاد ، ولا يلزم التثريب ما دام الأمر لا يقع فيو نٓريف في كلبم الله ؛ لو روعيت وصارت منهجا نٞا حصل تدابر وتشاحن بنٌ انٞتنازعنٌ ، بل تبقى بينهم المحبة والتواد والرن٘ة ، وقديدا قيل : إن الاختلبف لا يفسد للود قضية . يقول شيخي د مساعد الطيار حفظو الله ورعاه: وأضرب لك مثالا في ذلك : قولو تعالى في سورة الواقعة : (فَلب أُقْسِمُ نَِّوَاقِعِ النُّجُومِ ( 75)) ورد فيها تفسنًان للسلف الأول : أن انٞراد بالنجوم ن٤وم القرآن ، أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليو وسلم ن٤ومًا متفرقة ، وقد ورد ذلك عن ابن عباس ، وعكرمة ، ون٠اىد. الثاني : أن انٞراد بالنجوم ن٤وم السماء ، واختلف القائلون بكون انٞراد ن٤وم السماء على عدة معاني: المعنى الأول : فلب أقسم نّساقط النجوم ومطالعها ، وانٞراد مواقع طلوعها في أول الليل ، ومواقع غروبها في آخر الليل ، وقد ورد عن ن٠اىد ، وقتادة . المعنى الثاني : نّنازل النجوم ، وانٞراد بها انٞنازل انٞعروفة نٟذه النجوم ،كالثور والسرطان وانٛوزاء وغنًىا ، وقد ورد عن قتادة . المعنى الثالث : بانتثار النجوم عند قيام الساعة ، وقد ورد عن انٜسن البصري . وإذا تأملت ىذه الأقوال وجدتها قد اختلفت في انٞراد بالنجوم ، ثم اختلف القائلون بأنها ن٤وم السماء في انٞراد نّواقعها . فأصحاب القول الأول ذىبوا إلى موقع ( مكان ) طلوع النجم وغرو بو ، وكذا ذىب أصحاب القول الثاني ، لكن نٓديد انٞوقع اختلف ، حيث ذىبوا إلى أماكنها في بروجها . أما القول الثالث ، فذىب إلى معنى السقوط ، فجعل انٞوقع نّعنى الوقوع . وذىب بعض انٞعاصرين نّعنى الآية إلى قضية من قضايا العلوم الكونية انٞعاصرة ، وىذا القسم القرآ ني العظيم »ومنو ما ذكره بعض الفضلبء ، قال نّواقع النجوم يشنً إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إ إحدى حقائق الكون انٞبهرة ، والتي مؤداىا أنو نظرا للؤبعاد الشاسعة التي تفصل ن٤وم السماء عن أرضنا ، فإن الإنسان على ىذه الأرض لا يرى النجوم أبدًا ، ولكنو يرى مواقع مرت بها النجوم ثمَّ غادرت ، وفوق ذلك أن ىذه انٞواقع نسبية ، وليست مطلقة ؛ لأن الضوء كأي صورة من صور انٞادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية ، وعنٌ الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة ، وعلى ذلك فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقط ان٥نى ضوءه إليها ، فنًى موقعا وهميا للنجم غنً انٞوقع الذي انبثق منو ضوءه ، فنظرا لان٥ناء الضوء في صفحة السماء فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاىرية غنً مواقعها انٜقيقية. ليس ىذا فقط ، بل إن الدراسات الفلكية انٜديثة أثبتت أن ن٤وما قديدة قد خبت أو تلبشت منذ أزمنة بعيدة ، والضوء الذي ينبثق منها
عدد الصفحات ٩9 في عدد من انٞواقع التي مرت بها لا يزال يتلؤلأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراىن ، ومن ىنا كان القسم القرآني نّواقع النجوم ، وليس بالنجوم ذاتها....)) (1). وىذا القول يوافق من قال بأن النجوم ىي ن٤وم السماء ، لكن يفارقو بأن النجوم لم يقع عليها قسم ، وإنما وقع على مواقعها انٝالية منها ، وبهذا يكون ن٢الًفا للقول السابق في ىذه انٜيثية ، فانٞتقدمون يذىبون بتفسنً (مواقع النجوم ) إلى أن القسم بالنجوم ونّواقعها ، والذين ن٥و إلى التفسنً انٞعاصر يذىبون إلى أن القسم بانٞواقع دون النجوم ، وعلى فرض صحة ىذه القضية ، فإن كو نها ىي انٞرادة بقولو (فَلب أُقْسِمُ نَِّوَاقِعِ النُّجُومِ ( 75)[ )٘ٚ ] ٔ- أن الأقوال الثلبثة قد ورد ما يشهد نٟا من القرآن ، فم ن ذىب إلى مطالع النجوم ومغاربها يشهد لو مثل قولو تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْوُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ [ٜٗ ] _تعا [البروج ٔ]فسنً الآية ومن قال بأن انٞراد سقوطها عند قيام الساعة ، فيشهد لو مثل قولو تعا2.] ؛ أي : انصبت وسقطت ، وىذا أحد معا الإنكدار في الآية . ٕ- أن الله ذكر النجوم في غنً ما آية ، وانٞراد بها تلك النجوم انٞتلؤلئة في جو السماء ، ولم يشر في آية منها إلى ىذه القضية ، ولو كانت ىذه القضية حقيقة ، فإن إبراىيم - نّٞا قال الله عنو- في الصافات: (فـَنَظَرَ نَظْرَةً فيِ النُّجُومِ) [ٛٛ{ , يكون واهما ، فهو لم ينظر إلى النجوم إلا توهما ، وإنما نظر إلى مواقعها من حيث لا يدر ي(2) ! وإذا رجعت إلى السنة وآثار السلف وأقوال الناس رأيتهم يعتمدون رؤيتهم ما يرون من ىذه النجوم ، ولا يدكن أن يدور في خلدىم أن ما يرونو إنما ىو مواقع النجوم ، وانٞوجود فيها إنما ىو صورة النجم لا حقيقتو ، فذلك ن١ال أن يسلم بو ىؤلاء ، ويبنون على ذلك أحكامه م العلمية والعملية ، ومن ذلك ما رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن شقيق قال: ((خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتَّ غربت الشمس وبدت النجوم ، و جعل الناس يقولون الصلبة الصلبَة، قال : فجاءه رجل من بني نٕيم لا يفتر ولا ينثني الصلبة الصلبَة . فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك ؟ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليو وسلم نٗع بنٌ الظهر (1) من آيات الإعجاز العلمي : السماء في القرآن ( صٜٙٔ ٜٚٔ ن٠لة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد ( ٕ) ذو انٜجة ( ٕٚٗٔ ه) ٚٓٔ. (2) ورد تفسنً السلف نٟذه الآية بأنو رأى ن٤ما طالعا في السماء ، فقال : إني مطعون . وىو يوىم ) بهذا أنو قد أصابو النجم على حد زعمهم بتأثنً النجوم .
عدد الصفحات ١٠10 والعصر وانٞغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا ىريرة ، فسألتو ، فصدق مقالتو )(1) ٖ- أن الله خاطب العرب نّا يعقلون ، والنجم عند العرب ما يشاىدونو ، خلبًفا نٞا قيل في ىذا العلم انٞعاصر من كون ما نراه ليس ن٤وما ، وإنما مواقع النجوم، وبهذا يكون القول بها ن٢الًفا للمنقول وانٞعقول بنٌ الناس ، والناس ن٠معون على أن ما يرونو يتلؤلأ في السماء إنما ىي النجوم ، بأي لفظ نطقوا بو من لغاتهم ، فهذه النجوم يرونها ويعرفونها بأنٚائها ومواقعها ويهتدون بها ، وليس من انٞقبول إنكار ما اتفق عليو الناس بهذه السهولة . ٗ- أن ىذه القضية التي ذكرت في التفسنً انٞعاصر لا يدركها إلا القليل من الناس ، وىم من كان عندىم من الآلات التي تقرب نٟم ما بعد في جو السماء فيدركون ىذا بالنظر فيه ا ، وفي مثل ىذه انٜال فإن العمدة في قبول مثل ىذه القضية العلمية إنما ىو العالم انٞسلم انٞطلع على ما اطلع عليو انٞكتشفون نٟا ، وىم كذلك قليل جدا ، وغنً انٞتخصصنٌ يقبلون منهم ما يطرحونو ثقة بهم في فهمهم وعلمهم بهذه القضايا فحسب ، وليس عندىم إمكانية تصديق ذلك بالنظر كما ىو انٜال في كون انٞقسم بو النجوم التي يرونها تتلؤلأ في السماء . وكثنً من انٞسائل التي يطرحها انٞعتنون بالإعجاز العلمي تتصف بأن الاطلبع عليها ن١دود ، وإدراكها لا يتأتى بسهولة ، بل نّعانٛة علمية معقَّدة من خلبل الآلات وانٞعامل انٞتطورة . وانٞقصود أن القرآن الذي نزل للناس كافة لا يدكن أن يراد بو بعض ما تدركو انٝاصة فقط . وىذه الوجوه التي ذكرت نْعل القول بهذا القول انٞعاصر ن١لَّ نظرٍ في أن يكون مرادا بالآية ، فالاعتراض ىنا على ربطو بالآية، وليس في صحتو في ذاتو. المطلب الثالث :أن لا يبطل قول السلف وانٞراد أن لا يكون القول انٞعاصر انٞبني على العلوم الكونية أو التجريبية مسقطا قول السلف بالكلية ، وىو مبني على أمور : الأول : أن تعلم أن تفسنً السلف شامل للقرآن كلو ، ولا يدكن أن يخرج انٜق عنهم ، أو يخفى عليهم فلب يدركونو ، ويدركو انٞتأخرون . وانٞعنى أن كل القرآن كان معلوما نٟم بوجو من الوجوه الصحيحة ، وأن ما زاده انٞتأخرون من الوجوه لا يعني نقص علمهم بالقرآن ؛ لأن موجب ذلك القول لم يكن موجودا في عصرىم كي يقال نَهلهم بو . وعلى ىذا فإنو لا يوجد في القرآن ما لم يعلم السلف معناه ، ولا يدتنع أن يظهر للمتأخرين وجوه صحيحة من التفسنً ؛ يجوز القول بها واعتمادىا مادامت لا تناقض قول السلف . (1) صحيح مسلم ، برقم ٘ٓٚ)
عدد الصفحات ١١11 الثاني : أن العصمة لمجموعهم ، وليست لفرد منهم ، لذا يقع الاستدراك في التفسنً فيما بينهم ، فترى بعضهم يخطِّئ فهم الآخر ، ويرد عليو. الثالث :أن إضافة الأقوال انٛديدة الصحيحة التي نٓتملها الآية ن٣كن،.لكن انٞشكلة ىنا إذا كان القول انٞعاصر مسقطا لقول السلف بالكلية؛ لأنو يلزم منو أن آية من الآيات لم يفهم معناىا على مر القرون حتَّ ظهر ىذا انٞكتشف العلمي انٞعاصر ، وىذا اللبزم ظاىر البطلبن. .المطلب الرابع :أن لا يقصر معنى الآية على ما ظهر لو من التفسير الحادث وىذا الضابط يشنً إلى الأسلوب التفسنًي الذي يحسن نّن يريد بيان معنى جديد أن يسلكو ؛ لأن الاقتصار على القول انٛديد اقتصارا يشعر بصحتو وسقوط ما سبقو من الأقوال يعتبر خطأ في طريقة التفسنً . يقول شيخي الطيار: وقد تأملت طريقة بعض الباحثين في الإعجاز العلمي ، فألفيتها لا تخرج عن الأحوال الآتية الأولى :أن يقتصر على ما ظهر لو من رب ط انٞكتشفات انٞعاصرة بآية من الآيات ، دون تعرض لأقوال انٞفسرين ، وىذا لا يتبنٌ من حالو القبول أو الرفض لأقوال العلماء السابقنٌ . الثانية :أن ينص صراحة على رفضو لأقوال العلماء السابقنٌ ، ويفرض ما يراه من انٞكتشفات انٞعاصرة تفسنًا للآية ، ولا يرتضي غنًه . الثالثة :أن يذكر أقوانٟم على سبيل حشد الأقوال انٞذكورة في الآية، دون التعريج على إمكانية قبونٟا من عدمو ، ثمَّ يستطرد في ذكر ما يراه تفسنًا للآية من انٞكتشفات انٞعاصرة . وبعض ىؤلاء لا يحرص على تفسنً السلف ، ولا على تفهمو ودرايتو، بل أحسنهم حالا من يرجع إلى تفاسنً انٞتأخرين وينقل أقوانٟم ، حتَّ إنو ينقل أقوال انٞعاصرين من انٞفسرين على أنها أقوال انٞفسرين . ولا شك أن من يدرس التفسنً على أصولو يعلم أن ىذا الأسلوب فيو تقصنً ، لعدم الرجوع إلى تفسنً الصحابة التابعنٌ وأتباعهم أولا ، ثم النظر في من وافقهم من انٞفسرين انٞتأخرين . وإن التقصنً في معرفة علومهم وأحوانٟم كائن فينا ن٥ن انٞسلمنٌ في ن٠الات متعددة ؛ كالتعبد والزىد وانٞتابعة وغنًىا . فإن قلت :لم تلزم بذكر أقوال السلف من انٞفسرين ، وعمل الباحث انٞعاصر يقوم على إثبات ارتباط ذلك انٞكتشف انٞعاصر بالآية ؟ فانٛواب :إني أطالب بأكثر من ذكر أقوانٟم ، وذلك بأن يتعرف انٞعاصر على أقوانٟم ويفهمها على وجهها ؛ لتتحصل لو انٞعرفة نّرتبة القول انٜادث على النحو الآتي :
عدد الصفحات ١٢12 الأول :أن يكون قولو انٞعاصر مناقضا نٞا اتفقوا عليو ، فيتوقف في ربطو بنٌ قولو والآية ، ولا يتعجل حتَّ يسأل أىل العلم ليبينوا لو صواب قولو من خطئو ، فلب يجترئ على ن٢الفة الإنٗاع الذي ىو أصل من أصول الدين ، فالأمة لا يدكن أن نْمع منذ سالف دىرىا على خطأ ، ثم يظهر الصواب لشخص في الزمان انٞتأخر . الثاني : أن يعرف أقوانٟم انٞختلفة ، ويتأمل قولو بينها ، ىل يدخل في أحد الأقوال ، فإن وجد قولو يندرج نٓت قول من الأقوال أدرجو نٓتو ، وبنٌ ما زاد على ذلك القول من تفاصيل عنده . الثالث : أن يكون قولو - مع اختلبفهم - قولا جديدا ، لا يدخل في أحد ىذه الأقوال ، فينظر إلى صحتو في الواقع ، ومدى احتمال الآية لو ، فيقول بو على سبيل الإضافة . فإن قلت :أرأيت إن أبطل قوُلو أحد الأقوال انٞختلفة عن السلف ؟ فالجواب :إن وصل إلى إبطال قول ، فلب أرى أن يجترئ على إبطالو إلا بعد ظهور البينة التي لا لبس فيها بأن ما قالو صواب صحيح تدل عليو الآية، والقول الذي أبطلو خطأ ن١ض لا تدل عليو الآية . وىٰهنا ملحظ مهم قد أشرت إليو ، وىو أنو قد يكون القول الذي يقولو صحيحا في ذاتو ، لكن انٝطأ الذي يقع في صحة دلالة الآية عليو ، فتراه يتعسف في ن٘ل الآية عليو ، ويجعلو تفسنًا نٟا ، وىو ليس كذلك ، إذ لا يلزم أن يكون كل قول صحيح في ىذه انٞكتشفات انٞعاصرة أن يوجد ما يشهد نٟا من الآية ، فتفسر بو ، وىذا أمر مهم للغاية . أما ما يقع من بعض انٜريصنٌ على ربط بعض انٞكتشفات العلمية بالآيات ، وىذه انٞكتشفات ظنية ظنا ضعيًفا ، أو إنها خطأ ن١ض =فإن ىذا لا يختلف في رده ورفضو الباحثون انٛادون في الإعجاز العلمي(1). (1) تصحيح طريقة معانٛة تفسنً السلف في نُوث الإعجاز العلمي د. مساعد الطيار ، من 100 – 113.
عدد الصفحات ١٣13 المبحث الرابع : حجية تفسير السلف وفيو مطلبان : - المطلب الأول : من ىم السلف؟ المطلب الثاني : صور حجية تفسير السلف أولا : المطلب الاول : من ىم السلف؟ لإن كان كتابُ الله الكريم ن٘الَ أوجو ن٢تلفة في الفهم ؛ فإن بيان أصحاب نبينا صلى الله عليو وسلم لو حجة وأمارة على الفهم الصحيح ؛ لأنهم حضروا التنزيل وعلموا أسبابو، وفهموا مقاصد الرسول صلى الله عليو وسلم وأدركوا مراده، وكل من لو لسان صدق من م عروف بعلم أو دين، معترف بأن خنً ىذه الأمة ىم الصحابة رضي الله عنهم. قال ابن تيمية رن٘و الله: "ولا نْد إماماً في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبِ حنيفة، والشافعي، وأن٘د بن حنبل، وإسحاق بن راىويو، ومثل : الفضيل و أبِ سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثانٟم، إلا وىم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيو مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيو مقتدين بعمل الصحابة، وىم يرون الصحابة فوقهم في نٗيع أبواب الفضائل وانٞناقب, والذين اتبعوىم من أىل الآثار النبوية وىم أىل انٜديث والسنة العانٞون بطريقهم انٞتبعون نٟا وىم أىل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر "(1) ولقد حكى ابن تيمية رن٘و الله الإنٗاع على خنًية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأنهم أفضل من انٝلف في كل فضيلة ولقد اعتصم أىل السنة وانٛماعة نُجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعنٌ فعصمهم ىذا من التفرق والضلبل، فقالوا نّا قال بو السلف، وسكتوا عما سكتوا عنو، ووسعهم ما وسع السلف . أما أىل الضلبل والإبتداع، فمذىبهم الطعن في الصحابة وتنكب طريق السلف، قال الإمام أن٘د رن٘و الله: (إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من الصحابة بسوء، فاتهمو على الإسلبم )(2). (1) العقيدة الأصفهانية - ابن تيمية- ص 165 (2) البداية والنهاية : جـ8صـ142
عدد الصفحات ١٤14 ثانياالمطلب الثاني : صور حجية تفسير السلف تفسير السلف يكون حجة في الصور التالية: الصورة الأولى: إذا كان التفسير إجماعاً سواء كان يقينيا أو ظنيا أو سكوتيا أو مركّبا أو غنً ذلك ن٣ا يقال في الإنٗاعات الفقهية. الصورة الثانية: إذا كان التفسير لو حكم الرفع وصح سنده .وىو أربعة أقسام :- القسم الأول: التفسنً الذي لا ن٠ال للئجتهاد فيو ويكون خاليا من الإسرائيليات . القسم الثاني : أسباب النزول نٟا حكم انٜديث انٞرفوع القسم الثالث : ما ورد من القراءات ؛ لأنها منقولة و لا يدخلها الاجتهاد. القسم الرابع : حكاية النسخ لو حكم الرفع الصورة الثالثة : إذا كان مجرد نقل للمعنى اللغوي في المفردة القرآنية. كتفسنً انٞعنى اللغوي للكلمة أو اللفظة القرآنية؛ لأنهم حجة في اللغة, وىم أىلها. الصورة الرابعة : المنهج الكلي الإجماعي القطعي للصحابة والتابعين في التفسير. وىذا يعد أىم الوجوه، وىو الذي ينبغي الالتزام بو .وما سوى ذلك فهو اجتهاد يجوز ن٢الفتو مع عدم الانتقاص من أقوانٟم . المبحث الرابع : من صور التجديد المتاح في التفسير أربعة مطالب من صور التجديد انٞتاح في التفسنً: المطلب الأول : استخراج معاني جديدة لم يذكرىا ولم يسبق اليها انٞفسرون من السلف, كتجديد ابن جرير الطبري قديدا والطاىر بن عاشور جديدا , فقد نٗع الطبري روايات التفسنً بأسانيدىا ووازن بينها وأخذ يرجح ما كان راجحاً ، ويضيف ما يراه لازماً (1). المطلبالثاني: محاكمة بعض الأقوال القديمة غير المعتبرة في التفسير: وذلك لبيان بطلبنها وإخراجها من ن٠ال التفسنً والتي تدخل ضمن التفسنً بالرأي انٞذموم كتفسنً الشيعة أو التفسنً انٝاطيء الذي ظهر خطؤه. تنبيو ون٣ا ينبغي الانتباه لو والتنبيو عليو أن بعض انٞعاصرين من متخصصنٌ في التفسنً أو الاعجاز العلمي رأيناه يتجرأ أو يتسرع في ن١اكمة بعض أقوال السلف, ويجعلها غنً معتبرة في التفسنً بعد ظهور انٞكتشفات انٜديثة التي أبطلتها في ظنو, ويقطع يقينا بأن القول بها أصبح باطلب, ولا وجو لو , والقول بها غنً صحيح, (1) التجديد في التفس: مادة ومنهاجا - د.نٗال أبو حسان- www.tafsir.net .
عدد الصفحات ١٥15 وأن ما ذىب اليو السلف من تفسنً نٟا غنً مراد من الآية ؛ لأنو تصادم مع الواقع . كقول قتادة بأنو لا يعلم ما في الأرحام إن كان ذكرا أم أنثى إلا الله جل وعلب؛ وقد توصل العلم إلى معرفة نوعية انٛننٌ إن كان ذكرا أم أنثى باستخدام الأجهزة الطبية انٜديثة ؛ وعليو يبطل قول قتادة : بأن معر فة نوعية انٛننٌ من علم الغيب؛ لأنو أصبح ليس من الغيب. وللرد على ذلك نأتي بذكر أقوال بعض المفسرين من السلف والمعاصرين وفتاوى العلماء المعاصرين كابن عثيمين روى شيخ انٞفسرين ابن جرير الطبري في تفسنًه عن قَتادة في قولو تعالى : (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...) الآية، أشياء من الغيب، استأثر الله بهنّ، فلم يطلع عليهنّ ملَكا مقرّبا، ولا نبيا مرسلب , (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) فلب يدري أحد من الناس متَّ تقوم الساعة، في أيّ سنة، أو في أيّ شهر، أو ليل، أو نهار(ويُنزلُ الغَيْثَ) فلب يعلم أحد متَّ ينزل الغيث، ليلب أو نهارا ينزل؟ , (وَيـَعْلَمُ ما فيِ الأرْحامِ) , [ لقمان: آية34] (1)؟. وجاء في تفسنً ابن كثنً بالنسبة لنوع انٛننٌ نفس انٞعنى مع زيادة معنى , فمعنى قولو تعا وَيـَعْلَمُ مَا فيِ الأرْحَامِ 34] أو طويل العمر أو قصنًه(2). وذكر أبوبكر انٛزائري وىو من انٞفسرين انٞعاصرين (3)- في تفس قولو تعالى : (وَيـَعْلَمُ ما فيِ الأَْرْحامِ ) قال : أرحام الإناث من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أن٘ر أو أسود ومن طول وقصر ومن إيدان أو كفر ولا يعلم ذلك سواه ويعلم ما يكسب كل إنسان في غده من خنً أو شر أو غنى أو فقر، ويعلم أين نٕوت كل نفس من بقاع الأرض وديارىا ولا يعلم ذلك إلا الله ولذا قال رسول الله صلى الله عليو وسلم "مفاتح الغيب نٙسة وقرأي نـَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نـَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ نَُٕوتُ إِنَّ اللَّوَ عَلِيمٌ خَبِنًٌ (4) ن٣ا سبق يظهر والله أعلم صحة قول قتادة ؛ لأنو لو جاء إنسان وقلت لو إن ىذه امرأة حامل وأشرفت على الولادة فأخبرني بنوع الذي في بطنها , أذكر أم أنثى أم ىو خنثى ؟ , وإن كان خنثى أخنثى مشكل (1) جامعالبيان في تأويل القرآن - الطبري: ج 20 , ص160. (2) ابن كث ج 4 , ص435 . (3) أيسر التفاس– أبوبكر انٛزائري - ج4 ص219 . (4) في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليو وسلم: "مفاتح الغيب نٙس ثم قرأ (إن الله عنده علم الساعة) الآية وفي رواية أبِ ىريرة "نٙس لا يعلمهن إلا الله" وعلة تسميتها مفاتح الغيب أنها من أمور الناس انٞغيبة عنهم فإذا وقعت كان وقوعها كفتح مغلق نّفتاح فالإنسان قد يعرف متَّ يصلي متَّ يسافر متَّ يتزوج أما ىذه انٝمسة فلب علم لو بها أبداً حتَّ يفتح الله بابها ويظهرىا.
عدد الصفحات ١٦