المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مساق كيف نفهم القرآن

محمد الربيعة

صفحة ١ من ٤

مساق كيف نفهم القرآن الكريم؟ مقدمة تعريفية الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فأهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا المساق الجديد (كيف نفهم القرآن الكريم؟). الحديث عن فهم القرآن هو أهم حديث ينبغي الحرص عليه لعدد من الأمور: أولاً: القرآن هو أصل الأصول كلها، وقاعدة أساسات الدين، وبه صلاح أمور الدين والدنيا والآخرة، وهو إنما نزل ليعمل به، ولا يمكن أن يعمل الإنسان بشيء لا يفهمه. ثانيًا: أن فهم القرآن طريق زوال الجهل عن نفسه، فزوال العلم يكون بعدم وجود من يقوم به، ويفهمه حق فهمه، وهو ذهاب أوعيته، ويكون بعدم العمل به، فمن لم يعمل بما علم فلا فائدة في علمه. ثالثًا: الأجر العظيم والثواب الجزيل في فهم القرآن وتدبره، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِي قَالَ خَرَجَ عَلَي ْنَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ ف َقَالَ: (( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ ي َغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ الْعَقِيقِ، ف َيَأْخُذَ نَاق َت َيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ ؟)) قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( فَلَََنْ ي َغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ ي َوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، ف َيَت َعَلَّمَ آي َت َيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَي ْر لَهُ مِنْ نَاق َت َيْ نِ، وَإِنْ ثَلاَث ف َثَلاَث مِثْلُ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الإِْبِلِ )) رواه مسلم (803). وإذا كان تعلم العلم هو أفضل الأعمال وأحبها، وأشرفها وأرفعها، فأعلى درجات العلم هو معرفة كلام الله وفهمه؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم، وكتاب الله أشرف شيء في الوجود ، فتعلمه أشرف شيء وأرفعه. رابعًا: فهم القرآن حق فهمه سبب لوجود الألفة، واجتماع القلوب ، وزوال الخلاف المذموم، الذي ينشأ عنه الافتراق والاقتتال، وعدم فهمه سبب لوجود الخلاف والشقاق. خامسًا: إن من أعرض عن تعلم القرآن وفهمه، فقد يبتليه الله تعالى بالانشغال عنه والانصراف إلى غيره؛ فإن الله أخبر في كتابه أن من جاءه العلم ثم أعرض عنه وهجره فإنه يورثه جهلاً ويصرف قلبه عن فهم العلم والتعلق به. وسأكون معكم في هذا المساق التعليمي، حيث تم تقسيم هذا المساق إلى أربع

عدد الصفحات ١

وحدات رئيسة، ضمن كل وحدة عدد من الدروس. • الوحدة الأولى: مقدمة توضيحية، وفيه خمسة دروس. • الوحدة الثانية: أدوات فهم القرآن، وفيه خمسة دروس. • الوحدة الثالثة: مراتب فهم القرآن، وفيه ثمانية دروس. • الوحدة الرابعة: أبرز التفاسير ومميزاتها، وفيه خمسة دروس. وسنكون معكم على مدى أربعة أسابيع بحول الله تعالى. والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الوحدة الأولى: مقدمة توضيحية: الدرس الأول من الوحدة الأولى: المصطلحات الهامة. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الأول من الوحدة الأولى: (المصطلحات الهامة.). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من ثلاثة عناصر: • الأول: التفسير. • الثاني: الاستنباط. • الثالث: التدبر. • العنصر الأول: التفسير: أولاً : تعريف التفسير في اللغة: وهو مأخوذ من "فسَرَ"، وأصل معناها في لغة العرب: البيان والشرح والتوضيح. يقال: فسر [لسان العرب" (5/ 55)، "مفهوم التفسير53.]) وفي كتاب ا { :وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئ ْنَاكَ بِالْحَق وَأَحْسَنَ ت َفْسِيرًا }[33] تفسيرًاأي: بيانًا وتفصيلاً . ثانيا ً: التفسير عند المفسرين: قال الزركشي رحمه الله: التفسير: علم يُ عرَ ف به فهمُ كتابِ الله المُ نزَّ ل على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم - ، وبيانُ ه، واستخراجُ أحكامه، وحِ كَ مِ ه، واستمدادُ ذلك من علم اللغةِ ، والنحو، والتصريفِ ، وعلمِ البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويَ حتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ . [البرهان في علوم القرآن" (1/ 13).]

عدد الصفحات ٢

ثالثا ً: المعنى الراجح للتفسير: بيان المعنى الذي أراده الله بكلامه. • العنصر الثاني: الاستنباط: أولاً : تعريف الاستنباط في اللغة: تدور مادة "نبط" على أصل واحد، وهو استخراج شيء، والألف والسين والتاء في استنبط تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط. ومنه قوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْت َنْبِطُونَهُ مِن ْهُمْ }[83]؛ أي: يستخرجونه. ويقال: استنبط الفقيه: إذا استخرج الفِقهَ الباطنَ بفَهْمِه واجتهادِه [مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط" (159).] ثانيا ً: تعريف الاستنباط في الاصطلاح: هو استخراج المعاني الخفية ومن دلالات وهدايات من كلام الله عز وجل ؛ بأي نوع من أنواع الربط، كأن يكون بدلالة الإشارة، أو المفهوم، أو غيرها. وقد يكون الاستنباط حكمً ا فقهيا، أو أدبً ا تشريعيا عاما أو يكون أدبا أخلاقيا في معاملة الناس، أو فوائد تربوية تتعلق بتزكية النفوس، أو فائدة علمية. ثالثا ً: الاستنباط المحمود والمذموم: فإن كان الاستنباط عن علم فهو من الرأي المحمود الذي دلت النصوص على جوازه، وإن كان عن جهل، أو دخل فيه الهوى فحصل فيه تحريف، فإنه من الرأي المذموم، وهو حرام. [مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط" (161،166)]. رابعا ً: أنواع الاستنباطات: وربط أي معلومة من المعلومات، والزعم أن القرآن دل عليها لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: أن تكون المعلومة بذاتها فاسدة باطلة، تخالف ما جاءت به الشريعة، فهذه باطلة بذاتها، وربطها بآيات القرآن خطأ بلا إشكال. الحال الثانية: أن تكون المعلومة بذاتها صحيحة، ولا تخالف الشريعة، وأن يكون ربطها بالآية صحيحا؛ أي أن الآية دلت عليها دلالة واضحة لا يخالف فيها مخالف. [مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط" (166- 175)]. • العنصر الثالث: التدبر: أولاً : تعريف التدبر في اللغة: تدل مادة "دب َ رَ " على آخر الشيء، ومنه دبر الشيء؛ أي آخره؛ كأدبار الصلوات. ثانيا ً: تعريف التدبر في الاصطلاح: النظر في أدبار الشيء، والتفكير في عاقبته. وقد استعمل في كل تأمل يقع من الإنسان في حقيقة الشيء أو أجزائه أو سوابقه أو لواحقه أو

عدد الصفحات ٣

أعقابه. والأصل أنَّ مرحلة التدبر تأتي بعد الفهم، إذ لا يمكن أن يطلب منك تدبر كلام لا تعقله، وهذا يعني أنه لا يوجد في القرآن ما لا يفهم معناه مطلقا، وأن التدبر يكون فيما يتعلق بالتفسير؛ أي أنه يتعلق بالمعنى المعلوم. [روح المعاني " (5/ 92)،مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط" (185،187)]. ثالثا ً: أقسام التدبر: يمكن تقسيم مستويات التدبر إلى قسمين: القسم الأول: التدبر والتفسير: التدبر يكون بعد فهم المعنى، لكن قد لا يفهم المعنى المراد، فتحتاج إلى البحث عنه. وتطلُّ ب المعنى يحتاج نظرا وفكرا، وهذا نوع من التدبر يكون سابقا للفهم. وقد يكون عدم فهم الآية وقع من جهة جهل لغة أو سبب نزول، أو غيرها من الجهات وهذا يعني أن التدبر يتعلق بالمعنى، وفي الغالب يكون هذا في فهم المتشابه النسبي الذي قد يخفى على بعض الناس. وأمثلة هذا القسم كثيرة، فمنها ما يقع من بحث آية مشكلة، ومنها نقاشات المفسرين التي يظهر فيها ترجيحهم لوجه من وجوه التفسير، وغيرها مما يحتاج إلى اختيار من أجل البيان، وهذا ما لا تخلو منه كتب التفسير. فهذا تدبر من أجل فهم المراد. القسم الثاني: التدبر والاستنباط: عند تأمُّ لِ عملية الاستنباط يظهر أن فيها إعمال فكر ونظر، وقد يكون التدبر الذي ينتج عنه استنباط من آية ظاهرة المعنى لا تحتاج إلى تفسير. وقد يكون من آية ظهر معناها الصحيح، فيكون التدبر في هذه الحال بعد معرفة التفسير، فيتدبر المتدبر ما يحتويه معنى الآية من وجوه الاستنباطات والفوائد. وهو تدبر لاستخراج الحكم والأحكام والآداب وغيرها مما يستنبطه المستنبط، وهذا يع ني أن الاستنباطات نتيجة للتدبر. [مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط" (185 - 202)]. وبهذا نختم هذا الدرس، ونلقاكم في درس قادم إن شاء الدرس الثاني من الوحدة الأولى: أهمية فهم القرآن. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس.

عدد الصفحات ٤

• هذا هو الدرس الثاني من الوحدة الأولى: (أهمية فهم القرآن). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من سبعة نقاط: • الأول: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى. • الثاني: أنَّ التدبر يعين على تصحيح ما يعتري الإنسان من خطأ . • الثالث: أن التدبر يعين على ترك معصية الله والتوبة النصوح. • الرابع: أن الغاية التي أنزل الله لأجلها كتابه العظيم هي تدبر معانيه، وتفهُّم آياته. • الخامس: أن تدبر كتاب الله عز وجل وفهم آياته يزيل ما يعتري النفس مما قد يتوهمه الإنسان من تعارض بين آياته. • السادس: أنَّ تدبر القرآن وفهمه فهما صحيحًا سبيل إلى العمل به. • السابع: أن الله تعالى ذمَّ المنافقين لأنهم لم يتدبروا كتابَه العظيم، ولم يفهموه فهمًا سديدًا. إن لفهم كتاب الله تعالى وتدبره أهمية عظيمة في ديننا، وليس من قرأ كتاب الله تعالى وفهمه كمن قرأ وهو لا يدري ما يقرأ، فبينهما فارق عظيم. وتتلخص أهمية فهم كتاب الله عز وجل في النقاط الآتية: • أولا: امتثال أمر الله سبحانه وتعالى. فلقد أمرنا ربنا جل شأنه بالتدبر في كتابه العظيم وفهم آيات ه، وحذرنا مع عدم التدبر والفهم الصحيح. قال الله تعالى: {أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا }[ 82]. وقال سبحانه{أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }[24]. قال القرطبي رحمه ا : دلت هذه الآية {أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا }[82]،على وجوب التدبر في القرآن ليُ عرَ فَ معناه. [ (5/ 290).] وقال ابن كثير رحمه ا فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه. قال: فعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به من تعلم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه. [(1/ 6).] • ثانيًا: أنَّ التدبر يعين على تصحيح ما يعتري الإنسان من خطأ، ويعرف به الحقَّ من الباطل.

عدد الصفحات ٥

قال الطبري رحمه ا قوله تعالى: {أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }[25 ]يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمونأَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }[24] أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر. [ (21/ 215).] • ثالثًا: أنالتدبر يعين على ترك معصية الله والتوبة النصوح. عَنْ ق َتَادَةَ رحمه الله أنه قال في ق َوْلَهُأَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }[24]: إِذًا وَاللَّهِ يَجِدُونَ فِي الْقُرْآنِ زَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لَوْ تَدَب َّرَهُ الْقَوْمُ ف َعَقَلُوهُ، وَلَكِن َّهُمْ أَ خَذُوا بِالْمُتَشَابِهِ ف َهَلَكُوا عِنْدَ ذَلِكَ . [الطبري في "جامع البيان" (21/ 216).]. • رابعًا: أن الغاية التيأنزل الله لأجلها كتابه العظيم هي تدبر معانيه، وتفهُّم آياته، فمن قرأ كتاب الله تعالى ولم يفهم معناه ولا تدبرَ في آياته فما حقَّق الغاية العظمى التي لأجلها أنزل الله كتابه العظيم. قال ربنا سبحانه: {كِتَاب أَن ْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لِيَدَّب َّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَْلْبَابِ } [29]. قال القرطبي رحمه ا وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ ، إذ لا يصح التدبر مع الهذ . [ (15/ 192).] وقال الله سبحانه{وَأَن ْزَلْنَا إِلَيْكَ الذ كْرَ لِتُب َي نَ لِلنَّاسِ مَا ن ُز لَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ ي َت َفَكَّرُونَ }[44]. قال الشنقيطي رحمه الله : بين جل وعلا أنَّ من حكم إنزاله القرآن أن يبي نَ – صلى الله عليه وسلم - للناس ما أنزل إليهم [أضواء البيان" (6/ 345).] • خامسًا: أنالتدبر يزيل ما يعتري النفس مما قد يتوهمه الإنسان من تعارض بين آياته قال الله تعالى: {أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}[82]. قال القرطبي رحمه ا فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره، لأنهم لا يجدون فيه اختلافً ا في وصفٍ ، ولا ردً ا له في معنً ى، ولا تناقضً ا ولا كذبً ا فيما يخبرون به من الغيوب وما يُ سِ رون. [ (5/ 290).] • سادسً ا: أنَّ تدبر القرآن وفهمه فهما صحيحًا سبيل إلى العمل به، فالفهم الصحيح يسبق العمل. وإنَّ من أعظم ثمرات ف هم آيات الله وتدبرها العمل بها. قال الله سبحانه: {كِتَاب أَن ْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لِيَدَّب َّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَْلْبَابِ }[ص29]. عنالْحَسَن الْبَصْرِي رحمه الله قَالَ: (وَاللَّهِ مَا تَدَبُّره بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَي َقُولُ: ق َرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّ هُ مَا ي ُرَى

عدد الصفحات ٦

لَهُ القرآنُ فِي خُلُقٍ وَلاَ عَمَلٍ ). [تفسيره (7/ 64)، ثم قال: رواه ابن أبي حاتم. قلت: تفسير سورة ص من الجزء المفقود من تفسير ابن أبي حاتم، ولم أقف على أحد رواه غيره، والله أعلم • سابعا: أن الله تعالى ذمَّ المنافقين لأنهم لم يتدبروا كتابَه العظيم، ولم يفهموه فهمًا سديدًا. فضلوا لأجل ذلك، ولم ينتفعوا بكتاب الله سبحانه، وفي هذا أشد ذمٍّ لمن لم يفهم آيات الله تعالى ولم يتدبر معانيها. وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الثالث من الوحدة الأولى: خطورة هجر تفهم القرآن والقول فيه بغير علم. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الثالث من الوحدة الأولى: (خطورة هجر تفهم القرآن والقول فيه بغير علم). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من عنصرين: • الأول: خطورة هجر تفهم القرآن. • الثاني: خطورة القول في كتاب الله بغير علم. • العنصر الأول: خطورة هجر تفهم القرآن. أولاً: هجر فهم كتاب الله تعالى وتدبره أحد أنواع الهجر التي شكى منها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قومَه إلى الله تعالى، قال الله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ ق َوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[30]. قال السعدي رحمه ا {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه. [تيسير الكريم الرحمن " (582).] وقال ابنالقيم رحمه الله: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به. والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه. والرابع: هجر تدبره وتفهمه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها. قال: وكل هذا داخل في قوله وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ ق َوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا }[30]، وإن

عدد الصفحات ٧

كان بعض الهجر أهون من بعض. [الفوائد" (82).] ثانيًا ذمَّ المنافقين لأنهم لم يتدبروا كتابَه العظيم، ولم يفهموه فهمًا سديدًا؛ فضلوا لأجل ذلك، ولم ينتفعوا بكتاب الله سبحانه، وفي هذا أشد ذمٍّ لمن لم يفهم آيات الله تعالى ولم يتدبر معانيها. قال الله سبحانه: {أَفَلاَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا}[24]. ثالثًا من هجر تفهُّم كتاب الله وتدبره فقد عصى الله تعالى وخالف أمرَه، فإن الله تعالى قد أمر بتدبر كتابه العظيم. رابعًا: من هجر تدبر كتاب الله تعالى فيُخشى عليه من إغلاق قلبِه عن الخير. قال الله تعالى: {أَفَلاَي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }[24 ]قال السعدي رحمه ا {أَفَ ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ } هلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير ، {أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالُهَا }: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدا؟ هذا هو الواقع. [تيسير الكريم الرحمن " (788).] خامسًا من هجر تفهُّم كتاب الله وتدبره فإنه يُحرَم الخير العظيم؛ فإنه يقرأ القرآن ولا ينتفع بمواعظه، ولا يتأثر بآياته. • العنصر الثاني: خطورة القول في كتاب الله بغير علم. لا يجوز لمسلم أن يقول في كتاب الله عز وجل برأيه مجردًا، فإن هذا من القول على الله بغير علم، وفاعله على خطر عظيم، وإنما يقول برأيه واجتهاده بعد النظر في كتاب الله تعالى وسنة رسولِه – صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة ومن بعدهم. قال الله تعالى: {وَلاَ ت َقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } [36]. وقال سبحانه وتعالى{وَأَنْ ت َقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ ت َعْلَمُونَ }[33]. وعَنْ أَبِي هُرَي ْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - قَالَ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَب ْعَةِ أَحْرُفٍ، وَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْر - ثَلاَثًا، مَا عَرَف ْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ ف َرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ " [إسناده صحيح: أخرجه أحمد (2/ 300)، والنسائي في "الكبرى8039)، وابن حبان74).] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ف َلْيَتَب َوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ». [أحمد1/ 233)، والترمذي (2950)، وقال: حسن، وصححه ابن القطان، وفيه عبد الأعلى الثعلبي مختلف فيه، وأكثرهم على ضعفه. وقد روي عن ابن عباس قوله و عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ات َّقُوا الت َّفْسِيرَ فَإِنَّمَا هُوَ الر وَايَةُ عَنْ اللَّهِ.

عدد الصفحات ٨

قال ابن تيمية رحمه ا أما " تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، و هذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به [مجموع الفتاوى " (13/ 370- 375)، وقال ابن كثير نحوه في "تفسير القرآن العظيم (1/ 10).] وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الرابع من الوحدة الأولى: ضوابط فهم القرآن. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الرابع من الوحدة الأولى: (ضوابط فهم القرآن.). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من مقدمة وخمسة ضوابط: • مقدمة. • ضابط الأول: القرآن يفسِّر بعضه بعضًا. • ضابط الثاني: الأخذ ببيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن. • ضابط الثالث: الرجوع إلى تفاسير الأولين وبخاصة تفسير الصحابة والتابعين. • ضابط الرابع: النظر في تفاسير أهل العلم. • ضابط الخامس: التسليم لله عند متشابهه. • مقدمة. أن لتدبر القرآن وفهمه وتفسيره قواعد وضوابط لا بد من السير عليها لفهم كتاب الله عز وجل الفهم الصحيح، ومن هذه القواعد: أولا: القرآن يفسِّر بعضه بعضًا: لفهم كتاب الله تعالى فهما حسنًا لا بد من مراعاة أنَّ القرآن يفصل بعضه بعضًا، قال ابن كثير رحمه الله: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُ جمل في مكان فإنه قد فُ سر في موضع آخر. [تفسيرالقرآن العظيم" (1/ 7).] • ثانيا: الأخذ ببيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن: جاءت سنة النبي – صلى الله عليه وسلم - تفصل مجمل القرآن، وتوضح ما أبهم، ولا يمكن فهم القرآن فهمًا صحيحًا إلا بالنظر في سنة النبي – صلى الله عليه وسلم - . قال الله تعالى: {وَأَن ْزَلْنَا إِلَيْكَ الذ كْرَ لِتُب َي نَ لِلنَّاسِ مَا ن ُز لَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ ي َت َفَكَّرُونَ }[44] قال الشافعي رحمه ا كل ما حكم به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فهو مما فهمه من

عدد الصفحات ٩

القرآن وقال ابن كثير رحمه الله: والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة. [تفسير ابن كثير 1/ 7).] وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: "أَلاَ إِن ي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِث ْلَهُ مَعَهُ ، [ أحمد4/ 132)، وأبو داود (4604)، وابن ماجه (12]) وأذكر مثالا فيه تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنةعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا ن َزَلَتْ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ي َلْبِسُوا إِيمَان َهُمْ بِظُلْمٍ } [82]، ق ُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَي ُّنَا لاَ يَظْلِمُ ن َفْسَهُ؟ قَالَ: " لَيْسَ كَمَا ت َقُولُونَ {لَمْ ي َلْبِسُواإِيمَان َهُمْ بِظُلْمٍ } بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى ق َوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ {يَا ب ُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الش رْكَ لَظُلْم عَظِيم }[13] • ثالثا: الرجوع إلى أقوال السلف وبخاصة تفسير الصحابة والتابعين: قال ابن كثير رحمه الله: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. قال: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر ، وكسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، ومسروق، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم. [تفسير ابن كثير 1/ 7،10)، وانظر نحو هذا الكلام في "مجموع الفتاوى 23/ 363.]) • رابعا: النظر في تفاسير أهل العلم: إن كثرة النظر والقراءة في تف اسير أهل العلم من العلماء والمفس رين الذين فهموا القرآن وَفْق الأصول السابقة، وآتاهم الله فهمًا في القرآن مما يعين على الفهم الصحيح لكتاب الله عز وجل، فإن الله يفتح على من يشاء من عباده بما لا يفتح لآخرين. • خامسا: التسليم لله عند متشابهه: يجب التسليم لله عند متشابه القرآن، والعلم أن القرآن كلَّه من الله سبحانه وتعالى وأنه نزل يصد ق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، وأنه لا اختلاف بين آياته، ولا اضطراب في أحكامه، وأهل العلم به

عدد الصفحات ١٠

يردُّون ما تشابه منه إلى مُحكَمه. قال الله تعالى: {كِتَاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُص لَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }[1]. وقال سبحانه{هُوَ الَّذِي أَن ْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَات مُحْكَمَات هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات فَأَمَّا الَّذِ ينَ فِي ق ُلُ وبِهِمْ زَيْغ ف َيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِت ْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا ي َعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ي َقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَب نَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَْ لْبَابِ }[7]. قال ابن كثير رحمه ا يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس. [تفسيرالقرآن العظيم" (2/ 6).] وهناك ضوابط أخرى - لغة العرب وفهمها. - دراسة سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم - وحياته. - معرفة أسباب النزول. - معرفة الناسخ والمنسوخ. ويأتي بيان هذه الأربعة بالتفصيل إن شاء الله. وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الخامس من الوحدة الأولى: أسباب اختلاف المفسرين. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الخامس من الوحدة الأولى: (أسباب اختلاف المفسرين). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من مقدمة وتسعة أسباب: • مقدمة. • الأول: عدم معرفة حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - أو الاختلاف في فهمه. • الثاني: الاختلاف في مفسِّر الضمير. • الثالث: أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف في اللغة. • الرابع: أن يذكر الوصف المحتمل لأكثر من موصوف. • الخامس: تنوع الاستعمال العربي للفظة في إرادة المعاني القريبة والمعاني البعيدة.

عدد الصفحات ١١

• السادسأن يدور حكم الآية بين الإحكام والنسخ. • السابع: أن يدور حكم الآية بين العموم والخصوص. • الثامن: الاختلاف في الإطلاق أو التقييد. • التاسع: اختلاف القراءات في الآيات. • مقدمة. لا يزال الناس يختلفون، في ألسنتهم، وألوانهم، فهم كما قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ ي َزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 )إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ }[118،119]. فوقوع الاختلاف بين علماء الإسلام ليس ذم اً لهم، وقد وقع الاختلاف في التفسير كما وقع في الأحكام، ولهذا الاختلاف أسباب أوجبته، وعلل أوجدته. والأمر في الاختلاف في النص إذا كان معلوماً للمجتهدين يرجع إلى أحد شيئين: الأول: اختلاف فهوم المجتهدين من العلماء. الثاني: أن يكون النص محتملاً لأكثر من معنى. هذا إجمالاً. ويمكن تفصيل أسباب اختلاف مفسري السلف فيما يلي: • الأول: عدم معرفة حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - أو الاختلاف في فهمه: فقد يفهم المفسر الآية فهما مخالفًا لأنه لم يبلغه حديث لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - فيه توضيح المعنى الصحيح للآية، وقد يبلغهم الحديث لكن يختلفون في الفهم. ومثال ذلك: لَمَّا ن َزَلَتْالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ي َلْبِسُوا إِيمَان َهُمْ بِظُلْمٍ } [82]، ق ُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَي ُّنَا لاَ يَظْلِمُ ن َفْسَهُ؟ قَالَ: " لَيْسَ كَمَا ت َقُولُونَ {لَمْ ي َلْبِسُوا إِيمَان َهُمْ بِظُلْمٍ}بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى ق َوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ {يَا ب ُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الش رْكَ لَظُلْم عَظِيم }[13] • الثاني: الاختلاف في مفسِّر الضمير: مثاله: قوله تعالىيَا أَي ُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِح إِلَى رَب كَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ }[6]. قيلتلاقي ربَّ ك، وقيل: تلاقي عملَ ك، وكلاهما صحيح محتمل؛ لأن الإنسان سيلاقي ربه، وعمله. • الثالث: أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف في اللغة. ويحمل كل واحد من المفسرين الآية على أحد التصريفات. ومثاله: لفظة "يُضَآرَّ " في قوله تعالىوَلاَ يُضَآرَّ كَاتِب وَلاَ شَهِيد }[282.] فتصريف لفظة"يُضَآرَّ " تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون "يُضارَر"، وعليه يكون النهي واقعا على أن يُضر بالكاتب أو الشهيد؛ أي: أن

عدد الصفحات ١٢

الضرر يقع على الكاتب والشهيد والآخر: أن تكون "يضارِر"، وعليه يكون النهي واقعا على أن يَضرَّ الكاتب والشهيد؛ أي: أن الضرر يقع من الكاتب والشهيد. • الرابع: أن يذكر الوصف المحتمل لأكثر من موصوف: ولا يحدد موصوفه في الآية، فيحمل كل مفسر هذا الوصف على ما يحتمله من الموصوفات. ومن أمثلته: قوله تعالىوَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا *وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا }[1،2]، قيل في هذه الأوصاف: هي للملائكة، وقيل: للَنجم، وقيل: للموت. • الخامس: تنوع الاستعمال العربي للفظة في إرادة المعاني القريبة والمعاني البعيدة: فيحمل بعضهم اللفظة على المعنى القريب الظاهر، ويحمله آخرون على المعنى البعيد، وهذا النوع قريب من المشترك. ومثاله: قوله تعالىوَثِيَابَكَ فَطَه رْ }[4]، فمن المفسرين من فسر الثياب بالمعروف المتبادر، ومنهم من فسر الثياب بالنفس، وهذا المعنى بعيد غير متبادر، ومنهم من فسره بالقلب. • السادس: أن يدور حكم الآية بين الإحكام والنسخ: فيحكم بعضهم بالنسخ، ويحكم الآخر بالإحكام. ومثاله: قوله تعالىوَلاَ ت َنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى ي ُؤْمِنَّ }[221.] قيل: هيمنسوخة بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}[5]، وقيل: هي محكمة لا نسخ فيها. • السابع: أن يدور حكم الآية بين العموم والخصوص: ومثاله: قوله تعالىوَلاَ ت َنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى ي ُؤْمِنَّ }[221.] قيل: هذه الآيةحكمها عام، ثم خصَّصها قوله تعالى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ }[5]، وأص بح نكاح المحصنات الكتابيات بذلك جائزًا. وقيل: إنها ليست مخصَّصة، بل المشركات هنَّ عابدات الأوثان من العرب وغيرهم ممن ليس لهم كتاب، فالكتابيات لا تدخل في النهي أصلاً . • الثامن: الاختلاف في الإطلاق أو التقييد: قد يرد النص مطلقًا في مقام، ومقيدًا في مقام آخر، ويقع الخلاف في حمل المطلق على المقيد. ومثال ذلك: عتق الرقبة في الكفارات، فقد وردت الرقبة المُعتَقة مقيدة بوصف الإيمان في كفارة القتل

عدد الصفحات ١٣

الخطأ، قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ ي َقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ ق َتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ف َتَحْرِيرُ رَق َبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } [92]، ووردت الرقبة المُعتَقة غير مقيدة بوصف الإيمان في كفارة اليمين والظهار ؛ قال سبحانه: {لاَ ي ُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ ي ُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَ قَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَت ُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَق َبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ }[89]، وقال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْنِسَائِهِمْ ثُمَّ ي َعُودُونَ لِمَا قَالُوا ف َتَحْرِيرُ رَق َبَةٍ مِنْ ق َبْلِ أَنْ ي َتَمَاسَّا }[3]. فاختلفوا؛ هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ • التاسع: اختلاف القراءات في الآيات: واختلاف القراءات في حروف الكلمات أو الحركات الذي يختلف معه المعنى هو الذي يسبب اختلافًا بين المفسرين؛ فيفسر أحدهم على إحدى القراءتين؛ ويفسر الآخر على الأخرى، فيختلف التأويل. ومثاله: قوله تعالىوَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ }[24]، ففي قوله تعالى"بِضَنِينٍ " قراءتان: إحداهما: بالضاد، ويكون المعنى: ما هو ببخيل. والأخرى: بالظاء، ويكون المعنى: وما هم بمتهم. اختلاف المفسرين" للشايع (36-94.]) وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الوحدة الثانية: أدوات فهم القرآن: الدرس الأول من الوحدة الثانية: معرفة اللغة العربية. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الأول من الوحدة الثانية: (معرفة اللغة العربية). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من ثلاثة عناصر: • الأول: أهمية معرفة اللغة العربية للمفسر. • الثاني: ما ينبغي للمفسر مراعاته مما يتعلق باللغة. • الثالث: لا يكفي اللغة وحدها في فهم القرآن. • العنصر الأول: أهمية معرفة اللغة العربية للمفسر. إن من أسباب الخطأ في التفسير والانحراف في فهم الآيات القرآنية الضعف في فهم لغة العرب، ومعرفة أصولها وأساليبها.

عدد الصفحات ١٤

فلمعرفة لغة العرب أثر كبير في فهم كتاب الله عز وجل، وذلك لأن الله تعالى أنزل كتابَه العظيم بهذه اللغة العريقة، فعلى قدر فهم لغة العرب تفهم القرآن الكريم. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ن َعْلَمُ أَن هُمْ ي َقُولُونَ إِنَّمَا ي ُعَل مُهُ بَشَر لِسَانُ الَّذِي ي ُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَان عَرَبِيٌّ مُبِين }[103]. وقال سبحانه وتعالى{وَإِنَّهُ لَت َنْزِيلُ رَب الْعَالَمِينَ 192) ن َزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَْمِينُ 193) عَلَى ق َلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}[192 - 195]. وقال سبحانه{إِنَّا أَن ْزَلْنَاهُ ق ُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ ت َعْقِلُونَ}[2]. وقال سبحانه{وَلَقَدْ ضَرَب ْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُل مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ ي َتَذَكَّرُونَ ( 27) ق ُرْآنًا عَرَبِيًّا غَي ْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ ي َت َّقُونَ }[27،28]. وقال سبحانه{كِتَاب فُص لَتْ آيَاتُهُ ق ُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ ي َعْلَمُونَ }[3]. في تسع آيات من كتاب الله تعالى، كلُّها تنص على أنَّ هذا الكتاب العظيم نزل باللسان العربي. فكلما كان الإنسان ذا بصيرة وعلم في اللغة العربية كان أكثر فهما للقرآن الكريم، ومن كانت بضاعته في اللغة العربية مزجاة فليس له من فهم القرآن إلا حفظ الروايات ونقل الأقوال عن أصحابها. وقد اعتبر العلماء رحمهم الله أن خدمة اللغة العربية والتأليف فيها خدمة للقرآن الكريم، وأنَّ الدفاع عنها دفاع عن حمى القرآن الكريم. عن ابن عباس قال: إذا قرأ أحدكم شيئا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه ف ي الشعر؛ فإنه ديوان العرب. [لبيهقي في السنن الكبرى10/ 241)، وقال صحيح] وقال مجاهد بن جبر رحمه الله : لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب. [4/ 213.]) وعنمالك بن أنس رحمه الله قال : ألا أُ وتَ ى برجلٍ غير عالم بلغاتِ العرب يُ فس ر ذلك إلا جعلته نكالاً . [شعب الإيمان3/ 543)،البرهان" للزركشي (2/ 160).] • العنصر الثاني: ما ينبغي للمفسر مراعاته مما يتعلق باللغة مما يجب التدقيق في فهمه بالنسبة للمفسر لكتاب الله من الناحية اللغوية: 1- معرفة أوجه اللغة، واختيار ما يناسب السياق، فمعروف أنَّ الكلمة في لغة العرب لها معانٍ متعددة، فينبغي التنبُّه لذلك، واختيار المعنى الذي يناسب السياق، وهذا بعد النظر في أقوال

عدد الصفحات ١٥

الصحابة والتابعين، وعلى هذا نهجالطبري رحمه الله وكثير من أهل العلم. مثاله: قوله تعالىقل أعوذ برب الفلق} 2- معرفة الصِّيغ وما تدل عليه من معنى؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تفسير القرآن الكريم بما لا يليق أو فهم المعنى غير المراد. فمثلاً: قوله تعالى ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ } [51]، فنفى سبحانه الظلم عن نفسه، وجاء بصيغة "فعَّال"، ونفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله، لكن أجيب بأنَّه ورد في اللغة صيغة "فعَّ ال" مرادً ا بها النسبة وليس المبالغة، وهو الأليق بالمعنى هنا. 3- معرفة الأوجه الإعرابية: فمما يجب معرفته للمفسر معرفة أوجه الإعراب؛ لأن المعنى يتغير بتغير الإعراب، ويختلف باختلافه، مثاله قولهوالأرحامِ }. • العنصر الثالث: لا يكفي اللغة وحدها في فهم القرآن. فالرواية هي الأصل، وقواعد اللغة العربية تبع لها لا العكس. قال القرطبي رحمه الله: من لم يُحكِم ظاهرَ التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجردِ فهم العربية كثُر غلطُه. [1/ 34.]) وقال ابن القيم رحمه ا وينبغي أن يُتفَطَّنَ ههنا لأمرٍ لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يُحمَلَ كلامُ الله عز وجل ويُفسَّرَ بمجردِ الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام. [3/ 27 - 28.] وبهذا ننتهي من هذا الدرس ونلقاكم في الدروس القادمة الدرس الثاني من الوحدة الثانية: معرفة السيرة النبوية. • الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: • أهلا وسهلا بطلاب منصة زادي في هذا الدرس. • هذا هو: الدرس الثاني من الوحدة الثانية: (معرفة السيرة النبوية). عناصر الدرس: يتكون هذا الدرس من عنصرين: • الأول: معرفة حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - لها أثرٌ كبيرٌ في فهم القرآن الكريم. • الثاني: أهمية السيرة النبوية واضحةً جليَّةً في فهم القرآن الكريم. • العنصر الأول: معرفة حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - لها أثرٌ كبيرٌ في فهم القرآن الكريم. معرفة حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - لها أثر كبير في فهم كتاب الله تعالى فهمًا صحيحًا،

عدد الصفحات ١٦