المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التواشح الدلالي بين التعبير القرآني والعلم الحديث لآيات خلق الإنسان في القرآن الكريم

جنان منصور كاظم الجبوري

صفحة ١ من ٢

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 78 التواشج الدلالي بين التعبير القرآني والعمم الحديث لآيات خمق الإنسان في القرآن الكريم أ.م.د. جنان منصور كاظم الجبوري أ.م.د. نجاح فاىم صابر العبيدي جامعة كربلاء/ كمية التربية لمعموم الانسانية المقدمة دأب الباحثوف في النص القرآني عمى أف يكشفوا وجوه الإعجاز التي تفجرت في لغة القرآف ألكريـ وىي ميمة يعتني بيا أغمب الميتميف بالدرس القرآني لأسباب عديدة لعؿ منيا أو أبرزىا خدمة ىذا القرآف الكريـ الذي لا تفنى عجائبو ولا تنتيي غرائبو حيث قاؿ تعالى: وَلَتَعْمَمُفَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِيفٍ(صٛٛ). وىذا الموضوع واحد مف الاىتمامات التي تصب في الكشؼ عف وجوه الإعجاز عبر ربط الاسموب القرآني بما توصؿ اليو العمـ الحديث مف مستكشفات جديدة أشار الييا القرآف الكريـ قبؿ مئات ألسنيف وىو ما يتناسب مع جدة الدرس والبحث لأف المنطؽ البحثي يقوؿ: انما الجديد قتؿ القديـ درسا وا ذا كاف ىذا القديـ ىو الجديد الخالد فما بالؾ بأدلتو لموافقة الدرس الحديث بؿ اف الدرس الحديث ىو الذي يؤيد نتائجو بو، وىذا مف أكثر الوجوه اعجازا أف تجعؿ ثقافة العصر مؤيدة بثقافة القرآف الكريـ اليوية الاسلبمية والعالمية لمبشر. يعنى البحث بتتبع المفردة القرآنية بالرجوع الى المغة ومعاجميا واستعمالاتيا وكتب التفسير لمكشؼ عف الكثير مف معاني الألفاظ القرآنية وربطيا بالتحميؿ العممي ألدقيؽ حيث ميمة البحث ربط الإعجاز القرآني بالإعجاز العممي. وقد جاء البحث بثلبثة مباحث سبقتيما المقدمة وقد تتبعنا في المبحث الاوؿ: الإنساف تسميتو ودو ره في القرآف الكريـ. ودرسنا في المبحث الثاني: الألفاظ القرآني التي دلت عمى خمؽ الإنساف في القرآف الكريـ. وعرضنا في المبحث الثالث: صفات الإنساف في القرآف الكريـ. ومف ثـ الخاتمة وابرز نتائج البحث. وبعد ذلؾ جاء ثبت المصادر والمراجع. المبحث الأول: تسمية الانسان ودوره في الحياة تسمية الإنساف: ورد في القرآف الكريـ لفظ الإنساف في أماكف متعددة مف آياتو الكريمة دالا عمى ذلؾ المخموؽ الذي اجتباه الله تعالى بأشرؼ وأثقؿ ميمة، وىي . خلبفتو تعالى ليملؤ الأرض قسطا وعدلا. اذ قاؿ تعالى: وَا ِذْ قَاؿَ رَبُّؾَ لِمْمَلبَئِكَةِ إِنِّي جَاعِؿٌ فِي الأَرْضِ خَمِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَؿُ فِييَا مَف يُفْسِدُ فِييَا وَيَسْفِؾُ الدِّمَاء وَنَحْفُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِؾَ وَنُقَدِّسُ لَؾَ قَاؿَ إِنِّي أَعْمَـُ مَا لاَ تَعْمَمُوفَ (البقرة ٖ). ولكنو أردفو بما يعارض ىذه الميمة الا وىي نزوعو ا لحيواني المتمثؿ بميمو الى المعصية فقاؿ تعالى: إِنَّا ىَدَيْنَاهُ السَّبِيؿَ إِمَّا شَاكِراً وَا ِمَّا كَفُوراً (لإنسافٖ). فصار للئنساف رحمانية كما لو شيطانية،ومف ىنا يبدأ الصراع بيف الخبر والشر. وعمى الرغـ مف ذلؾ جاءت ميمة الخلبفة التي اصطفى الله بيا الان ساف ليشرفو عمى المخموقات الأخرى ويسخرىا لو (لما جبؿ عميو مف فضيمة العمـ والمعرفة التي لا تعموىا فضيمة مف الفضائؿ التي قسميا الله تعالى بيف خمقو، وتفضيؿ الإنساف بالعمـ والمعرفة عاـ شامؿ لجميع أفراده بمقتضى الاستعداد الفطري، يتساوى فيو جميع مف تحققت فيو حقيقة الإنسانية كاممة دوف أف تعترضيا عوارض طارئة بتأثير البيئة والمجتمع أو النقص في الخمقة والطبيعة) ٔ. والقرآف يبيف كيؼ حاز الإنساف نعمة القرآف في قولو تعالى: الرَّحْمَف عَمَّـَ الْقُرْآفَ خَمَؽَ الإِْنسَافَ عَمَّمَوُ الْبَيَاف(الرحمف ٔ_ٗ). فمفظة ”عمـ” المرت بطة بالقرآف تدؿ عمى أنو العمـ، إذ لا يعمـ إلا العمـ، كما أف لفظة “بياف” تدؿ أيضا عمى أنو عمـ لأف غاية العمـ البياف، ويتعمؽ الأمر بياف أمر الوجود والحياة في كؿ الآفاؽ. ولما كاف القرآف عمما فقد تعمـ منو الإنساف ما لـ يعمـ مصدقا لقولو تعالى : الذي عمـ بالقمـ عمـ الإنساف ما لـ يعمـ .

عدد الصفحات ١

عمـ البياف، ويتعمؽ الأمر بياف أمر الوجود والحياة في كؿ الآفاؽ. ولما كاف القرآف عمما فقد تعمـ منو الإنساف ما لـ يعمـ مصدقا لقولو تعالى : الذي عمـ بالقمـ عمـ الإنساف ما لـ يعمـ .ومما تعممو الإنساف حقيقتو إذ بمعرفة حقيقتو يمكنو أف يخوض غمار الحياة خوضا صحيحا ويستمتع بكؿ النعـ

عدد الصفحات ١

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 77 التي مصدرىا نعمة القرآف لأنو لولاه لما عرؼ الإنساف طريقو إلى الاستفادة مف نعـ الحياة، ومف نعـ ما بعد الممات ٕ. و قد وردت كممة (إنساف) في القرآف الكريـ في خمسة وستيف موضعا، مما يؤكد أىمية الإنساف ورفعة شأنو، (فالإنسانية في القرآف ارتقاء بالإنساف إلى الدرجة التي تؤىمو لمخلبفة في الأرض واحتماؿ تبعات التكميؼ لأنو المختص بالعمـ والبياف والعقؿ والتمييز). وا نما سمي الإنساف بيذا الاسـ: لأنو مأنو س بو، وأنو طيب الأصؿ طيب النفس نابع ذلؾ مف فطرتو، وقد تكوف التسمية لأنو عيد إليو فنسي، واف لفظة انساف مأخوذة مف النسياف لذا سمي الانساف انسانا، واف ىذه الصفة يتمتع بيا الانساف فقط مف دوف جنس المخموقات الأخرى ٖ. والإنس: البشر والأنساف واحده انسي وجمعو أناسي وقرأ يحيى بف الحارث : "وأناسي كثيرا " بالتخفيؼ، وأناسيو، وأناس، والمرأة إنسانو وبالياء عامية . والأنس بالضـ وبالتحريؾ والأنسة ضد الوحشة واستأنس : ذىب توحشو، وما بالدار أنيس: أي أحد. والإنساف اسـ عمى وزف فعلبف، وجمعو مف جية المفظ : أناسيف كسرحاف وسراحيف، غير أف الجمع الأصمي غير مستعمؿ، وأما جمعو المعروؼ: ناس، وأناسٍ، والناس: تخفيؼ الأناس، حذفوا اليمزة طمبا لمخفة، ويقاؿ : إف اشتقاؽ الإنساف مف الإيناس. وفي العرؼ يقاؿ للئنساف الذي أسدى معروفا أو كرمت أخلبقو: إنسانا مما يؤكد تطابؽ الفطرة مع قرآنيا الذي جاء مف أجميا. وغالبا ما يرد لفظ الإنساف في القرآف الكريـ لمدلالة عمى عدـ التوحش، وبخاصة إذا اقترف مع لفظ الجف، لما في لفظ الجف مف الخفاء والتستر والتوحش. فكممة إنساف تمتقي مف كممة الإنس في الممحوظ ألعاـ لكنيما لا يترادفاف كما أتضح إذ إف كممة الإنس غالبا ما ترد مع الجف لمتقابؿ فالأولى تعنى: الألفة والثانية تعنى: ألتوحش. وقد ورد ىذا في القرآف الكريـ إذ قاؿ تعالى : خَمَؽَ الإِْنسَافَ مِف صَمْصَاؿٍ كَالْفَخَّارِ ،وَخَمَؽَ الْجَافَّ مِف مَّارِجٍ مِّف نَّار(الرحمف ٗٔ_٘ٔ). والجاف ابميس وىو أبو الجف، وقيؿ الجاف واحد الجف، وا لمارج الميب، عف ابف عباس وقاؿ خمؽ الله الجاف مف خالص النار. وقيؿ المارج الشعمة الساطعة ذات الميب الشديد، والجاف ابميس وىو أبو الجف (مف مارج مف نار) وىو ليبيا الخالص مف الدخاف. وخمؽ أبا الإنساف، وىو آدـ مف طيف يابس كالفَخَّار، و(الصمصاؿ) طيف يابس يسمع لو صمصمة أي صوت إذا نفر (كالفخار) وىو ما طبخ مف طيف ٗ. المبحث الثاني الألفاظ القرآنية التي دلت عمى خمق الإنسان في القرآن الكريم: يبيف الله تعالى في القرآف الكريـ أف معجزات خمقو في السماوات والأرض وفي الأحياء نماذج مف الأدلة عمى وجوده وعمى عظمتو ومف أىـ ىذه الأدلة ىذا الدليؿ الذي ذكرناه أي المعجزة الموجودة في خمؽ الإنساف نفسو، فالحقيقة المادية لوجود الإنساف مف خلبؿ القرآف نجدىا أوضح ما تكوف في (سورة الإنساف ) التي جاءت لترد الإنساف إلى أصمو، فيعرؼ مف ىو؟ وىؿ كاف شيئا قبؿ ذلؾ؟ ومف أوجده؟. إذ قاؿ تعالى: ىَؿْ أَتَىعَمَى الإِْنسَافِ حِيفٌ مِّفَ الدَّىْرِ لَـْ يَكُف شَيْئاً مَّذْكُوراً، إِنَّا خَمَقْنَا الإِْنسَافَ مِف نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَمِيوِ فَجَعَمْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً، إِنَّا ىَدَيْنَاهُ السَّبِيؿَ إِمَّ ا شَاكِراً وَا ِمَّا كَفُوراً (ٔ_ٖ). وقبؿ الدخوؿ في تحميؿ الألفاظ ودقتيا المتناىية في التعبير الداؿ نود أف نذكر بعض الإشارات الكونية في سورة الانساف: وىي تؤكد أف حينا مف الدىر قد انقضي ولـ يكف للئنساف وجود يذكر إلا في عمـ الله ػ تعالى ػ وفي ذلؾ إشارة إلي قصر فترة وجود الإنساف عمي الأرض بالنسبة إلي غيره مف المخموقات ، والعموـ المكتسبة تثبت أخيرا أف الأرض قد عمرت بالحياة قبؿ خمؽ الإنساف بمدة طويمة .

عدد الصفحات ٢

الله ػ تعالى ػ وفي ذلؾ إشارة إلي قصر فترة وجود الإنساف عمي الأرض بالنسبة إلي غيره مف المخموقات ، والعموـ المكتسبة تثبت أخيرا أف الأرض قد عمرت بالحياة قبؿ خمؽ الإنساف بمدة طويمة . ولعؿ الاستيلبؿ بالاية ىوخير دليؿ عمى ماسقناه مف قبؿ. فقولو تعالى: ىَؿْ أَتَى عَمَى الإِْنسَافِ حِيفٌ مِّفَ الدَّىْرِ لَـْ يَكُف شَيْئاً مَّذْكُوراً (الإنسافٔ). ىؿ أتي ... و ( ىؿ ) حرؼ استفياـ ، لكنيا ىنا حرؼ تأكيد بمعني (قد )، و ( الحيف ) طائفة محدودة مف الزماف الممتد ، و ( الدىر ) يطمؽ عمى كؿ زماف

عدد الصفحات ٢

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 78 طويؿ غير معيف ، وكذلؾ تطمؽ لفظة الدىر عمى مدة العالـ كمو . وقد اختمؼ المفسروف في معنى لفظة الحيف عمى انو مف المحتملبت لمدلالة التي تتوزع عمى تأويلبت كثيرة فقد (اختمؼ أىؿ التأويؿ في قدر ىذا الحيف الذي ذكره الله في ىذا الموضع، فقاؿ بعضيـ: ىو اربعوف سنة، وقالوا: مكثت طينة ادـ مصورة لا تنفخ فييا الروح اربعيف عاما... وقاؿ آخروف لا حد لمحيف في ىذا الموضع)٘، أي قد أتي عمى نوع الإنساف ، والمراد بنو آدـ . (حيف مف الدىر ) أي طائفة محدودة مف الزماف الممتد غير المحدود أنيـ غير مخموقيف اذ قاؿ تعالى: ىَؿْ أَتَى عَمَى الإِْنسَافِ حِيفٌ مِّفَ الدَّىْرِ لَـْ يَكُف شَيْئاً مَّذْكُوراً (الإنسافٔ). ويشير اغمب المفسريف إ لى أف الاستفياـ في مطمع السورة إنما ىو استفياـ تقرير لمتذكير والقاء الحجة عمى بني آدـ اذ لـ يكف لدييـ ذكر، ولكف وروده في ىذه الصيغة كأنما ليسأؿ الإنساف نفسو : ألا يعرؼ أنو أتي عميو حيف مف الدىر لـ يكف شيئا مذكورا؟ ثـ ألا يتدبر ىذه الحقيقة ويتأملبىا؟ ثـ أ لا يفعؿ تدبرىا في نفسو شيئا مف الشعور باليد التي دفعتو إلي مسرح الحياة ، وسمطت عميو النور، وجعمتو شيئا مذكورا بعد أف لـ يكف شيئا مذكورا؟ . إنيا إيحاءات كثيرة تنبض مف وراء صيغة الاستفياـ في ىذا المقاـ ، وىي إيحاءات رقيقة وعميقة تثير في النفس تأملبت شتى: واحدة منيا تتجو بالنفس إلى ما قبؿ خمؽ الإنساف ووجوده ابتداء ، يعيش فييا مع ىذا الكوف وقد خلب مف الإنساف ، كيؼ تراه كاف؟ والإنساف مخموؽ مغرور في نفسو وفي قيمتو ، حتى لينسى أف ىذا الكوف كاف وعاش قبؿ أف يوجد ىو بدىور و وأزماف طواؿ . وواحدة منيا تتجو إلى المحظة التي انبثؽ فييا ىذا الوجود الإنساني ، وتضرب في تصورات شتي ليذه المحظة التي لـ يكف يعمميا إلا الله ، والتي أضافت إلى الكوف ىذه الخميقة الجديدة ، المقدر أمرىا في عمـ الله قبؿ أف تكوف ! المحسوب دورىا في خط ىذا الكوف الطويؿ !. وواحدة منيا تتجو إلي تأمؿ يد القدرة وىي تدفع بيذا الكائف الجديد عمي مسرح الوجود ، وتعده لدوره ، وتعد لو دوره ، وتربط خيوط حياتو بمحور الوجود كمو ، وتييئ لو الظروؼ التي تجعؿ بقاءه وأداء دوره ممكنا وميسورا ، وتتابعو بعد ذلؾ في كؿ خطوة ، ومعيا الخيط الذي تشده بو إلييا مع سائر خيوط ىذا الكوف الكبير !. وا يحاءات كثيرة وتأملبت شتى يطمقيا ىذا النص في الضمير ... ينتيي منيا القمب إلى الشعور بالقصد والغاية والتقدير، في المنشأ وفي الرحمة وفي المصير. فأما امتداد ىذا الإنساف بعد ذلؾ وبقاؤه فكانت لو قصة أخرى توجز بألفاظ ليا دقة متن اىية تحمؿ في طياتيا أسرار عممية تشير إلى حقيقة خمؽ الإنساف. فقاؿ تعالى: إِنَّا خَمَقْنَا الإِنسَافَ مِف نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَمِيوِ فَجَعَمْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً . يقوؿ تعالى مخبرا عف الإنساف ، أنو أوجده بعد أف لـ يكف شيئا يذكر لحقارتو وضعفو، ثـ بيف ذلؾ فقاؿ جؿ جلبلو :( إنا خمقنا الإنساف مف نطفة أمشاج ) أي أخلبط ، والمشج والمشيج ، الشيء المختمط بعضو في بعض. و ( النطفة الأمشاج ) أي المختمطة ىي المقيحة ZYGOTE) المكونة مف إخصاب نطفة المرأة (البيضة ) بواسطة نطفة الرجؿ (الحيمف )، و ( الابتلبء ) ىو الاختبار بالتكاليؼ حتى يثبت الإنساف جدارتو بالجنة أو استحقاقو لمنيراف ، وقد زوده الله تعالى بممكات الاختيار بيف الشكر لله أو الكفر بو. والإشارة إلى خمؽ الإنساف مف نطفة مختمطة أو لقيحة Zygote) ىو ما توصمت إليو العموـ المكتسبة في أواخر القرف التاسع عشر الميلبدي . وفي التقديـ اثبات دلالي مبني عمى القصر الذي يعيف الصفة لممقصود دوف غيره أو بمعنى آخر يثبت حقيقة الامر بحيث معو لا يمكف انكار الحقائؽ أو دفعيا وىو ما يتناسب تماما مع الاكتشاؼ العممي الحديث.

عدد الصفحات ٣

اثبات دلالي مبني عمى القصر الذي يعيف الصفة لممقصود دوف غيره أو بمعنى آخر يثبت حقيقة الامر بحيث معو لا يمكف انكار الحقائؽ أو دفعيا وىو ما يتناسب تماما مع الاكتشاؼ العممي الحديث. وتقديـ السمع عمى البصر في ىذه الآية القرآني ة الكريمة ، وفي آيات متعددة مف سور القرآف الكريـ ، ليس مجرد تقديـ وتأخير بيف صفات متعددة بؿ وراء ىذا الفف البلبغي اعجاز عممي فضلب عف أف باب التقديـ والتأخير في المغة لو

عدد الصفحات ٣

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 89 مسمماتو التي مف ضمنيا يكوف التقديـ اما للبىتماـ أو السبؽ وىنا نجد إف كلب المسوغيف يكوف ليما علبقة في الآية فمف حيث الإعجاز العممي نجد إف الله سبحانو إشارة إلى أف السمع يتكوف عند الإنساف قبؿ البصر. وىذا ما أكدتو نتائج الدراسات العممية الحديثة التي بحثت في تكويف الجنيف، حيث أكدت الدراسات المكتسبة أخيرا في مجاؿ العموـ الطبية تقدـ مراكز السمع عمى مراكز البصر في مخ الإنساف . فالأذف أدؽ مف العيف في نقؿ المؤثرات الى المخ، لأف الصوت قد يكوف أوضح مف الرسـ، وأكثر دلالة عمى المعنى منو، ويتعدد استخداـ السمع ليلب ونيارا، وفي الظممة والنور، وىو منفذ التصوير عند فاقدي البصر واف كانوا مبصريف. وىذا ما اشار اليو قولو تعالى: وَمِنْيُـ مَّف يَسْتَمِعُوفَ إِلَيْؾَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّـَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِمُوفَ، وَمِنيُـ مَّف يَنظُرُ إِلَيْؾَ أَفَأَنتَ تَيْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُوف (يونسٕٗ_ٖٗ). فانظر كيؼ دؿ عمى فضؿ السمع عمى البصر حيف جعؿ مع الصـ فقداف العقؿ، ولـ يجعؿ مع العمى الا فقداف النظرٙ. لذا فمسألة التقديـ والتأخير في الصفات لـ تكف عفوية وا نما ىي مف أسرار التعبير القرآني لما لو مف دقة عجيبة إذا وراء النكتة البلبغية أو التركيبة المغوية لابد مف وجود سر اليي وراء ذلؾ فما نلبح ظو اليوـ مف إعجاز عممي نجد إشاراتو في التعبير القرآني. وقيؿ اف السمع أشرؼ مف البصر لأنو الواسطة لتمقي الرسالة وافياـ مضمونيا ففاقد البصر قد يعي ويفيـ مقاصد الرسالة ويستطيع تبميغيا الى قومو، غير اف فاقد السمع لا يقدر عمى ذلؾ. والدليؿ عمى ذلؾ اف الله لـ يجعؿ نبيا أصـ بينما قد يكوف النبي أعمى فلب يؤثر العمى عمى تبميغ رسالتو كيعقوب () حيف فقد بصره ٚ. أما المسوغ الأخر لتقديـ السمع عمى البصر فيو معنوي حيث إف الأمة آنذاؾ لـ تكف تقرأ فكانت تعتمد عمى الحاسة السمعية أكثر مف البصرية فكانت تستمع إلى الشعر والى الخطب وعندما انزؿ الله القرآف أكد عمى الاستماع إليو وأكد عمى المسمميف أف يسمعوه لما لسماعو مف تأثير عظيـ عمى النفس البشرية فقاؿ تعالى : وَا ِذَا قُرِئَ الْقُرْآفُ فَاسْتَمِعُواْ لَوُ وَأَنصِتُواْ لَعَمَّكُـْ تُرْحَمُوفَ (الاعراؼ ٕٗٓ). وكانت قريش تحذر مف الاستم اع إلى القراف وتحث زبانيتيا عمى المغو فيو فوصفيـ الله بقولو تعالى: وَقَاؿَ الَّذِيفَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِيَذَا الْقُرْآفِ وَالْغَوْا فِيوِ لَعَمَّكُـْ تَغْمِبُوفَ (فصمتٕٙ). وا ف المتأمؿ في القرآف الكريـ ليجده: إما أنو يتحدث عف الإنساف، أو إلى الإنساف، ويكفي الإنساف أنو ذكر في أوؿ سورة نزلت عمى الرسوؿ صمى الله عميو والو فقاؿ تعالى: اقْرَأْ بِاسْـِ رَبِّؾَ الَّذِي خَمَؽَ خَمَؽَ الإِْنسَافَ مِفْ عَمَؽٍ اقْرَأْ وَرَبُّؾَ الأَْكْرَـُ الَّذِي عَمَّـَ بِالْقَمَـِ عَمَّـَ الإِْنسَافَ مَا لَـْ يَعْمَـْ كَلبَّ إِفَّ الإِْنسَافَ لَيَطْغَى (العمؽٔ–ٙ). و سنقؼ في موضع آخر عمى تحميؿ لفظة (عمؽ). إذف غاية الإنساف في الحياة أنو لـ يخمؽ عبثا فقاؿ تعالى: فَحَسِبْتُـْ أَنَّمَا خَمَقْنَاكُـْ عَبَثًا وَأَنَّكُـْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُوف (المؤمف ٘ٔٔ). وكذلؾ أنو لـ يترؾ سدى . فقاؿ تعالى: أَيَحْسَبُ الإِْنسَافُ أَفْ يُتْرَؾَ سُدًى أَلَـْ يَؾُ نُطْفَةً مِفْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُـَّ كَافَ عَمَقَةً فَخَمَؽَ فَسَوَّى فَجَعَؿَ مِنْوُ الزَّوْجَيْفِ الذَّكَرَ وَالأُْنثَى أَلَيْسَ ذَلِؾَ بِقَادِرٍ عَمَى أَفْ يُحْيِيَ الْمَوْتَ ى(القيامة ٖٙ). لقد خمؽ الإنساف ليدؼ ولغاية، ولـ يخمؽ لنفسو يأكؿ ويتمتع …، إنما خمؽ لمعبودية، فقاؿ تعالى: وَمَا خَمَقْتُ الْجِف وَالإِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوفِ (الذاريات ٙ٘).

عدد الصفحات ٤

ى(القيامة ٖٙ). لقد خمؽ الإنساف ليدؼ ولغاية، ولـ يخمؽ لنفسو يأكؿ ويتمتع …، إنما خمؽ لمعبودية، فقاؿ تعالى: وَمَا خَمَقْتُ الْجِف وَالإِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوفِ (الذاريات ٙ٘). وكؿ ىذه العوامؿ مساعدة لو ليقوى عمى العبودية، ومف ثـ يكوف جديرا بالخلبفة وحمؿ الأمانة الكبرى : ( أمانة التكميؼ والمسؤولية، فيصيره الابتلبء، وتصقمو التكاليؼ، وبذلؾ ينضج ويعد لحياة أخرى ىي حياة الخمود والبقاء والأبد الذي لا ينقطع، إنو لنبأ عظيـ حقًا أف يكوف ىذا الإنساف لـ يخمؽ لنفسو، وا نما خمؽ لعبادة الله، ولـ يخمؽ ليذه الدنيا الصغيرة الفانية، وا نما خمؽ لمحياة الخالدة الباقية خمؽ للؤبد).

عدد الصفحات ٤

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 89 فكثيراً ما توجو آيات القرآف نظر الإنساف لكي يمتفت ويتمعف ويتأمؿ في خمقو ونفسو: كيؼ وجد؟ وكيؼ خمؽ؟، وما ىي المراحؿ التي مر بيا بالتفصيؿ؟، ومف ىذه الآيات قولو تعالى: فمينظر الانساف مـ خمؽ، خمؽ مف ماء دافؽ، يخرج مف بيف الصمب والترائب (الطارؽ ٘-ٚ). الماء عنصر ميـ في الحياة ومف أبرز الحقائؽ الت أكدىا عمـ الأحياء والطب الحديث، اف ىناؾ معادلة لا تقبؿ الخطأ مطمقا بيف الماء والحياة. وىي أنو اذا انعدـ الماء مف أي جسـ انعدمت الحياة واف ذلؾ لـ يعرؼ الا أخيرا في مجاؿ الطب وىو ضرورة الماء لمحياة وقد استشيد بالآية القرآنية: أَوَلَـْ يَرَ الَّذِيفَ كَفَرُوا أَفَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاىُمَا وَجَعَمْنَا مِفَ الْمَاء كُؿَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلبَ يُؤْمِنُوفَ (الأنبياءٖٓ)، والحقيقة اف الماء يدخؿ في بناء أي جسـ حي فيو قواـ الحياة. وتعريؼ الماء بأؿ الجنسية لتعريؼ الحقيقة أو الماىية وىذا ما يدؿ عمى اف المعاني (الملبحقة أؿ) ليا دلالات أفاد منيا السياؽ فأثبتا اف الخمؽ ىومف جنس الماء لا الماء كمو لاف حقيقة الماء عمى العموـ تختمؼ تماما عف حقيقتو بوصفو جنسا تصنع او تخمؽ منو الاشياء وىذا أس الرابط بيف الأسموب القرآني والتوجيو المغوي في قولو تعالى: وجعمنا مف الماء كؿ شيء حي المعنى اف كؿ شيء صار حيا فيو مجعوؿ مف الماء تكوينو ويدخؿ فيو ا لشجر والنبات عمى التبع وليس المقصود استغراؽ الماء كمو في خمؽ الأحياء ٛ. أف الآية الكريمة أشارت عمى وجو الإعجاز والموعظة، يوـ لـ يكف تشريح ولا مجير، إلى موضع تدفؽ المني مف الانساف قبؿ أف يخرج إلى ظاىر الجسـ . و لتحميؿ ىذا الرأي نبيف أولاً معاني كممتي (الصمب والترائب): (الصمب) لغوياً تعني كؿ شيء قوي وصمب. وليذا تطمؽ عمى الرجؿ. والصمب عبارة عف العمود الفقري البادئ مف ناحية ما بيف الكتفيف إلى نياية الفقرا تٜ. ويرى بعضيـ أف الصمب ىو مركز تكوف نطفة الرجؿ ما يستقر منيا في القسـ الخمفي أو الأمامي مف العمود الفقري أي الموقع البدائي للؤعضاء التناسمية الذكرية والأنثوية (الرحـ (. و(الصمب) يشمؿ العمود الفقري الظيري والعمود الفقري القطني، وعظـ العجز. ويشتمؿ مف الناحية العصبية عمى المركز التناسمي الآمر بالانتعاظ ودفؽ المني وتييئة مستمزمات العمؿ الجنسي. كما أف الجياز التناسمي تعصبو ضفائر عصبية متعددة ناشئة مف الصمب، مسؤولة عف انقباض الأوعية وتوسعيا، وعف الانتعاظ والاسترخاء وما يتعمؽ بتماـ العمؿ الجنسي . وا ذا أردنا أف نحدد ناحية الصمب المسؤولة عف ىذا التعصيب، قمنا أنيا تحاذي القطعة الظيرية الثانية عشرة والقطنية الأولى والثانية والقطع العجزية الثانية والثالثة والرابعة. أما (الترائب )، فإنيا مشتقة مف (الترب ) أي الشيئيف النديف المتكافئيف. وفسر بعض المفسريف معنى (الترائب ) بأنو الأعضاء الزوجية المتماثمة في جسـ الإنساف، كما في أصابع اليديف وعظمي الساقيف، بينما حدده الطبرسي في (مجمع البياف) بأنو (العظـ في صدر المرأة ). وكذلؾ ذكره العلبمة الطباطبائي في (الميزاف ) بأنو (عظـ الصدر عند المرأة) . وأفضؿ ما يستقر الرأي عميو ىو أف (الصمب) ىو العمود الفقري في ظير الرجؿ و (الترائب ) عظمي ساقيو، فعبارة (يخرج مف بيف الصمب والترائب) تعود لػ(ماء دافؽ). وقيؿ الترائب ضموع الصدر الواحدة تريبة ٓٔ. والماء الدافؽ ىو مني الرجؿ، في كوف معنى الآية: (يخرج مني الرجؿ مف بيف ظيره وعظمي ساقيو)، وىو ما يقوؿ بو الأغمبية. وخلبصة ما ذكر أف الآية الكريمة لـ تنوه لمحؿ تكوف سائؿ المني بؿ لممركز العصبي الخاص بضبط عممية الإفراز والسيلبف. ويستند صاحب (التفسير الكبير) إلى كوف الدماغ ىو دوف شؾ أنشط أعضاء الجسـ في إفراز المني، ويشاركو في

عدد الصفحات ٥

تنوه لمحؿ تكوف سائؿ المني بؿ لممركز العصبي الخاص بضبط عممية الإفراز والسيلبف. ويستند صاحب (التفسير الكبير) إلى كوف الدماغ ىو دوف شؾ أنشط أعضاء الجسـ في إفراز المني، ويشاركو في ىذه العممية امتداده النخاعي الواقع بيف الصمب والألياؼ الكثيرة المتفرعة منو إلى جميع الأقساـ الأمامية مف الجسـ التي تسمى (التريبة)، فيقوؿ بأف الله تعالى خصّ الرجؿ بيذيف العضويف.

عدد الصفحات ٥

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 89 ويؤكد آية الله محمد ىادي معرفة صحة ىذا المعنى بعد عرض رأي د. حسف اليويدي في شأف تفسير الآية. أما ناصر مكارـ الشيرازي فإنو يذكر: أىـ عامؿ في إفراز المني ىو (النخاع الشوكي) المستقر في ظير الرجؿ. ويرى بعض الدارسيف أف المقصود مف (بيف الصمب والترائب ) في الآية الشريفة ىو الماء المتدفؽ باندفاع ويعو د مصدره لما بيف ظير الرجؿ وعظامي ساقيو . أنظر كيؼ يتحدث القرآف الكريـ عف ىذا المعنى ببالغ الفصاحة والبلبغة وكذلؾ بغاية الأدب . فعند عرض قضايا جنسية خلبؿ آيات القرآف المباركة يلبحظ فييا تطبعيا بمنتيى الأدب فلب يصرح القرآف عف اسـ العضو التناسمي للئنساف. و ىذا ما يسمى اللبمساس في القرآف الكريـ اذ تتجمى المعاني المحذورة جنسيا وغير ذلؾ بألفاظ موحية بذلؾ بعيدا عف التصريح الفاحش الذي يخدش الحياء ومف الممكف اف تجعؿ ىذه الصفة اللبمساس مف أخلبقيات لغة القرآف التي تتميز مفرداتيا بالقدسية والجلبؿ. دأب القراف الكريـ ع مى عدـ المساس بالانفلبت الدلالي للؤلفاظ، فراح يكني عنيا لفظا حتى صار ىذا المفظ الجديد ىو الحقيقة المغوية لممعنى، وىذا كثير في تأسيس المعنى في النص القرآني. وقد أخذ موضوع خمؽ (الإنساف) قدر كبير مف آيات الكتاب الكريـ، وقد كانت ىناؾ أكثر مف صيغة تكمـ بيا ال قرآف المجيد عف ىذا (الخمؽ). وبعد أف نستعرض ىذه الصيغ، وما يمكف أف نستخمصو منيا مف تصورات وأفكار قرآنية تخص ىذا المخموؽ العجيب وما انفرد بو كتاب الله عز وجؿ بيذا الخصوص ىو اختياره لألفاظ لـ يسبؽ لمبشرية اختيارىا او معرفتيا كما لـ يستطع العمـ الحديث الا ليستخدميا في عمومو وبحوثو نحو التطور والرقي ومعرفة حقائؽ الامور كالألفاظ الدالة عمى مراحؿ التطور الخمقي للئنساف حيث قاؿ تعالى: وَقَدْ خَمَقَكُـْ أَطْوَاراً(نوح ٗٔ). وىي ما تمثؿ مراحؿ النمو والنضوج ومنيا صارت كممة التطور تدؿ عمى الازدياد الدلالي لكؿ لفظة في المغة او النضوج في المجالات الأخر. وىي ما تمثؿ لفظة التنضج، ولكف ىذا المفظ لـ يستقر بوصفو دالا عمى معنى التطور عمى الرغـ مف انو الصؽ بالمعنى وأكثر تمثيلب. فمف نطفة، وعمقة، ومضغة، وغير ذلؾ مف الالفاظ التي تشير الى مراحؿ خمؽ الانساف. وقبؿ الدخوؿ في ىذه المر احؿ لابد مف بياف ماىية خمؽ الانساف والاشارة الى نوع المادة التي خمؽ منيا، حيث قاؿ تعالى: وَمِفْ آيَاتِوِ أَفْ خَمَقَكُـ مِّف تُرَابٍ ثُـَّ إِذَا أَنتُـ بَشَرٌ تَنتَشِرُوفَ (الروـٕٓ). اذف الصيغة الاولى: (التراب)، و ا ف موضوع التراب ىنا ىؿ ىو (آدـ) أـ ىو أي فرد مف أفراد الإنساف؟ الامر ليس واضحا، فقد يكوف المقصود إف الله خمؽ (آدـ) مف تراب، ثـ تناسمَت ىذه الذريَّةَ المنتشرة في أصقاع الأرض، وقد يكوف المعنى أف الله خمؽ كؿَّ إنساف مف تراب ثـ ينتشر في الأرض عمى شكؿ نسؿ وذرية. قاؿ تعالى: وَالمَّوُ خَمَقَكُـ مِّف تُ رَابٍ ثُـَّ مِف نُّطْفَةٍ ثُـَّ جَعَمَكُـْ أَزْوَاجاً (فاطرٙ). ليس بالضرورة أف يكوف التراب ىنا ىو (آدـ)، فقد يكوف الحديث في الآية عف كؿ فرد مف أفراد الإنساف، فكؿ منا كاف ترابا، وكؿ منا يرجع بعد التحميؿ الأخير إلى كمية مف التراب، والنطفة أصميا تراب، والنط فة تتطور وتتحوؿ فتكوف بشرا سويا، فمنَّا مفْ ىو ذكر ومنَّا مفْ ىو أنثى . وقد يكوف المقصود بالتراب ىو ما ينتج منو مف زرع ونبات وثمر بؿ وغذاء لمحيوانات التي يأكميا الانساف فتتكوف عنده النطفة فتصير انسانا ضمف المراحؿ المذكورة في خمقو في الآيات القرأت القرآنية. يقوؿ تعالى: ىُوَ الَّذِي خَمَقَكُـ مِّف تُرَابٍ ثُـَّ مِف نُّطْفَةٍ ثُـَّ مِفْ عَمَقَةٍ ثُـَّ يُخْرِجُكُـْ طِفْلبً (غافرٚٙ). ىذه الآية ليست

عدد الصفحات ٦

في خمقو في الآيات القرأت القرآنية. يقوؿ تعالى: ىُوَ الَّذِي خَمَقَكُـ مِّف تُرَابٍ ثُـَّ مِف نُّطْفَةٍ ثُـَّ مِفْ عَمَقَةٍ ثُـَّ يُخْرِجُكُـْ طِفْلبً (غافرٚٙ). ىذه الآية ليست بالضرورة أيضا أف يكوف التراب الذي ورد فييا ىو عيف (آدـ)، فأف أيَّا منّا كاف ترابا ثـ مرّ بيذه التطورات المذىمة . ىذه الصيغة يمكف أف نرتب عمييا المقتربات التالية: ػػ

عدد الصفحات ٦

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 89 ٔ- إف التراب مادة غنية وا نيا تنطوي عمى خيرات ىائمة وعندما يصفيا القرآف بالضعؼ واليواف لا يقصد التحقير والتقميؿ مف قيمة ىذه المادة، وا نما القراف ينطمؽ في وصفو ىذا مف ناحية إف ىذه المادة لا تعي ولا تشعر، وليس في البيف أي استيانة بيذه المادة التي ىي أصؿ الوجود البشري، بؿ العقؿ البشري. ٕ- إف القرآف الكريـ إنما يتحدث عف خمؽ الانساف بأسموب الطفرة المباشرة مف الأصؿ (التراب) إلى النتيجة (العقؿ) دوف المرور بنقاط العبور أحيانا، إنما لإثارة الدىشة، وبياف مدى المسافة الفاصمة بيف الأصؿ و النتيجة قاؿ تعالى: وَمِفْ آيَاتِوِ أَفْ خَمَقَكُـ مِّف تُرَابٍ ثُـَّ إِذَا أَنتُـ بَشَرٌ تَنتَشِرُوفَ (لروـٕٓ). ٖ- وعمى الرغـ مف أف بياف آيات العظمة في ىذه الصيرورة مف أىداؼ البياف القرآني ىنا، ولكف في نفس الوقت يريد أف يذكِّر الإنساف بأصمو، ىذا للبتعاظ والعبرة (لـ يكف شيئا مذكورا) وفي ذلؾ نزلت أكثر مف آية كريمة نستعرضيا ىنا: قاؿ تعالى: قَاؿَ لَوُ صَاحِبُوُ وَىُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَمَقَؾَ مِف تُرَابٍ ثُـَّ مِف نُّطْفَةٍ ثُـَّ سَوَّاؾَ رَجُلبً (الكيؼٖٚ). قاؿ تعالى: إِفَّ مَثَؿَ عِيسَى عِندَ المّوِ كَمَثَؿِ آدَـَ خَمَقَوُ مِف تُرَابٍ ثِـَّ قَاؿَ لَوُ كُف فَيَكُوفُ (آؿ عمراف ٜ٘)، (إف مثؿ عيسى) شأنو الغريب (عند الله كمثؿ آدـ) كشأنو في خمقو مف غير أـ ولا أب وىو مف تشبيو الغريب بالأغرب ليكوف أقطع لمخصـ وأوقع في النفس (خمقو مف تراب ثـ قاؿ لو كف) بشراً (فيكوف) أي فكاف وكذلؾ عيسى قاؿ لو كف مف غير أب فكاف وىذه الآية تريد أف تقرب قدرة الله للآخر الذي يتعجب مف خمؽ عيسى مف دوف اتصاؿ جنسي بيف ذكر وانثى، فكما خمؽ الله آدـ مف تراب بقدرتو الفائقة يخمؽ عيسى بلب ىذا التواصؿ الجنسي ٔٔ. فشبو ىذه الحالة المفردة وىي خمؽ عيسى عميو السلبـ بحالة مماثمة وىي خمؽ آدـ عميو السلبـ وتشبيو المفرد بالمفرد يمجأ اليو المثؿ عادة في المقارنة بيف حالة وحالة ٕٔ. المفظة الثانية: (الطيف). الطيف في المغة: (الوحؿ، واحدتو طينة، ... ، والطينة: الخمقة والجبمة. يق اؿ فلبف مف الطينة الأولى، وطينة الرجؿ خمقتو وأصمو)ٖٔ. والطيف التراب والماء المختمط ٗٔ. والظاىر بحسب المعنى المغوي اعلبه اف لفظ الطيف ىو اجماؿ لأف طيف الرجؿ خمقتو كما ذكرنا، ثـ أردؼ تفصيؿ ىذا الاجماؿ. اذ قاؿ الشريؼ الجرجاني: (الاجماؿ ايراد الكلبـ عمى وجو يحتمؿ امورا متعددة والتفصيؿ بعض تمؾ المحتملبت او كميا) ٘ٔ. وقاؿ العسكري: (التفصيؿ ىو وصؼ آحاد الجنس وذكرىا معا) ٙٔ. وقاؿ ابف عاشور: (التفصيؿ التبيف والتوضيح مشتؽ مف الفصؿ وتفرؽ الشيء عف الشيء) ٚٔ. وىي المفظة التي يكوف مدخوؿ المادّة فييا(الطيف)، نقرأ ذلؾ في الآيات التالية: قاؿ تعالى: { طِيفٍ ثُـَّ قَضَى أَجَلبً وَأَجَؿٌ مُّسمِّى عِندَهُ ثُـَّ أَنتُـْ تَمْتَرُوفَ ٕ)، في ىذه الآية ليس بالضرورة أيضا أف يكوف الطيف ىو عيف (آدـ) فإف الطيف مركب مف الماء والتراب، ومعموـ إف نياية التسمس ؿ الغذائي الذي منو نتكوف ونصير وننمو وننشأ ىو ىذا الطيف بلب شؾ. قاؿ تعالى: وَلَقَدْ خَمَقْنَا الإِْنسَافَ مِف سُلبَلَةٍ مِّف طِيفٍ، ثُـَّ جَعَمْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِيفٍ، ثُـَّ خَمَقْنَا الن طْفَةَ عَمَقَةً فَخَمَقْنَا الْعَمَقَةَ مُضْغَةً فَخَ مَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَاـَ لَحْماً ثُـَّ أَنشَأْنَاهُ خَمْقاً آخَرَ فَتَبَارَؾَ المَّوُ أَحْسَفُ الْ خَالِقِيفَ (المؤمف ٕٔ_ٙٔ). أما معنى السلالة في المغة: فيو ما انسؿ مف الشيء وانتزع منو برفؽ، فيي الحيواف المنوي في ماء الرجؿ والب ويضة في ماء المرأة ٛٔ. السلبلة ىي

عدد الصفحات ٧

أَحْسَفُ الْ خَالِقِيفَ (المؤمف ٕٔ_ٙٔ). أما معنى السلالة في المغة: فيو ما انسؿ مف الشيء وانتزع منو برفؽ، فيي الحيواف المنوي في ماء الرجؿ والب ويضة في ماء المرأة ٛٔ. السلبلة ىي العصارة، و(سلبلة مف طيف) أي مف الصعود الّذي يُسؿُّ مف الارض كما قيؿ، وربما يُشار بذلؾ إف الإنساف يخمؽ مف خلبصة الطيف الغنية بالمواد التي مف شانيا تصمح أف تكوف مخموقا بشريا لما تحتويو مف ممكنات غذائية، فإف الإنساف يُتحصَّؿ و يُسؿ ويُخرَج مف الطيف، والطيف ىو المركب مف ماء وتراب، والنباتات كميا متحصَّمة منيما، وغذاء الحيواف يرجع إلى النباتات، وىكذا الإنسافٜٔ، والنطفة إنما تتكوف مف الغذاء، فترجع إلى الطيف، وىذا ما قاؿ بو بعض العمماء. فآيات القرآف يفسر بعضيا بعضا ويفصؿ بعضيا ما أج ممو البعض الآخر، ليذا قالت الآية مف سورة المؤمنوف (ولقد خمقنا

عدد الصفحات ٧

العدد11 مجلة كلية التربية الأساسية/ جامعة بابل آذار/0213م 89 الانساف مف سلبلة مف طيف). أي مف مواد تتسؿ مف الطيف فيي في محتواه، والتسمؿ ىو الحركة الخفية، والمص المتسمؿ ىو الذي يتحرؾ ولا يراه أحد. صيغة فعالة تدؿ عمى الشيء يفعؿ فيو فعؿ ما، فالسلبلة ما يسؿ وي خرج في خفاء، والسلبلة ما يسمت مف شيء آخر وفصؿ عفٕٓ. والخلبصة ىي ما يستخمص وينقى مما يختمط بو الطيف الذي تتكوف حبيباتو مف سميكات الالمنيوـ فيو مسافات تكوف ٓ٘% مف حجمو وتحتوي ما يمكف اف يحرؾ ويستخمص وىو السلبلة التي عرفنا بالوسائؿ العممية انو ماء ذابت فيو غازات وآيونات وجزئيات صغيرة مف أصؿ عضوي وبعض الأملبح ٕٔ. فيذه الآية الكريمة تنطبؽ عمى كؿ فرد مف أفراد الإنساف، أي لا تختص بإنساف عمى حدة، وا نما ىي قضية حقيقية تتناسب مع الفطرة التي فطر الله سبحانو. قاؿ الله تعالى: قَاؿَ مَا مَنَعَؾَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَ مَرْتُؾَ قَاؿَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْوُ خَمَقْتَنِي مِف نَّارٍ وَخَمَقْتَوُ مِف طِيفٍ (الأعراؼ ٕٔ) وقاؿ تعالى: قَاؿَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْوُ خَمَقْتَنِي مِف نَّارٍ وَخَمَقْتَوُ مِف طِيفٍ (صٙٚ). والطيف ىنا ىو (آدـ) عملب بسياؽ الآية الكريمة، ولكف يمكف أف ينطبؽ ا لمثاؿ عمى كؿ فرد مف أفراد البشر، لأف كؿ فرد منيـ ير جع إلى كوف مبدئو مف طيف. قاؿ تعالى: إِذْ قَاؿَ رَبُّؾَ لِمْمَلبَئِكَةِ إِنِّي خَالِؽٌ بَشَراً مِف طِيفٍ صٔٚ. والبشر ىنا ىو آدـ كما ىو واضح. قاؿ تعالى: فَاسْتَفْتِيِـْ أَىُـْ أَشَدُّ خَمْقاً أَـ مَّفْ خَ مَقْنَا إِنَّا خَمَقْنَاىُـ مِّف طِيفٍ لاَّزِبٍ (الصافاتٔٔ). قاؿ تعالى: (إنّا خمقناىـ مف طيف لا زب). معنى (لازب) تعدَّد وتكثؼ فقد جاء في لساف العرب (اللبزب: الضيؽ وماء لزب: قميؿ، وا لمزوب: القحط، والمزبة: الشِّدة، وسنة لزبة: شديدة... وطيف لازب: لازؽ...)، وفي مقياس المغة نقرأ: (اللبـ والزاء والباء يدؿ عمى ثبوت شيء ولزومو، يقاؿ للبزـ لازب، وصار ىذا الشيء ضربة لازب، أي لا يكاد يُفارؽ...)، إف فيما أوليا يمكف أف نستخمصو مف ىذه الاستعراضات، ىو أف المزوب يعني المزوؽ ٕٕ. وىو ما يدؿ عمى التماسؾ فيما بيف الشيء وعدـ التفتت والانفلبت بؿ ىو شديد الرابطة بيف أجزائو لجودة مكوناتو. جاء في روح المعاني وىو يفسر ىذه الآية الشريفة: إنّا خمقناىـ مف طيف لازب أي ممتصؽ كما أخرج ذلؾ ابف جرير وجماعة عف ابف عباس، وفي رواية ا خرى بمفظ ممتزؽ. . . قيؿ: والمراد ممتزؽ بعضو ببعض، وبذلؾ فسّره ابف مسعود كما أخرجو ابف أبي حاتـ، ويرجع إلى حَسَف العجيف، جيد التخمير، وأخرج ابف المنذر وغيره عف قتادة أنّو يمزؽ باليد إذا مس بيا ... وحكي في (البحر) عف ابف عباس أنو عبّر عف اللبزب بالجر، أي الكريـ الجيد، وفي رواية قاؿ: اللبزب الجيد ٖٕ. ىذه بعض مقترب ات ومعاني واستعمالات المادَّة المذكورة (لازب)، وربما نستفيد مف قولو تعالى: مف سلبلة مف طيف أف المادَّة تنصرؼ ىنا الى الطيف الجيد، المتمكف مف العناصر المفيدة والضرورية لنشاة الانساف وتكونو وتطوره فيما بعد، وفيما إذا كاف المعنى ىو المصوؽ فيو لا يعدو تعبيرا وصفيا عاديا، فإف الطيف مادة لاصقة، أو بالأحرى لازقة، تمزؽ باليد، ويمزؽ بعضيا ببعض كما ىو معموـ وواضح، وربما ىو طيف لازب، يعني شديد الضعؼ، فكيؼ يخمؽ منو إنسانا بيذه الممكنات والقوة والجبروت والعمو والسمو ! سواء كاف ىذا المعنى أو ذاؾ، فلب تشير الدلالة الى إف الطيف (اللبزب) ىنا ىو ذاتو الذي سيكوف (آدـ)، فإف مرجع كؿ منّا إلى ىذا الطيف (اللبزب)، حيث يتركب مف ماء وتراب. يقوؿ تعالى: الذي احسف كؿ شيء خمقو وبدأ خمؽ الانساف مف طيف، ثـ جعؿ نسمو مف سلبلة مف ماء مييف، ثـ سوَّاه ونفخ فيو مف رُّوحو وجعؿ لكـ السمع والأبصار والأفئدة قميلب ما تشكروف(السجدةٚ-ٜ).

عدد الصفحات ٨

عالى: الذي احسف كؿ شيء خمقو وبدأ خمؽ الانساف مف طيف، ثـ جعؿ نسمو مف سلبلة مف ماء مييف، ثـ سوَّاه ونفخ فيو مف رُّوحو وجعؿ لكـ السمع والأبصار والأفئدة قميلب ما تشكروف(السجدةٚ-ٜ). فيذه الآية الكريمة ليا أكثر مف توجيو، نستعرضيا ىنا: التوجيو الأول: إف المقصود في الآية ىو (آدـ) بشكؿ جوىري وأساسي، مف كونو ترابا إلى نفخ الروح فيو، ثـ تناسمو عبر مائو المنوي ! التوجيو الثاني: إف بدء الخمؽ (آدـ) كاف مف طيف، ولكف نسمو كاف (مف سلبلة مف ماء مييف)، فيناؾ مرحمتاف، مرحمة آدـ، ومرحمة نسمو، الآية رقـ ( 7 .)

عدد الصفحات ٨