وذلك أنَّ حياة النبي– صلى الله عليه وسلم - كانت نموذجًا عمليًّا لكتاب الله تعالى. ويوضح ذلك هذا أنَّ الله تعالى قال لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[ 4]، فإذا أردنا أن نعرف كيف كان خلق النبي – صلى الله عليه وسلم - عظيمًا فلا بد من النظر في سيرته – صلى الله عليه وسلم -. ولذلك فقد أتى هشام بن سعد رحمه الله ، وسأل عائشة رضي الله عنها: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -. قَالَتْ: «أَلَسْتَ ت َقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ »ق ُلْتُ: ب َلَى. قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِي اللهِ – صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ ». [ مسلم746).] إن كتاب الله تعالى لم ينزل مُجْملاً دفعة واحدة على النبي– صلى الله عليه وسلم -، وإنما نزل منجَّما ومُفَرَّقا على مدار ثلاث وعشرين سنة هي عمر الرسالة النبوية. فمن ثَم لا بد لمن أراد أن يفهم كتاب الله عز وجل فهمًا صحيحًا أن يعرف حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - في كل أحواله، في مراحل الدعوة والدولة، وفى البيت، والمسجد، مع زوجته، وأبنائه، وأصحابه، في سفره، وإقامته. ومن قرأ قولَ الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ ي َرْجُو اللَّهَ وَالْي َوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[21] وتأمَّله جيدًا علم أنه لا سبيل إلى تطبيق هذه الآية إلا بمعرفة أخلاق النبي– صلى الله عليه وسلم - والنظر في حياته وسيرته المباركة. إن كثيرًا من آيات القرآن الكريم جاءت تعليقًا على ما كان في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - من مواقف حافلة، ولا يمكن فهم هذه الآيات فهمًا سديدًا إلا بالنظر في حياته – صلى الله عليه وسلم -. ومن ذلك مثلاً: آيات كثيرة في سورتي آل عمران والأنفال نزلت تعليقًا على ما كان بين المسلمين والمشركين في غزوتي بدر وأحد. بل سورة كالأحزاب لا يمكن فهمهما جيدًا إلا بالنظر في سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقد نزلت تعقيبًا على غزوة الأحزاب، وتعرضت لبعض الأحكام المهمة. وسورة كالتوبة لابد لفهمها من النظر في غزوة تبوك ومعرفة حال المسلمين فيها. وقُلْ مثل هذا في كثيرٍ من سور القرآن وآياتِه التي نزلت تعقيبًا على موقف كان في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم -، لا يمكن فهمها على الوجه الصحيح إلا بالرجوع لحياته – صلى الله عليه وسلم -، فقراءتك لهذه المواقف من السيرة تساعدك في فهم ملابسات الحدث، وخلفيات الموقف، وطبيعته من
عدد الصفحات ١٧الناحية المكانية والزمانية. • العنصر الثاني: أهمية السيرة النبوية في فهم القرآن الكريم تظهر أهمية السيرة النبوية واضحةً جليَّةً في فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها في تقييد مطلق الآيات القرآنية، أو تخصيص عامها؛ وهذه ناحية مهمة جداً يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية. فمثال تخصيص السيرة النبوية لعام القرآن الكريم: قوله تعالىيَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْب َيْنِ } [6] فالظاهر من قوله تعالىوَأَرْجُلَكُمْ " الأمر بغسل الرجلين على قراءة النصب عطفا على قوله تعالى "فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ "، والأمر بمسح الرجلين على قراءة الخفض عطفًا على قوله وَامْسَحُوا بِرُءُ وسِكُمْ }– صلى الله عليه وسلم- وحياته وجد أنه – صلى الله عليه وسلم - كان يغسل رجليه، ولم يكن يمسح عليها إلا إذا لبس الخفين، وهذا إنما عرفناه من حياته – صلى الله عليه وسلم - ، كما نقل أصحابه رضي الله عنهم. ومثال تقييد السيرة النبوية لمطلق القرآن الكريم قوله تعالىوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِي َهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيز حَكِيم }[38] فهذه الآية مطلقة، ولم تقيد قطع اليد بموضع محدد؛ لأن اليد تطلق على: 1. الأصابع. 2. والكف. 3. والرسغ. 4. والساعد. 5. والمرفق. 6. والعضد ولكن بالنظر في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - نعلم أنَّ المراد باليد هنا يد واحدة ، وأنَّ الذي يُقطَعُ منها مقدار الكف فقط؛ فعَنْ عَدِيٍّ الكندي، أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم - "قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمَفْصِلِ ". [8/ 270.]) وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الثالث من الوحدة الثانية: معرفة أحوال النزول.
عدد الصفحات ١٨• الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الثالث من الوحدة الثانية: (معرفة أحوال النزول). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من سبعة عناصر: • الأول: معنى أحوال النزول. • الثاني: اهتمام الصحابة بأحوال النزول. • الثالث: اعتناء العلماء بأحوال النزول. • الرابع: معرفة أحوال النزول يعين على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى. • الخامس: عدم معرفة أحوال النزول سبب للوقوع في الخطأ في فهم القرآن. • السادس: معرفة المكي والمدني. • السابع: فوائد معرفة أحوال النزول. • العنصر الأول: معنى أحوال النزول. يُقصَد بمعرفة أحوال نزول القرآن الكريم أمور، منها: أولاً: معرفة مكان نزولها؛ هل نزلت بمكة، أم المدينة، أو بمكان آخر. وهل نزلت ليلاً أو نهارا؟ ثانيًا: معرفة وقت نزولها، وهل هي من أوائل ما نزل أو من أواخره؟ ثالثًا: فيمن نزلت؟ رابعًا: الحدَث أو الموقف الذي نزلت بسببه. وكل هذا يعين على فهم الآية فهما صحيحًا بعيدا عن الخطأ والزلل. • العنصر الثاني: اهتمام الصحابة بأحوال النزول. لو لم يكنْ لزمانِ النزولِ ووقتِه ومكانِه وأحوالِه أثر في فهم القرآن الكريم والعمل به لمَا اعتنى به أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - ونقلوه لنا. عن عبد اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قال: «وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَي ْرُهُ، مَا أُنْزِلَتْ سُورَة مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَة مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِن ي بِكِتَابِ اللَّهِ، ت ُب َل غُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ »[5002)، ومسلم2463.]) • العنصر الثالث: اعتناء العلماء بأحوال النزول: لقد كان العلماء رحمهم الله تعالى يؤكدون على أهمية معرفة أسباب النزول، بل وصنفوا في ذلك كتبًا
عدد الصفحات ١٩مفردة، ككتاب أسباب النزول" للواحدي، و"لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي. قال ابن دقيق العيد رحمه الله : بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. [الإتقان" (1/ 29.]) وقال ابن تيمية رحمه الله : معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. [[مجموعة الفتاوى" (13/ 181.]) • العنصر الرابع: معرفة أحوال النزول يعين على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى. كما سبق فإن لمعرفة أحوال النزول أثر عظيم في فهم كتاب الله تعالى على الوجه المراد، وقد يكون من العسير فهم الآية فهمًا صائبًا إلا بالنظر في أحوال النزول. ومن أمثلة ذلك: ما رواه أَسْلَم أَبِي عِمْرَانَ رحمه الله قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ ، فَحَمَلَ رَجُل عَلَى الْعَدُو ، ف َقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ي ُلْقِ ي بِيَدَيْهِ إِلَى الت َّهْلُكَةِ، ف َقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: " إِنَّمَا ن َزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَْنْصَارِ ؛ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَظْهَرَ الإِْسْلاَمَ ق ُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا "، فَأَن ْزَلَ اللَّهُ ت َعَالَىوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ ت ُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الت َّهْلُكَةِ }[195] فَالإِْلْقَاءُ بِالأَْيْدِي إِلَى الت َّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ" ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: «ف َلَمْ ي َزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ». [ أبو داود (2512)، والترمذي (2972.]) • العنصر الخامس: عدم معرفة أحوال النزول سبب للوقوع في الخطأ في فهم القرآن. لمعرفة أسباب النزول وأحوالها أثر كبير في فهم كتاب الله تعالى، بل إنَّ المتدب ر والمتفهم والمفسر لكتاب الله تعالى قد يفهم الآية على غير وجهها الصحيح لعدم معرفته بأحوال النزول، حتى ولو كان مِمَّن آتاهم الله تعالى فهمًا حسنًا وعلمًا وفقها، لكن عدم معرفته بأحوال النزول يجعله يزلُّ دون أن يشعر. ومثال ذلك: قال عروة بن الزبير رحمه الله لعَائِشَةَ رضي الله عنها: إِن ي لأََظُنُّ رَجُلاً، لَوْ لَمْ يَطُفْ ب َيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَا ضَرَّهُ، قَالَتْ: «لِمَ؟»ق ُلْتُ: لأَِنَّ اللهَ ت َعَالَى ي َقُولُ{ :إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَي ْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِر عَلِيم }[158]. ف َقَالَتْ: " مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلاَ عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ ب َيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ت َقُولُ لَ كَانَ: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الأَْنْصَا رَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَط الْبَحْرِ، ي ُقَالُ لَهُمَا إِسَاف وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ ف َيَطُوفُونَ ب َيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، ف َلَمَّا جَاءَ الإِْسْلاَمُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا ب َي ْن َهُمَ ا لِلَّذِي كَانُوا يَصْن َعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَتْ: فَأَن ْزَلَ اللهُ
عدد الصفحات ٢٠عَزَّ وَجَلإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ }[158] إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ: فَطَافُوا [ البخاري1790)، ومسلم (1277).] • العنصر السادس: معرفة المكي والمدني: قال ابن حبيب النيسابوري رحمه الله: من أشرف علوم القرآن علمُ نزولِه وجهاته، ▪ وترتيبُ ما نزلَ بمكة والمدينة، ▪ وما نزل بمكة وحكْمُه مدني، ▪ وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، ▪ وما نزل بمكة في أهل المدينة، ▪ وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ▪ وما يشبه نزول المكي في المدني، ▪ وما يشبه نزول المدني في المكي، ▪ وما نزل بالجحفة، ▪ وما نزل ببيت المقدس، ▪ وما نزل بالطائف، ▪ وما نزل بالحديبية، ▪ وما نزل ليلا، ▪ وما نزل نهارا، ▪ وما نزل مُشَيَّعا، ▪ وما نزل مُفردًا [الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (1/ 36).] • العنصر السابع: فوائد معرفة أحوال النزول: ولمعرفة أحوال النزول فوائد كثيرة ، منها: 1- معرفة الحكمة من التشريع؛ فشرْعُ اللهِ تعالى للَحكام المختلفة مبْنِيٌّ على الحكمة، وعلم أسباب النزول يعين على معرفة هذه الحكمة. 2- معرفة مراحل تشريع بعض الأحكاموالتدرج فيها، كما في الخمر مثلاً. 3- دفع توهم الحصر؛ فالآية قد تفيد بظاهرها الحصر، لكن سبب النزول يدفع هذا التوهم.
عدد الصفحات ٢١4- معرفة الأحداث التاريخية التي حدثت في زمن الرسول– صلى الله عليه وسلم - من جهاده وأعماله ومواقف المؤمنين بدعوته والجاحدين لها، فهي مصدر هام من مصادر السيرة النبوية. 5- معرفة الناسخ والمنسوخ، فأقوى شيء نعرف به الناسخ من المنسوخ معرفة وقت النزول. [ بحث بعنوان" "علمتاريخ نزول آيات القرآن الكريم و سوره" لأحمد خالد شكري وعمر ان سميح نزال. وبحث: "نزول القرآن، تاريخه وما يتعلق به" لمحمد عمر، وغيرهما] وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الرابع من الوحدة الثانية: معرفة الناسخ والمنسوخ . • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الرابع من الوحدة الثانية: (معرفة الناسخ والمنسوخ ). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من خمسة عناصر: • الأول: تعريف النسخ، ومفهومه عند السلف. • الثاني: وقوع النسخ في القرآن. • الثالث: أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ من فهم القرآن. • الرابع: طرق معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم. • الخامس: ما لا يقع فيه النسخ. • العنصر الأول: تعريف النسخ. تعريف النسخ لغة: النسخ له معانٍ : ▪ منها الإزالة، ومنه قوله تعالى: {ف َي َنْسَخُ اللَّهُ مَا ي ُلْقِي الشَّيْطَانُ}[52 ] ▪ ومنها نقل الشيء من موضع إلى موضع، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْت َنْسِخُ مَا كُنْتُمْ ت َعْمَلُونَ } [29] والمعنى ننقل الأعمال إلى الصحف. واختلفت ألفاظ العلماء تعريف النسخ، ولعل أقربها من الصواب: رفع الحكم الشرعي بدليلٍ شرعي متأخ رٍ. فيُشترط في النسخ: 1- أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًّا 2- أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ متأخرًا عنه. 3- ألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين. وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا ي ُعَد
عدد الصفحات ٢٢هذا نسخًا [مباحث في علوم القرآن" (237،238).] ومفهوم النسخ عند السلف، يشمل: ▪ رفع الحكم بدليل شرعي ▪ تخصيص الحكم بدليل ▪ تقيد الحكم بدليل فيدخل في النسخ عند السلف: ▪ العام والخاص ▪ والمطلق والمقيد • العنصر الثاني: وقوع النسخ في القرآن. واختلف العلماء في وقوع النسخ في القرآن: ▪ قال الزركشي رحمه ا والصحيح جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا. و لا خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب. واختُ لِ فَ في نسخ الكتاب بالسنة. [البرهان في علوم القرآن" (2/ 30،32).] ▪ وقالابن الجوزي رحمه الله: باب إثبات أنَّ في القرآن منسوخا، قال: انعقدَ إجماع العلماءِ على هذا، إلا أنَّ ه قد شذَّ من لا يُ لت َ فَ تُ إليهْ ، فحكى أبو جعفر النحاس أنَّ قومً ا قالوا: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ . وهؤلاء قوم لا ي ُ قَ رُّ ون؛ لأنهم خالفوا نصَّ الكتاب، وإجماعَ الأمة. [نواسخ القرآن" لابن الجوزي (1/ 119).] • العنصر الثالث: أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ من فهم القرآن. قال الزركشي رحمه الله: قال الأئمة: ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ ، وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: الله أعلم ، قال: هلكت وأهلكت؟ [البرهان في علوم القرآن" (2/ 29).] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي ق َوْلِهِوَمَنْ ي ُؤْتَ الْحِكْمَةَ ف َقَدْ أُوتِيَ خَي ْرًا كَثِيرًا }[269] قال «ي َعْنِي الْمَعْرِفَةَ بِالْقُرْآنِ، نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخ رِهِ، وَحَلاَ لِهِ وَحَرَامِهِ، وَ أَمْثَالِهِ » . [الطبري5/ 8)، وغيره، وسنده ضعيف • العنصر الرابع: طرق معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: قال العلماء: فلا يجوز ادعاء النسخ إلا بدليل [355.]) وقال ابن حزم رحمه ا لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن
عدد الصفحات ٢٣والسنة: هذا منسوخ؛ إلا بيقين [4/ 83.]) وقال ابن الجوزي رحمه ا إطلاق القول برفع حكم آية لم يُرفع جرأة عظيمة. [1/ 104.]) قال العلماء: ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق: 1- النص الصريح على النسخ في الآية: ومن ذلك مثلاً: قوله تعالى: {يَا أَي ُّهَا النَّبِيُّ حَر ضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ي َغْلِبُوا مِائ َت َيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَة ي َغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَن َّهُمْ ق َوْم لاَ ي َفْقَهُونَ } [65]. نُسِخت بما بعدها ، وهو قوله سبحانهالآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَة صَابِرَة ي َغْلِبُوا مِائ َت َيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْف ي َغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }[66]. 2- نصُّ أحد من الصحابةِ على النَّسخ كقول عَائِشَةَ رضي الله عنها: " كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَر مْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، ف َت ُوُف يَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -، وَهُنَّ فِيمَا ي ُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ ". [1452.]) 3- إجماعُ الأمة على أنَّ هذا ناسخٌ وهذا منسوخٌ : ومثاله ما حكاه ابن كثير رحمه الله الاتفاق على أنَّ عقوبة الزنا في قوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْب َعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْب ُيُوتِ حَتَّى ي َت َوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً }[15] منسوخة بما في سورة النور من الجلد أو الرجم . 4- معرفة المتقدم من المتأخر(المكي والمدني): قال القرطبي رحمه الله: وينبغي للمفسر أن يعرِف المكيَّ من المدني؛ لِيُفر قَ بين ما خاطبَ الله به عباده في أول الإسلام، وما ندبَهم إليه في آخره، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن. [ القرآن (1/ 21).] ومن أمثلة ذلك: قوله تعالىوَلاَ ت َن ْقُضُوا الأَْيْمَانَ ب َعْدَ ت َوْكِيدِهَا }[91]، فهذا أمر بعدم الحَنثِ في اليمين المُؤَكَّدة بالحلف، وكان هذا قبل نزول آية الكفارة في المائدة في قوله سبحانهلاَ ي ُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ ي ُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِ ينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَت ُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَق َبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّ ارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } [89]. • العنصر الخامس: ما لا يقع فيه النسخ. قال الزركشي رحمه الله: الجمهور على أنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، وزاد بعضهم: الأخبار
عدد الصفحات ٢٤وأطلق، وقيدها آخرون بالتي يراد بها الأمر والنهي. [البرهان في علوم القرآن2/ 33)،الإتقان في علوم القرآن" (1/ 3).] فلا يقع النسخ في: ▪ الأخبار والقصص، ▪ ولا يقع في مسائل الاعتقاد، ▪ وأصول العبادات، ▪ وأصول المعاملات؛ وإنما يقع النسخ في الأمور الفرعية من الشريعة، وهو بهذا يتعلق بالأمر والنهي وما يكون في معناهما؛ مثل: الأخبار الدالة على متعلق الأمر والنهي. [النسخ في القرآنالكريم دراسة تشريعية تأريخية نقدية"، لمصطفى زيد ] وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الخامس من الوحدة الثانية: النظر في الشواهد من القرآن والسنة. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الخامس من الوحدة الثانية: (النظر في الشواهد من القرآن والسنة). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من ثلاثة عناصر: • الأول: القرآن يفسر بعضه بعضًا. • الثاني: جمع الآيات في الموضوع الواحد. • الثالث: إيضاح آيات بالقرآن الكريم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. • العنصر الأول: القرآن يفسر بعضه بعضًا. فثَمَّ آيات لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا إلا بآية أخرى، كما في قول الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ 2)} [طارق: 1-2]، فلا تفهم إلا مع قوله تعالى{النَّجْمُ الثَّاقِبُ}[طارق: 3]. وقول الله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} • العنصر الثاني: جمع الآيات في الموضوع الواحد. لنفهم الآية من كتاب الله تعالى فهمًا جيدًا فإننا نجمع ما يتعلق بها من آيات أخر؛ لتتضح الصورة كاملة.
عدد الصفحات ٢٥فمثلو أردنا فهم قصة موسى عليه السلام فهمًا صحيحًا في بعض سور القرآن فإننا نجمع شواهد القصة في باقي سور القرآن الكريم، فإن ما أُبهم في مكان يُوضَّح في مكان آخر، وما أُجمل في مكان فإنه يُفصَّل في موضع آخر. ومن ذلك: قال الله تعالىوَلَقَدْ آت َي ْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ ب َي نَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ ف َقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِن ي لأََظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا}[101]، فهذه الآيات التسع مفصلة في موضع آخر من قصة موسى وفرعون، قال الله تعالىوَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِال س نِينَ وَن َقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَت ْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِب ْهُمْ سَي ئَة يَطَّي َّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَ ائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْث َرَهُمْ لاَ ي َعْلَ مُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْ هِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْب َرُوا وَكَانُوا ق َوْمًا مُجْرِمِ ينَ }[130، 133]، فهذه سبع آيات وقال الله تعالىوَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ( 17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَت َوَكَّأُ عَلَي ْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى 19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّة تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَت َهَا الأُْولَى ( 21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ ب َيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُب ْرَى }[17 - 23]، فهاتان آياتان. لو نتأمل مثلا في قصة خلق آدم عليه السلام نرى أنه قد خلقَ من تراب، ومرة من طين، ومرة من صلصال كالحمأ المسنون، ومرة من طين لازب، قال الله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ ت ُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ف َيَكُونُ }[59.] وقال سبحانهوَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ }[12.] وقال سبحانهإِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ }[11.] وقال سبحانهوَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }[26.] فلو نظرت إلى كل آية في كل موطن قد يُشكل عليك،هل خُلق من تراب؟ أو من طين؟ أو من طين لازب أو من حمأ مسنون؟ لكن بجمع الآيات قد يُقالُ: إن هذا مراحل خلق آدم عليه السلام؛ فإنه كان ترابًا، فأضيف عليه الماء فصار طينا، فتُرِك حتى صار حمأ مسنونًا، ثم تُرِك حتى يبس فصار صلصال كالفخار. ولو تدبرنا في قول الله تعالى{ :وَوَصَّي ْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا
عدد الصفحات ٢٦وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}[15] كيف يكون حمله وفصاله ثلاثون شهرا؟ كم مدة الحمل؟ وكم مدة الفِصال؟ لو ضممنا لها قولَ الله تعالى وَوَصَّي ْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ }[14]، ففهم منه أنه الفصال أربعة وعشرون شهرا، فيبقي الحمل تكون مدته ستة أشهر. [127-148.]) • العنصر الثالث: إيضاح آيات بالقرآن الكريم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم: فلا يمكن لأحدٍ فهم كتاب الله عز وجل فهما صحيحا إلا بالنظر في سنة النبي –صلى الله عليه وسلم. قال ابن تيمية رحمه الله: يجب أن يعلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم - بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه . [مجموع الفتاوى " (13/ 331).] فيُنظَر في أسباب نزول الآيات؛ فإن معرفة ذلك مما يعين على فهم الآيات فهمًا جيدًا، وينظر في سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ فإنها شارحة لكتاب الله عز وجل: فهي تبين مجمل القرآن؛ قال الله تعالى وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذ كْرَ لِتُب َي نَ لِلنَّاسِ مَا ن ُز لَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ ي َت َفَكَّرُونَ }[44.] وسنة النبي– صلى الله عليه وسلم - توضح مشكل القرآن. ومن أمثلة ذلك قوله تعالىوَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى ي َتَب َيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَب ْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ }[187]. فالخيط الأبيض والخيط الأسود من المشكل الذ ي لا يُفهم المراد منه إلا بقرينة، فجاءت السنة بتوضيح هذا المشكل بأنه بياض النهار وسواد الليل. عَنْ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا ن َزَلَتْحَتَّى ي َتَب َيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَب ْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ } [187] عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ، وَإِلَى عِقَالٍ أَب ْيَضَ، فَجَعَلْت ُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْ لِ، فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي، ف َغَدَوْتُ عَلَى رَ سُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ ف َقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَب َيَاضُ الن َّهَارِ »[1916)، ومسلم1090.]) وجاءت السنة النبوية مفصلة ومبيِّنة للأحكام المجملة في آيات عديدة من القرآن الكريم: • كبيانها للصلوات على اختلافها في أنواع مواقيتها، وركوعها وسجودها وسائر أحكامها .
عدد الصفحات ٢٧• وبيانها للزكاة في مقاديرها ونُصبِ الأموال وتعيين ما يزكى مما لا يزكى . • وبيان أحكام الصوم وما فيه، مما لم يقع النص عليه في الكتاب العزيز. • كما فص لت السنة في أحكام الطهارة والحج والذبائح والصيد، وما يؤكل مما لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات والقصاص وغيره ، وكل ذلك بيان لما وقع مجملاً في القرآن الكريم. فلا يجوز أن نفسر كتاب الله تعالى بمعزل عن سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، بل إذا أردنا فهمَ كتاب الله فهم سديدًا فلا بد من النظر في شواهد السنة النبوية المتعلقة بكل آية. التأكيد ما دل عليه القرآن بأحاديث من السنة وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الوحدة الثالثة: مراتب فهم القرآن. الدرس الأول من الوحدة الثالثة: فهم معاني المفردات ودلالاتها. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الأول من الوحدة الثالثة: (فهم معاني المفردات ودلالاتها). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من ستة عناصر: • الأول: أهمية معرفة معاني القرآن وغريبه. • الثاني: وجوب تفسير اللفظ بمعناه المعروف، وعدم صرفه عن ظاهره إلا بدليل. • الثالث: ألفاظ تأتي في القرآن على غير المعنى المشهور. • الرابع: ألفاظ تأتي في القرآن ويكون لها معنى جديد زيادة على المعنى اللغوي عند العرب. • الخامس: ألفاظ تأتي في القرآن بمعنى وتعرف بين الناس بمعنى آخر بعد نزول القرآن. • السادس: ألفاظ تأتي في القرآن ويختلف معناها حسب السياق. • العنصر الأول: أهمية معرفة معاني القرآن وغريبه. بعد ابتعاد المسلمين عن عصر النبوة، واتساع رقعة الفتوحات الإسلامية، ظهرت حاجة ماسة إلى تفسير كلام الله تعالى وتقريبه من الأذهان؛ فنشأ التفسير يسيرا في البداية حت ى صار علوما مستقلة ومترابطة فيما بينها.
عدد الصفحات ٢٨وكان من أبرز هذه العلوم علم يهتم بتفسير الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، يُصْطلح عليه ب "علم غريب القرآن"، أو "معاني القرآن". إن فهم معاني ألفاظ القرآن الكريم ودلالتها من أهم ما يكون لفهم كتاب الله تعالى فهمًا صحيحًا، ولا يستطيع المفسر تفسير كتابَ الله تعالى ولا فهمَه إلا إذا عرف معاني غريب الأ لفاظ. وقد كتب أئمة اللغة والتفسير كتبًا في معاني القرآن وغريبه: ▪ فكتب في معاني القرآن o الفراء، o والأخفش، o والنحاس، وغيرهم ▪ وكتب في غريب القرآن o الراغب الأصفهاني، o وابن قتيبة، وغيرهما • العنصر الثاني: وجوب تفسير اللفظ بمعناه المعروف، وعدم صرفه عن ظاهره إلا بدليل. وهذه نقطة مهمة ، وقد ضلَّ كثير من الناس في فهم كتاب الله تعالى بسبب ذلك، فصرفوا بعض ألفاظ القرآن الكريم عن معناها المعروف المشهور لمعنًى آخر، من غير دليل ولا حجة. ومن ذلك مثلاً : تفسير "الاستواء" بالاستيلاء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْت َوَى }[ 5]. وهذا صرف للفظ عن معناه المعروف به والمُتبَادَر للذهن عند سماِعه قال الطبري رحمه الله: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. [جامع البيان" (16/ 11).] • العنصرالثالث: ألفاظ تأتي في القرآن على غير المعنى المشهور. معروف أن الكلمة الواحدة في لغة العرب لها معانٍ متعددة، وعندما نقرأ في كتاب الله تعالى لابد لنا أن نبحث عن المعنى الصحيح الذي أراده الله عز وجل لهذه الكلمة متعددة المعاني. ومن تأمل في كتاب الله تعالى وجد كثيرًا من ألفاظ القرآن اشتهرت بمعنًى ما، لكنَّ المعنى المُراد في كتاب الله تعالى أحيانًا غير المعنى المشهور في اللغة. ومن ذلك مثلاً: في قول الله تعالى: {هَلْ ي َنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ي َوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ي َقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ ق َبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَب نَا بِالْحَق }[53].
عدد الصفحات ٢٩وقولِه سبحانه{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ ق َبْلِهِمْ فَا نْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }[39]. وردت كلمةالتأويل" على غير المعنى المشهور، وما هو المعنى المشهور أولاً؟ اشتهرت كلمة " تأويل" بأنَّ معناها: التفسير والبيان، ولذلك ترى الطبري رحمه الله يُكثر في تفسيره أن يقول: "القول في تأويل قوله كذا ".. وهو يريد بالتأويل التفسير. ومنه دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم - لابن عباس رضي الله عنهما: "اللَّهُمَّ ف َق هْهُ فِي الد ينِ، وَعَل مْهُ التَّأْوِيلَ ". [أخرجه أحمد (1/ 328)، وغيره وهي من مادة: "آل"، والتي من أشهر معانيها الرجوع والصيرورة، ويقولون: أول الشَّيْء إِلَيْهِ أرجعه... [تاج العروس" (28/ 33)،لسان العرب" (11/ 33)،المعجم الوسيط (1/ 33).] لكن لو رجعنا إلى المفسرين في معنى التأويل" في الآيتين المذكورتين أولا لوجدنا المعنى مختلفًا. • العنصر الرابع: ألفاظ تأتي في القرآن ويكون لها معنى جديد زيادة على المعنى اللغوي عند العرب: رودت كلمات في القرآن الكريم بمعانٍ غير المعاني التي وردَتْ فيها في الشعر الجاهلي وفي استعمال العرب قبل نزول القرآن، ولذلك ميَّز العلماء بين هذه وتلك، ومن هنا ظهر قولُهم: هذا اسم لغوي، وهذا اسم شرعي. وكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر، والمنافق. وأنَّ العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان؛ ثُمَّ زادت الشريعة شرائطَ وأوصافاً بِهَا سُمِيَ المؤمن بالإطلاق مؤمناً. وكذلك الإسلام والمسلم، إن ما عَرَفت منه إسلامَ الشيء ثُمَّ جاء فِي الشَّرع من أوصافه مَا جاء. وكذلك كَانَتْ لا تعرف من الكُفر إِلاَّ الغِطاء والس تْر. فأما المنافق فاسم جاء بِهِ الإسلام لقوم أَبْطنوا غير مَا أظهروه، وَكَانَ الأصل من نَ افِ قاء الي َرْبوع. و مما جاء فِي الشرع الصلاة وأصله فِي لغتهم: الدُّعاء. وَقَدْ كانوا عَرفوا الركوعَ والسجودَ، و إن لَمْ يكن عَلَى هَذِهِ الهيئة فإن العرب لَمْ تعرِفه بمثل مَا أتَت بِهِ الشريعة من الأعداد والمَواقيت والتَّحريم للصلاة، والتَّحليل منها. وَعَلَى هَذَا سائر مَا تركنا ذِكرَه من الصيام و الز كاة و الحَجُّ و العُمْرة والجهاد وسائر أبواب الفِقه. [ في فقه اللغة العربية44- 46)، وانظرالأوائل للعسكري (45.]) وهذا كلام ثمين ،فلابد لمن أن أراد أن يفهم معاني مفردات القرآن الكريم أن يتنبَّه لهذه المسألة
عدد الصفحات ٣٠المهمة • العنصر الخامس: ألفاظ تأتي في القرآن بمعنى وتعرف بين الناس بمعنى آخر بعد نزول القرآن: فقد تُعرَف الكلمةُ في لغة العرب بمعنًى، وتكون في القرآن بنفس المعنى الموجود في لغة العرب، ثم يظهرُ لها بين الناس معنًى حادث جديد ؛ فلابد من التنبه لذلك، وهذا يسم ه علماء اللغة "التطور الدلالي للغة". ومن أمثله ذلك: كلمة "الدَّابَّة" كما في قو ل تعالىوَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَم أَمْثَالُكُمْ }[38] فمعناها في القرآن: كل ما يمشى على الأرض. قال الطبري رحمه الله: والدابَّةُ اسم لكل ذِي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بجناحَيه لدبيبِه على الأرضِ. [ (3/ 12.]) لكن في محدث الكلام خُص صَت دلالتُها في: ما يُركَب من الحيوان. وقُلْ مثل هذا في كثيرٍ من الألفاظ التي ظهر لها دلالات جديدة لم تكن معروفة عند نزول القرآن، والتي لا يجوز حملها في المعنى الحديث على المعنى الوارد في كتاب الله تعالى. • العنصر السادس: ألفاظ تأتي في القرآن ويختلف معناها حسب السياق: فقد تأتي الكلمة الواحدة بمعانٍ متعددةٍ في كتاب الله تعالى، وهذا حسب السياق الذي وردت فيه. مثل لفظة الخير من قوله تعالىوَما ت َفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ { }وَإِنَّهُ لِحُب الْخَيْرِ لَشَدِيد } وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الثاني من الوحدة الثالثة: فهم سياق الآيات. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الثاني من الوحدة الثالثة: (فهم سياق الآيات). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من أربعة عناصر: • الأول: أهمية فهم سياق الآيات. • الثاني: تأمل السياق يعين على الفهم الصحيح. • الثالث: تأمل السياق من أقوى أسباب الترجيح عند اختلاف وجوه التفسير. • الرابع: ألفاظ تأتي في القرآن ويختلف معناها حسب السياق. • العنصر الأول: أهمية فهم سياق الآيات. على المفسر أن يُراعي سياق الآيات، فيربط بين بعضها البعض، فلا يجوز أن يقطع بعضها عن بعض
عدد الصفحات ٣١وإلا ساء الفهم واختل المعنى فلو أنَّ رجلاً قرأ قول الله تعالى: {ف َوَيْل لِلْمُصَل ينَ}[4]، وسكت لفسد المعنى جدا، بل لابد من ربطها بما بعدها: {ف َوَيْل لِلْمُصَل ينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ }[4،5]. قال الزركشي رحمه ا ليَ كُ ن محطُّ نظرِ المفسر مراعاةَ نظمِ الكلام الذي سِ يق له، وإن خالف أصلَ الوضعِ الُّ لغوي. [البرهان في علوم القرآن" (1/ 317).] وقال ابن تيمية رحمه الله: الدلالة في كل موضع – يعني من القرآن - بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية. [مجموع الفتاوى " (6/ 14).] وقالابن القيم رحمه الله: السياق يرشد إلى تبيينِ المجمل، وتعيينِ المحتمل، والقطعِ بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة . [بدائع الفوائد" (4/ 1314).] • العنصر الثاني: تأمل السياق يعين على الفهم الصحيح. فإنك إذا أردت أن تفهم فهمًا صحيحًا فلابد من التأمل في سياق الكلام جيدا، فإن الكلام قد يكون ظاهره المدح، لكنه بتأمل سياقه نراه للذم والتحقير، كما في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ }[49]، قال ابن القيم رحمه الله : انظر إلى قوله تعالى" {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ }[ 49]؛كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير. [بدائع الفوائد" (4/ 1314).] وقوله تعالى{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى ق َوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ ب َعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَب كُمْ وَأَلْقَى الأَْلْوَاحَ }[150]، قال ابن كثير رحمه الله: ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا. [تفسيرالقرآن العظيم" (3/ 477).] • العنصر الثالث: تأمل السياق من أقوى أسباب الترجيح عند اختلاف وجوه التفسير. إن التأمل في سياق الآيات من أقوى وسائل الترجيح عند اختلاف المفسرين، وقد سار على هذا كثير من العلماء. مثال ذلك: قول الله تعالى: {إِنَّ الأَْب ْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ 22) عَلَىالأَْرَائِكِ ي َنْظُرُونَ }[22،23 ] {ينظرون} .قال ابن كثير رحمه ا قيل: معناه: ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه ينظرون إلى الله عز وجل. وهذا مقابَ لة لما وُ صِ ف به أولئك الفجار: {كَإِن َّهُمْ عَنْ رَب هِمْ ي َوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ }[15] فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عز وجل وهم على سررهم وفرشهم. [تفسيرالقرآن العظيم" (8/ 352).]
عدد الصفحات ٣٢