- 555 - المفسرين من سرعة الانفعال، فتَى أن عطف الماضي على المضارع وإن صح "غتَ أن ىذا الاختلبف بتُ الفعلتُ لا يخلو من خصوصية في كلبم البليغ وخاصة في الكلبم المعجز، وىي ىنا أمران : التفنن بتُ الصيغتتُ، وتقريب زمن مضي المعقب بالفاء من زمن حصول الجزاء، بحيث يكون حصول خضوعهم للآية بمنزلة حصول تنزيلها، فيتم ذلك سريعاً حتى يخيل لُم من سرعة حصولو أنو أمر مضى، فلذلك قال: "فَظَلَّتْ" ول يقل: "فتظل". وىذا قريب من استعمال الماضي في قولو تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّوِ فَلب تَسْت َعْجِلُوهُ ﴾ [سورة النحل /ٔ]، وكلبهما للتهديد، ونظتَه لقصد التشويق: قد قامت الصلبة."(ٔ) وىذه المعاني – التهديد والدلالة على سرعة الامتثال والانفعال – ل يكن النص القرآني ليؤديها لولا العدول عن الظاىر، وما يكمن خلف المخالفة من المقاصد البلبغية. ومدا خرج أيضاً عن مقتضى الظاىر قراءة العامة لقولو تعالى: ﴿وَلَوْ ت َرَى إِذْ فَزِعُوا فَلبَ ف َوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ [سورة سبأ/ٔ٘]، حيث عبَِّّت القراءة المتواترة عن الأخذ بصيغة الماضي بعد التعبتَ عن عدم الفوت بصيغة المصدر ا﵀تمل لجميع الأزمنة، خلبفاً لما ورد في بعض القراءات الشاذة (وَأَخْذٌ) بصيغة المصدر على نسق الظاىر المتقدِّم في (فَلبَ ف َوْتَ).(ٕ) والقراءة الشاذة تعطف الأخ ذ على الفوت لفظاً ومعتٌ، أي: فلب فوت ىناك، وىناك أخذٌ.(ٖ) أما القراءة المتواترة فتعطف (أُخِذُوا) على (فَزِعُوا)، أو على معتٌ (فَلبَ ف َوْتَ)، أي: فلم يفوتوا وأخذوا.(ٗ) والتعاطف بتُ المصدرين في القراءة الشاذة يؤيِّد الوجو الثاني، كما أن المعتٌ يؤيِّد أن عطف (أُخِذُوا ) على معتٌ (فَلبَ ف َوْتَ ) أولى من العطف على (فَزِعُوا)؛ لأنو لو عُطِف على (فَزِعُوا) لكان المعتٌ: ولو ترى وقت فزعهم وأخذىم، وىذا المعتٌ غتَ مراد، وإنما المراد – وا﵁ أعلم – ولو ترى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأُخذِوا، فالعطف على ما فيو الفاء المعَلِّقة الأول بالآخر على وجو التسبيب أولى. (٘) وأرى أن الغرض من ترك الظاىر وإيثار التعبتَ بالماضي بدلاً من التعبتَ بصيغة المصدر ىو التهديد والدلالة على سرعة الأخذ؛ لأن صيغة المضي تدل على تحقق الفعل حتى كأنو مضى ووقع، مدا يدخل الرىبة في قلوب (ٔ) التحرير والتنوير، ٜٔ/ٕٔٔ. (ٕ) نسبت ىذه القراءة إلى عبد الرحمن مَوْلى بتٍ ىاشم، و طلحة بن مصرّ ف. انظر: ا﵀تسَب، ٕ/ٜٙٔ، و ا﵀رر الوجيز، ٗ/ٕٙٗ، والدر المصون، ٜ/ٖٕٓ، و اللباب، ٙٔ/ٜٓ. (ٖ) الكشاف، ٖ/ٔٓٙ، و أنوار التنزيل، ٗ/ٚٓٗ، والدر المصون، ٜ/ٖٕٓ، وإرشاد العقل، ٚ/ٓٗٔ. (ٗ) الكشاف، ٖ/ٔٓٙ، و أنوار التنزيل، ٗ/ٚٓٗ، والدر المصون، ٜ/ٖٕٓ، و اللباب، ٙٔ/ٜٛ–ٜٓ، و إرشاد العقل ، ٚ/ٓٗٔ. (٘) ا﵀تسَب، ٕ/ٜٙٔ.
عدد الصفحات ٥٨٠- 555 - المعاندين. وىذه المعاني – التهديد والدلالة على سرعة وقوع الفعل – ل يكن النص القرآني ليؤديها لولا العدول عن الظاىر، وما يكمن خلف المخالفة اللفظية من المقاصد البلبغية، وبذلك يتبتَُّ قدرة نظم القرآن على إثراء المعاني بمجرد تحويل أسلوب الكلبم، و ىذا الوجو يعدُّ من مزايا إعجازه اللفظي. ثانيااً:ًعدولًبعضًالقراءاتًالمتواترة ًعنًالمضيًإلىًالستقبال،ًوأثره ًفيًبلاغةًالنظم. قد يجري التعبتَ القرآني في بعض آياتو على نسق المضي ثم ما يلبث أن يتحوَّل عنو في عامة قراءاتو أو بعضها إلى صيغة أخرى تدل على الْال أو الاستقبال، أو إلى صيغة مجردة من الدلالة على الزمن؛ لمقصد بلبغي يكمن خلف العدول اللفظي. ومن ذلك على سبيل المثال قراءة الجماعة لقولو تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيدَْانُكُمْ كِتَابَ اللَّوِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ ت َبْت َغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ﴾ [سورة النساء /ٕٗ]،حيث تعدل القراءة العامة عن التعبتَ بصيغة الماضي الذي جرى عليها نسق الآية السابقة التي يبتُِّ ا﵁ فيها ا﵀رَّمات من النساء﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَب َنَاتُكُمْ ﴾ [سورة النساء /ٖٕ]،تعدل عن الماضي إلى التعبتَ بصيغة المصدر في قولو: ﴿كِتَابَ اللَّوِ عَلَيْكُمْ ﴾ [سورة النساء /ٕٗ]، ثم ما تلبث أن تعود إلى صيغة الماضي في قولو﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ ت َبْت َغُوا بِأَمْوَالِكُمْ محُْصِنِتَُ غَي ْرَ مُسَافِحِتَُ ﴾ [سورة النساء /ٕٗ]، مدا يؤذن بأن دلالة المصدر ىي المرادة ىنا دون غتَىا. وقرأ أبو حيوة (كَتَبَ اللَّوُ عَلَيْكُمْ)، بصيغة الماضي، مراعاةً لما تقدَّم من أسلوب التعبتَ. أي: أوجب ا﵁ عليكم تحريم ذلك.(ٔ) وإيثار صيغة المصدر في القراءة المتواترة؛ للمبالغة في تأكيد الالتزام والعمل بمضمون ما تقدَّم من الكلبم، لأن صيغة المصدر تفيد تأكيد معتٌ الْدث، وتقدير المعتٌ في ىذه القراءة: كتب ا﵁ُ عليكم تحريم ما تقدَّمَ ذكره من ا﵀رمات كتَاباً مِنَ ا﵁ِ، فالزموه.(ٕ) وىذا المعتٌ ىو الذي ألمح إليو أبو السعود بقولو: " ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ عطف على ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾، وتوسيط قولو تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّوِ عَلَيْكُمْ ﴾ [سورة النساء /ٕٗ] بينهما؛ للمبالغة في الْمل على ا﵀افظة على (ٔ) ا﵀تَسَب، ٔ/٘ٛٔ، و الكشف والبيان، ٖ/ٕ٘ٛ، و الكشاف، ٔ/ٜٕ٘، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٖٙ، وزاد المستَ، ٕ/ٔ٘، و الجامع لأحكام القرآن ، ٘/ٕٔٗ، وأنوار التنزيل، ٕ/ٓٚٔ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٖٕٕ، والدر المصون، ٖ/ٜٗٙ، و إرشا د العقل، ٕ/ٗٙٔ، وروح المعاني، ٘/ٗ. (ٕ) معاني الزجَّاج، ٕ/ٖٙ، والكشاف، ٔ/ٜٕ٘، و ا﵀رر الوجيز، ٕ/ٖ٘-ٖٙ، وزاد المستَ، ٕ/ٔ٘، ومفاتيح الغيب، ٓٔ/ٖ٘، والجامع لأحكام القرآن، ٘/ٖٕٔ، و أنوار التنزيل ، ٕ/ٓٚٔ، والبحر ا﵀يط، ٖ/ٕٕٕ–ٕٕٗ، والدر المصون، ٖ/ٛٗٙ-ٜٗٙ، و اللباب، ٙ/ٖٓٓ–ٖٔٓ، والسراج المنتَ، ٔ/ٜٖٖ، و إرشاد العقل ، ٕ/ٗٙٔ، و روح المعاني، ٘/ٗ، والتفستَ المنتَ، ٘/ٛ.
عدد الصفحات ٥٨١- 555 - ا﵀رمات المذكورة." (ٔ) ومدا جرى على خلبف الظاىر قراءة الجمهور لقولو تعالى: ﴿وَي َوْمَ ي ُن ْفَخُ فيِ الصُّورِ ف َفَزِعَ مَنْ فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فيِ الأَْ رْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّوُ وَكُل أَت َوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ [سورة النمل /ٚٛ]، حيث قرأ جمهور القراء (آَت ُوْهُ) بمد الُمزة وضم التاء، بصيغة اسم الفاعل، وقرأ حفص وحمزة وخلف (أَت َوْهُ) بقصر الُمزة وفتح التاء، بصيغة الفعل الماضي.(ٕ) وقراءة حفص تراعي لفظ (ف َفَزِ عَ) وتجري على نسقو، فهي قراءة جارية وفق الظاىر اللفظي،(ٖ) ويكمن حسنها في دلالتها على سرعة تحقق الفعل، مدا يجعل الكلبم أدخل في الرىبة وأعظم في باب الوعيد. (ٗ) أما قراءة الجمهور فتعدل عن الظاىر اللفظي إلى الأصل المعنوي، وتؤثِر التعبتَ بصيغة اسم الفاعل الدالَّ ة على الْال والاستقبال غالباً؛ حملبً على المعتٌ؛ إذ الأصل أن ىذا الْدث (الإتيان بصغار وانكسار) من الأحداث المستقبلة. وفي قراءة الجمهور للآية تفنن في أداء معاني ىذه الآية التي بدأت بصيغة المضارع (ي ُن ْفَخُ)، ثم عدلت إلى الماضي (ف َفَزِعَ، شَاءَ)، ثم إلى اسم الفاعل (آَت ُوْهُ ). وبذلك يكون تعدد القراءات ، وموافقة الظاىر في بعض القراءات ، ومخالفتو في بعضها الآخر ىو الذي جمع إلى نظم ىذه الآية جميع وجوه الْسن، وحقق لو جمالو اللفظي والمعنوي. ومدا خرج عن مقتضى الظاىر اللفظي أيضاً قراءة العامة لقولو تعالى: ﴿يَا إِب ْرَاىِ يمُ أَعْرِضْ عَنْ ىَذَا إِنَّوُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِن َّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَي ْرُ مَرْدُودٍ ﴾ [سورة ىود /ٙٚ]، حيث عدلت القراءة المتواترة عن صيغة المضي التي تقدَّمت في (قَدْ جَاءَ) إلى صيغة اسم الفاعل (وَإِن َّهُمْ آتِيهِمْ) الدالة على الاستقبال، خ لبفاً لما ورد في بعض القراءات الشاذة (وإن َّهُمْ أتاىُمْ) بصيغة الفعل الماضي وفق الظاىر المتقدِّم والنسق اللفظي السابق.(٘) والقراءة الشاذة تعبِِّّ بالماضي عن المضارع؛ دلالة على سرعة تحقق وقوعو، ومعناىا كمعتٌ قولو تعالى: ﴿أَتَى (ٔ) إرشاد العقل ، ٕ/ٗٙٔ. (ٕ) السبعة، ص ٚٛٗ، والتيستَ، ص ٕٔٔ، والإقناع، ص ٖٛٗ، والنشر، ٕ/ٜٖٚ، وتحبتَ التيستَ، ص ٜ٘ٗ. (ٖ) مفاتيح الغيب، ٕٗ/ٜٛٔ، و الجامع لأحكام القر آن، ٖٔ/ٕٕٗ، و الإتحاف، ص ٗٓٙ، والتحرير والتنوير، ٜٔ/ٖٚٔ. (ٗ) مفاتيح الغيب، ٕٗ/ٛٛٔ، وتفستَ الجلبلتُ، ص ٗٓ٘، والسراج المنتَ، ٖ/ٕٓٔ، والبحر المديد، ٘/ٜٖٕ، والتحرير والتنوير، ٜٔ/ٖٔٙ، والتفستَ المنتَ، ٕٓ/ٓٗ. (٘) نُسِبَت ىذه القراءة إلى عمرو بن ىرم. انظر: البحر ا ﵀يط، ٘/ٕٙٗ، والدر المصون، ٙ/ٖٓٙ، و اللباب، ٓٔ/ٖٔ٘، وروح المعاني، ٕٔ/ٗٓٔ.
عدد الصفحات ٥٨٢- 555 - أَمْرُ اللَّوِ فَلبَ تَسْت َعْجِ لُوهُ ﴾ [سورة النحل /ٔ].(ٔ) وىي بذلك تجمع حسن الموافقة اللفظية إلى جمال المعتٌ. أما القراءة المتواترة فتًاعي المعتٌ؛ لأن العذاب الذي أعدَّه ا﵁ لقوم لوط، وأخ بو خليلو إبراىيم آت فيما يستقبل، وإنما آثرت القراءة المتواترة العدول عن الظاىر اللفظي؛ تفنن اً في أداء المعتٌ دون الإخلبل بمقاصده البلبغية؛ حيث جمعت بتُ سرعة الإمذاز والتحقق عندما عبَِّّت بصيغة الماضي عن قولو: " إِنَّوُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ"، وعبَِّّت عن المعتٌ الأصلي بصيغة الاستقبال (وَإِن َّهُمْ آتِيهِمْ ). والخلبصة: أن العدول عن نسق الاستقبال إلى المضي غالباً ما يكون لغرض الدلالة على سرعة تحقق و حدوث الأمر، وقد يحمل مع ىذه المعاني الدلالة على التهديد عندما يكون السياق القرآني يتحدث عن عذابٍ أو حدثٍ من أحداث القيامة. أما العدول عن نسق المضي إلى الاستقبال فغالباً ما يكون لأجل مراعاة المعتٌ الأصلي. والعدول عن نسق الظاىر في أزمنة الأ فعال يضفي على نظم الآية أساليب من التنويع والتفنن؛ مدا يجدد نشاط السامع، ويدعوه للئصغاء، كما يجمع نظم القرآن إليو مزايا الْسن اللفظية والمعنوية عندما ينوع قراءاتو المتواترة. والأمثلة القرآنية الآنفة الذكر ، وما انطوت عليو من قراءات متعددة تهدي إلى أن الوجوه البلبغية لا تتًتَّب دائماً على العدول عن الظاىر، بل إن مجيء الكلبم على ظاىره لا يخلو – غالباً – من مدلول بلبغي، فلكلٍ وظيفتو وغرضو البلبغي في سياقو القرآني، وخاصَّة عندما يقع التغاير بتُ قراءاتو المتواترة، والسياق القرآني يهدينا أحياناً إلى أن موافقة الكلبم للظاىر أبلغ وأدل على المقصود من مخالفتو، فالبلبغة أو الافتنان لا تكمن دائماً في الخروج عن المعهود اللغوي،(ٕ) وإن كان تغاير القرا ءات – لا سيما المتواتر ة – لا يخلو في جميع وجوىو من مزايا الْسن. (ٔ) البحر ا﵀يط، ٘/ٕٙٗ، وروح المعاني، ٕٔ/ٗٓٔ. (ٕ) التوجيو البلبغي، ص ٛٛٔ. بتصرُّف.
عدد الصفحات ٥٨٣- 065 - الخاتمة الحمد لله الذي يسَّر لي إبساـ ىذا البحث إنو نعم الدوفِّق ونعم الدػُعتُ، والصلبة والسلبـ على النبي لزمد خاتم الأنبياء والدرسلتُ، وعلى آلو وصحبو أبصعتُ، وبعدَ ىذه الرحلة الطويلة والدمتعة في رحاب القرآف؛ بحثاً عن الدرر الكامنة في قراءاتو، والتقاط جواى رىا البلبغية يدكن تلخيص النتائج التي توصَّل إليها ىذا البحث بالآتي: ٔ- عرَّؼ البحث علم القراءات بأنو العلم الذي يعتٌ بكيفيات أداء كلمات القرآف واختلبفها معزواً لناقلو. و أورد أقواؿ العلماء في بياف معتٌ الأحرؼ السبعة، ورجَّح أنها وجوه التغاير الواردة في القرآف الكريم، وىي: اختلبؼ الأسماء بالإفراد والتذكتَ والتثنية والجمع، والاختلبؼ في الإعراب، والاختلبؼ في التصريف، والاختلبؼ بالتقديم والتأختَ، والاختلبؼ بالإبداؿ، والاختلبؼ بالزيادة والنقص، والاختلبؼ باللهجات من التفخيم والتًقيق والإمالة. و قد نبَّو البحث على أفَّ قراءات الأئمة السبعة ليست ىي الأحرؼ السبعة، بل جزء من الأحرؼ السبعة التي أنزلت على النبي . ٕ- اختلف العلماء في برديد العلبقة بتُ القرآف والقراءات ، فذىب بعضهم إلى القوؿ بتغايرهما، وقاؿ آخروف بابرادهما، وذىب آخروف إلى تداخلهما. وقد رجَّح البحث كوف القرآف ومطلق القراءات حقيقتتُ متغايرتتُ ؛ لأف القراءات الشاذة لا يطلق عليها اسم القرآف ، أما القراءات الدتواترة فكلها قرآفٌ متعبدٌ بتلبوتو. ٖ- رجَّح البحث أف تنوع القراءات قد نشأ في العهد الددني زمن نزوؿ القرآف ، وليس في العهد الدكِّي. وأكَّد على أف القراءات الدتواترة ليست موضع اجتهاد؛ فالنبي قد قرأ بها كما أقرأه جبريل ، ولم يُ عمل اجتهاده في شيء منها، ثم نقلها عنو الصحابة ، حتى وصلت إلى الأئمة القراء، فوضعوا أصولذا، وبيَّ نوا قواعدىا في ضوء ما وصل إليهم منقولاً عن النبي .أي: إف نسبة القراءات إلى القراء لا تعتٍ أنهم ىم الذين أنشؤوىا أو اجتهدوا في تأليفها، وإنما نسبت إليهم؛ لأنهم ىم الذين اعتنوا بها، وضبطوىا، ووضعوا لذا القواعد والأصوؿ. ٗ- نظراً لأهمية علم القراءات وكونو يُعتٌَ بشكل مباشر بكلبـ الله فقد انبرى العلماء منذ العصور الإسلبمية الأولى لتنقية ىذا العلم وحفظو، ف وضعوا شروطاً قوية تؤكّد أف ىذا الكلبـ قد نُقِلَ برواياتو الدختلفة ووجوىو عن النبيّ عن ربّ العزة . وىذه الشروط ىي أف يصح سندىا، وأف توافق وجهاً من وجوه النحو، وأف توافق رسم الدصحف العثماني على الشكل الذي كُ تب في عهد الخليفة عثماف بن عفاف . وإذا ثبتت القراءة بال سند الدتواتر أصبحت حجة في النحو، ولا تضعَّف أو تردُّ لدخالفتها الدشهور من القواعد النحوية؛ لأف القراءات الدتواترة قرآف مُوحَى، وىي حَكَم بتُ الدذاىب النحوية الدختلفة؛ لأف القواعد النحوية يعتًيها
عدد الصفحات ٥٨٤- 065 - النقص أحياناً؛ بسبب ضياعكثتَ من كلبـ العرب، والقراء ات القرآنية تستدرؾ على القواعد النحوية في بعض جوانبها، أو تسدُّ النقص الناتج عن ضعف الاستقراء. ٘- يعدُّ الإماـ ابن لراىد (ٕٖٗىػ) من أبرز الأعلبـ الَّ ذين تركوا آثاراً جليلة وبصمات مهمة في تاريخ علم القراءات؛ حيث عكف على بسحيص الروايات وبرقيق الأسانيد في وقت ك ثر فيو اللحن، واختلطت القراءات الدروية عن النبي بغتَىا لشا قرأ بو أىل البدع والأىواء. وتكمن أهمية عملو فيما قاـ بو من البحث والتحقيق، والاستقراء والتتبع، وضبط ما تواتر من أسانيد القراء، وقد نتج عن بحثو: اختيار سبع قراءات رآىا الأصح والأثبت من بتُ القراءا ت الكثتَة الدتنوعة التي عرفت في عصره وقبلو بقليل، و ىذه القراءات ىي التي اشتهر بخدمتها الأئمة: نافع بن عبد الربضن الددني، و عبد الله بن كثتَ الداري ، وأبو عمرو بن العلبء البصري، وعبد الله ابن عامر اليحصبي، وعاصم بن أبي النجود الأسدي، وبضزة بن حبيب الزيات الكو في، و علي بن بضزة الكسائي. و قد جاء اقتصاره على ىؤلاء السبعة مصادفةً ومن غتَ قصد؛ إذ أخذ على نفسو ألا يروي إلا عمن اشتهر بالضبط، والأمانة، وطوؿ العمر في ملبزمة القراءة ، واتفاؽ الآراء على الأخذ عنو والتلقي منو، فلم يتم لو ما أراد إلا عن ىؤلاء السبعة وحدىم . وفي ذلك ألَّف كتابو الدشهور (السبعة في القراءات ) الذي ضمنو قراءة الأئمة الدذكورين ، وما فيها من اختلبؼ وجوه القراءة بتُ أشهر راويتُ عن كل إماـٍ منهم. وقد كاف لعملو ىذا أثر كبتَ في التًاث الإسلبمي؛ حيث عكف كثتَ من العلماء بعد ابن لراىد على دراسة وتوجيو القراءا ت السبع التي أثبت تواترىا، ومنهم: الإماـ أبو علي ا لفارسي (ٖٚٚىػ) الذي درس معانيها ووجوىها اللغوية والنحوية في كتابو الحجة للقراء السبعة، والإماـ الداني ( ٗٗٗىػ) الذي ألَّف كتابي التيستَ وجامع البياف في القراءات السبع، والشاطبي (ٜٓ٘ىػ) الذي نظمها في قصيدة حر ز الأماني. و يعدُّ الإماـ ابن الجزري (ٖٖٛىػ) من أبرز العلماء الَّ ذين عنوا بتحقيق علم القراءات؛ حيث عكف على دراسة القراءات السبع، فدرس طرقه ا وبرقق من تو فر شروط قبولذا، ثم أضاؼ إليها ثلبث قراءات أخرى أثبت تواتر أسانيدىا بالحجج الواضحة، بعد أف كانت الأمة -سابقاً - بزتلف في تواترىا، وىي قرا ءات الأئمة: أبي جعفر يزيد بن القعقاع الددني، و يعقوب بن إسحاؽ الحضرمي البصري، وخلف بن ىشاـ البزَّ ار. وصنف في ذلك كتابو الشهتَ: (النشر في القراءات العشر) الذي ضمَّنو القراءات العشر ورواياتها وطرقها. ٙ- اتفق علماء القراءات على التمييز بتُ قراءة الأئمة العشرة، وقراءة رواتهم الذين أخذوا عنهم، وقراءة من أخذ عن رواتهم، فأطلقوا اسم القراءة على ما نُسِبَ لأحد الأئمة العشرة، شريطة اتفاؽ الروايات والطرؽ التي نقلت عنو، واسم الرواية على ما نُسِبَ للراوي عن الإماـ شريطة اتفاؽ الطرؽ التي نقلت عنو، و أطلقوا مصطلح الطريق على ما يُنسَب إلى من أخذ عن الرواة فنازلاً ، و مصطلح الوجو على ما كاف راجعاً إلى بزيتَ القارئ فيو.
عدد الصفحات ٥٨٥- 062 - ٚ- عرَّؼ البحث علم توجيو القراءات بأنو: (علم يُعتٌ بالكشف عن وجوه إعراب القراءات، وعللها، وحججها، وبياف معانيها، والإيضاح عنها) و بتَُّ أفَّ ىذا العلم قد نشأ زمن الصحابة ؛ حيث ورد في بعض الروايات عنهم تعليلبت وتوجيهات متفرقة لبعض ا لقراءات ؛ بغرض تعليلها أو تفستَىا، كالذي أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما في توجيو قراءة (نػُنْشِرُ ىَا) [سورة البقرة /ٜٕ٘]، و ما أُثرَ عن عائشة رضي الله عنها من توجيو قراءة ( ىَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ ) [سورة الدائدة/ ٕٔٔ]،كما أُ ثِ ر بعض التوجيهات عن بعض التابعتُ ، كتوجيو أبي عمرو ابن العلبء لقراءات قولو تعالى: ﴿لاَ نَسْقِي حَتىَّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾ [سورة القصص /ٖٕ] . ويعدُّ الإماـ ابن جرير الطبري (ٖٓٔىػ) من أوائل العلماء و الدفسرين الَّ ذين تتبعوا القراءات القرآنية توجيهاً وبياناً، حيث كاف يذكر في تفستَه وجوه القراءات الدتعددة، ويبتُِّ حجة كل منها من حيث اللغة والنحو ويحتج لذا بدا يحضره من شواىد الشعر والنثر، كما يحتج للقراءات من جهة موافقتها لبعض اللهجات العربية القديدة، ويستخرج الأحكاـ الفقهية الدتًتبة على تنوع القراءات . ثمَّ ظهرت الدراسات الدستقلة في توجيو القراءات والاحتجاج لذا، فكاف كتاب الحجة في القراءات السبع، لابن خالويو (ٖٓٚىػ) والحجة للقراء السبعة للفارسي (ٖٚٚىػ)، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لدكي بن أبي طالب (ٖٚٗىػ)؛ لشا عرج بهذا الفن من مرحلة الدلبحظات الأولية الدتفرقة إلى مرحلة الاستقلبؿ والنضج. ويزداد علم توجيو القراءات رسوخاً في العصر الحاضر على أيدي الباحثتُ الدعاصرين الذين يدرسوف كل ناحية منو على حدة دراسة مستقلة تتميَّز بالتفصيل والاستقصاء، فبعضهم يحتج للقراءات من جهة موافقتها للقواعد النحوية، أو يحتج بها لإثبات بعض القواعد النحوية الدرجوحة ، و آخرو ف يدرسوف تنوع الصيغ الصرفية للقراءات الدختلفة وأوزانها واشتقاقاتها، والدعاني الدتًتبة على تغايرىا، وبعض الباحثتُ يدرس القراءات من حيث موافقتها لبعض اللهجات العربية القديدة، وبعضهم يدرس الأحكاـ الفقهية الدتًتبة على تنوع القراءات، وآخروف يدرسوف الوجوه البلبغية للقراءات الدتعددة، كما ىو الحاؿ في ىذه الأطروحة التي تُعتٌ بالتوجيو البلبغي للقراءات . وقد عرَّفت الباحثة التوجيو البلبغي بأنو (العلم الذي يعتٌ بدراس ة الأغراض البلبغية التي تشتمل عليها القراءات الدتنوعة، ويبرز دورىا في إثراء معاني القرآف ومقاصده البلبغية.) ٛ- تنقسم القراءات من حيث صلتها بالدعاني إلى قسمتُ: القراءات التي لا تتعلق بالتفستَ ولا ترتبط بو، ومنها: اختلبؼ القراء في وجوه النطق بالحروؼ والحركات، كمقادير الدد، والإمالات. و ىذا النوع من القراءات لا يؤثر في معاني الآيات، بل يبقى تفستَىا واحداً على بصيع الوجوه الدقروء بها. و القراءات التي يؤثِّ ر اختلبفها في معاني الآيات، ومنها: اختلبؼ القراء في حروؼ الكلمات، واختلبفهم في الحركات التي يختلف معتٌ الفعل باختلبفها، وىذا النوع من القراءات إما أف يؤكِّد الدعتٌ الذي جاءت بو القراءات الأخرى ، أو يكمِّ لو، أو
عدد الصفحات ٥٨٦- 065 - يوسِّعو، أو ينتج الدزيد من الدعاني. و ىذه القراءات يجب على الدفسر العلم به ا، ولا يعذر بجهله ا؛ لأنها تندرج برت الدصدر التفستَي الأوؿ الذي يستعتُ بو الدفسِّر؛ لأف تفستَ الآية استعانةً بقراءاتها الدتواترة يُعدُّ تفستَاً للقرآف بالقرآف ، ويقوـ تعدد القراءات في ىذه الحالة مقاـ تعدد الآيات. أما القراءات الشاذة فاختلف العلماء في تفستَ القرآف بها والعمل بدقتضاىا على مذىبتُ سبق بيانهما في ثنايا البحث، وقد رجَّح البحث أفَّ القراءات الآحاد والددرجة التي صحَّ سندىا من مصادر التفستَ أيضاً، و الرجوع إليها في التفستَ يكوف من باب تفستَ القرآف بالسنة النبوية إذا كانت مرفوعة إلى النبي ،أو من باب تفستَ القرآف بقوؿ الصحابي إذا كانت موقوفة عليو. وأخذ الدفسِّر بها أولى من أخذه عمَّن دوف الصحابة؛ لأف تفستَ الصحابة مقدَّ ـ على تفستَ التابعتُ و على اجتهاد الدفسِّ ر برأيو . أما القراءات الشاذة غتَ صحيحة الإسناد فيمتنع التفستَ بها، و القراءة الدوضوعة يحرـ العمل بدضمونها، أو تفستَ القرآف بد قتضاىا. ٜ- يعدُّ اختلبؼ الدعاني الناتج عن تعدد القراءات الدت واترة اختلبؼ تنوع وتكامل، وليس اختلبؼ تناقض وتنافر؛ إذ إفَّ الدعاني الدتغايرة النابذة عن القراءات الدتعددة لا تؤدي إلى إحالة الدعاني الأخرى أو فسادىا. وقد بيَّنت الدراسة أف القراءات الدتواترة تؤدي في بعض الأحياف إلى توسيع الدعاني أو تعددىا، إلا أنها لا تؤدي إلى تناقض الدعاني النابذة عنها؛ لأنها بصيعاً من لدف حكيم خبتَ. أما ما يبدو للمفسر – أحياناً - من التعارض بتُ القراءات الدتواترة فهو تعارض ظاىري لدن تأمل وتدبر؛ لذا يجب على الدفسر أف يجمع بتُ القراءات الدتعارضة ظاىراً في معتٌ يؤلف بينها؛ فإف استحاؿ التوفيق، فجميع القراءات حينئذٍ بدنزلة آيات متعددة، لكل واحدة منها معتٌ مستقل. ولا ينبغي للمفسِّر التًجيح بتُ القراءات الدتواترة أو رفض بعضها ؛ لأف كلبً منها قرآفٌ مقطوعٌ بقرآنيتو. ويعدُّ إنكار إحدى القراءات الدتواترة إنكاراً للقرآف، أو توىيناً من قدره، وفيو من الإثم ما لا يخفى. و إذا كاف التع ارض بتُ معتٌ قراءتتُ : إحداهما شاذة، والأخرى متواترة ، فيجب على الدفسِّر التوفيق بينهما، إلا إذا كاف بتُ الدعنيتُ تعارضٌ حقيقي ، فيجب عليو أف يفسِّر الآية بالقراءة الدتواترة دوف الشاذة؛ لأف القرا ءة الدتواترة ثابتة ولرمع عليها ؛ لأنها قرآف مقطوع بو، و لا يقوى الشاذ من القراءات على معارضتو. ٓٔ- البلبغة ىي مطابقة الكلبـ لدقتضى حاؿ الدخاطَب مع فصاحتو. و الفصاحة تأتي وصفاً للؤلفاظ الدفردة خلبفاً للبلبغة التي لا تكوف إلا وصفاً للؤلفاظ مع الدعاني؛ ولذلك فإف العلبقة بتُ البلبغة والفصاحة علبقة عمو ـ وخصوص، فالبلبغة أخص من الفصاحة؛ لأف كلَّ كلبـ بليغٍ فصيحٌ، وليس كلُّ كلبـ فصيحٍ بليغاً . و الكلبـ ليس على درجة واحدة من البلبغة، بل كلما كاف الكلبـ الفصيح في مفرداتو وبصلو أكثر مراعاة لحاؿ الدخاطب وتأثتَاً في نفسو ازداد حسناً ، وكلما كاف أوفى بالخصوصيات والاعتبارات الدعتدّ بها عند علماء
عدد الصفحات ٥٨٧- 065 - البياف كاف أكثر ارتقاء في م نازؿ البلبغة، وبالعكس كلما بػَ عُد الكلبـ عن مطابقة مقتضى حاؿ الدخاطب وضعف تأثتَه في نفسو، كاف أقل رتبة في البلبغة . فالكلبـ البليغ لو طرفاف: طرؼ أعلى رفيع، يدتنع أف يوجد ما ىو أشد منو تناسباً مع حاؿ الدخاطب، وتأثتَاً في نفسو، وىو حد الإعجاز. وطرؼ أسفل منحط إذا نزؿ عنو درجة واحدة خرج عن كونو مفيداً للمعتٌ، و التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، وإف كاف صحيح الإعراب. وبتُ ىذين الطرفتُ مراتب كثتَ ة متفاوتة بحسب تفاوت الدقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من أسباب الإخلبؿ بالفصاحة، فأعلبىا رتبة كلبـ النبي لزمد ،الذي أوتي جوامع الكلم، ودونها مراتب كثتَة لا تزاؿ تنزؿ حتى تقارب الطرؼ الأسفل من مراتب البلبغة. ٔٔ- و بصيع آيات وسور القرآف متساوية في البلبغة، وتتبوأ أعلى مراتبها، ولا يوجد فيو آية ىي أبلغ من غتَىا، وقد نقل السيوطي إبصاع العلماء على أنو يدتنع أف يوجد في تراكيب القرآف ما ىو أشد تناسباً واعتدالاً في إفادة ذلك الدعتٌ منها. واختلف العلماء في تفاوت ألفاظ القرآف الكريم في الفصاحة، رغم اتفاقهم على أف القرآف الكريم في أعلى مراتب البلبغة، فذىب بعضهم إلى عدـ تفاوت ألفا ظ القرآف الكريم في الفصاحة، فكل كلمة فيو ىي بالذروة العليا منها، وإف كاف بعض الناس أحسن إحساساً لو من بعض، كما أف بعضهم يفطن للموزوف بخلبؼ بعض. وذىب آخروف إلى تفاوت فصاحة ألفاظ القرآف الكريم، ففيو الفصيح والأفصح، ولا تتبوأ بصيع ألفاظو أرقى درجات الفصاحة. و استدلوا بأفَّ القرآف لو جاء بأفصح الألفاظ لكاف على غتَ النمط الدعتاد في كلبـ العرب من الجمع بتُ الأفصح والفصيح، فجاء على نمط كلبمهم الدعتاد؛ ليتم ظهور العجز عن معارضتو . وقد ظهر للباحثة أف الخلبؼ بتُ الفريقتُ لفظي؛ لأف الفريق الأوؿ نظر إلى الكلمة بحسب موقعها، فلم ير في كلبـ العرب ما ىو أفصح منها، والفريق الثاني نظر إلى كلمات القرآف بدعزؿ عن سياقها، فوجد فيها الفصيح والأفصح، وبذلك يكوف كلب الدذىبتُ صواباً بالنظر إلى حيثياتو. ٕٔ- قسم البلبغيُّوف علم البلبغة إلى ثلبثة أقساـ، ىي: علم الدعاني الذي يعتٌ بدوقع الكلمة ا لدفردة، و الصياغة و أحواؿ التًاكيب. وعلم البياف الذي يعتٌ بدراسة التصوير البياني، وعلم البديع الذي يعتٌ بألواف التزيتُ والتحستُ التي تضاؼ إلى الكلبـ فتكسبو بصالاً زائداً. ويعدُّ علم البلبغة من الدصادر الرئيس ة التي يستعتُ بها الدفسِّر في الكشف عن مراد الله من كلبمو ، وتكاد لا بذد مفسراً أغفلو أو تفستَاً خلب من الاستعانة بقواعده، بل إف بعض الدفسِّرين جعل ىذا العلم وقواعده الدنطلق في تفستَ آيات القرآف الكريم من خلبؿ تطبيق القواعد البلبغية في أثناء تفستَ كلبـ العزيز العليم. وقد حظي علم توجيو القراءات باىتماـ كثتَ من الدفسِّرين الذين طبقوا قواعد البلبغة في أثناء توجيههم وتعليلهم للقراءات الدتنوعة وبياف وجوىها الدختلفة؛ لأف قواعد ىذا العلم يدكن أف تنطبق على القراءات التي
عدد الصفحات ٥٨٨- 060 - يكوف تنوعها غتَ خار ج عن دائرة القواعد البلبغية؛ ف كثتَ من القراءات تدور وجوه اختلبفها بتُ التعري ف والتنكتَ، أو التقديم والتأختَ، أو الحذؼ والذكر، أو الخبر والإنشاء، أو اختلبؼ الإسناد الذي يندر ج في باب الخروج عن مقتضى الظاىر ، وىذه كلها تشكِّل أىم الدباحث البلبغية التي تؤلِّف علم الدعاني. والقواعد البلبغية تسهم في تعليل القراءات الدتنوعة وا لكشف عن وجوى ها الدتعددة، فإذا لحظ الدفسِّر أف الاختلبؼ بتُ القراءات يدور بتُ التعريف والتنكتَ، أو بتُ الخبر والإنشاء فإنو يستحضر الأغراض البلبغية التي يدؿ عليها كل مقاـ، ويستنتج اعتماداً عليها الدعاني التي تدؿ عليها القراءات الدتن وعة. و لشا يؤكِّد أهمية الدباحث البلبغية في توجيو القراءات أف بعض الدفسرين استند إلى الدسائل البلبغية لتًجيح بعض القراءات التي يراىا أبلغ من غتَىا، وأكثر دلالة على الدعتٌ، وتناسباً مع السياؽ. ٖٔ- بيَّ نت الدراسة أحكاـ التًجيح بتُ القراءات، ولخَّصَتو في الحالات الآتية: إذا كانت الدفاضلة بتُ قراءة متو اترة وأخرى شاذة فالقراءة الدتواترة ترجح على الشاذة وتُقدَّـ عليها؛ لتفاوت القراءتتُ في القطع والثبوت، ولا حرج على الدفسِّ ر في اختيار الدعتٌ الذي تدؿ عليو القراءة الدتواترة، دوف الدعتٌ الذي تدؿ عليو القراءة الشاذة، وإف كاف التوفيق بينهما أولى؛ لأنو يثري الد عاني التي تدؿ عليها الآيات القرآنية. أما إذا كانت الدفاضلة بتُ القراءات الدتواترة فلب يجوز ترجيح بعض ها على بعض إلى درجة تضعيف وتوىتُ القراءات الدرجوحة، أو إنكارىا والطعن فيها؛ لأف بصيع ىذه القراءات تعدُّ قرآناً مُ نزَلاً من لدف حكيم خبتَ. وواجب الدفسِّر بذاىها: قبولذا، والتوفيق بينها، دوف ترجيح؛ لكوف كل منها قرآناً مقطوعاً بقرآنيتو، ولأف إنكار إحدى القراءات الدتواترة يعدُّ إنكاراً للقرآف أو توىيناً من قدره، وفي كلب الأمرين من الإثم ما لا يخفى. و الدفاضلة بتُ القراءات الدتواترة دوف تضعيف القراءة الدرجوحة جائز، بشرط بياف سبب التًجيح، أو بياف رجحاف القراءة من جهة معينة، كجهة البلبغة أو التوافق مع معتٌ الآية وسياقها . وىذا النوع من التًجيح كثر نقلو عن كثتَ من العلماء وا لدفسرين، لكنْ الأَ ولى خلبفو؛ نظراً لقدسية القراءات الدتواترة و مصدر ىا الربانيّ ؛ ولذلك ذىبت الباحثة إلى أف التًجيح بتُ القراءات الدتواترة مسلك غتَ مستحسن؛ إذ يجدر بالدفسِّر التماس وجوه البلبغة في بصيع القراءات الدتواترة دوف ترجيح؛ لأف بصيع القراءات الدتواترة كلبـ الله، الذي قضى بتعددىا؛ لحِكَمٍ أرادىا. ولذلك حاولت الباحثة في ىذه الأطروحة الاستدراؾ على م ا فعلو الدفسروف من التًجيح بتُ القراءات الدتواترة، فبحثت عن وجوه البلبغة وعن الدعاني الكلية التي بذمع بتُ القراءات، وتوفق بينها. ٗٔ- يذخر القرآف الكريم بالدلائل التي تدؿ على إعجاز ه؛ إلا أف بلبغتو العليا، وبصاؿ سبكو وروعة تأليفو من أدؿ الشواىد على سماوية ىذا الكتاب، ونظمو ىو آية إعجازه والوجو الوحيد الذي لا يقبل الدعارضة. وقد عرَّؼ البحث نظم القرآف بأنو تآلف الحروؼ و الكلمات و الجمل القرآنية ودلالاتها الدعنوية، وسبكها
عدد الصفحات ٥٨٩- 066 - في قالب لزكم،وصياغتها بطريقة فريدة تدؿ على الدعاني والأغراض الدرادة دلالة واضحة. وعرؼ إعجاز القرآف بأنو ارتقاء نظم القرآف في البلبغة حداً يفوؽ قدرة البشر بصيعاً، بحيث يضعفهم عن معارضتو رغم تو فر الدواعي. ثمَّ بتَُّ أف بلبغة نظمو تكمن في قدرة النص القرآني بألفاظو وتراكيبو وطريقة تأليفو على إيصاؿ الدعتٌ الدقيق للسامع بدا يتطابق مع مقتضى حالو. وبناء على ذلك فسَّرت الباحثة عنواف البحث: (أثر تعدد القراءات في بلبغة النظم القرآني ) بأنو دراسة السمو البلبغي الدتحصل في نظم القرآف من تنوع دلالات القراءات الدتعددة، وتعدد التوجيهات البلبغية الدتشعبة في مباحث علم البلبغة. ٘ٔ- ذكرت الباحثة أف العلماء قد أبصعوا على أف الإعجاز يتحقق في بلبغة نظم القرآف، لكنهم اختلفوا: فمنهم من عدَّ البلبغة وجو الإعجاز الوحيد، ومنهم من أضاؼ إليها وجوىاً أخرى، فنسب الإعجاز إلى أخبار القرآف، وتشريعاتو، وغتَ ذلك. وقد بتَُّ البحث رجحاف مذىب من يرى أفَّ نظم القرآف وما اشتمل عليو من مزايا بيانية ىو وجو الإعجاز الوحيد الذي وقع بو التحدي، والوجوه الأخرى ىي دلائل ربانية القرآف، وليست وجوه إعجازه الدػُ تحدَّى بها. وكذلك بتَُّ البحث أقواؿ العلماء في بياف القدر الدعجز من القرآف، ثمَّ رجح مذىب الأشاعرة وىو برقق الإعجاز بأقصر سورة من القرآف، وما يقدَّر بقدرىا من آيات السور الأخرى، وبناء عليو: رفضت الباحثة نسبة الإعجاز إلى الكلمة والحرؼ الواحد من القرآف؛ أو نسبة الإعجاز إلى القراءات بدعزؿ عن آياتها، بل نسبت الإعجاز إلى الآيات التي اشتملت على القراءات الدتعددة، ثم بيَّنت أف العلبقة بتُ البلبغة والإعجاز علبقة عموـ وخصوص، فالكلمات بدفردىا لا توصف بالبلبغة ولا الإعجاز، وإف جاز وصفها بالفصاحة؛ لأف البلبغة صفة التًاكيب والجمل دوف الكلمات، وكذلك لا توصف الجمل القرآنية مطلقاً بالإعجاز، بل توصف بالبلبغة فقط؛ لأف الإعجاز لا يتحقق بأقل من سورة أو ما يقوـ مقامها من الآيات. ٙٔ- تبتَُّ من خلبؿ الدراسة أف تبادؿ الأفعاؿ الدختلَف في قراءتها بتُ لستلف الصيغ التصريفي ة يدؿ على بلبغة نظم القرآف ؛ حيث يؤدي التبادؿ بتُ صيغة الفعل المجرد وأحد صيغ الزيادة إلى تعدد معتٌ الفعل وتردده بتُ معناه الأصلي والدعتٌ الذي تدؿ عليو صيغة الزيادة . وبذلك تفيد الكلمة الواحدة لستلفة التصريف معاني الأفعاؿ لرردة من أي زيادة معنوية، و معافٍ أخرى متولدة من معتٌ التكثتَ وما ينتج عنو من مبالغة وتكرير، أو من معتٌ التعدية وما ينتج عنو من معافٍ أخرى، و بذلك ينتج عن تنوع القراءات تعدد دلالات الآيات. وقد أظهرت الدراسة أف أكثر الدفسرين يذىبوف إلى تفستَ قراءات صيغة (فَ اعَل) بالدفاعلة في كل موضع لا يحيل نظم الآيات ودلالاتها ىذا التفستَ، أما الدواضع التي يكوف فيها الله أحد طرفي الدفاعلة، فيحاوؿ بعض الدفسرين التماس وجوه تفستَية يدكن بزريج القراءة بها على معتٌ يتوافق ومعتٌ الدفاعلة، ويتوقف آخروف
عدد الصفحات ٥٩٠- 065 - فيحملوف القراءات على غتَ معتٌ الدفاعلة ، كالتأكيد والدبالغة وغتَ ذلك. و دؿَّ الاستقراء على أف تبادؿ القراءات بتُ صيغتي فعَّلَ وأَفػْ عَلَ أكثر ما يكوف بدعتٌ واحد، وإف وجِد فرؽ بتُ القراءتتُ فهو في معتٌ التكرير والتكثتَ الذي تدؿ عليو صيغة (فػَعَّلَ). و ىدى البحث إلى أف نظم الآيات وسياقها ىو الحكم على مدلولات الأفعاؿ التي يتغاير بناؤىا التصريفي ، فهو الذي يهدي إلى القوؿ بتغاير معناىا أو عدـ تغايره. ٚٔ- دلَّ ت الدراسة على أف الأسماء التي تغايرت قراءاتها بتُ صيغ الدصادر غالباً ما تكوف بدعتٌ واحد إلا إذا كانت كل قراءة ىي صيغة لدصدر يشتق منو فعل ىو غتَ الفعل الدشتق من صيغة الدصدر الذي أتت بو القراءة الأخرى ، ومثل ىذا التنوع يثري نظم القرآف بالدعاني الكثتَة الدتولدة من الألفاظ القليلة. أما تبادؿ القراءات بتُ الدصدر وبعض أبنية الدشتقات فيؤدي إلى تعدد الدلالات الدعنوية والبلبغية للكلمات الدختلف في قراءتها؛ لأف الدشتقات تفيد معاني زائدة على الدعتٌ المجرَّد الذي يدؿ عليو الدصدر؛ فاسم الفاعل يشارؾ الدصدر في الدلالة على الحدث، ويفارقو في كونو دالاًَّ على من قاـ بالفعل، و الصفة الدشبهة باسم الفاعل تدؿ على معتٌ قائم بالدوصوؼ على وجو الثبوت لا الحدوث. و القيمة البلبغية لاسمي الزماف والدكاف تكمن في الإيجاز؛ حيث إنهَّ ما يدلاَّف بكلمة واحدة على الدعتٌ المجرد وزماف أو مكاف وقوعو، والوصوؿ إلى ىذه الدلالة بتعبتَات أخرى خالية من اسمي الزماف أو الدكاف لشكن، لكنها تعبتَات لن تبلغ في الإيجاز مبلغهما، فمزية كل منهما أنو يؤدي بكلمة واحدة ما لا يؤديو غتَه إلا بكلمات متعددة. و تعدد الدلالات البلبغية والدعنوية ىو بشرة تبادؿ القراء ات بتُ أبنية الدصادر والدشتقات؛ حيث لا يدكن إغفاؿ القيمة البلبغية للوصف بالدصدر الذي يدؿ على الدبالغة حتُ يجعل الدوصوؼ ىو ذات الحدث، كما لا يدكن إغفاؿ قيمة الدعتٌ الذي تدؿ عليو الدشتقات؛ فهاتاف القيمتاف البلبغيتاف تسهماف في إثراء نظم القرآف الذي يتسم بالإيجاز، ويعبر بكلمة واحدة عن مدلولات كثتَة. وقريب من ذلك ما ينتج عن تبادؿ القراءات بتُ أبنية الدشتقات، فالتبادؿ بتُ صيغتي اسم الفاعل واسم الدفعوؿ في كثتَ من القراءات الدتواترة يؤدي إلى تردد معتٌ الكلمة الدختلَف في قراءتها بتُ دلالتي اسم الفاعل والدفعوؿ، ويُنتِ ج آثاراً في معتٌ ونظم الآية عموماً. و التبادؿ بتُ صيغة اسم الفاعل وصيغ مبالغتو يسفر عن تأكيد الدعتٌ والدبالغة في تصويره على قراءة من قرأ بصيغ الدبالغة. والقراءات الواردة على صيغ الصفة الدشبهة باسم الفاعل تفيد الدبالغة غالباً، لأنها تفيد ثبوت الوصف لصاحبها ثبوتاً عاماً وفي بصيع الأوقات، وىذا بالنظر إلى الكلمة بدفردىا وبدعزؿ عن سياقها، وعندما يُنظَر إلى بصيع القراءات ضمن سياقها لا يخفى الوجو الذي يقوِّي بصيع القراءات، ويشهد لبلبغتها، وقوة ارتباطها بنظم القرآف .
عدد الصفحات ٥٩١- 065 - أي: إفتبادؿ الأسماء في القراءات بتُ أبنية الدشتقات يؤدي إلى تعدد الدلالات البلبغية والدعنوية للآية الدختلف في قراءتها، لكوف القراءتتُ تفيداف معاني جديدة تضاؼ إلى الدعتٌ الأصلي للمصدر. وىذا يسهم في إثراء نظم القرآف والدلالة على إيجازه؛ حيث تعبرِّ القراءات بالألفاظ القليلة عن الدعاني الكثتَة. ٛٔ- ورد تبادؿ القراءات بتُ الاسم والفعل في مواضع متعددة في القرآف الكريم، فأدى ذلك إلى التبادؿ بتُ مدلوؿ الاسم من حيث ىو لفظ داؿ على حدث غتَ مقتًف بزمن، وبتُ مدلوؿ الفعل من حيث ىو لفظ داؿ على حدَث مقتًف بزمن ، كما أضاؼ ىذا التبادؿ دلالات بلبغية إلى الآيات فضلبً عن الدلالات الدعنوية؛ حيث أفاد التعبتَ بالفعلية الحدوث، وأفاد التعبتَ بالاسمية ثبوت الوصف للموصوؼ، و أفاد الوصف بالدصدر الدبالغة؛ لأنو الوصف بالدصدر يجعل الدوصوؼ ىو ذات الحدث؛ لشدة ملبزمتو لو. وظهرت البلبغة في قراءات الاسمية والفعلية في بعض الآيات من جهة الد شابهة؛ ح يث شابهت القراءة بالاسمية الآيات السابقة، و شابهت القراءة بالفعلية الآيات اللبحقة، أو العكس، و دؿَّ برقيق الدشابهة بتُ القراءات وما يسبقها أو يتلوىا على بلبغة نظم القرآف الذي راعى بكلمة واحدة التناسب بتُ السابق واللبحق، من خلبؿ تنويع القراءة. ٜٔ- تبادلت بعض القر اءات الدتواترة بتُ جذرين لغويتُ لستلفتُ، لشا أدى إلى اختلبؼ معاني القراءات ، و اتساع مدلوؿ الآيات الدشتملة على القراءات الدتعددة. و التعدد الدلالي في معتٌ الآية دوف اضطراب أو تناقض ىو أحد الآثار النابذة عن تبادؿ القراءات بتُ الجذور اللغوية الدختلفة، وقد بذلَّ ى الأثر البلبغي في الإيجاز: وىو التعبتَ باللفظ القليل عن الدعتٌ الكثتَ. و ىذه الإمكانات التي يضفيها تنوع القراءات على الدعتٌ الدلالي تفرَّد بها النص القرآني دوف غتَه من النصوص، وىو أمر ذو صلة وثيقة بعلمي الدلالة والتفستَ، كما لو صلة بالبلبغة بدفهومها الشامل؛ لأف ىذا النوع من التغاير يبحث في العلبقة بتُ تغاير الصيغ الصرفية والدعتٌ والتأويل، ويربط ذلك بسياقات النص وملببساتو، وىذا ما يعرؼ في علم البلبغة بتناسب الدقاؿ مع الدقاـ، وىو جوىر البلبغة وأساسها. و ىذا الجانب لم يعره البحث البلبغي الخالص كبتَ اىتماـ عند بحثو في بلبغة الدفرَد، كما لم يهتم بالفنوف البلبغية الدتًتبة على تغاير القراءات إلا إشارات سريعة ضمَّ نها بعض البلبغيتُ ثنايا سطورىم . أما الدفسروف وموجهو القراءات فقد كانت عنايتهم بهذا الجانب أكبر من عناية البلبغيتُ، ولذلك أضفت دراساتهم البلبغية للقراءات الد تنوعة نوعاً من الجدَّة والابتكار على البلبغة التقليدية، والبحث البلبغي برمَّتو. ٕٓ- بيَّنت الدراسة أف ما يتًتب على تغاير العلبمة الإعرابية من الدعاني الوظيفية الأولى ومن معافٍ بلبغية إنما ىو أمر راجعٌ إلى السياؽ، و قرائن الأحواؿ الأخرى . و التغاير الإعرابي في القراءات الدتنوعة، و تعدد الوجوه
عدد الصفحات ٥٩٢- 065 - الإعرابية التي يدكن بها تأويل القراءة الواحدة يؤدي إلى تكثتَ الدعاني في الآية الواحدة، لشا يسهم في إثراء النص القرآني، ولا يخفى ما في ذلك من الإيجاز والدلالة على إعجاز نظم القرآف؛ حيث يعبرِّ نظم القرآف بالكلمة الواحدة عن الدعاني الكثتَة من خلبؿ القراءات الدتنوعة. و الإيجاز الذي ىو لزور البلبغة وعمودىا ىو الأثر الأبرز من الآثار البلبغية النابذة عن تعدد إعراب القراءات ، و ينتج إلى جانبو آثار أخرى تتضح من سياؽ كل آية. و قد بيَّنت الدراسة أف القاعدة التي بركم تغاير إعراب القراءات ىي أف الاسم إذا خولف إعرابو في معرض الددح والذـ كانت الدخالفة فيو بقصد إبراز الددح أو الذـ للصفة التي اختلف إعرابها عن سياقها. فإذا خولف بإعراب الأوصاؼ كاف الدقصود أكمل؛ لأف الكلبـ عند الاختلبؼ يصتَ كأنو أنواع من الكلبـ، وضروب من البياف، وعند الابراد في الإعراب يكوف وجهاً واحداً وبصلة واحدة. أي: إفَّ الدخالفة الإعرابية غالباً ما تكوف للتفنن الدوجب لإيقاظ السامع وبرريكو إلى الجد في الإصغاء؛ فإف تغيتَ الكلبـ الدسوؽ لدعتٌ من الدعاني، وصرفو عن سننو الدسلوؾ ينبئ عن اىتماـ جديد بشأنو من الدتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيو من الدخاطب. وىذا لا يغض من قيمة القراءة الجارية على الدتابعة الإعرابية؛ لأف تبعية الكلبـ لدا قبلو في الإعراب تفيد التأكيد على ما ذكر من الكلبـ، وتنبِّ و على شدة الاتصاؿ بينهما، أما قطع الكلبـ عما قبلو فيفيد الدبالغة، ويحرؾ الأذىاف إلى الإصغاء. ٕٔ- إفَّ كلَّ ما ذُ كِر آنفاً من بلبغة الكلمة في بصلتها، وبلبغة النظم النحوي للجملة ليس إلا شطر اً من الإعجاز وبعضاً من سماتو، أما الشطر الآخر فيكمن في طريقة التًكيب التي لا يُرى أبدع ولا أليق بنظم القرآف منها. وقد أوضح البحث ذلك من خلبؿ دراسة الأساليب الدتنوعة التي جرت عليها القراءات الدتواترة. فعلى سبيل الدثاؿ أسهم تبادؿ القراءات بتُ أسلوبي الاستفهاـ والخبر في تعدد معاني الآية الدختلَف في قراءتها، ودؿَّ ذلك على إعجاز نظم القرآف من خلبؿ إيجازه ؛ حيث أدت القراءات الدتنوعة الكثتَ من الدعاني بالألفاظ القليلة، وبيَّنت قدرة النظم على أداء الدعتٌ بأساليب متعددة تبدو متعارضة في الظاىر لكنها في الحقيقة آيةٌ في التوافق عند مراعاة الحيثيات الدختلفة التي تكتنف السياؽ، ومقاـ الأسلوبتُ، ىذا فضلبً عن الدعاني البلبغية الأخرى التي يدليها سياؽ كل قراءة من القراءات، كالتوبيخ، أو الإنكار، أو التعجب، وغتَىا. وكذلك دؿ تبادؿ القراءات بتُ أسلوبي الخبر و الإنشاء على بلبغة الإيجاز في نظم القرآف ؛ حيث بضل ىذاف الأسلوبا ف للآية معاني متعددة ، فقامت كل قراءة مقاـ آية مستقلة، كمَّلت معتٌ القراءة الأخرى، و أجابت عن التساؤلات التي تعرض للمتدبر في الدعاني، و أظهرت ما بتُ سطور الدعاني الظاىرية من دلالات ثانوية، أو دلَّت على تعدد الأحواؿ والدقامات التي تكتنف بصيع القراءات. وقد دلَّ ت الدراسة على أف الإيجاز والتفنن في التعبتَ عن الدعتٌ الواحد بطرائق متعددة هما أبرز الآثار
عدد الصفحات ٥٩٣- 055 - البلبغية النابذة عن تبادؿ القراءات بتُ الوصل والفصل. و بيَّنت الدراسة أف الدشاركة الإعرابية و قراءات فتح الذمزة تقوي الاتصاؿ الدعنوي بتُ الجمل، والدخالفة الإعرابية وقراءات كسر الذمزة تضعف ىذا الاتصاؿ، وتنبِّو الأذىاف على معافٍ جديدة يدكن تفستَ الدخالفة بها، وىذا التنوع يعدُّ من بلبغة الإيجاز في نظم القرآف . كما بيَّنت الدراسة أف تبادؿ القراءات بتُ حالتي بناء الفعل للفاعل وبنائو للمفعوؿ يجعل الآية الدشتملة على تلك القراءات بدنزلة آيات متعددة، لشا يدؿُّ على دور القراءات الدتنوعة في برقيق سمة الإيجاز لنظم الآيات، ويبرز قدرة النص القرآني على التفنن في التعبتَ عن الدعتٌ الواحد بأكثر من طريقة كل منها تلفت نظر القارئ والسامع إلى معتٌ ووجو غتَ الذي تفيده الأخرى . ودؿَّ التبادؿ في القراءات بتُ الفعل اللبزـ والدتعدي على تكامل معاني القراءات وعدـ تناقضها، رغم جرياف التبادؿ بتُ حالتتُ: حالة لا برتاج فيها الجملة الدختلَف في قراءتها إلى مفعوؿ، وأخرى برتاج فيها إلى مفعوؿ، لكنو لزذوؼ؛ لدلالة الكلبـ عليو، أو لتذىب النفس في تقديره كل مذىب، أو لتًكيز الاىتماـ على الحدث دوف من وقع بو. ٕٕ- بيَّنت الدراسة أف التبادؿ بتُ التنكتَ والتعريف بػ(الػ) لم يجرِ فيما بتُ القراءات الدتواترة إطلبقاً ، وإنما جرى بتُ القراءات الدتواترة من جهة والشاذة من جهة أخرى، وقد بيَّنت الدراسة أف القراءة الشاذة قد تكوف بلبغياً في قوة الدتواترة عندما لا تضيف إلى الدعتٌ شيئاً جديداً سوى الإشارة إلى الجنس، أو إلى معهودٍ في الذىن، لكن غالباً ما كانت القراءة الدتواترة أبلغ من الشاذة؛ لأف التعريف فيها أو التنكتَ كاف أليق بغرض الآيات وسياقها. أما التبادؿ بتُ التنكتَ والتعريف بالإضافة فقد جرى فيما بتُ القراءات الدتواترة، كما جرى بتُ القراءات الدتواترة والشاذة، وقد بيَّنت الدراسة أنو إذا تبادلت القراءات الدتواترة بتُ حالتي التعريف بالإضافة والتنكتَ فغالباً ما تؤوؿ القراءات الدتنوعة إلى معتٌ واحد، وإف دؿَّ التنكتَ والتعريف على وجوه بلبغية تتناسب وسياؽ كل آية، غتَ أف ىذه الوجوه الدتنوعة تدؿ غالباً على أف ىذا التنوع من باب التفنن في التعبتَ عن الدعتٌ الواحد بعدِّة أساليب. وقد ثبتت ىذه النتيجة بالاستقراء لجميع القراءات الدتواترة الجارية على ىذا النمط من التبادؿ. ٖٕ- بيَّنت الدراسة أف الغرض البلبغي من تنويع القراءات بتُ حالتي التقديم والتأختَ ىو الإشعار بأهمية الدقدَّـ؛ حيث قدَّ ـ القرآف الدؤخَّر في بعض القراءات وأخَّره في قراءات أخرى ؛ ليبرز عنايتو بدضموف القراءتتُ، ويشتَ إلى أف لكل قراءة وجهاً بلبغياً يكاد يكوف ىو الأنسب والأليق بالسياؽ، وىذا التنويع من بلبغة نظم القرآف . وقد تبتَُّ أف القراءة الدتواترة حتُ بزالف الشاذة في التقديم والتأختَ فإف ىذه الدخالفة برتمل أموراً، منها: أف ما قدمتو الآية الدتواترة ىو موضع العناية والاىتماـ كما يشتَ إلى ذلك السياؽ، أو أفّ تقديدو ىو الأصل وبو يكوف الدعتٌ أوضح، وقد يكوف التقديم والتأختَ؛ لدراعاة توافق الفواصل.
عدد الصفحات ٥٩٤- 055 - ٕٗ- الالتفات أسلوب بلبغيٌ يهز نشاط السامع ويدعوه للئصغاء؛ لأفَّ التفنن وتلوين الأساليب يطرد الضجر والدلل الذي جبلت عليو النفوس، كما يحقق لنظم القرآف غاية الإيجاز والاقتصاد في التعبتَ؛ لأف الدتكلِّم يعبرِّ عما في نفسو بدجرد برويل أسلوب الكلبـ، و سياؽ الآيات ىو الذي يحدِّد الدعتٌ الذي يلقيو الالتفات على الآية بحسب اختلبؼ الدقاـ بتُ الوعد والوعيد. وقد دؿَّ البحث على أف الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مقاـ الوعد يحمل معاني اللطف والربضة والتشريف والإيناس والامتناف وكل معاني التكريم التي يحتملها سياؽ الآيات، أما الالتفات في مقاـ الوعيد فغالباً ما يكوف للمبالغة في الإنكار والتهديد والتًىيب والتوبيخ بحسب ما يسمح بو السياؽ من الدعاني والوجوه . و عندما يكوف مضموف الكلبـ الحث على أمر من الأمور فإفَّ الالتفات من الغيبة إلى الخطاب يكوف أدعى إلى الدسارعة في امتثاؿ الأمر؛ لأف الخطاب يحبِّب الأمر إلى نفس الدخاطَب، ويُ رغِّ بو في قبولو. وكذلك بيَّنت الدراسة أفَّ التحقتَ والازدراء هما أبرز الدعاني التي يدكن ملبحظتها في قراءات الالتفات إلى الغيبة من الخطاب، لأف الرجوع إلى الغيبة بعد الخطاب يؤذف بأف الإعراض عن الدخاطَبتُ ىو الأنسب لدقاـ الكلبـ؛ إذ غالباً ما يكوف الدقاـ مقتضياً لطرح الدخاطبتُ، وترؾ الالتفات إليهم. و قراءات الالتفات إلى التكلُّم تضيف إلى الفعل الدلتفَت إليو معتٌ التعظيم والتفخيم؛ إذ إنهَّ ا تنسب ىذه الأفعاؿ في مقاـ الوعد والإقباؿ إلى الله صراحة، وبذلك بذعل الكلبـ أبلغ في الامتناف، وأعظم في بياف قدر النعمة الدػُ خبرَ عنها بطريق التكلُّم. وقد تبتَُّ أف الالتفات إلى التكلُّم في مقاـ الوعد كاف أكثر منو في مقاـ الوعيد، ولعل ذلك يرجع إلى أف مقاـ التكلُّم مقاـ إقباؿ؛ فناسبو التًغيب والوعد أكثر من التًىيب والوعيد. وبتَُّ البحث أفَّ الالتفات من التكلم إلى الغيبة صورة نادرة التحقق في القراءات الدتواترة، وإف وجدت فعناية الدفسرين بتوجيهها ضعيفة، ويدكن التماس وجو ىها لشا ذكر ه البلبغيوف من أغراض الالتفات ووجوىو البلبغية، ولشا أشار إليو الدفسروف في مواضع أخرى، على أف يكوف ذلك لشا يتوافق مع سياؽ ومقاـ الآية. و بشكل عاـ أكثر ما وقع في القراءات من صور بذري على الالتفات من التكلم إلى الغيبة ىو على مذىب السكاكي؛ فكثتَاً ما يعبر الله عن نفسوابتداءً بصيغة الغائب، وىو كثتَ في القرآف الكريم، لكنو ليس موضع البحث في ىذه الأطروحة؛ لأنو لا يجري على طريقة التحويل من أسلوب إلى آخر من أساليب الكلبـ. وقد بيَّنت الدراسة أف وجو البلبغة في قراءات الالتفات يتجلى فيما يحملو الالتفات من معافٍ بلبغية تدعو للخروج عن مقتضى الظاىر، و تثري النص القرآني بالوجوه البلبغية والدزايا الدعنوية، ووجو البلبغة في القراءات الأخرى يتجلى في بذاوبها وتناسبها مع النظاـ والنسق العاـ. أي: إفَّ قراءات الالتفات أليق بسياؽ الآيات الدعنوي، و القراءات الأخرى أنسب لسياقها اللفظي، وقد بصع نظم القرآف بينهما، فجمع بذلك إليو
عدد الصفحات ٥٩٥