115 الرحمة في ت التخفيف اأنموذجًا إعداد: د. ايهاب محمد اللمعي
عدد الصفحات ١116
عدد الصفحات ٢117 المقدمة الشريعة الإسلامية بمنطوق نصوصها وبمستنطقات مقاصدها جاءت دفعًا للمشاق عنهم، للتيسير عن العباد في كل التشريعات التي كلفوا بها، لتقع العبادات والمعاملات متوافقة مع الفطرة البشرية، وجلبًا للتيسير لهم، وتحت مستوى طاقتها. وتأكيدًا لسمو مقاصد الشريعة في الأذهان والعيان فقد تضمنت الأحكام والإجراءات العملية في الشريعة تقرير هذا المبدأ وترسيخ هذا ولم تكن التشريعات التي تضمنتها الشريعة والتي دعت إليها المقصد، بحيث تفرض عليهم أحكامًا تحاول أن تثقل على الناس ما لا يطيقون، بل جاءت أحكام الشريعة توافق تنافي طبائعهم ولا تطيقها أبدانهم؛ وتكافئ القوة وتنسجم مع طبائع البشرية. الفطرة، بحيث وضعت فراعت الشريعة ما يعرض للمكلف من عوارض ومشاق، جملة من الإجراءات العملية التي تمثل جهازًا مناعيًا يقوم برصد العوارض وتقديم العلاج الناجع لتخليص المكلف ورفع الحرج عنه ومنحه فرصة بحيث تأدية العبادة بما يتلاءم مع قدرته وظروف زمانه وإكراهات مكانه، تكون هناك موازنة فلا إفراط ولا تفريط، ولا يخلو المحل من العبادة
عدد الصفحات ٣118 وتكون حالة المكره مقصودة بحيث يبقى العبد دائمًا متعلقًا بخالقه؛ للشارع كحالة المنشط ترسيخًا لمقصد التيسير والتخفيف. والشريعة قدمت أنموذجًا فريدًا لتشريع التكاليف فضبطت المفاهيم لكي لا تكون الفروع يتيمة ولا تدع وحددت المضامين ورتبت العناوين؛ لتكون الشريعة قد قدمت فضبطت مسار توظيفها؛ الأصول عقيمة، برنامجًا متكاملاً للتشريع يتناسب مع كل الظروف والتحديات التي تعرض وقد ضبطتها بميزان منضبط لا تتقاطع فيه الوظائف ولا تتنازع للمكلف، فيه الفروع على المراتب. وقد جاء هذا البحث للإجابة عن ثلاثة أسئلة: (. ما هي أوجه التخفيف في الشريعة الإسلامية؟ (. ما هي القواعد والأسباب للتخفيف في الشريعة الإسلامية؟ (. ما هي مبادئ التنظير وقواعد التنزيل للتخفيف في الشريعة؟ أما أهداف البحث: وتحقيق إن الهدف الرئيس لهذا البحث هو الإجابة عن أسئلة البحث، ثلاثة أهداف: (. البيان: وذلك لبيان مظاهر الرحمة والتخفيف في الشريعة. (. البرهان: استظهار الأدلة وإقامة البراهين على أوجه التخفيف في الشريعة. (. العنوان: وضع جملة من الألقاب المنهجية لضم فروع التخفيف تحت كلي يعمها وأصل يضمها. أما منهج البحث: وللإجابة عن الأسئلة ولتحقيق الأهداف فيتطلب سلوك منهج ذي ثلاثة أبعاد:
عدد الصفحات ٤119 ( .بعد استقرائي حيث يتم استقراء أوجه التخفيف في العبادات (. بعد تحليلي حيث يتم تحليل أوجه التخفيف من أجل ربطها بأصول الشرع وأحكامه ومقاصده. (. بعد استنباطي حيث يتم استنباط جملة من العناوين والقواعد لتكون معالم لفقه التخفيف. أما خطة البحث: مقدمة (تبين أهمية البحث وقيمته وأهدافه ومنهجه وخطته(. التأصيل لمقصد التخفيف في الشريعة الإسلامية. المبحث الأول: أوجه التخفيف في التكاليف الشرعية. المبحث الثاني: مبادئ التنظير وقواعد التنزيل. المبحث الثالث:
عدد الصفحات ٥120 المبحث الأول التأصيل لمقصد التخفيف في الشريعة الإسلامية إن مقصد الرحمة في الشريعة الإسلامية يمثل المظلة الكبرى التي ولبيان مفرداتها المقصدية تستظل بها المقاصد الخاصة والجزئية، لتوضيح وتجلياته سنقتصر على مقصد التخفيف بيانًا وبرهانًا وعنوانًا؛ ولتحقيق ذلك سنشير إلى وترتيب العناوين، وتحديد المضامين، المفاهيم، ثلاثة أهداف: الهدف الأول بيان مقصد التخفيف (الخَفَّةُ والخِفّةُ ضِدُّ الثِّقَلِ والرُّجُوحِ يكون في لغة: تعريف التخفيف: .(((الجسم والعقلِ والعملِ( . (((فالتخفيف (تسهيل التكليف أو إزالة بعضه( أما في الاصطلاح: تسهيل أداء التكليف الشرعي بالتغيير فالتخفيف المقصود شرعًا هو: (.79/9 لسان العرب، مادة (خفف(، ((( (، المكتب الإسلامي بيروت، ( زاد المسير في علم التفسير، عبدالرحمن بن علي الجوزي، ط ( ((( (.60/(ه404(
عدد الصفحات ٦121 وإزالة بعض التكاليف تخفيفًا عن المكلف؛ في أنظمته ووسائل أدائه، لضمان حسن أداء التكليف وعلى الوجه المقصود شرعًا. الهدف الثاني التأصيل لمقصد التخفيف وللتأصيل سنقف عند مسألتين: المسألة الأولى إقامة البرهان على مقصد التخفيف في الحالات العامة والاستثنائية وردت نصوص كثيرة في الشريعة تدل على تقصيد التخفيف باعتباره فتمثل النصوص تارة كلي يمثل مقصدًا شرعيًا يضم تحته فروعًا كثيرة، كقوله وتارة جزئيه. فقد ثبت مقصد التخفيف بأدلة من الكتاب: التخفيف، وقوله: ]185البقرة[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ( تعالى: ﮂ ﮃ ( وقوله: ]الن[ )ﭨﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ( ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ( وقوله: ]6المائدة[ )ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ (. وقوله ]78الحج[ )ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ .]157الأعراف[ )ﮐ ﮑ وأما أدلة تقصيد التخفيف الكلي في السنة فكثيرة نقتصر منها على ما يلي: « قال Sعن أنس عن النبي « وقوله
عدد الصفحات ٧122 وقوله لمعاذ وأبي ،(((وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ،(((« موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن وقوله لما بال الأعرابي في المسجد وتناوله الناس ، ويقول العلامة بن عاشور بعد أن ذكر جملة من النصوص (((تبعثوا معسرين لأن الأدلة المستقراة في ذلك التيسير؛ الشرعية: “إن من مقاصد الشريعة: لأنها من القرآن، ؛ وكلها قطعية النسبة إلى الشارع، كله عمومات متكررة، “واستقراء الشريعة دل على أن السماحة . ويقول: (4(وهو قطعي ا “إن . ويؤكد هذا المعنى الإمام الشاطبي بقوله:(5(واليسر من مقاصد الدين . ومن خلال ما (6(الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع سبق يتبين لنا أن مقصد التيسير والتخفيف والرحمة نصت عليه الشريعة وبنصوصها الجزئية الخاصة التي الإسلامية بنصوصها الكلية العامة، ومن ثم وجب اظهار كليها وجزئيها لا يمكن قصرها على سببها الخاص، وتحديد مفهومها ومضمونها ومرتبتها. المسألة الثانية إقامة البرهان على مقصد التخفيف في الحالات العامة إن التكاليف الشرعية ليست هي صانعة المشقة والحرج والعنت، فهي تكاليف تتضمن فالمشقة والعنت خارجة عن التكاليف الشرعية، على عباده أن شرع لهم اللهطياتها الرحمة والتخفيف، ومن فضل في (.((/((، (9 صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم الحديث ((( إلى اليمن قبل حجة صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل ((( (.578/4(،4086الوداع، رقم الحديث (، 0 صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم الحديث ((( (.0/(( مقاصد الشريعة الإسلامية، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق الشيخ محمد الحبيب بن (4( .((45/(م(،004ه4(5الخوجة، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، (.9(/( مقاصد الشريعة الإسلامية، (5( .((79/( الموافقات في أصول الشريعة، لأبي اسحاق الشاطبي، المكتبة التوفيقية، مصر، القاهرة، (6(
عدد الصفحات ٨123 عندما تعرض لهم عوارض فيها تخفيفات في التكاليف تيسر عليهم أدائها، فيخفف عنهم التكاليف رغم أنها في بعض الأحيان مشقة في حياتهم، ويشير لذلك ما روي عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن ذهبت أسبابها، الخطاب: (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا( فقد أَمِن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول .((( بها عليكم فاقبلوا صدقته(الله عن ذلك. فقال: (صدقة تصدق S ا فالتخفيفات الشرعية مصاحبة للتكاليف الشرعية رغم ذهاب السبب فقد فَهِم يعلي بسليقته العربية وهو الأمان، الذي لأجله شرع القصر، وتفعيلاً لمفهوم المخالفة أنه بتوفر الأمن يسقط تفعيل قصر الصلاة، فجاء الجواب الشافي والدواء المعافي ليوضح المنهجية التشريعية لهذه الشريعة بتضمنها التخفيف والرحمة. الهدف الثالث عنوان التخفيف بين تحديد المضامين وترتيب العناوين لنا أن ننظر لمصطلح (التخفيف( من جانبين: الجانب الأول: تداخل المضامين وافتراق العناوين: إن مصطلح (التخفيف( له علاقة (التعاضد( و(التمايز( مع المصطلحات ذات الصلة ك وتارة يقع بينها بينها تارة يكون ارتباط الروح بالجسد، والمعدود في العدد، تمايز واضح يصل إلى الانفكاك والتنافر. .4(/((،605 صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافربن، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم الحديث (((
عدد الصفحات ٩124 تارة يكون بالبيان المفهومي، فالضابط المنهجي لبيان التمايز بينها، فالفروع هي التي تحدد الفروق وتارة يكون البيان بالجانب المضموني، الدلالية بين المصطلحات مفهومًا ومضمونًا. وكلا التسهيل والازالة، إن مفهوم التخفيف يتأسس من عنصرين: العنصرين يحمل قدرًا كبيرًا من الغموض المفهومي أولاً والمضموني ثانيًا، وذلك لأنه من الكلي المشكك الذي يتفاوت في أحواله ومحاله. وإن كان إلا أن مفهوم التخفيف غير مسور بحد منضبط يمكن أن يقاس بالعد، فعنوانها الموضوع والازالة، التسهيل، فيه عناصر محددة التقسيم هما: وتقسيمها المرفوع يضبط مسارها ويثبت لها الاستقلالية المنهجية ويحدد مسارها التمايزي عن باقي المفاهيم، المفهومية والمضمونية، وبهذا ينضبط وجود الأذهان والعيان نسبيًا. إذ لم تلتزم الشريعة صورة معية لبيان مقصد التخفيف التسهيل، فتارة تزيل التكليف بالكامل وتبدله ولم تلتزم مسلكًا واضحًا في الإزالة، وتارة تزيل بعضه. وتارة تؤجله إلى حين، بغيره، يتبين لنا من خلال الجانب المفهومي والمضموني أنه بين مصطلح إذ التخفيف والرحمة والتيسير والرخصة تعاضد مفهومي ومضموني، إلا أن أوجه التداخل بينهما شائك لا يمكن فك الارتباط بينها بسهولة؛ لكنه محدود مقارنة بالتعاضد. أنه يوجد تمايز في المفاهيم والمضامين؛ وبنظرة إلى المصطلحات ذات الصلة يتبين لدينا أن بينها تعاضد وتمايز: فهي توسط بين التضييق (سهولة المعاملة في اعتدال، السماحة هي: (ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي . وأما الرخصة:(((والتساهل( (.88/( مقاصد الشريعة الإسلامية، (((
عدد الصفحات ١٠125 . الحرج العام (((يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه( (المشقة التي لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنها أو التخلص منها، هي: .(((لكونها خارجة عن قدرة الإنسان وإمكاناته( يتعاضد مع المفاهيم الأخرى فالتخفيف هو وجه من أوجه الرحمة، وأما الافتراق فالتخفيف ينحو بالتكاليف تسهيلاً وإزالةً، بهذا الارتباط، فالسماحة توافقه من وأما المصطلحات الأخرى فلها محامل أخرى، وأما الرخصة فتوافق التخفيف حيث التسهيل إلا أنها لم تحدد الكيفية، وكذلك الإسقاط وذلك لأن الرخصة من مجالاتها التسهيل، ولا تخالفه، فالرخصة تقتضي في بعض حالاتها عدم أداء التكليف بالكامل، لأن المكلف عرض له عارض اقتضى عدم قدرته على أداء ما كلف به. الجانب الثاني: تحديد مراتب العناوين: فضبطت المفاهيم، من المعلوم بأن الشريعة أسست بنيانًا متماسكًا، ولكي لا يقع اختلاط في مراتب ورتبت العناوين؛ وحددت المضامين، وكذا تتنازع بإلحاق الفروع بغير العناوين وتتنازع على ارتقاء المراتب، فلا بد من تحديد مراتب العناوين تحت أصل يضمها عناوينها ومراتبها؛ وراية تجمعها وتعمها. فالجنس الأعلى هو مصطلح (الرحمة(، فيمثل الجنس الأعلى الذي ونجده حاضرًا بقوة في تعريف المفاهيم يضم كل الألقاب تحت مفهومه، ولولا التمايز المنهجي والمصطلحي بين الجنس الأعلى والأنواع والمضامين، لأطلقنا على كل الفروع مصطلح الرحمة. (.47/( الموافقات، ((( ه4(0( دار الفكر دمشق ( معجم مصطلحات أصول الفقه، أ.د. قطب مصطفى سانو، ط( ((( (.74م( ص000
عدد الصفحات ١١126 والهدف في استصحاب التقسيم المنطقي هو لبيان سلم العناوين والمضامين معًا ويتحدد ذلك ب أولاً: بيان التمايز بين (الجنس والنوع( الرحمة، والتخفيف والحرج والرخص والضرورة والتيسير والسماحة. (((ثانيًا: بيان التمايز بين فروعها، ليتحدد المفهوم وينضبط الماصدق في الوجود الخارجي؛ ليلتحق كل فرع بأصل يضمه وكلي يعمه، ويلتزم بأحكامه ومراتبه. ثالثًا: بيان التمايز المضموني لضمان شرعية البقاء المفهومي، فلو كان الاختلاف فقط من جهة العناوين وكانت من باب الترادف لم يكن للتقسيم أي اعتبار، وأصبح وجود المصطلح عارية حسب . (((تعبير الإمام الشاطبي فمقصد التخفيف علاقته بمقصد الرحمة علاقة الكلي بالجزئي، فالأخير يتعلق بالمكلفين إذ أن مقصد الرحمة أعم من مقصد التخفيف؛ أما مقصد الرحمة فهو أعم وأشمل من المسلمين وفي التشريع خاصة، ولا فهو لا يختص بالمكلفين فقط إذ يشمل الإنسان والحيوان والجماد، وإنما ينتشر في مقاصد السلوك والأعمال. يقتصر على التكاليف؛ وأما علاقته بالمقاصد الأخرى فهي علاقة الترادف الجزئي تارة وتارة إذ نجد أن بينها تطابق في كثير من الأوجه، والكلي تارة أخرى؛ نجد بينها عموم وخصوص وجهي ومطلق تارة أخرى. (، 5(( الماصَدَق: (عند المناطقة(: الأفراد التي يتحقق فيها معنى الكلي. المعجم الوسيط، ص ((( المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا. (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية... فوضعها في أصول الفقه ((( (.((/(عارية(، الموافقات، (
عدد الصفحات ١٢127 المبحث الثاني أوجه التخفيف في التكاليف الشرعية وللوقوف على مجالات التخفيف التي ورد بها النص الشرعي تصريحًا سنقف عند ثلاث مسائل: وتلميحًا، المسألة الأولى أوجه التخفيف العامة استقراء جملة من النصوص الشرعية ونقصد بأوجه التخفيف العامة، التي تدل على أن الشريعة جاءت وأكدت على التأصيل لمقصد التخفيف ولا من حيث مبادئها وقيمها الكلية العامة التي لا تختص بباب دون باب، وهو نوع من البيان للمسالك المنهجية التي اتخذتها بمسألة دون أخرى، الشريعة للتأصيل لمقصد التخفيف تيسيرًا على العباد في أداء التكاليف، ويمكن حصرها في أربعة مسالك: المسلك الأول: التدرج في التشريع تأصيلاً لمقصد التخفيف: يعد التدرج في التشريع من السمات البارزة لمنهج الإسلام في مراعاة تخفيفًا عنهم وتيسيرًا بما يتلاءم مع قدرتهم في حال الأفراد والمجتمعات،
عدد الصفحات ١٣128 المنشط والمكره. وقد أخذ مبدأ التدرج صورًا كثيرة لبيان أوجه التخفيف فتارة يكون التدرج من الأسهل إلى الأصعب لتتلقاه الأنفس عن الأمة، فقد نزل القرآن مفرقًا على ثلاث وعشرين برضا وهي السمة البارزة، وذلك كفرض الصلاة فإنها لم تفرض خمس سنة ليؤكد هذا المبدأ العام، .(((والصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة ،(((صلوات إلا بعد المعراج المسلك الثاني: النسخ أو تبديل الحكم تأصيلاً لمقصد التخفيف: وحرصه على أن من مظاهر العناية الربانية رعايته لظروف المكلفين، يأتي التكليف مناسبًا لأحوالهم تخفيفًا عنهم بأن نسخ لهم بعض الأحكام، وجاء بأحكام تناسب قدراتهم رفعًا للحرج عنهم وتيسيرًا وتسهيلاً لهم، في سورة المزمل قوله فقد جاء في القرآن قيام الليل: ومن تلك الصور: ﭟ ﭠ ﭡ ﭞ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭘ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭓ ﭑ ﭒ( تعالى: وقد ظل وهذا نص في فريضة قيام الليل،]4-1المزمل[ )ﭥﭢ ﭣ ﭤ وصحابته ممتثلين لهذا الأمر حتى نزل بعد سنة من نزول Sالرسول ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ( قوله تعالى في آخر هذه السورة: هذه الآيات، ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ومن ]20المزمل[ )ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ الذي أصبح حكمه بموجب ثم كانت هذه الآيات نسخًا لفرض قيام الليل، مندوبًا إليه لا فرضًا. هذه الآيات، أن سعد بن وقد أكد ذلك أيضًا ما رواه مسلم بسنده من حديث طويل: والتقى بالسيدة فقدم المدينة، ،اللههشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل سيأتي الحديث عن هذا. ((( زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر أيوب ابن القيم الجوزية، تحقيق: شعيب ((( (.7/((،986 - (407(، مؤسسة الرسالة بيروت،4الأرناؤوط - عبدالقادر الأرناؤوط، ط
عدد الصفحات ١٤129 ﭑ( ألست تقرأ: فقالت: S اوسألها عن قيام رسول عائشة، افترض قيام الليل في أول هذه السورة،اللهفإن بلى. قالت: قلت: ؟،)ﭒ خاتمتها اثني عشر شهرا في اللهوأمسك وأصحابه حولاً، Sفقام النبي فصار قيام الليل في آخر هذه السورة التخفيف،الله حتى أنزل السماء، . وقد بينت الآيات الناسخة علة التخفيف بأن من (((تطوعًا بعد فريضته وهؤلاء يشق عليهم الناس من هو مريض أو مسافر أو طالب للرزق أو غاز، .((( عن الكل لأجل هؤلاءاللهفخفف القيام، المسلك الثالث: الستثناء تأصيلاً لمقصد التخفيف: فإنه يجد أنه في كثير من من يتتبع آيات التشريع في القرآن الكريم، متضمنة لحكمين: الأحكام جاءت النصوص التشريعية للظروف والثاني: للظروف العادية وهو المعبر عنه بالعزائم، الأول: بحيث يعرض للمكلف أمر لم يكن وهو المعبر عنها بالرخص؛ الاستثنائية، فيقتضي ذلك العدول من الحكم الأول إلى الثاني تخفيفًا في الحسبان، لما يترتب على تطبيق الأول من عنت ومشقة قد تصل في بعض عنه، التي أناط الشارع وسنتحدث عن جانب الرخص الأحيان إلى الهلاك، بها التخفيف بقسم مستقل. (العزيمة... شرعًا: وجاء في شرح مختصر الروضة بيان ذلك بقوله: ويبين الإمام الطوفي الحكم الثابت لدليل شرعي خال عن معارض(، “فالعزيمة واقعة في جميع هذه الأحكام... وقولنا خالٍ عن ذلك بقوله: لكن لذلك الدليل معارض مساوٍ احتراز مما ثبت لدليل شرعي، معارض: وانتفت العزيمة، لزم الوقف، لأنه إن كان المعارض مساويًا، أو راجح؛ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافربن، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، رقم الحديث ((( (.68/((،77(( .((88( ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي، دار الكتب العلمية، ص (((
عدد الصفحات ١٥130 لأنه حكم كتحريم الميتة عند عدم المخمصة هو عزيمة؛ وثبتت الرخصة، حصل المعارض فإذا وُجِدَتِ المخمصة، ثابت لدليل خالٍ عن معارض، فجاز الأكل وحصلت وهو راجحٌ عليه حفظًا للنفس، لدليل التحريم، .(((الرخصة” المسلك الرابع: السكوت عن التشريع تأصيلاً لمقصد التخفيف: إن الشارع نص على التكاليف الشرعية التي أمر عباده بأن يلتزموا وكل تلك التشريعات تضمنت الرحمة ونص على ما حرم عليهم، بها، وهو أعلم بما يصلحهم ويتوافق مع قدراتهم. والتخفيف عنهم، لكنه رحمة والحق قادر على تشريع ما لم يخطر على قلب بشر؛ ﮮ ﮯ ( بالأمة فقد جاء النهي في القرآن عن السؤال فقال: ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ :Sوكذلك نص النبي ،]المائدة[ )ﯩﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ افترض عليكم الله« :Sاقال رسول قال: فعن أبي الدرداء فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدودًا فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تكلفوها رحمة من .(((ربكم فاقبلوها فهذه النصوص تؤسس لمقصد التخفيف والتقليل في التشريعات إذ ليست الشريعة قصدها لتناسب مقدرة البشرية على تأدية العبادات، بل جاءت التشريعات والتكاليف مناسبة النكاية بالعباد وتعجيزهم، للفطرة البشرية. بن عبدالله شرح مختصر الروضة، نجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطوفي، تحقيق: د ((( (.458،457/(م(،0((ه4(((، مؤسسة الرسالة، بيروت،(عبدالمحسن التركي، ط ( سنن الدارقطني، كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك، رقم الحديث ((( .97/4(،04(
عدد الصفحات ١٦