المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قراءة تدبرية للمفاهيم الخاطئة للعلاقة الزوجية في الخطاب القرآني

ربيع حمو

صفحة ١ من ٢

1 قراءة تدبرية للمفاهيم الناظمة للعلاقة الزوجية في الخطاب القرآني الزواج - السكن – القوامة والحافظية نموذجا الدكتور ربيع حمو

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم لقد تفضل البارئ عز وجل على الإنسان فكرمه وفضله على كثير ممن خلق ، قال تعالى : ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ الإسراء: ٧٠. وبمقتضى هذا التفضيل وضع له قواعد للاجتماع تليق بذلك التكريم ، فكان أساس الاجتماع البشري نظام الزواج حتى لا يترك اتصال الذكر بالأنثى فوضى بدون ضابط ، كما حف الشارع الحكيم هذا الميثاق الغليظ الذي أنيط به وضع نواة الأسرة بأحكام تناسب مقاصد الشريعة من هذه العلاقة وما يترتب عليها من أواصر وقرابات، وحقوق وواجبات . كما أن المتدبر في آي القرآن الكريم ليكتشف أن خطابه وضع لكل مجال من مجالات تنظيم شؤون الخلق مفاهيمَ منظمة لذلك المجال مُعْلمة عن الر ؤية القرآنية لذلك المجال ومقاصد الشرع في تدبيره . وإن القراءة المتدبرة لتلك المفاهيم في مختلف سياقات الخطاب القرآني من شأنها أن ترشد إلى إدراك مقاصد الشرع في ذلك المجال ، وتسدد فهم أحكام الشرع التفصيلية في ذلك المجال . ولمركزية العلاقة الزوجية في البناء الأسري و الاجتماعي، فقد اتخذت من مفاهيمها في الخطاب القرآني مجالاا للبحث والتدبر من خلال منهجٍ يستقرئ مواطنها في آي الذكر الحكيم ، ويغوص في كنه معانيها في ضوء السياق الواردة فيه معتمداا على المعاني اللغوية و أقوال المفسرين في نسق تكاملي ، كما كنت أرجع إلى السنة النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لتبين دلالات تلك المفاهيم، دون أن أغفل أقوال الفقهاء من خلال استمداداتهم من تلك المفاهيم. ومن تلك المفاهيم التي سيتناولها البحث بالدراسة: مفهوم الزواج – مفهوم السكن – مفهوم القوامة و الحافظية. المفهوم الأول: مفهوم الزواج إن ميثاق الزواج بمقتضاه يصير كل من الرجل والمرأة زوجا للآخر ، ويكفينا ما يحيل إليه المعنى اللغوي لمادة " زوج " في اللغة من تماثل واقتران ومخالطة( ) يقول ابن عاشور في معنى الزوج : " الزوج كل شيء ثان مع شيء آخر بينهما تقارن في حال ما ... فكل واحد من اثنين مقترنين في حال يسمى زوجا للآخر . وسميت الأنثى القرينة للرجال بنكاح زوجاا لأنها اقترنت به وصيرته ثانياا ، - انظر : ابن فارس، أحمد بن زكرياء القزويني الرازي ، أبو الحسين (المتوفى: 593هـ)، معجم مقاييس اللغة، 5/53. ابن منظور، محمد بن مكرم بن على ، أبو الفضل، جمال الدين الأنصاري الرويفعى الإفريق ى (المتوفى: 1 هـ)، لسان العرب /4 . الفيروزآبادى ، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (المتوفى: 7 1هـ)، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف : محمد نعيم العرقسُوسي، ص: 9 . - يرى ابن عاشور أن الأفصح أن يقال للمرأة زوجا وليس زوجة لأنه اسم وليس بوصف ، واستدل على ذلك بالفرزدق الذي لحن إذ قال :

عدد الصفحات ٢

3 ويسمى الرجل زوجا لها لذلك بلا فرق ". وهاته المعاني اللغوية تحيل إلى عمق هاته الرابطة التي تجعل كل زوج ثانياا للآخر ومكملاا له. الزواج تطهر وتزكية : ومن الإشارات اللغوية البديعة في الباب أن معنى الزو ا ج يفيد التزكية والتطهر " فالعرب تقول للفرد خسا وللزوجين اثنين زكا لأن اثنين أزكى من واحد "( ). وهذا التطهر والتزكي بالزواج مقصود شرعي فمن فوائد الزواج ما يحصل به من العفاف والإحصان وغض البصر، وتحقيق التوبة إلى الله عز وجل ، ففي سورة النور بعدما ذكر الله عز وجل أوامر العفاف من غض للبصر وحفظ للفرج وتزكية وتوبة لله ، عقبه بأمر الإنكاح يقول الله تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الثرى يستبيلها . ثم حسن صنع الفقهاء إذ ألحقوا علامة التأنيث للزوج تسامحاا لرفع الالتباس في تقرير الأحكام في كتبهم ، في مثل قولهم: القول قول الزوج ، أو القول قول الزوجة . أما عما ورد في صحيح مسل م عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث إحدى نسائه ، فمر رجل فدعاه يا فلان، فجاء فقال له هذه زوجتي فلانة ، فقد ذهب إلى أن قول " زوجتي " من عبارة راوي الحديث في السند إلى أنس، وليست بعبارة النبي صلى الله عليه وسلم غير أن عبارة " زوجة " لم ترد فقط في هذا الحديث، فقد وردت في عدة أحاديث أخرجها البخاري ، الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة، وغيرهم، فهل كلها أوردت بعبارة الراوي ! وأرى أن " زوجة " لغة صحيحة وإنما الأفصح " زوج " إذ هي لغة القرآن قال تعالى : {وَإِذْ تـَقُولُ لِلَّذِي أَنـْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنـْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ }سورة الأحزاب ، الآية: 51 . انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي (المتوفى : 595هـ)، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر – تونس، 974 هـ. / 4 7-4 9. - نفسه، / 4 7. - لسان العرب،4/539 _معجم مقاييس اللغة، 5/ 7_القاموس المحيط، 15.

عدد الصفحات ٣

4 ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ النور: ٧٠ - ٠٠. يقول ابن عاشور محدداا مناسبة إرداف آيات غض البصر وحفظ الفرج بأمر التزويج : " لقد أردفت أوامر العفاف بالإرشاد إلى ما يعين عليه ، ويعف نفوس المؤمنين والمؤمنات، ويغض من أبصارهم ، فأمر الأولياء بأن يزوجوا أياماهم لا يتركوهن متأيمات ، لأن ذلك أعف لهن وللرجال الذين يتزوجونهن " . ويكفي الزواج زكاةا أنه سنة الأنبياء والمرسلين ، قال عز وجل: ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الرعد: ٣٠ وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح) . كما جاء أيضا في خبر الرهط الثلاث الذين أخبروا بعبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "... أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني".5 كما أن طلب النكاح باستحضار نية التعبد فيه4 مما يستكمل به الإيمان فعن سعد بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم : (من أعطى لله تعالى ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه).3 كما يقول البلقيني في النكاح : " والنكاح شرع من عهد آدم صلى الله عليه وسل م واستمرت مشروعيته بل هو مستمر في الجنة ولا نظير له فيما يتعبد به من العقود بعد الإيمان " . كما وَصَفَ قومُ لوطٍ لوطا وآلَه لما اتبعوا سنة الله في خلقه ، ولم يشذوا شذوذهم (بأنهم أناس يتطهرون) فدل ذلك على أن اجتناب فعلهم والتزام نظام التزاوج كما سنه الله لخ لقه تطَهُّر،" - التحرير والتنوير، 7/ 3. - الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى السلمي (توفي سنة 19)، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: أحمد محمد شاكر ، كتاب: النكاح عن رسول الله ، باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه ، رقم :171، 5/59 ، قال فيه أبو عيسى: حديث حسن غريب . 5 - البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل،( توفي سنة 31)، صحيح البخاري ، دار ابن كثير ، بيروت، 411، 971.تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، رقم : 4111، 3/ 949 . 4 - يقول الإمام ابن القيم في عقد النكاح:" إن عقد النكاح يشبه العبادات في نفسه، بل هو مقدم على نفلها ولهذا يستحب عقده في المساجد". إعلام الموقعين، 5/ 1. 3 - مسند أحمد، رقم : 3173، 5/457 . 1 - أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبا(توفي سنة 14)، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (توفي سنة 14)، 5/ 4 .

عدد الصفحات ٤

5 والتطهر تكلف الطهارة ، وحقيقتها النظافة ، وتطلق الطهارة مجازاا على تزكية النفس والحذر من الرذائل وهو المراد هنا ، وتلك صفة الكمال". و التشريع الإسلامي يعول في حفظ النظام العام والحقوق على باعث الإيمان بالأساس حتى يستجيب المكلف للتشريعات رغباا لا رهباا ، ومخلصاا نيته مبتغياا الأجر عند ربه عز وجل ، فالحياة الزوجية وما يحفها من حقوق وواجبات وأحكام في المنهج القرآني محراب تطهر وتزكية يترقى المؤمن والمؤمنة من خلالها في مدارج الإيمان ، بل حتى عندما يلبي الزوجان حاجتهما الجنسية فإن الله يأجرهما على ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَفيِ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَة )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ : أَيَأتِ أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْر ؟ قَالَ : (أَرَأَيـْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فيِ حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْر ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَ ضَعَهَا فيِ الحَْلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْر ) . الزواج ميثاق غليظ: لقد نظر القرآن إلى ما للزواج من مكانة سامية في حياة الفرد والأسرة والأمة ، فنوه بشأنه، ورفعه عن أن يكون عقداا كسائر العقود، بل جعله " ميثاقاا "، بل زاد عليه وصفاا آخر، " ميثاقاا غليظا " يتعذَّ ر حله، فيربط القلوب، ويحفظ المصالح، ويندمج به كل من الطرفين في صاحبه ، فيتحد شعورهما ، وتلتقي رغباتهما 5 وفي ذلك قال تعا: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ النساء: ٧٠ - ٢٠. الزواج الإسلامي ليس فقط عقداا بين ذكر وأنثى لإرضاء الفطرة ، ولا هو استجابة للغريزة الراسخة في الإنسان فَحَسْبُ . بل هو عهد وطيد غليظ. ومن المناسبة الواردة في الآية بين :  الإفضاء وما يشير إليه من وصال بين جسمين أعطاه القرآن حُرمته.  والميثاق عهد بين ذِمتين. فتَلاءم الاعتبارا ن، الجسدي والنفسي القلبي، ليكوِّنا الوَثاق ويمتِّناه. بعد أن ورد عن الإمام الطبري في تفسيره عدة أقوال في معنى الميثاق الغليظ رجّح كون مضمون الميثاق هو إمساك بـمعروف أو تسريح بإحسان ، فقد كان فـي عهد الـمسلـمين عند إنكاحهم: آللّهِ علـيك لتـمسكنّ بـمعروف أو ل تسرحنّ بإحسان ، قال الإمام أبو جعفر: " وأولى - التحرير والتنوير، 7/ 53. - مسلم، بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ،(توفي سنة 1 )، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت. تحقيق:محمد فؤاد عبد الباقي.، كتاب الزكاة ، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ، /49. 5 - محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة ، دار الشروق، ط: 7، 4 هـ11 م، ص: 41- 41.

عدد الصفحات ٥

6 الأقوال بتأويل ذلك قول من قال: الميثاق الذي عُ ني به في هذه الآية هو ما أخذ للمرأة على زوجها ، ثم عقدة النكاح من عهد على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقر به الرجل ، لأن الله جل ثناؤه بذلك أوصى الرجال في نسائهم ". كما جاء في حاشية الجمل على الجلالين إشارة لحقيقة هذا الميثاق: " والآخذ حقيقة هو الله أي وقد أخذ الله عليكم لأجلهن وبسببهن العهد، فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب". وقد ارتبط سياق هاته الآية التي وصف فيها هذا العهد بالميثاق الغليظ بمراعاة حقوق الزوج ة عند الطلاق ومراعاة ما كان بينهما من فضل ، حتى يستبين فرق ما بين الزواج الإسلامي والزواج الكاثوليكي الذي يحرم فيه الكهنة فصله لأي عذر من الأعذار ، أما في الإسلام فهو بدءاا ميثاق مُشَرَّف بين الزوجين وبكلمة الله ، يبقيان عليه بشرط المعروف أو ينقضانه بشرط الإحسان. المعاشرة بالمعروف والإحسان: لقد بنى الإسلام العلاقة الزوج ية على المعروف والإحسان والمسامحة، فحث كلا من الزوجين على التودد إلى الآخر. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متودداا إلى أزواجه، وما كان صلى الله عليه وسلم يستحي أن يعرب عن حب نسائه فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل ى الله عليه وسلم: (حبب إلّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة )5 . كما كان يحب خديجة رضي الله عنها ويكرم صواحبها ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة، فيقول أرس لوا بها إلى أصدقاء خديجة ، قالت: فأغضبته يوماا ، فقلت: خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني قد رزقت حبها).4 أما عائشة فتشهد عدة أحاديث على حبه إياها وإكرامها ، فقد كان يسابقها ، ويفرش لها ظهره لتشاهد الأحباش وهم يلعبون، وقد سأله عمرو بن العاص يوماا فقال. أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة.(5) كما شدد الشرع على من يفسد الزوجة على زوجها ويكرهها فيه ، فعن أبي هريرة قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من خبب امرأة على زوجها ) (1 كما حذر الشرع من أن تؤثر - الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (المتوفى: 5 1هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق : أحمد محمد شاكر،7/ 51 . - حاشية الجمل على الجلال، /4 1. 5 - النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمان ،( توفي سنة 515)، سنن النسائي، كتاب: عشرة النساء ، باب: حب النساء، رقم : 5959، 1 /1 . 4 - صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين، رقم : 453، 4 / 777. 3 - صحيح ابن حبان، لأبي حام محمد بن حبان، ( ت: 534)، رقم : 1 11، 1 /41. 1 - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستا( توفي سنة: 13)، سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب فيمن خبب امرأة على زوجها ، رقم : 13، / 34.

عدد الصفحات ٦

7 فيه فورة غضب فينسى ما كان بينه وبين زوجه من مود ة، فيندم لاحقا، قال تعالى: ﭽ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ النساء: ١٢ يقول ابن عاشور: " والمقصود من هذا : الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة ، ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتى يسبره بمسبار الرأي ". مراعاة ما كان من ميثاق غليظ عند الطلاق: إن الإسلام لما شرع الزواج وقصد إلى أن يكون على التأبيد لا على التأقيت ، راعى خصائص البشر وطباعهم، فقد يحدث بين الزوجين ما قد يفسد عليهما معيشتهما لا سيما إذا فشلت وسائل الإصلاح وضاقت سبله. وإذا لم يعد الزواج يحقق مقاصده ، شرع الله عز وجل الطلاق درءاا لما في استمرار تلك العلاقة من مفاسد قال تعالى : ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ النساء: ٧٠٢. لكن الطلاق في الإسلام ليس مدخلاا للعداوة بل هو تسريح وافتراق بإحسان حفظاا لما كان بين الزوجين من مودة وعلاقة عبر عنها البيان القرآني ب: الإفضاء، قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ النساء: ٧٠ فقوله عز وجل : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ }استفهام تعجبي بعد الإنكار، أي ليس من المروءة مضارة الزوجة عند الفراق وأ خذ عوض عن ذلك بعد معاشرة امتزاج وعهد مت ين. "والإفضاء الوصول، مشتق من الفضاء، لأن في الوصول قطع الفضاء بين المتواصلين. والميثاق الغليظ عقدة النكاح على نية إخلاص النية ودوام الألفة، والمعنى أنكم كنتم على حال مودة وموالاة ". وهذا سيد قطب رحمه الله يحدثنا في ظلال قوله تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بـَعْضُكُمْ إِلىَ بـَعْضٍ ) فيقول: "يدع - أي الله عز وجل - اللفظ مطلقاا يشع مطلقاا يشع كل معانيه ، ويلقي كل ظلاله ، ويسكب كل إيحاءاته. و لا يقف عند حدود الجسم وإفضاءاته ، بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانات والتصورات ، والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب . يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة أناء الليل وأطراف النهار ، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان ، وفي كل اختلاجة حب إفضاء ، وفي كل نظرة ود إفضاء ، وفي كل لمسة جسم إفضاء ، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء ، وفي كل شوق إلى خلف إفضاء، وفي كل التقاء في وليد إفضاء ". 5 - التحرير والتنوير، 4 / 71. - التحرير والتنوير، 4 / 91. 5 - قطب، سيد إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 573هـ)، في ظلال القرآن ، دار الشروق - بيروت- القاهرة ،

عدد الصفحات ٧

8 خلاصة: إن ما سبق إليه من جني التدبر في معاني الزواج يؤكد عمق هذا الرابط وقدسيته ، وبالتبع عِظَم مسؤوليته التي يجد لها المسلم الزوج والم سلمة الزوجة داعياا جلياا فطرياا للوفاء بها يسبق الأمر التكليفي والمسؤولية الاجتماعية. الطبعة: السابعة عشر - 4 هـ، / 111- 111.

عدد الصفحات ٨

9 المفهوم الثاني: مفهوم السكن إن المتدبر في الكتاب الله المستقرئ لآي القرآن الكريم التي تخبر الإنسان عن نعمة الإيجاد ثم نعمة الازدواج ، يجد مفهوم السكن مركزياا في طبيعة هذا الاجتماع البشري لقول الله عز وجل : ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭼ الأعراف: ١٣٢ بل إن الله جل وعلا جعل السكن من مقاصد الأسرة في معرض تبيان آياته في الأنفس والآفاق إذ قال: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الروم: ٢٠. ما المقصود بهذا السكن في السياق القرآني ، أهو المعمار المادي الذي يأوي إليه الزوجان؟ أم هو البناء العاطفي الذي ينشأ بين الزوجين؟ أم غير ذلك؟ ثم كيف ينتظم هذا المفهوم العلاقات الأسرية؟ وما تأثير هذا المفهوم على التشريع الإسلامي في مجال الأسرة؟ السكن في التداول اللغوي يدل السكن في اللغة على معان، منها:  الهدوء والاستقرار ، سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناا إِذا ذهبت حركته وكل ما هَدَأَ وقر فقد سَكَن، و سَكَنَ الرجل سكت ، والسُّكّانُ ما تُسَكَّنُ به السفـينة تمنع به الـحركة والاضطراب .  الوداع والوقار .  الإقامة، سَكَن بالـمكان يَسْكُنُ سُكْنىَ سُكُوناا أَقام به، والسكَن البيت والمنزل5. الميل العاطفي، يراد ب السكَن أيضا ما يسكن إليه من محبوب 4 . فهذه المعاني اللغوية تدل على عمق هذا المصطلح في التعبير عما توفره الأسرة من استقرار ووقار ورحمة وبركة يحف مسكنها . حقيقة السكن الأسري في الاستعمال القرآني: استقرار نفسي، وسعادة جسد قال تعالى: ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭼ الأعراف: ١٣٢، فخلق الله عز وجل الزوج سكناا ليأنس بها ويطمئن إليها 3 . - لسان العرب ، 5/ - القاموس المحيط، 1 4 . - معجم مقاييس اللغة، 5/77 - مختار الصحاح، 9 . 5 - معجم مقاييس اللغة، 5/77 – القاموس المحيط، 171 – المصباح المن، /515 . 4 - معجم مقاييس اللغة، 5/77 – القاموس المحيط، 171 – المصباح المن، /515 . 3 - تفسير القرط ، 1 /551.

عدد الصفحات ٩

11 فالزواج شرعه الله سبحانه وتعالى لتحقيق غاية هي السكن وطمأنينة النفس با نس بالزوجة والولد. وهذا الأنس إنما كان استجابة لفط رة جبل عليها الإنسان ، قال تعالى : ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ آل عمران: ١٢. ومن آيات الله وحكمته أن جعل زوج المرء من نفس جنسه حتى يكون به تمام الأنس لأن الجنس إلى الجنس أميل: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ الروم: ٢٠. يقول الطاهر بن عاشور: " والسكون هنا مستعار للتأنس وفرح النفس لأن في ذلك زوال اضطراب الوحشة والكمد بالسكون الذي هو اضطراب الجسم ... وضمن " لتسكنوا " معنى لتميلوا" ، وقد أشار الزمخشري إلى معنى بعضية الأنثى من الذكر وما في ذلك المعنى من ق رة عين للإنسان فقال: "وإذا كانت بعضاا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه"5. كما لا يخفى أن من معاني السكن الإحصان والاستقرار الذي يحصل بالزواج ، فالإسلام ثبت دعائم الزواج بالميل الفطري بين الرجل والمرأة وقض اء كل واحد منهما شهوته من الآخر برباط اجتماعي رصين ، فلم يغفل تلك النزوة ولم يتنكب لها فقد جاء في تفسير الطبري أيضا: " ليسكن إليها " ليأوي إليها لقضاء الحاجة ولذته 4 ، وقد أورد القرطبي أن معنى السكن هو سكون الشهوة فقال: "أول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مم ا فيه من غليان القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه فإليها يسكن، وبها يتخلص من الهياج، وللرجال خلق البضع منهن ، قال الله تعالى: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ الشعراء: ١١٢، فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم " 3 . لكنالسكن وإن كان من بين معانيه سكن الجسد وشهوته ، إلا أنه لا يقتصر عليه، إذ الزواج ليس ثورة عابرة ، إنه صحبة دائمة وميثاق غليظ وشرعة في حياة لا تحمل هزلاا ولا عبثاا ، بل - عقلة محمد، الإسلام مقاصده وخصائصه، ص: 7 . - التحرير والتنوير، / 1 . 5 - الكشاف، /71. 4 - تفسير الطبري، 9/ 45 . 3 - تفسير القرط ، 4/ 1 .

عدد الصفحات ١٠

11 إن الرازي رجّح استناداا إلى اللغة أن المقصود بالسكن في آيات النكاح هو السكون العاطفي فــ" يقال سكن إليه للسكون القلبـي، ويقال سكن عنده للسكون الجسماني" . يقول الشيخ محمود شلتوت في قوله تعالى: ﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭼ البقرة: ٠٣٢ إن العلاقة الزوجية أسمى في معنى الترابط والا ندماج من علاقات الصداقة والأبوة والبنوة، وأنها ليست كما يظن من لا يفهمون حقيقتها، ولا يعرفون وضعها في الحياة ، عقدا كسائر العقود ، ثمراتها في الانتفاع والملك والتسخير ". كما أن السكن ليس قاصرا على الزوج فقط ، بل الزوج سكن لزوجته بمقتضى قوله: ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ البقرة: ٣٠٠. وقوله تعالى: ﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭼ البقرة: ٠٣٢ قال ابن عباس وقتادة: أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. 5 والأسرة سكن للطفل يتربى بين أحضانها وتحت رعايتها وحمايتها . السكن سكينة النفس وطمأنينتها واستقرارها ، و السكن هو الحما ية والأمن والسلام والسرور، الذي يوفر الأجواء المناسبة للترقي الإيماني، وتحقيق النجاح في شتى ميادين الحياة، فالمرء إذا كان يعيش داخل أسرته سكناا يخفف عنه أعباء الحياة ومشاقها. إن السكن أساساا قيمة معنوية ، و هو كذلك مقصد شرعي و مفهوم مؤطر لكثير من الأحكام من أهمها أحكام المساكنة الشرعية والتي منها :  حق المعاشرة الزوجية: فمن حق كل زوج - رجلا ا كان أو امرأة - أن يمكِّ ن زوجه من الاستمتاع به تحصيناا له واستجابةا لما أودعه الله من غرائز في كل منهما ، وحتى يستمر النسل . كما نجد الشرع يول هذا الحق عنايةا بالغةا في كثير م ن أحكامه، فوجه كلاا من الزوجين إلى مراعاة حق صاحبه الكامل في إحصانه فنهى الزوجة أن تعرض عن طلب زوجها إياها لفراشه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح) 4، وكذلك الزوجة لها مثل الذي عليها بالمعروف ، ويبدو أن عدم التصريح بذلك إنما كان مراعاة لطبيعة المرأة ونفسيتها ، فطبعها أن تكون مطلوبة مرغوب فيها لا طالبة . وتحكي لنا السيرة قصة يتجلى فيه حرص الرسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الحق للمرأة ، قصة الحو لاء مع زوجها عثمان بن مظعون الذي " حرم النساء وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه ، - الرازي ، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي (المتوفى: 111هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة - 4 1 هـ، 3/9 . ا- لإسلام عقيدة وشريعة ، ص: 41. 5 - تفسير الطبري، / 15. 4 - صحيح البخاري ، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، رقم : 5113، 5/ 7 .

عدد الصفحات ١١

12 فأتت امرأته عائشة وكان يقال لها الحولاء ، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساء النبي: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تطيبين؟ فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع علي زو جي ولا رفع عني ثوباا منذ كذا وكذا؟ فجعلن يضحكن من كلامها فدخل رسول الله وهن يضحكن ، فقال: ما يضحككن؟ قالت يا رسول الله الحولاء ، سألتها عن أمرها فقالت ما رفع عني زوجي ثوباا منذ كذا وكذا ، فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عثمان؟ قال إني تركته لله لكي أتخلى لل عبادة وقص عليه أمره ، وكان عثمان قد أراد أن يجُ بَّ نفسه. فقال رسول الله : أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك. فقال: يا رسول الله إني صائم ، قال: أفطر، فأفطر وأتى أهله. فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت فضحكت عائشة فقالت: ما بالك يا حولاء فقالت إ نه أتاها أمس. فقال رسول الله : (ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ، فانظر إلى مدى عناية النبي صلى الله عليه وسلم بحسم هذه المشكلة التي قد يخيل لأول وهلة أنها غير ذات بال، وكيف أرسل ر سول الله صلى الله عليه وسلم فوراا إلى عثمان، وكيف أقسم عليه أن يواقع أهله ، وكيف أكد عليه أمره بالإفطار لأن في ذلك تسكين و تطييب نفس الزوجة ، لأن تحصين الزوجة فريضة واجبة ، والصيام في غير رمضان نافلة مستحبة، والواجب مقدم على المستحب، والفريضة مقدمة على النافلة . o اختصاص المرأة بالرجل الواحد : "لأن مقاصد النكاح لا تحصل بدونه ، ألا ترى أنه لولا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر لا يحصل السكن ، لأن قلب الزوج لا يطمئن إليها ونفسه لا تسكن معها ويفسد الفراش لاشتباه النسب" . o المساكنة في بيت: فمن حق كل من الزوجين على الآخر أن يساكنه ببيت الزوجية مع ما تقتضيه هذه المساكنة من أداء واجبات الحياة الزوجية المعتادة ، ويمنع على كل من الزوجين هجر منزل الزوجية أو البقاء فيه مادياا مع الإخلال بواجبات المساكنة المألوفة. o تحريم نكاح المحلل: إن غياب المفهوم القرآني للسكن كما قررناه س ابقاا يقدح في كثير من الأنكحة الفاسدة مثل نكاح المحلل- أو التيس المستعار-: يقول فيه ابن القيم: " قد جعل كل واحد من الزوجين سكنا لصاحبه، وجعل بينهما مودةا ورحمةا ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيز الحكيم ، فسل التيس المستعار هل له من ذلك نصيب؟ أو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته؟"5. - تفسير الطبري، 1/ 1 . - بدائع الصنائع، /55 . 5 - ابن القيم الجوزية ، محمد بن أبي بكر بن أيوب (المتوفى: 13 هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين ، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم ، دار الكتب العلمية – ييروت، الطبعة: الأولى، 4 هـ-99 م، 5/59.

عدد الصفحات ١٢

13 خلاصة: إن الأسرة هي ذلك المحضن الدافئ الذي يؤوي إليه أفرادها ليجدوا فيه ذلك الملجأ الذي يخف ف عنهم متاعب الحياة ، ويمدهم بالقوة ليواجهوا مشاق العيش بكل عزم ويقين ، لذلك وجدنا الخطاب القرآني يؤكد على مقصد السكن الذي ينبغي أن يظلل الحياة الزوجية ويهيئ أسباب الاستقرار النفسي والعاطفي والجسدي وإقامة العبودية لله تعالى وتحقيق العمران في الأرض .

عدد الصفحات ١٣

14 المفهوم الثالث: القوامة والحافظية مؤسسية الأسرة في المنظور الإسلامي ومبدأ التكاملية إن تميز النظرة ا لإسلامية للأسرة ينطلق من النظرة التكاملية التي ينظر بها الشرع إلى أفراد الأسرة . فالأسرة مؤسسة يقتضي تحقيق أهدافها وغاياتها الدينية والدنيوية ، ترابطاا بين أفرا دها وتكاملاا لا تنازعاا وتزاحماا في الوظائف خلافاا للنظرة الوضعية التي تنتزع كل عضو من مؤسسة الأسر ة لتذكي فيه روح الأنانية والشعور بالمظلومية تجاه الأطراف الأخرى . (الوالدين- الزوج – الأولاد ...). كما أن مؤسسي ة الأسرة تتجلى في اعتبار الشرع الأسرة مؤسسةا الأصلُ فيها الديمومة لا التأقيت، وتنتظم العلاقات بين أطرافها حقوق وواجبات، ويرأسها رب الأسرة – الذي له القوام ة- والذي يتشاور مع زوجته فيما يخ ص شؤونهما، ويتبعان أسلوباا رسمته الشريعة للتحكيم في حالة الخلاف ولفك الارتباط بينهما إذا احتدم النزاع ، كما أن هذا التنظيم المؤسسي لم يقتصر على الأسرة النووية – أي الزوجين والأولاد - بل امتدت إلى الأسرة الموسعة من أ قارب وأصهار ، فلهم حقوق وواجبات، وبهم تتقوى مؤسسة الأسرة . وقد أشار الفقهاء إلى هذا المقصد، فقد جاء في فتح القدير أن من مقاصد النكاح " تأسيس القرابات الصهرية ليصير البعيد قريباا عضداا وساعداا يسره ما يسرك ويسوؤ ه ما يسو ؤ ك " . كما أن الشريعة الإسلامية أرادت من النكاح وتأسيس الأسر أن تكون أساسا لتقوية المجتمع وأواصره فمن مقاصد النكاح : "اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة ". إن الشرع الإسلامي في تأسيسه لمنظومة الحقوق والواجبات في الأسرة اعتمد مقاربة متميزة تنطلق من نظرة كل طرف إلى واجباته بدءاا قبل حقوقه ، فنبه الأزواج إلى واجب معاملة الزوجات بالحسنى والوفاء بحقوقهن ومنه حق السكن فقال:(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )، وقال جل شأنه: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭼ الطلاق: ١، ووصف الزوجات الصالحات بحفظ حقوق الزوج لتطمح كل مؤمنة إلى ذلك التنويه فقال: ﭽ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭼ النساء: ١٠ ، وبين واجب الأم في الإرضاع مع واجب الأب في الإنفاق فقال : ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﭼ البقرة: ٠٠٠، ونبه إلى مسؤولية أفراد الأسرة في ال عمل - السيواسي، محمد بن عبد الواحد ( 17 هـ)، شرح فتح القدير ، دار الفكر، بيروت، ط: ، 5/ 95 – 94 . - الشربي ، محمد الخطيب، مغني المحتاج، دار الفكر، بيروت، 5/ 1 .

عدد الصفحات ١٤

15 على حفظ دين بعضهم حفظ رعاية وإشفاق ومحبة فقال : ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ التحريم: ١. إن هذه النظرة ي تر تب عنها تقارب بين أفراد الأسرة . إذ عند تقييم كل طرف لعلاقاته الأسرية يبدأ بواجباته ولما كان الإنسا ن ضعيفاا دون درجة الكمال ، فسيشعر لا شك بالتقصير، فيصير أحرص على المعاشرة بالمعروف وخفض الجناح وتمتين علاقاته الأسرية . إن مؤسسية الأسرة تنطلق من استش عار كل فرد بمسؤوليته تجاه أسرته ، كما أن مؤسسة الأسرة أول محضن تدريبي للفرد على تحمل المسؤولية حتى يكو ن فردا صالحا داخل مجتمعه فأهمية هذه المؤسسة تنطلق من " ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولاا : في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها ، وثانياا : في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والرقي ". - في ظلال القرآن ، / 149.

عدد الصفحات ١٥

16 قوامة الرجل : المفهوم والوظيفة إن الشريعة الإسلامية أولت با لغ العناية لتمتين أساس الأسرة وهي العلاقة بين الزو جين. فحددت لكل واحد منهما وظائف، وتركت أخرى لما يقتضيه العرف واعتباراا لمتغيرات الزمان والمكان والأحوال. لكن وضعت مبدأا عاماا يحكم تكامل مسؤوليتهما فلا تقوم الأسرة ولا تتحقق مقاصدها من الإحصان والسكن والمودة والرحمة وحفظ النسل وغ يرها إلا بالتعاون بين الزوجين ، إذ الحاجة " أوجبت ارتباطاا واصطحاباا بين المرأة والرجل ، ثم الشفقة على المولود أوجبت تعاوناا منهما في حضانته، وكانت المرأة أهداهما للحضانة بالطبع ، وأخفهما عقلاا ، وأكثرهما انحجاماا من المشاق ، وأتمهما حيا ء ولزوماا للبيت، وأحذقهما سعياا في محقرات الأمور وأوفرهما انقياداا ، وكان الرجل أسدهما عقلاا ، وأشدهما ذباا عن الذمار5، وأجرأهما على الاقتحام في المشاق، وأتمهما تيهاا وتسلطاا ومناقشة وغيرة، فكان معاش هذه لا تتم إلا بذاك، وذلك يحتاج إلى هذه"4 . إنقو ل الله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭼ النساء: ١٠. أصل تشريعي كلي يضبط المسؤوليات في الأسرة وعليه تتفرع عدة أحكام ، ولكن كثيراا من الناس انحرفوا وزاغوا عن الفهم السديد للآية نتيجة اجتزائهم لنصها مبنى ومعنى عن سياقها فخلصوا إلى أحكام ما أرادها الشرع ولا دلت عليها الآية. وسأذكر صنفين من هؤلاء : الصنف الأول: قرأ فقط ق وله تعالى: (الرِّجَ الُ قـَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) فجعله سيفاا في يد الرجل يستبد به كيف شاء ظ اناا أن درجة التفضيل درجة تشريف . الصنف الثاني: عَ لَّ ل القوامة بالإنفاق، فإذا ساهمت المرأة في النفقة سقطت القوامة ، تقول نادية العشري : "فقد أدى الكسب المادي للمرأة وتحملها مسألة النفقة - ولو نسبيا- إلى تراجع دور الرجل داخل الأسرة وفقدانه السلطة المعنوية ، وارتسمت أمام كلمة " القوامة" التي أسندها الإسلام للرجل ، علامة استفهام كبير . إن القوامة تدور مع النفقة حيث دارت وتستتبع أحكاماا كثيرة لعل أهمها مسألة - انحجاما: اقتناعا. - ذبا: دفاعا. 5 - كل ما يمكن أن يدافع عنه. 4 - الدهلوي ول ا، حجة الله البالغة، مراجعة وتعليق : محمد طعمة حلبي، دار المعرفة ، بيروت، ط: ، 4 3هـ - 114م، / 91-97.

عدد الصفحات ١٦