الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 96 وسلموا من الكبر ، وتواضعوا للحق ، فإن نصوص الكتاب والسنة كفيلة ببيان الحق ، وإيضاح الطريق ، وتوجيه المسير ، قال تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون ) " الأنعام 153 " ، وقال صلى الله عليه وسلم : "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها يزيغ عنها إلاّ هالك" . وهذا ما ينبغي لأهل السنة فعله ، فهم أولى الناس بلزوم السنة ، والتقيد بالنصوص ، واتّباع الصدر الأول في علمهم وعملهم ودعوتهم والله الموفق والمستعان . رابعها : ومما ينبغي أن يتصف به اتباع السلف الصالح من أهل السنة والجماعة : 1- العناية بالعلم الشرعي : وذلك بالعناية بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حفظاً وفهماً واستنباطاً على منهج الصحابة رضي الله عنهم وفهمهم ، والعناية بفقه العقيدة وفقه الأحكام ، والتخلق بالآداب الشرعية ، والتحلي بالزهد والورع والمراقبة . 2- أخذ الدين بالعزائم ، وتربية الناس على الفضائل ، مع التحذير من زخرف الدنيا ومواطن الفتن . 3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصح لكل مسلم ، والدعوة إلى على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن . 4- حماية الدين ، ونصرته ، والذب عن حصونه ، من مذاهب أ هل الفكر والفلسفة ، وأهل الغلوّ والمبتدعة ، وأهل الفسوق والمتزندقة ، ومن أهواء السلاطين ، ومن غدرات المنافقين . 5- حمل الناس وتربيتهم على كمالات الدين ، والأخذ بعزائمه ، لا كما هو حال كثيرٍ من دعاة اليوم الذين يتظاهرون بالشفقة على الناس من تكاليف الدي ن ، فيترخصون لهم الرخص بالفتاوى الشاذّة ، والأقوال المرجوحة ، وينقبون لهم عن المخارج التي يفرون بها عن مشقة الطاعة وحمل التكاليف ، وكأن الله حمّل عباده
عدد الصفحات ٩٧الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 97 ما لا يطيقون ، ولم يرحمهم ، فجاء هؤلاء المجتهدون ليرحموا العباد من رحمة أرحم الراحمين . ومنهم من يصانع أهل السياسة بتليين الدين لهم ، وتشكيله على أهوائهم ، وإخضاعه لسطواتهم ، حتى وقعوا من حيث يدرون أولا يدرون في فخاخهم وشباكهم ، فإذا بهم في أقفاص الأهواء السلطانية لا يكادون يخرجون منها ، كعصافير الزينة تغرد في الأقفاص لصياديها ومشتريها صباح مساء . أيها العلماء الربانيون ، يا أتباع السلف الصالح ، عليكم بهدي السلف الصالح فالزموا طريقهم ، وتشبهوا بأحوالهم ، فقد تجلت لنا الحكمة الراجحة والبصيرة النافذة في فعلهم عندما كانوا يفرون بدينهم كما تفر الصقور والنسور في قمم الجبال وأعالي الأشجار من فخاخ ا لمخادعين أو سهام الصيادين ، تجلت لنا حكمتهم وبصيرتهم بعدما رأينا صرعى الدرهم والدينار ، وقتلى المنصب والجاه ، وتجار الفتوى ، وخدام السياسة ، فالله الله في دينكم ، وإرث نبيكم ، ومناط عزكم ، ومحل سعادتكم في الدنيا والآخرة . خامسها : على أهل السنة والجماعة السلفيين أن يعتنوا عناية بالغة بالتربية الإيمانية والتزكية الوجدانية ، قبل أخذهم للعلم ومعه وبعده ، فإن العلم من غير تزكية ولا تربية وبال على صاحبه وبلاءٌ على الناس ، وقد رأينا عند كثير من طلاب العلم اليوم قصوراً بيّناً في هذا الجانب العظيم الذي لا يبلغ المؤمن درجة الإحسان في الدين بدونه . والله سبحانه وتعالى لم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالعلم وحده ، بل بالعلم مقروناً بالتزكية ، وقد قدم التزكية على العلم في مواضع عديدة من القرآن ، قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) " الجمعة 2 " ، وقال تعالى : ( لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) " آل عمران 164 " ، والآيات الدالة على هذا في كتاب الله كثيرة معلومة
عدد الصفحات ٩٨الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 98 وإنّ التربية الإيمانية والتزكية الوجدانية لا يتحققان في حياة طلاب العلم وسلوكهم إلاّ بأمرين : الأول منهما : الوعظ والتذكير ، وأعظمه : أ – التذكير بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وما لها من معانٍ وآثار . ب – التذكير بنعم الله على عباده في البر والبحر ، في الأرض والسماء ، ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) " الذاريات 21 " ج– التذكير بالموت وسكرته ، والقبر ووحشته ، وبيوم القيامة وأهواله ، والحساب والجزاء ، والجنة والنار ، وما أعدّ الله في الجنة من النعيم المقيم لأهل طاعته ، وفي النار من العذاب الأليم لأهل معصيته . د – التذكير بآيات الله القرآنية ، وآيات الله الكونية ، وما يتجلى فيهما من عظيم حكمته ، وبديع صنعته ، ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) " الأعراف 54 . " هـ-التذكير بسير الأنبياء والعلماء والعباد وما فيها من القدوة ، وبقصص الأمم السابقة وما فيها من العبرة . و – التذكير بمنزلة الدنيا وحقارة شأنها ، والحث على الزهد فيها والورع عنها ، وبيان منزلة الآخرة وعظم شأنها ، والحث على الإقبال عليها والمسارعة إليها . الثاني : تكوين البيئة الإيمانية : وهي التي يعيش فيها طلاب العلم مع معلميهم وعلمائهم في بيئة واحدة ، أي مكان واحد كالمسجد مثلاً ، أو السفر والرحلة ، أوقاتاً طويلة ، يتعلمون منهم العلم والعمل ، ويتلقون عنهم السلوك والأدب ، ويرون فيهم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بمكة في المسجد الحرام وفي دار الأرقم قبل هجرته ، وكما كان معهم في المدينة في مسجده وفي جهاده وأسفاره بعد هجرته . وكما كان علماء السلف الصالح مع تلاميذهم الذين كانوا يرتحلون إلي هم من مختلف الأمصار ، ويمكثون بين ظهرانيهم الشهور
عدد الصفحات ٩٩الحللالسندسية في نصح الجماعات الدعوية 99 والأعوام يتلقون عنهم العلم والعمل . لا أن يلقى العالم درسه ، ثم يسرّح طلابه في بيئة الغفلة ، يتلقون عن العوام سلوكهم وأخلاقهم ، وعاداتهم ومعاملاتهم ، ثم ماذا ينفع العلم بعد ذلك في أرض أجادب تمسك الماء لغيرها ولكنها لا تنتفع منه بزهرة ولا ثمرة . إن حاجة طلاب العلم إلى التربية والتزكية أشد من حاجتهم إلى تعلم العلم بمجرده ، وما أحسن أن يجتمع العلم والعمل ، ولكن ما ظنك بحامل علمٍ لا يعمل به ، أليست حاله أشبه بحال من وصفهم الله تعالى بقوله : ( مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) " الجمعة 5 " ، ولا يكون العلم إلاّ بالتعلم ولا يكون العمل إلاّ بالتزكية والتربية ، فهلا فطن العلماء والدعاة السلفيون إلى أهمية هذا الأمر وعظم الحاجة إليه ، فأنشأوا لذلك المراكز ، وأعدوا له البرامج ، وهيّ أوا له ما يحتاج من الوسائل واللوازم ؟ هذا والله الموفق والمستعان ، وعليه التكلان ، وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه واتبع سنته إلى يوم الدين . تمت ولله وحده الحمد والفضل والإنعام ###############
عدد الصفحات ١٠٠