المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كهنة الإلحاد الجديد

هيثم طلعت

صفحة ٢ من ٢٥

كهنة الإلحاد 18 كهنة الإلحاد الجديد والاقتصار على العلم التجريبي الإمبريقي فقط يتشنج الكاهن الملحد قائلا :" لا تُحدثني عن الأدلة العقلية، أو البدهيات المنطقية، أنا لا أُسلِّم إلا بمعطيات العلم التجريبي الوضعي المادي". ما لا يعرفه نيافة الكاهن الملحد أن مصدر المعرفة في العلم التجريبي الوضعي هو العمل العقلي في مُدخلات الحس والمشاهدة والتجريب، وأساس العلم التجريبي هو البديهيات العقلية والمُسلمات المنطقية ثم يكو ن الا ستقراء المعرفي بدرجاته، هذه بداية العلم التجريبي ونهايته.! وفي واقع الأمر فإن الملحد كاذب في ادعائه هذا؛ لأنه يرفض الأدلة الدينية فقط، ولذا فهو يقبل النص التاريخي مادام مصدره من خارج التأريخ الديني - ويرفض نفس النص التاريخي بنفس درجات الاستقراء وأدوات الثبوتية لو كان مصدره ديني ا -، ويقبل الملحد أيض ا الترجيح العقلي والمنطقي بعموم، ويقبل الترجيح الرياضي، ولولا الترجيحات الثلاثة الأخيرة ما قَبل بالعلم التجريبي نفسه؛ لأن أدوات التثبت من معطيات العلم التجريبي هي أدوات عقلية ومنطقية ورياضية. ولذا نقول للكاهن الملحد: هل شرطكم في بناء معرفة أن تكون صحيحة وموافِقة للواقع بدليل علمي صحيح، أم تكون مقصورة على جنس البحث الإمبريقي والطريقة التجريبية فقط؟ إن كانت الثانية وكان كل ما يأتيكم من دعاوى معرفية أخرى مرفوضة ، فهذا الشرط ساقط بذاته إذ لا يُتخيل التسليم به مجرد ا دون تأسيس عقلي ومنطقي ورياضي ومعرفي دون بديهة أسبقية Priori-A مستقرة في عقل الباحث أو العالم أو الفيزيائي. (1). فمراتب الأدلة والبراهين التي اتفق المناطقة على حُجيتها، تتراوح بين الدليل الرياضي والدليل العقلي والدليل التجريبي، وفي الأخير يأتي الدليل الحسي.. (1) آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين.. لأُستاذنا أبو الفداء ابن مسعود.. دار الإمام مسلم.. ص 522 بتصرف.

عدد الصفحات ١٧

19 كهنة الإلحاد ولذا عندما يُقرر أحد كهنة الإلحاد رفض بعض الأدلة فمشكلته مع المنطق وليست معنا نحن! فما أبأس عقل الملحد الذي يرفض ذاته بذاته! حين يرفض استخدام عقله بعقله، فسبحان مَن جعل للشيطان سلطان ا على هؤلاء في بدهيةٍ لا يُخطئها حَدَث صغير؛ لكنه الكفر ! بل إن المعرفة تعتمد على الهاديات الأربع العقل والنقل والتجربة والوجدان (1). فالأدلة المعرفية لا تنحصر في الدليل التجريبي الوضعي، وإلا فما مصدر القيمة الأخلاقية؟ وما مصدر الحِس الجمالي ؟ يقول الملحد الدارويني المتعصب ريتشارد داوكينز " أنا ضد الداروينية ولا أُطيقها حين يتعلق الأمر بحياتنا" (2). ذويرى شرودينغر أبو م يكانيك الكم أن العلم التجريبي حين يتحدث عن القيمة الأخلاقية أو القيمة الجمالية فهو أراجوز نستمع له لنضحك لا لنأخذ كلامه على محمل الجد.! (3). فالملحد الذي يزعم أن الحق لا يوصَل إليه، والمعرفة لا تتحقق إلا من طريق العلم التجريبي وحده؛ لا يوصف بأنه صادق في طلب المعرفة أصلا ، وهو من أكذب الناس (4) !. (1) وهم الإلحاد..د.عمرو شريف. (7) اللقاء الذي أجرته قناة الجزيرة انجليزي مع ريتشارد داوكينز دقيقة 07. (0) شرودنغر في كتابه الطبيعة والإغريق nature and the greeks. (0) آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين.. لأُستاذنا أبو الفداء ابن مسعود.. دار الإمام مسلم.. ص 135بتصرف.

عدد الصفحات ١٨

كهنة الإلحاد 20  خرافات وأساطير كهنة الإلحاد الجديد

عدد الصفحات ١٩

21 كهنة الإلحاد مقدمة يقوم الإلحاد الجديد، والرؤية المادية للكون على دوغمائية أكثر من أشد الديانات إغراق ا في الوثنية. ويتظاهر الإلحاد الجديد أن ما يتبناه هو مجرد فرضيات وأطروحات لم تصل لمرحلة الدوغما، لكنه في واقع الأمر دوغمائي متصلب، وفرضوي – نسبة إلى فرضية- متشنج. ويستند الإلحاد الجديد على مبدأ: أعطني مُعجزة واحدة مجان ا - الانفجار الكبير، خلق الحياة، التشفير داخل الجينوم - وسأشرح أنا البقية. إنها أضيق حدود السذاجة إن استطعت ابتلاعها ابتلعت بعد ذلك أي شيء. فعندما يقرر علماء الفيزياء أن المادة السوداء موجودة ليس لحِفظ توازن الكون كما يتصور الكثيرون ولكن لحفظ توازن المعادلة الرياضية، ووصل حجمها مع الطاقة السوداء إلى 41% من مادة الكون في حين أنه لا يوجد دليل علمي واحد على هذا القياس أو هذا الحجم ولا حتى على وجودها أصلا إلى الآن، ومع ذلك نتنزل مع فرضية الفيزيائيين؛ لأن المسألة توازن معادلة رياضية، ولا علاقة للمسألة بالإيمان أو الكفر، لكن هنا يتشنج الملحد ويريد أن يجعل رؤيتنا للكون مبنية على المعادلة الرياضية، وهذا ربما جوهر الإشكال الذي من أجله تم وضع هذا الكتاب. فكما قلنا في الفصل السابق فإنه ليس كل ما تق رره الرياضيات تجريدي ا يقرره الو اقع المادي أنطولوجي ا مادي ا. الملحد يريد أن يجعل من الفرضية الرياضية واقع ا مادي ا، ومن الشك يقين ا، ومن البديهية العقلية سفسطة، وقد مكر الله عز وجل بهؤلاء فظهرت فرضيات بالملايين وأطروحات تقبل الشيء ونقيضه وعج العلم المادي بكومة من الفرضيات لا قِبل حتى للملحد بها، فجاءت النتائج على نقيض القصد. وغاصت أقدام الملحد في أوحال ما كان له أن يلِجها لولا تعنته المقصود وغايته الخبيثة.

عدد الصفحات ٢٠

كهنة الإلحاد 22 وسنطرح في هذا الفص ل-إن شاء الله - شيء من الخرافات والأساطير التي يروجها كهنة الإلحاد الجديد. الذاكرة ليست آثارًا مادية في الدماغ كما يتصور العامة، ويريد أن يلفق الملحد قام عالم النفس الشهير وأخصائي السلوك والذاكرة كارل لاشلي Karl Lashley بتدريب الفئران والقرود على العديد منالخدع، وعندما يتعلمون الخدعة يقوم بقطع جزء من الدماغ لمعرفة في أي جُزء تُخزن الذاكرة، وقد تفاجأ عندما رأى أن باستطاعته قطع أجزاء كبيرة من الدماغ، لا يهم أي جزء أعلى أسفل داخل خارج سطحي عميق أمامي خلفي علوي سفلي، النتيجة واحدة دائم ا وهي عدم تلف الذاكرة أو ضياعها، فالذاكرة ليست في النهايات العصبية المُعدلة، ولا في فسفرة البروتين ولا الطرق الجزيئية الأخرى، ببساطة الذاكرة ربما لا تكون في الدماغ أصلا (1) . لكن المشكلة أننا نتعامل مع دوغما جديدة بإسم العلم المادي يتزعمها كهنة الإلحاد الجديد، فلابد أن تكون الذاكرة والعقل في الدماغ، ولابد أن تكون المشكلة قصور في البحث فقط وليس خطأ في الدوغما. لكن ما المانع أن يكون دماغنا مثل جهاز التلفاز أي مجرد مستقبِل للمعلومة ومُعالِج لها، و حين تُقطع الأسلاك يتوقف ويُفقد الإرسال، فالأصوات الصادرة من التلفاز ليست صادرة عنه أو مُ خزنة فيه، بل هو مجرد مستقبل ومعالج للمعلومة، وإذا تلفت الدائرة الكهربية فيه أو تلفت الأسلاك يتوقف عن الإرسال والاستقبال. وبالضبط هذا ما يحدث في حال تلف أسلاك الدماغ نتيجة صدمة أو تلف الدائرة الكهربية نتي جة زهايمر فيتوقف عن الإرسال والاستقبال. ونفس الأمر يُ قاس على العقل، وسنوضح هذه القضية بشيء من التفصيل: الإبصار كنقطة بداية هو عملية كهروكيمائية في المقام الأول ؛ حيث تنعكس الصورة على الشبكية، ثم تظهر نبضات عصبية في مراكز مخية معينة تحدد الصورة ومكانها؛ لكن هذه عملية كيم يائية لا علاقة لها بإدارك وجود الصورة أ و استيعاب وجودها، فالوعي شيء (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Karl_Lashley.

عدد الصفحات ٢١

23 كهنة الإلحاد والحسابات الكيميائية شيء آخر، ولذا يقال: إن الوعي والعقل يوجد داخلهما كل ما تدركه فكل السماء توجد داخل عقلك، لكن هذا ما ترفضه دوغما كهنة الإلحاد بشدة، فلابد أن يكون العقل والذاكرة والوعي وكل شيء داخل الدماغ، ولابد أن تكون الحسابات الكيميائية هي المعادلة الأخيرة في النهاية، ولابد أن تكون الرؤية المادية الاختزالية هي الحصان الأسود الوحيد في جميع المبارزات. إن مليارات الدولارات التي تُنفق سنوي ا على مراكز البحث العلمي في أبحاث الدماغ تقوم على فرض دوغمائي مسبق، وهو أن الذاكرة والعقل والوعي وكل الأنشطة الإدراكية تقبع داخل الدماغ ولذا ستظل المليارات تُنفق دون جدوى. يقول الدكتور هوجو زوكاريلي Hugo Zucarelli: إن هذه الرؤية الكهنوتية للعقل و أدوات الإدراك أدت إلى قصور شديد في الكثير من المباحث العلمية الحقيقية، فالإنسان مثلا يستطيع تحديد مصدر الصوت دون تحريك رأسه حتى ولو كانت أذن واحدة تعمل، وهذا مستحيل مادي ا؛ لأنه لا توجد خاصية داخل أذن أو دماغ الإنسان لمثل هذا الأمر، لكن الإنسان يلتفت فور ا نحو مصدر الصوت، ومع ذلك نحن مُطالَ بون بتفسير الأمر من داخل الدماغ مع أن البحث من المعلوم مُسبق ا أنه سيكون بلا جدوى (1). ويرى عالِم الأعصاب الدماغية الشهير كارل بريبرام Karl Pribram أن الوعي والإدراك الإنساني لا علاقة لهما بالدماغ أو الوصلات العصبية والذي يرهق نفسه في هذا النفق الضيق فلن يخرج بشيء (2). ومع ذلك كهنة الإلحاد الجديد سيُصرون على الدوغما مُعطلين بذلك العلم نفسه، وفي هذا هم يدفعون الشباب للعزوف عن العلم المادي؛ لأنه أصبح قوالب جامدة وعاجز عن تفسير الكثير من الأمور التي تشغلهم مثل التخاطر عن بُعد Telepathy والجلاء البصري Clair Voiance، وغيرها من الأمور التي يحكم العلم المادي عليها مُسبق ا ب أنها خارج (1) http://en.wikipedia.org/wiki/Holophonics. (2) http://en.wikipedia.org/wiki/Karl_H._Pribram.

عدد الصفحات ٢٢

كهنة الإلحاد 24 دائرة العلم أو من قبيل الخرافة مع جديتها وإثارتها وتتابع تكرارها مما يُعطيها نمطا إحصائي ا قابلا للرصد. المشكلة أنه حتى الذين يقبلون بالبحث خارج إطار ما حدده لهم كهنة الإلحاد الجديد، يتعرضون في النهاية لرفض أبحاثهم، أو تهديد مستقبلهم الوظيفي، أو تقليل المبالغ المالية المرصودة لأبحاثهم، وتبتعد أسماؤهم عن عناوين المجلات المرموقة ويُنظر إليهم كمروجي علم زائف pseudo-science وهذا ما يجعل ممارسات كهنة الإلحاد الجديد أشبه ما تكون بقوانين كنسية تشلح كل من يتعرض لها بالنقد.

عدد الصفحات ٢٣

25 كهنة الإلحاد أصل الوعي وخندق المادية! أدق الكائنات الحية على الإطلاق يقودها الغرض والهدف والغاية، وتتمتع بالوعي و تحليل المعلومات ثم إعطاء رد فعل بِناء ا على تلك المعلومات، فمثلا الأميبا وحيدة الخلية لو جاء بجوارها غِذاء متحرك فإنها تلف أذرعها حوله بحذر حتى لا يهرب، في حين لو كان الغذاء ثابت ا لا يتحرك – حُبيبة نشا – فإنها تلتصق به دون احتراس. والأميبا كائن وحيد الخلية بلا مخ ولا عين ولا أعصاب ولا حواس. و البويضة بعد تخصيبها تُعبِّر عن استقلالها البيولوجي ويكون لها وعي وإحساس بحقيقة أنه يمكنها التفاعل مع بيئتها، وتبدأ في الإنقسام الذاتي لخلايا يفوق في عددها نجوم مجرة درب التبانة، و لديها القدرة على تلقي المعلومة ومعالجتها والتفاعل باستقلال مع المعلومة. في حين أنه لا يمكن أن يبلغ الكمبيوتر مهما اشتد تعقيده أبسط درجات الوعي في كائن وحيد الخلية كالأميبا، ومع ذلك عملية تصنيع الكمبيوتر عملية واعية وذكية للغاية، أما الخلية الأولية كالأميبا التي تفوق في كل عضية من عضياتها أعلى الكمبيوترات تعقيد ا بل ربما لا مجال للمقارنة؛ لأن نسبة وعي أذكي الكمبيوترات على الإطلاق تساوي صفر، I.Q.=ZERO، ومع ذلك المطلوب أن نُصدق أن العشوائية أنشأت الأميبا والإنسان، والذكاء الإنساني لم يستطع أن يُنشئ أبسط صور الوعي، إنها أضيق حدود السذاجة إن استطعت ابتلاعها ابتلعت بعد ذلك أي شيء. إنه السؤال المفصلي والجوهري بين الدين المنطقي والإلحاد العبثي. فالإلحاد لا يطرح أجوبة بل يزيد المشكلة تعقيد ا، فلا مبرر مادي للقدرة على الإحساس بالمعلومة ومعالجتها، وإخراج رد فعل ذكي، كما عند أي كائن حي، ولا مبرر مادي للتكامل على كل المستويات – ذاتية التنظيم والتنسيق وذاتية الإنضباط -، لا مبرر مادي للإدراك والوعي والقيمة والهدف والغاية، بل لا مبرر مادي للحياة نفسها بوصفها كينونة مستقلة، لا يمكن لوصلات عصبية أن تُفرز القيمة والهدف والجمال والغاية والحِس الأخلاقي والإمتنان

عدد الصفحات ٢٤

كهنة الإلحاد 26 للوجود والحياة، والشعور بالسمو والكيان، والقيمة والحرية، إن هناك وعي أعمق يؤثر على سلوك هذه الأسلاك العصبية. ليست هناك آلية مادية لتشرح المعنى والوعي في حياتنا، إذا قال لك شخص تحبه أنه يحبك ساعتها سيُفرز جسدك الإندورفين والدوبامين، في حين لو قررت الانفصال عنه وقال لك: إنه يحبك. ساعتها سيفرز جسدك الكورتيزول والأدرينالين، المعني والوعي هو الذي يقرر السلوك المادي وليس العكس. ليست هناك آلية مادية لتشرح كيف تصطدم فوتونات الضوء بشبكية عينك وتصنع صورة ثلاثية الأبعاد للواقع من حولك داخل خلايا مُخك المظلمة؟ إنها عملية لا يوجد للعلم إجابة عنها.. إنها الوعي.. إنها الحياة نفسها. المادية لن تجيب عن معنى وجودنا، فالوعي لا يفهمه إلا الوعي، لهذا نحتاج إلى الدين، بالمنطق العلمي والعقلي نفسه الذي احتجنا به إلى المادية.

عدد الصفحات ٢٥

27 كهنة الإلحاد خرافة مادية العقل لفظة العقل في صيغته الإسمية لم ترد في القرآن الكريم مُطلق ا، لكن وردت مشتقاته في صيغته الفعلية، مثل: عقلوا وتعقلون ويعقل ونعقل قرابة خمسين مرة، فالقرآن يهتم بالأفعال ونتائجها أكثر من اهتمامه بالتفاصيل النظرية، أيض ا العقل الذي يتحدث عنه القرآن الكريم ليس عقلا مُجرد ا، أو جوهر ا قائم ا بذاته – فقد ورد بصيغته الفعلية فقط- وإنما هو مَلَ كة زودنا الله بها لنستعملها في حدودٍ رسمها لنا. وبالفعل لا يوجد في علم وظائف الأعضاء جوهر مادي يُسمى عقلا ، أو سلوك كهروكيميائي يُنتج عقل، أو وصلات عصبية تنتهي بإفراز عقل، بل إن معرفتنا المادية العلمية للعقل لم تتقدم خطوة واحدة للأمام منذ العصر الحجري القديم، ومع أن الرئيس بوش أعلن أن العقد الأخير من القرن العشرين سيكون عِقد أبحاث الدماغ، وبعد عقد كامل من الأبحاث المُكثفة خرج ستيفن مورس Stephen Morse، أُستاذ علم النفس في جامعة بنسلفانيا مخاطب ا المؤتمر العالمي لعلوم المخ والأعصاب المنعقد في عام 7335 قائ أن " الأبحاث لم تتقدم خطوة واحدة للأمام وليست لدينا حتى مفاتيح الفهم للوعي والعقل". ولذا يعترف روبرت كون Robert L .Kuhn الحاصل على الدكتو راة في بحوث المخ، أن هناك جوهر غير مادي يتحد بالمخ ليفرز العقل، ولا مفر من اعتباره الروح التي يتحدث عنها المتدينون. ويعترف ليونارد ملدينوف Leonard Mlodinow الفيزيائي الشهير والمشاركco- author في كتاب التصميم العظيم مع ستيفن هاوكنج أن الوعي والعقل غير ماديين (1) . والعقل هو مناط التكليف ويوجِب على صاحبه النظر والاستدلال والقيام بما كُلف به، ويمثل العقل ميزة فريدة وضعها الله عز وجل في الإنسان؛ به يعرف ثم يعمل، ومن هنا كانت مسئولياته، ولولا العقل ما صحَّت مُح اكمة ولا وُضع دستور ولا عُرف حق من باطل، ومِن هنا نحن لسنا مُخيرين في رفض التكليف الإلهي، طالما تمتعنا بالعقل (2) . (1) https://www.youtube.com/watch?v=WGvzheu1JQA. (7) بعض الفقرات من كتاب ثم صار المخ عقلا ، د.عمرو شريف.

عدد الصفحات ٢٦

كهنة الإلحاد 28 تبادل أيونات الصوديوم والبوتاسيوم ينتابني شعور بالغثيان كلما طلب مني مُلحد أن أُسلِّم بأن تطلعنا إلى الحق والخير والعدل والقيمة، نتيجة مباشرة لتحركات وتبادلات أيونات صوديوم وبوتاسيوم على جدران خلية عصبية في أمخاخنا، إن هذه التبادلات الأيونية يمكن أن نُجريها على ورقة ترشيح داخل أي معمل فهل ستدرك ورقة الترشيح معنى الحق والعدل والقيمة؟ إن الإلحاد يطلب منَّا بانتظام الانتحار المتواصل لعقولنا. عندما يقوم أحد الكلاب بعضةٍ لا بن جارك؛ على المستوى المادي يُدرك الكلب أبعاد العضة بما أودع الله فيه من حياة، لكن الكلب لا يدرك معنى أن يطالبك والد الفتى بتعويض مناسب، وربما يَحضر الكلب جميع مراحل التحقيق، ويرى الغرامة المالية تُدفع، ولكنه لا يدرك شيئ ا من مغزى كل هذه الحركات، لأنه لا يعرف المعنى ولا القيمة ولا الحق المجرد، وأرقى الكائنات الحية على الإطلاق - القردة العليا- لا يوجد عندها ولو تصور بسيط للمعنى والقيمة، فالترميز والإدراك cognition and symbolism اللذين دخل بهما الإنسان إلى هذا العالم، واللذين من خلالهما يمتلك الإنسان معاني مجردة لا علاقة لها بهذا العلم المادي، فيعرف الحق ويعرف العدل، ويعرف أنه يجب السعي نحوهما ولو على حساب المادة ولو على حساب الرؤية الداروينية، الإنسان في هذه الحال يعلن تمرده على الرؤية الإلحادية ويعلن أنها رؤية فاشلة ولا تصلح له ولا مبرر لوجودها وتعاطيها مع أهم ما يميزه. ولذا فقد دخل الإ نسان إلى هذا العالم بمعرفة الأ سماء المادية، والأسماء المجردة [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ] {73}، وهنا فقط تميَّز الإنسان ودخل التاريخ وبدأت اللحظة التي صنعت عصر ا جديد ا، فالحق والخير والعدل والقيمة أشياء لا تفرزها المادة ولا تصل للوعي من خلال تبادل أيونات صوديوم وبوتاسيوم على جدران خلية عصبية، ولن تفرز هذه التبادلات الوعي أصلا ، إن جوهر وجودنا ومعنى وجودنا لا يتأتى إلا بالتمرد على تلك الرؤية الإلحادية. إن الممر الصوتي الذي يتكون من الحنجرة والأحبال الصوتية ثم البلعوم فالفم، هذا الممر الصوتي ينتج صوت ا نعم لكن لا يعرف شيئ ا عما ينتجه، وليست لغتنا هي تقطيع لصرخات القردة العليا كما يحاول أن يقنعنا كهنة الإلحاد باستمرار، أو أن حركات النطق هي

عدد الصفحات ٢٧

29 كهنة الإلحاد تطور لابتسامة الرئيسيات، إن لغتنا ليست منعكسات استثارية reflexes كما عند القردة العليا، بل هي مخطط عقلي تجريدي يستخدم الحنجرة والممرات الصوتية والمراكز المخية العصبية لإفراز مكنون الذات الإنسانية، ولذا فعبارة واحدة يُمكن أن تُنشيء حضارة، ورسالة واحدة تؤسس لدين، وكلمة واحدة تُقيم حرب عالمية، إن معنى الكلمات شيء خارج عن تركيب الكون المادي بأسره، إن للإنسان معنى مفارق لهذا الوجود منه يستمد معناه وقيمته ومن خلاله يعرف الحق والخير والعدل، وبه ينطق بالحق والخير والعدل، ويعرف معاني هذه الكلمات [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {81}

عدد الصفحات ٢٨

كهنة الإلحاد 30 (1) وضعت مجلة Nature المرموقة مقالا في عام1440 تُثبت فيه أن الذكاء يزيد بفعل الموسيقى.. وكتب الطبيبدأت شركات الدعاية في ضخ آلاف الا سطوانات والأ لعاب وشرائط الكاسيت التي تمتلئ بموسيقى موتسارت، لتحفيز ذكاء الرُّ ضع والتلاميذ. ووصلت الدعاية إلى الحد الذي تحدثت فيه بعض الصحف أن الجنين لو استمع للموسيقى سيخرج أكثر ذكاء ا مع أن تجربة واحدة لتأثير الموسيقى على الأجنة لم تحدث. وكان من تأثير الدعاية الكاذبة أن خصَّصت ولاية جورجيا في عام 1441 مبلغ 135333 دولار حتى يحصل كل مولود جديد على إسطوانة موسيقية. وقامت فلوريدا بإلزام كل الحضانات بتشغيل الموسيقى للرضع بصفة يومية، وكان هذا قانون ا إلزامي ا. قانون رقم 113 الصادر عن مجلس الشيوخ بفلوريدا71 مايو1441 لكن الآن وبعد أن أُعيدت دراسات مجلة Nature مرات ومرات، يمكننا القول أن تأثير الموسيقى على الذكاء خرافة علمية. فقد ثبت فيما بعد أن السبب في انتشار هذه المعلومة الخاطئة ليس مقال مجلة Nature وإنما الدعاية الضخمة. وقد أظهرت أبحاث نانتايس وشيلينبيرج 1444 أن الاستماع إلى الموسيقى التفاؤلية لموتسارت، يعادل في تأثيره الاستماع إلى فقرة من قصة مخيفة للكاتب ستيفن كينج المتخصص في قصص الرعب. (1) المصدر: أشهر53 خرافة في علم النفس.. سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري بايرستاين.. ترجمة محمد رمضان داوود وإيمان أحمد عزب.. كلمات للترجمة والنشر.. ص17-14.

عدد الصفحات ٢٩

31 كهنة الإلحاد الخلاصة: كل ما تُقدمه الموسيقى هو إثارة وقتية لبعض وظائف المخ لا تلبث أن تختفي بعد ذهاب المؤثر (1) . (1) هذه الإثارة الوقتية للموسيقى أيضا تؤدي إلى نتائج سلبية على كثير من البشر وتؤدي إلى خلل ضربات القلب Arrhythmia وفي حالات كثيرة تؤدي إلى الوفاة نظرا لتأثيرها الضار على انتظام ضربات القلب ... وقد سُجلت بالفعل العديد من الحالات التي كانت الموسيقى سبب ا مباشر ا في توقف قلبها music causes sudden arrhythmic death syndrome. http://audiologyjobs.co.uk/98/news/loud-bass-music-and-sudden-arrhythmic- death-syndrome/

عدد الصفحات ٣٠

كهنة الإلحاد 32 خرافة الحتمية التربوية هناك متدينون عديمو الثقافة، ومتوسطو الثقافة، ومرتفعو الثقافة. هناك ملحدون عديمو الثقافة، ومتوسطو الثقافة، ومرتفعو الثقافة. الإلحاد قضية إيمانية مجردة لا علاقة لها بالمستوى ا لثقافي أو التحصيل العلمي أو الأُفق الإدراكي المعرفي من قريب أو بعيد. الإلحاد قضية دينية خالصة، وموقف فلسفي متكامل، ورؤية شمولية للكون والحياة. هناك بلطجية ولصوص وخونة ومجرمون سوقة، يسبون الدين ليل نهار، لا يعرفون معروف ا ولا يُنكرون مُنكر ا، ولا يؤدون حق ا لله ولا حق الخلق، هؤلاء الأراذل لو تربوا في بيئة طاهرة نظيفة، وتلقوا تعليم ا عالي ا وفِكر ا راقي ا سيصبحون علماء ملحدين ، ومفكرين علمانيين، وكهنة إلحاد خبثاء. بعد دراسات نفسية مستفيضة تبيَّن أن التدريب لغوٌ فارغ، وأن أصل الإنسان الذاتي الداخلي هو المعيار الوحيد، وهو المُحرك الأوحد EGO effect –هذا المصطلح من نحتي . Mischel, W. introduction to personality. New York إن التدريب وإن قام بفرض السلوك الصحيح فهو في جوهره لا يُغير في النتيجة النهائية شيئ ا، و لعل أكثر الأمور دهشة حين يتحول أعتى الطغاة أو المذنبين بين يومٍ وليلة إلى شهداء متواضعين ولم تسبق هذه التوبة عملية إصلاح أو إقناع، إنها حركة في أعماق الروح، إنه تحول ينبع من ذات الإنسان فلا توجد علاقة شرطية ولا حتى تفسير عقلي ، فجوهر هذه الدراما هو الحرية والخَلق . فالخير والشر في باطن الإنسان ولا توجد قوانين يمكن بها إصلاح الإنسان، فكل ما تستطيعه القوانين أو التدريب أن تُغير السلوك ظاهري ا، إن اليقظة الروحية والهداية تلقائيتان، إنهما نتاج حركة الروح.

عدد الصفحات ٣١

33 كهنة الإلحاد فالتدريب لا تأثير له على الموقف الأخلاقي للإنسان، لا يوجد تدريب مادي لتصبح المرأة شريفة أو يصبح الرجل أمين ا فهذه صفات الروح، فالتنشئة الحقيقية هي تنشئة ذاتية وهي مناقضة للتدريب وفي هذا الحُجة الأولى والأقوى للروح . إن أروع الروايات الأدبية تُ ر ا هي تلك الروايات ا لتي تتحدث عن شخصيات خاطئة ظاهري ا بينما هم في أعماقهم طاهرين نبلاء، في مقابل شخصيات طاهرة ظاهري ا بينما هي مفرغة من الأخلاق بمجرد أن تخلو بنفسها. هذا التقابل بين هذه الشخصيات هو أسمى ما يميز الروح الإنسانية وإذا لم يكن هناك روح فلن يكون لهذه الروايات معن ى. إن القضية الوجودية الكُلية هي قضية سرائر، والمحاكمة الكبرى محاكمة يوم القيامة هي محاكمة السرائر [ﭸ ﭹ ﭺ ] {9}. وأول مَن تُسعر بهم النار يوم القيامة هم أنقى الناس وأفضلهم عم في الظاهر، كما في الحديث الصحيح، فالإلحاد هو دين كل فاجر، ولا يوجد في جهنم أبرياء، ولا في حظيرة خنازير الإلحاد طاهر.

عدد الصفحات ٣٢