المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مشكلات الأحاديث النبوية عبدالله بن علي النجدي

غير معروف

صفحة ٥ من ٩

-67 - عصى الله لٌس له أن ٌحتج بالمدر ، وان احتج به كان خطٌبة على خطٌبة. وطابفة ثانٌة فهمت الحدٌث كما فهمته الطابفة الأولى ، فمبلته وسوؼت أن ٌحتج العاصً ، بل والكافر بالمدر . وهذا باطل عملب ، وشرعاً ، وضرورة ، ووجداناً . فلو كان ٌجوز أن ٌحتج بالمدر لجاز للٌهود والنصارى والمشركٌن أن ٌحتجوا لكفرهم بؤن الله لضاه علٌهم ، وكانوا ٌحجون الأنبٌاء بهذه الحجة ، وكان ٌجوز أن ٌحتج السارق والزانً والماتل به ، فلب تمام علٌهم الحدود . ولد احتج المشركون على رسول الله بهذه الحجة الداحضة ، فردها الله علٌهم . لال تعالى ( سٌمول الذٌن أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباإنا ولا حرمنا من شًء كذلن كذب الٌن من لبلهم ) ولال ( ولال الذٌن أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شًء نحن ولا آباإنا ولا حرمنا من شًء ) . وأٌضا لو كان المدر حجة لكان حجة لموسى فً لومه لآدم فكان ٌمول له : أتلومنً ٌا آدم على لومً لن ولد كتبه الله علًّ ولدر أن ألومن فتكون الحجة لموسى على آدم كما كانت لآدم على موسى ، وكان كل منهما معذوراً ، ولم ٌكن موسى محجوجاً وآدم حاجاً ، ولم ٌكن آدم صٌباً وموسى مخطباً . وهذا واضح . وأٌضاً لد جهر المرآن بؤن آدم وحواء إعترفا بذنبهما و ( لالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تؽفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرٌن ) ولو كان آدم ٌرى أنه معذور بالمدر لما اعترؾ بذنبه . وأٌضاً لو كان المدر ٌدفع اللببمة لما كان آدم عاصٌاً . لكن لال الله بعد أن ذكر أكلهما من الشجرة ( وعصى آدم ربه فؽوى ثم اجتباه ربه فتاب علٌه وهدى ) . وأٌضاً لو كان معذوراً لما أخرجا من الجنة لما أكلب من الشجرة ، ولكان الشٌطان معذوراً أٌضاً فً إؼواإهما وأبى لهما السجود ، وكان ٌجوز له أن ٌرد على من اعترض علٌه بالمدر كما احتج عدوه آدم . فالاحتجاج بالمدر للمخالفة باطل شرعاً وعملبً ووجداناً وضرورة . ولو ظلم أحد هإلاء الذٌن ٌحتجون بالمدر لما عذر ظالمه وؼفر له ذنبه واحتج له بالمدر والمضاء بل لكان ٌسعى فً الإٌذاء والانتمام .

عدد الصفحات ٦٥

-68 - وإذاً سوؾ تمول لً: عرفنا أن الاحتجاج بالمدر باطل فما معنى هذا الحدٌث ، وما تؤوٌله ؟ فؤلول : فٌه رأٌان لٌس فً واحد منهما تجاؾ عن العمل أو الشرع : الرأي الأول ـ لالوا : إن موسى علٌه السلبم لام آدم على المصٌبة التً ولع فٌها هو وبنوه ، وهً الإخراج من الجنة ، لا على الذنب الذي هو الأكل من الشجرة . لالوا : والمصٌبات ٌجب الرضا والتسلٌم لله فٌها لأنها من فعل الخالك سبحانه لا فعل المخلوق . لالوا : ولد مدح المرآن الصابرٌن على المصٌبة لال ( وبشر الصابرٌن الذٌن إذا أصابتهم مصٌبة لالوا إنا لله وإنا إلٌه راجعون أولبن علٌهم صلوات من ربهم ورحمة وألبن هم المهتدون ) ولال ( ما أصاب من مصٌبة فً الأرض ولا فً أنفسكم إلا فً كتاب من لبل ان نبرأها إن ذلن على الله ٌسٌر لكٌلب تؤسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا ٌحب كل مختال فخور ) ولال ( ما أصاب من مصٌبة إلا بإذن الله ومن ٌإمن بالله ٌهدي للبه ) لالوا :فالمصٌبات التً ٌبتلً الله بها عباده لٌس لهم أن ٌجزعوا منها ، وأن ٌحزنوا ، بل علٌهم الرضوان بها ، والتسلٌم لله . لالوا : وموسى أعمل واعرؾ من أن ٌلوم آدم على ذنب لد تاب منه ، ولبل الله توبته ، وؼفر له ، واجتباه بعده . وإنما كان ملبمه له على الإخراج من الجنة الذي هو صنع الله ، وعلى ما حصل منه ، وهو إخراج أولاده من الجنة، وتعرٌضهم للدنٌا وتكالٌفها ، وما فٌها من أذى وردى . لالوا : ورواٌة الحدٌث شاهدة بذلن فإن فٌها " أنت أبونا خٌبتنا وأخرجتنا من الجنة " وفٌها " أنت آدم الذي أؼوٌت الناس وأخرجتهم من الجنة " وفٌها " ثم أهبطت الناس بخطٌبتن إلى الأرض " فهذه الرواٌات شهٌدة على أنه لامه على المصٌبة التً ولعت بعد ذنبه ، لا على ذنبه وبهذا بريء الحدٌث من الإشكال . هذا هو الرأي الأول . الرأي الثانً ـ لم تمع المحاجة بٌن آدم وموسى إلا بعد أن تاب آدم من ذنبه ، وتاب الله علٌه ، وؼفر له ، ورضٌه ، وعمل بعده الأعمال الصالحة التً جعلته من أصحاب الجنات ، ومن الممربٌن عند الله، ومن أنبٌابه المصطفٌن ، فالحجاج بعد ذلن كله . والملبمة على الذنب ٌراد بها زجر المذنب لبلب ٌعود إلى ذنبه مرة ثانٌة . أما إذا أذنب ثم تاب من ذنبه توبة نصوحاً ، ولبلت توبته فلب فابدة بالملبم ، ولا ٌجوز ذلن مطلماً . لأن

عدد الصفحات ٦٦

-69 - المراد منه حٌنبذٍ الإساءة والتوبٌخ وهذا لا ٌحل. ألا ترى أننا لو لمنا إنساناً كان ترن الصلبة بعد أن تاب ، وحافظ علٌها كل المحافظة ، لكنا أحك باللوم منه ، ولكنا مخطبٌن ؼٌر مصٌبٌن ؟ وكذلن من لام كافراً على كفران سلؾ منه ، ثم تاب منه كان مخطباً ؼٌر مصٌب . فهذا الحدٌث من هذا . فموسى لام آدم على ذنبه الذي تاب ، فكان محجوجاً ؼٌر مصٌب ، لأنه لم ٌفد لومه ، ولم ٌثمر ؼٌر إٌجاع آدم وإٌذابه . ولد روى مسلم فً صحٌحه أن امرأة جاءت رسول الله علٌه السلبم فاعترفت على نفسها بالزنا ، فؤمر بها فرجمت ، فؤلبل خالد بن الولٌد ـ وهً ترجم ـ فرماها بحجر وسبها . فمال نبً الله " مهلبً ٌا خالد . لمد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لؽفر له " . نهاه رسول الله عن أن ٌسب امرأة زانٌة لأنها لد تابت . والتابب ٌتاب علٌه . فكذلن آدم علٌه السلبم لا ٌجوز أن ٌلبم على ما تاب علٌه . وهذا الرأي هو الرأي الصحٌح الذي ٌلزم حمل الحدٌث علٌه أما الرأي الأول فلٌس بذان . فإن لوله أتلومنً على أن عملت عملبً كتبه الله علًّ صرٌح فً أن موسى لامه على العمل لا على المصٌبة . وأٌضاً مما لا ٌصح أن ٌلوم موسى آدم على المصٌبة التً هً من فعل الله ، ولا فعل لآدم فٌها ، وهً إخراج ذرٌته من الجنة . وأٌضاً لو كان لامه على المصٌبة لكان ذلن لأنه السبب فً المصٌبة ، والعامل الأول فً حلولها . ولا رٌب أن المذنب ٌلبم على ما أنتجه عمله . ولو عصا عاص فؤنزل الله عماباً عم ذلن العاصً وأهل بلدته لساغ ملبمه على ما أصاب أهل البلدة . ولو إعتدى معتد من بلد فمتل إنساناً ، فهجم أهل المتٌل على بلدة الماتل فؤولعوا بهم للبم أهل البلدة الماتل على ما جره علٌهم من بلبء ، ولمالوا له : آذٌتنا واعتدٌت علٌنا . وهم صادلون . فإن للت : ما ذهبت إلٌه فً الحدٌث مذهب صحٌح ، ولو لا أن ظاهر الحدٌث خلبفه . فإن رواٌات الحدٌث كلها تدل على أن آدم دفع عن نفسه بالمدر لا بالتوبة . فانه لال " أتلومنً على أمر لد لدره الله علًّ لبل أن أخلك " إلى آخر الرواٌات . ولو كان المعنى ما تذهب إلٌه لمل " أتلومنً على أمر لد تبت منه وتاب الله علً " . -70 -

عدد الصفحات ٦٧

للت: لا شن أنه إذا كان للؤمر سببان ، أو علتان فؤكثر جاز ذكر أحدهما وطً الآخر وتنحٌته إن كان معلوماً . فمد ٌران إنسان ، ومعن زكاة مالن ترٌد أن تدفعها إلى واحد من أصحابها ، فٌمول لن : " إدفعها لفلبن فإنه فمٌر " والعلة الثانٌة المطوٌة فً هذا الكلبم " ومسلم " فإن الزكاة لا تدفع للفمٌر إلا إذا كان مسلماً . وكذا إذا رأٌت من ٌطلب عاملبً للت : استعمل فلبناً فإنه مسلم " أي " وأمٌن وكؾء " وإذا رأٌت من ٌرٌد لتل إنسان للت له : " لا تمتله فإنه مسلم " وأنت ترٌد أنه مسلم ، وأنه لم ٌجن ما ٌستحك به المتل . وإذا رأٌت من ٌإذي ذمٌاً للت له : " لا تإذه فإنه ذمًَّ " أي " مسالم لم ٌنمض عهده " . ولد ٌمال لن : لماذا لدمت فلبناً على ؼٌره . فتمول : " لأنه عالم " أي " وصالح " ولد ٌمال لن لم تحب فلبناً فتمول : " لأنه من العرب " أي " ومن الفضلبء " . وأمثال ذلن فً الكلبم العربً كثٌر معروؾ . وكذلن حدٌث الباب . ذكر أحد السببٌن، وهو المدر. وطوى الآخر ، وهو التوبة ، لأنها معلومة للمتخاطبٌن . فهذا الحدٌث لاعدة من لواعد الآداب النبوٌة ، وخلك من أخلبله السامٌة . وهً أن ٌكون فعل الإنسان كله للمصلحة والفابدة فلب ٌفعل شٌباً إلا إذا كان نافعاً فلب ٌعظ عاصٌاً إلا إذا ظن أنه ٌنتهً عن عصٌانه ، أو ٌملل منه ، لا أن ٌلج فٌه وٌتمادى . مطً ىىسى مينك اميىخ عن أبً هرٌرة عن رسول الله لال : " أرسل ملن الموت إلى موسى . فلما جاءه صكه . فرجع إلى ربه ، فمال أرسلتنً إلى عبد لا ٌرٌد الموت . لال : ارجع إلٌه ولل له لٌضع ٌده على متن ثور فله بما ؼطت ٌده بكل شعرة سنة لال : أي ربً ثم ماذا ؟ لال : ثم الموت . لال : فالآن " . رواه البخاري ومسلم . وفً رواٌة عند مسلم لال : " لال ملن الموت لموسى : أجب ربن . فلطم موسى عٌن الملن ففمؤها " لال : " فردها الله علٌه " . هذا الحدٌث صحٌح الإسناد وفً معناه إشكالات : أولاً ـ لو فمؤ أحدنا عٌن واحد من عامة الناس لعد فاسماً باؼٌاً . فما حال من فمؤ -71 - عٌن ملن ممرب ؟! إن فسمه وظلمه ٌكون أعظم وأظهر .

عدد الصفحات ٦٨

ثانٌاً ـ الحدٌث ٌدل على أن ملن الموت جاء موسى ظاهراً فؤبصره. وهل ملن الموت ٌبصر ؟! . ثالثاً ـ الحدٌث ٌدل على أن موسى ما كان ٌعلم بؤنه مابت لا محالة ، بل ٌشن فً خلوده . ولهذا ٌمول : " ثم ماذا " كؤنه لا ٌعلم أن الموت من بعد . رابعاً ـ إما أن ٌكون الله أرسل ملن الموت إلى موسى لٌتوفاه أو ٌكون الملن ذهب من تلماء نفسه . على الأول كٌؾ ٌرجع إلى الله لبل توفٌه ؟! أو لٌس لادراً على ذلن وإن كره موسى والحدٌث ٌشهد على أن الله أرسله ؟! وعلى الثانً كٌؾ ٌجوز لملن أن ٌتوفى نبٌاً من أنبٌاء الله المرسلٌن لإنماذ البشرٌة من الشرن والفساد بلب أر من الله ، ألا ٌكون معتدٌاً أهلبً لما نزل به ؟! . خامساً ـ لا شن أنه ما لطم الملن فؤطار عٌنه إلا كراهٌة الموت وحباً للحٌاة إذاً ماله لم ٌمبل ذلن العمر الذي عرضه الله علٌه وهو عدد الشعرات التً تتناولها ٌده إذا وضعها على ظهر ثور ؟! فهذا لد ٌشعر بشًء من التنالض . هذه إشكالات لد تعترض المارئ ، ولد ترد علٌه ، وإن لم ٌستطع الإبانة عنها . ولد كذب الحدٌث ألوام لذلن. وهً واردات لا تصل إلى إضعاؾ الحدٌث الصحٌح . وبٌان ذلن : أما الإشكال الأول وهو أنه ٌكون ظلماً وبؽٌاً . فٌمال : إن موسى ما كان ٌعلم أنه ملن الموت ، وأن الله بعثه إلٌه ، بل حسب أنه إنسً ٌرٌد العدوان علٌه ، كما حسب إبراهٌم ولوط الملببكة الذٌن جاءوهما أناسًّ فرأى أن الدفاع عن النفس جابز أو واجب . كٌؾ وهو رسول الله أرسله لؽرض من أشرؾ الأؼراض ، وهو إلامة التوحٌد والعدل فً الأرض . ولٌس فً الحدٌث ما ٌشهد بؤنه عالم حمٌمة الملن . وأٌضاً ربما ظن أنه تصلح مدافعة ملن الموت ، كما تصلح مدافعة الألدار والنوازل التً ٌنزلها الله وٌبعثها لمصم العباد ، فحسب أن المكلؾ ٌطالب بؤن ٌدافع كلما هجم علٌه مطلماً ، فدافعه ، كما ٌجب علٌنا أن ندافع الموت ووسابله على لدر طالتنا ، وإن كنا ؼٌر لادرٌن على دفعه . -72 - وأٌضاً ربما حسب أن الملن لٌس ملزماً بؤن ٌمبض روحه ، فطلب منه الإمهال ، فلم ٌجب

عدد الصفحات ٦٩

، فؤصابه بما أصابه. ولعله لم ٌكن لاصداً فكء عٌنه . ولد لص المرآن من فعل موسى ما ٌمارب هذا . وهو ما حكاه عن لتل المبطً . لال فً سورة المصص ( فاستؽاثه الذي من شٌعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فمضى علٌه ، لال هذا من عمل الشٌطان إنه عدو مضل مبٌن ، لال ربً إنً ظلمت نفسً فاؼفر لً فؽفر له إنه هو الؽفور الرحٌم ) ولال فً ذلن ـ لما ذكره فرعون فعلته ـ من سورة الشعراء ( لال فعلتها إذاً وأنا من الضالٌن ) ولا نرى موسى كان مرٌداً لتل ذلن المبطً، وإنما أراد أن ٌخلص الإسرابٌلً منه ، فكانت الماضٌة . أما الإشكال الثانً ، وهو أن الملن جاءه فرآه . فٌمال إن الملببكة تؤتً الأنبٌاء بصور الرجال ، كما جاءوا إلى إبراهٌم وإلى لوط بهٌبة أضٌاؾ ، وكما كان جبرابٌل ٌجًء رسول الله . هذا شًء لا ٌنكر ولا ٌستشكل . وأما الرواٌة التً رواها الإمام أحمد فً الحدٌث وهً " وكان ملن الموت ٌؤتً الناس عٌاناً فلب أظنها صحٌحة . وهً ـ إن كانت صحٌحة ـ من لول أبً هرٌرة ، لٌست مرفوعة . وأما الإشكال الثالث ، وهو أن موسى كان ٌشن فً خلوده . فٌمال : إن الاستفهام فً الكلبم ٌكون ضروب كثٌرة . ولٌس بلبزم أن ٌمارنه الجهل والشن . ولد ٌستفهم العالم والجاهل فلب ٌدل الاستفهام مطلماً على إن المستفهم جاهل وشان فٌما استفهم عنه . فمد جاء الاستفهام فً المرآن كثٌراً كموله ( هل أتى حٌن على الإنسان من الدهر ) ، ( هل أتان حدٌث الؽاشٌة ) ، ( وهل أتان نبؤ الخصم ) ، ( آلآن ولد عصٌت ) ، ( وإذ لال الله ٌا عٌسى بن مرٌم أأنت للت للناس اتخذونً ) الآٌة وأمثال هذا . فهل الاستفهام هنا ٌمارنه الشن ؟! كلب . ومثل هذا موجود فً كلبم الناس . فمد ٌمع الاستفهام منهم كثٌراً بلب شن ولا جهل . فكذلن لال موسى " ثم ماذا " لا ٌدل على أنه شان فً مصٌره الأخٌر . وأما الإشكال الرابع فنمول فٌه : إن الله أرسل الملن إلى توفٌه . والرواٌات شاهدة بذلن . ولكن لما رأى حرص موسى على الحٌاة ، وخوفه من الممات ظن أن الله ٌنسؤ له فً أجله ، فتركه . ولهذا ٌمول " أرسلتنً إلى عبد لا ٌرٌد الموت ، أو أنه أثر فٌه ما أصابه من موسى ، فرجع إلى ربه مشتكٌاً لبل أن ٌموم بمهمته . ولا مانع أٌضاً أن ٌكون إرساله لتوفٌه -73 - لٌس على طرٌك الإٌجاب والإلزام ، بل على طرٌك التخٌٌر والتفوٌض. ولد جاء فً الصحٌح أن

عدد الصفحات ٧٠

الأنبٌاء لا ٌموتون حتى ٌستشاروا وٌخٌروا بٌن الموت والحٌاة. فالملن ٌعلم أن موته فً تلن الساعة لٌس لازماً . وعلٌه لم ٌبادر إلى توفٌه ، أو أن الملن جاءه مخٌراً له بٌن الموت والحٌاة ، فظنه موسى عادٌاً ، فلما صكه علم أنه لا ٌختار الموت فتركه . وأما الإشكال الخامس فجوابه ما جاوبنا به الإشكال الأول ، وهو أن موسى لم ٌعلم أنه ملن الموت ، بل حسبه معتدٌاً علٌه ، فلطمه لذلن دفعاً عن نفسه ، لا فراراً من الموت ، ولا رؼباً فً الحٌاة . فلما عرؾ أنه ملن الموت رؼب فً لماء ربه ، واختار جواره ، كما اختار ذلن سابر الأنبٌاء بعد أن خٌروا . ثم أي مانع من أن ٌختار الإنسان أولاً الحٌاة ثم الموت ؟ لٌس فً ذلن إستحالة ولا بعد . فلب ٌجوز رد الأحادٌث الصحٌحة بمثل هذه الواردات التً ترد على كل شًء ، والتً لا ٌسلم منها كلبم ، وإن بلػ من السمو والصحة والجودة . والله أعلم . امٌَه وامفشاخ ىُ امخَح فً حدٌث المعراج الطوٌل الذي رواه البخاري ومسلم وسواهما عن رسول الله  أنه لال " ثم رفعت سدرة المنتهى . فإذا بنبمها مثل للبل هجر ، وإذا ورلها مثل آذان الفٌلة ، وإذا فً أصلها أربعة أنهار : نهران باطنان ونهران ظاهران . فملت ما هذا ٌا جبرٌل ؟ لال : أما الباطنان فنهران فً الجنة ، وأما الظاهران فالنٌل والفرات " وروى مسلم عن أبً هرٌرة عن رسول الله علٌه السلبم أنه لال " أربعة أنهار من الجنة : النٌل والفرات وسٌحان وجٌحان " . هذه الأنهار الأربعة موجودة فً الأرض ، معروفة للناس من مبدبها إلى منتهاها ، مشهودة لهم منابعها الأساسٌة ، ومصادرها الأولٌة . ومن أجل ذلن كان هذان الحدٌثان مشكلٌن فً ظاهرهما ، لأنهما ربما دلا على خلبؾ المشاهدة . فافترلت الآراء هنا . فكذبت طابفة الحدٌث . وأفرطت أخرى فمالت : إن الأنهار المذكورة تخرج الآن من الجنة ، وتنصب منها . ولم تعبؤ بؤن تنازع المشاهدة . ولالت طابفة : إن ؼً الكلبم تشبٌهاً . والمراد أن ماء هذه الأنهار ٌشابه ماء الجنة حلبوة وؼزارة ودواماً . وهذا المول لا ٌمكن إلا فً الرواٌة الأخٌرة . -74 - أما الأولى ف. ولالت طابفة : المراد أن من ٌشربون من الأنهار الأربعة هم من أهل الجنة . أي إن البلبد التً فٌها هذه الأنهار سوؾ ٌإمنون فٌكونون من أهل الجنة . ولالت طابفة إن فً الكلبم

عدد الصفحات ٧١

تمثٌ. فسدرة المنتهى عبارة عن مركز التدبٌر للكون كله. فكل ما فً الكون ٌدبر هنالن ، وٌمضى ما ٌمضى فٌه . فالنٌل والفرات ٌدبران هنالن وٌصدران عن مركزهما . فرسول الله  رأى أمرهما وتدبٌرهما ٌصدر من سدرة المنتهى لا ماءهما. ولالت طابفة : إن النٌل والفرات رفعا لٌلة المعراج إلى السماء بؤعٌانهما ، فرآها رسول الله علٌه السلبم ثم ، كما رفعت الأنبٌاء هنالن فرآهم . ولالت طابفة : هذه الأنهار المذكورة فً الحدٌث أنهار موجودة فً الجنة لٌست هً الأنهار الموجودة فً الأرض المعروفة ، وإنما توافمت أسماإها . ففً الجنة أربعة أنهار تسمى بهذه الأسماء ، وفً الأرض أربعة أنهار هذه أسماإها ، ولالت طابفة : لامت البراهٌن على صدق رسول الله علٌه السلبم وصحة هذٌن الخبرٌن عنه، فلزم أن نإمن بذلن على مراد رسول الله علٌه السلبم ، ولا نكلؾ أنفسنا فهم ما لا نمدر على فهمه ، ولا نرد ما لم نحط به خبراً ، وٌا رب حمٌمة والعة لا نفهمها . ولعلما عجزنا عن فهمه الٌوم نفهمه ؼداً أو ٌفهمه ؼٌرنا . أو لعل الزمان والحوادث تكشؾ لنا بعد ذلن عنه . ولٌس فهمنا وحدنا مٌزان الحك والحمٌمة . وفً السنة متشابهات . والمإمنون هم الذٌن ٌمولون لما لا ٌفهمون ( آمنا به كل من عند ربنا ) ولا أضل ممن ذهب ٌرد ما لم ٌمدر على فهمه ، ولا أجهل ممن كذب بالشًء لأن الله لم ٌشؤ أن ٌفهمه إٌاه . وهذه الألوال كلها ضعٌفة كما ترى ، لا تؤنس بها النفس ، المإمنة ولا الجاحدة ، وإنما الرأي الراجح الصحٌح أن نمول : أما الحدٌث الأول فهو آت على سبٌل التمثٌل . فمد مثل له  النٌل والفرات هنالن تمثٌلبً ، كما مثلت له الجنة والنار فً عرض الحابط وهو لابم ٌصلً ، حتى تمهمر وراءه لما رأى النار ، وتمدم أمامه لما رأى الجنة لٌؤخذ عنموداً ، وحتى رأى أناساً ٌعذبون فً النار ، وكما مثل له عٌسى بن مرٌم والمسٌح الدجال ، أحدهما ٌتبع الثانً ، وكما مثل له موسى علٌه السلبم وهو راكب حاجاً ٌنحدر من الوادي ، وكما عرضت علٌه الأمم أمة أمة ، فرأى سوداً ساداً الأفك ، فمٌل له : هإلاء لوم موسى ، وكما زوٌت له الأرض فرأى -75 - مشارلها ومؽاربها ، وكما رأى عمرو بن لحً ٌجر لصبة فً النار ، ورأى المرأة التً عذبت الهرة بالحبس حتى ماتت . ولد رأى لٌلة المعراج الأنبٌاء فً السماء ، بعد أن صلى بهم إماماً فً بٌت الممدس ، وبعد أن رأى موسى ٌصلً فً لبره ، وكذلن رأى نسمات الكافرٌن والمإمنٌن عن

عدد الصفحات ٧٢

ٌمٌن آدم وشماله فً السماء. ولد رأى ؼٌر ذلن . ولد ذهبت طوابؾ من العلماء إلى أن ذلن كله على سبٌل التمثٌل والتصوٌر . فكذلن حدٌث النٌل والفرات . مثلب له علٌه السلبم فً السماء لرب سدرة المنتهى فرآهما . فهذا الرأي ٌساٌر الحس والعمل والشرع واللؽة ، ولا ٌخالؾ منها واحداً . فلزم حمل الخبر علٌه . ولا مندوحة عنه. ولله سر فً تمثٌل هذٌن النهرٌن له علٌه السلبم فً تلن اللٌلة العظٌمة ، فً تلن البمعة المباركة ، وهو أن ٌكون رمزاً وإشارة إلى أن الله سوؾ ٌفتحهما على أمته ، وٌجعلهما تحت سلطان شرٌعته ، لأنه لد علبهما وتجاوزهما ارتفاعاً ، وصارا تحت ذاته الشرٌفة ، وفً ذلن ما فٌه من البشرى له مادٌاً ومعنوٌاً . هذا معنى الرواٌة الأولى . وأما الرواٌة الثانٌة ، وهً " النٌل والفرات وسٌحان وجٌحان من الجنة " فالمعنى المختار أن ٌكون المراد أن الله أنزلهن من الجنة لدٌماً ـ بعد أن كن فٌها ـ لمنفعة الناس ، وجعلهن فً أماكنهن الآن من الأرض . ولد ٌشهد لذلن لوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء بمدر فؤسكناه فً الأرض . وإنا على ذهاب به لمادرون ) ولوله ( أنزل من السماء ماء فسلكه ٌنابٌع فً الأرض ) ولد كان آدم وزوجه فً الجنة فؤخرجا منها وأهبطا الأرض وكان الشٌطان فٌها فطرد منها . فكذلن الأنهار المذكورة . ولتعلم أن الرواٌة لم تمل إن الأنهار فً الجنة ، بل لالت من الجنة . ولا ٌخفى علٌن ما فً العبارتٌن من الفرق . فالعبارة الأولى لد تدل على أنهن موجودات فً الجنة . وأما الأخرى فتكاد تصرح بخلبؾ ذلن . وثم رأى ثان فً الرواٌة الأخٌرة . وهو أن هذه الأنهار سوؾ تكون فً الجنة ، وسوؾ تكون من شراب أهلها ، وسوؾ ٌدخلهن الله فٌها بعد أن ٌكملهن وٌزٌدهن حلبوة وعذوبة كما ٌفعل بالمإمنٌن . هذا ما ٌتحمله هذان الحدٌثان من البٌان الآن . -76 - امحش ىُ فٌح حهًَ تكاثرت الأخبار فً الصحاح وؼٌرها عن رسول الله علٌه السلبم أنه لال " إذا اشتد الحر فؤبردوا بالصلبة فإن شدة الحر من فٌح جهنم " ، ولال " اشتكت النار إلى ربها فمالت : ٌا ربً أكل بعضً بعضا فؤذن لها بنفسٌن : نفس فً الشتاء ونفس فً الصٌؾ ، أشد ما تجدون من الحر

عدد الصفحات ٧٣

، وأشد ما تجدون من الزمهرٌر" . ولد أشكلت هذه الأحادٌث أٌضاً . فإن ظاهرها أن الحرارة التً نحسها فً الصٌؾ ، والبرودة التً نحسها فً الشتاء صادرتان من النار . وهذا ٌكاد ٌكون بطلبنه من لسم الضرورة . فإن الحرارة والبرودة ناتجتان من مولؾ الشمس من الأرض لا من جهنم . وهذا مما لا ٌنازع فٌه أحد من العملبء . ولد أجاب فرٌك من العلماء عن ذلن ولال : إن الكلبم فٌه تشبٌه . والمراد أن شدة الحر مثل فٌح جهنم فً الحرارة . وٌرد هذا المول الرواٌة الأخٌرة ، فهً صرٌحة بؤن الحرارة والبرودة من تنفس النار . ثم كٌؾ ٌمال : إن حرارة الصٌؾ مثل حرارة النار التً بطلع على الأفبدة ، والتً تشوي الجلود شٌّاً ، والتً ( ولودها الناس والحجارة ) والتً نار الدنٌا جزء من سبعٌن جزءاً منها كما فً الحدٌث الصحٌح ؟! وصح عن رسول الله علٌه السلبم أنه لال " أهون أهل النار عذاباً من له نعلبن من نار بؽلً منهما دماؼه " . فكٌؾ ٌمال : إن الحر مثل نار هذه ألل أوصافها ؟! ألٌس هذا مثل أن ٌمال : إن لرصة النملة مثل عضة الأسد ، أو مثل ضربة السٌؾ وطعنة الرمح ؟! لا رٌب أن حمل الحدٌث على هذا باطل شرعاً وعملبً ولؽة . وأجابت طابفة أخرى لالت : إن الأحادٌث على ظاهرها ، وإن الحرارة التً ٌجدها الناس فً المٌظ هً خارجة من جهنم . ولم ٌبالوا مخالفة المشهود . وعندي أن تكذب الحدٌث أفضل من هذا المول . والجواب الصحٌح فً الحدٌث ، الذي لا ٌعدل عنه أن الحرارة من الشمس ، وأن الشمس من النار . أي إن الشمس جذوة من جذواتها ، وشرارة منمدحة منها . فالحرارة الآتٌة منها هً آتٌة من النار . ولٌس أمامنا مانع من أن تكون الشمس من النار . ولد تكاثرت -77 - الأحادٌث الصحاح بؤن الشمس تدنو ٌوم المٌامة من العباد ، وتصلٌهم ناراً حامٌة ، حتى ٌؤخذهم العرق فٌلجمهم ، وحتى ٌستصرخوا بالأنبٌاء من عذابها النكر وربما كان لوله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) دالا على ذلن . فالشمس معبودة ، فهً ذاهبة مع عابدٌها إلى النار . وهً نار محرلة فهً من النار . هذا رأي . وثم رأي ثان فً الحدٌث ، وهو أن ٌمال : حرارة الصٌؾ من الشمس ، وحرارة الشمس

عدد الصفحات ٧٤

مكتسبة من النار وآتٌة لها منها ، فالحرارة آتٌة أصالة من النار. أو ٌمال : ما الشمس إلا شرارة من شرر النار ، إنمذفت منها وولفت كما هً الآن لمصالح العباد . هذه أمور ثلبثة فً الحدٌث لا نرى عابماً من أن تكون تفسٌراً له . وبها ٌزول ما فً الخبر من إشكال . امحيى ىُ فٌح حهًَ ومثل هذا الحدٌث لوله  " الحمى من فٌح جهنم فؤبردوها بالماء" رواه البخاري ومسلم . الحمى حرارة تتولد فً الجسم إذا أصٌب فٌه أحد مراكز التدبٌر بسمٌات المكروبات ، أو بآلام أخرى شدٌدة . فإنها إذا أصٌبت بذلن فسدت حـركتها ونظامها ، فتولدت الحرارة المسماة بالحمى . هذا أمر لا شن فٌه . ولكن ظاهر الحدٌث خلبفه . فإنه ربما دل أن حرارة الحمى آتٌة من لهب النار المعدة للكافرٌن . فمالت طابفة : إن فً الكلبم تشبٌهاً . والمراد أن حرارة الحمى كحرارة جهنم فً الإٌلبم والإٌجاع . وفً هذا المول ما فً المول الأول على الحدٌث السابك من الضعؾ . والرأي الصحٌح أن نمول : إن حمٌمة الحمى ـ كما ذكرنا ـ تتولد فً الجسم لإصابة مركز من مراكز التدبٌر فٌه . ؼٌر أن الحرارة المتولدة بذلن هً من جهنم رأساً . أي إن الله أخرج من النار جزءاً ٌسٌراً ونثره فً الأرض ٌصٌب به بعض خلمه إذا ما توفرت أسباب الإصابة . وأسبابها المرٌبة هً ما ٌذكره أهل الطب . ولكن الحدٌث تكلم فٌه من جهة منشبه -78 - ومبتدبه. ولا مانع أن ٌكون من ؼٌرها . فإذا ما جاء الخبر الصادق بؤن ذلن من النار لزم المول به . وأما لوله " فؤبردوها بالماء " فهو موافك للطب العصري ، حتى إن الأطباء العصرٌٌن ٌضعون ألواح الثلج على أجسام بعض المحمومٌن . ؼٌر أنه لا ٌجوز استعمال ذلن وتعاطٌه بدون إرشاد الطبٌب واستشارته . فمد ٌكون فٌه ضرر لبعض المحمومٌن . والدواء كله إذا استعمل بوصؾ الجاهل عاد ضرراً ، وإن كان فً أصله نافعاً مفٌداً . بل الؽذاء إذا لم ٌإخذ بالحكمة

عدد الصفحات ٧٥

والتمدٌر كان لاتلبً أو ضاراً. فكل شًء ٌحتاج إلى ربٌس ومختص ٌضعه بحكمة وتمدٌر . فالحدٌث ٌدل أن الماء البارد مما تعالج به الحمٌات ولكن بعد أن ٌعرؾ المٌزان والممدار فٌه النافع ، وبعد أن ٌمدره العارفون به ، والعارفون بالطب . وهذا كما ٌمال : المرآن هدى ورشاد . وإذا لرأه ؼٌر العالل وؼٌر الفاهم له لد ٌكون ضلبلا له وفتنة . وأمثال ذلن . فهذا الحدٌث من معجزات محمد  الطبٌة العلمٌة التً لا ٌمكن معرفتها إلا بوحً أو تعلم ، وهو لم ٌتعلم ، فلب جرم أن تكون وحٌاً . امكافش ًأكه فٍ شتعح أىعاء عن ابن عمر عن رسول الله  أنه لال: " المإمن ٌؤكل فً معى واحد والكافر ٌؤكل فً سبعة أمعاء " رواه البخاري ومسلم وروى مسلم عن أبً هرٌرة أن ضٌفاً ضاؾ رسول الله وهو كافر فؤمر له بشاة فحلبت فشرب حلببها ، ثم أخرى ، ثم أخرى ، حتى شرب حلبب سبع شٌاه . ثم أنه أصبح فؤسلم فؤمر له بشاة فشرب حلببها فؤمر له بشاة فشرب حلببها ، ثم بؤخرى فلم ٌستتمها . فمال رسول الله : " المإمن ٌؤكل فً معى واحد والكافر ٌؤكل فً سبعة أمعاء " . بٌان الحدٌث أن المإمن حماً ، الصادق فً إٌمانه ، كثٌر التفكٌر فً الآخرة ، وفً عذابها ، كثٌر الخوؾ من الله ، ومن عصٌانه وعمابه ، كثٌر الخضوع والعبادة ، كثٌر السهر والتهجد والصلبة والصٌام ، كثٌر الجهاد فً سبٌله وسبٌل دٌنه ، كثٌر الورع والإبتعاد عن الحرام وعن مظانه ، وعن الشبهات وموالعها ، كثٌر العناٌة بدٌنه وفهمه ، كثٌر البحث -79 - والتنمٌب عما ٌرضً الله وٌمرب منه ، وعما ٌؽضبه وٌباعد عنه ، كثٌر الاحتٌاط لعمٌدته وإٌمانه خوؾ أن ٌصٌبه شًء من ؼبار البدع والشبهات ، كثٌر الرؼبة فً الجنة والزهادة فً الدنٌا ولذاتها ، كثٌر هذه الأمور كلها : ٌمل نصٌبه من الدنٌا من مؤكل ومشرب ، وملبس ومسكن ، وجمع مال فهو ٌؤكل فً معى واحد فمط . وهذا كناٌة عن أنه للٌل حظه من الدنٌا ولذابذها بتعلمه بالأمور المذكورة اللبزمة للئٌمان الصحٌح . ولا ٌرٌد الحدٌث أن خلمته مخالفة خلمة الكافرٌن ، ولا أن تركٌب بدنه خلبؾ تركٌب بدن ؼٌره . وأما الكافر الذي لا ٌبالً بالدٌن ، ولا بما ٌؽضب الله أو ٌرضٌه ، فهو عكس المإمن فً

عدد الصفحات ٧٦

ذلن. فلٌس له شًء ٌهمه سوى الدنٌا ، والاستكثار منها ، والجمع لها ، والتفنن فً تناول لذاتها ، واختراع المؤكولات والمشروبات . فلب ٌبالً أن ٌؤكل حراماً ، وأن ٌجمع حراماً ، ولا ٌبالً بالفمراء والمحتاجٌن ، الذٌن ٌتضاؼون حوله جوعاً وعرٌاً ، لا ٌعرؾ لله ساعة ٌهب نفسه له فٌها بعبادة ومناجاة ، أو تفكر فً آلابه وشإونه . وبالإجمال كل شًء فٌه مولوؾ على الدنٌا وعلى خدمتها . فهو كثٌر الحظ منها ، كثٌرة الحظ منه ، فهو ٌؤكل بسبعة أمعاء . أي أنه لا ٌراد بها حمٌمتها . وهذا العدد ٌراد به التكثٌر لا التحدٌد ، مثل السبعٌن . كما تمول : لا ٌمبل الله من كافر عمله ولو عبده سبعٌن عاماً ، ولا من مبتدع بدعته ولو تمرب إلٌه بها سبعٌن عاما . وكذا تمول : سبع سنٌن . لال الله تعالى ( ولو أن ما فً الأرض من شجرة أللبم والبحر ٌمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) ولال: ( إن تستؽفر لهم سبعٌن مرة فلن ٌؽفر الله لهم ) لا ٌرٌد الله بذلن حمٌمة السبعٌن ، ولا حمٌمة السبعة ، وإنما ٌرٌد مطلك الكثرة . وكذا الأكل هنا لا ٌراد به الأكل المعروؾ وهو إزدراد الطعام ، وإنما ٌراد معنى أعم ، وهو التمتع بها بالأكل ، أو اللبس ، أو الجمع والإدخار . وهو كمول الله ( الذٌن ٌؤكلون الربا لا ٌمومون إلا كما ٌموم الذي ٌتخبطه الشٌطان من المس ) ولوله : ( ولا تؤكلوا أموالكم بٌنكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتؤكلوا فرٌماً من أموال الناس بالإثم ) ولوله : ( إن الذٌن ٌؤكلون أموال الٌتامى ظلماً إنما ٌؤكلون فً بطونهم ناراً ) . فهذه الآٌات لا تعنً الأكل المعروؾ ، وإنما تعنى شٌباً أعم من ذلن هو ما تمدم . وبهذا ٌسلم الحدٌث من الإشكال الذي أورد علٌه . والذٌن جعلوا الحدٌث مشكلب هم الذٌن حسبوا أن الأكل هنا هو الأكل المعروؾ وأن -80 - الكافر ٌؤكل كما ٌؤكل المإمن سبع مرات. فعلموا أن هذا المعنى لٌس صحٌحاً ، وهو خلبؾ مشهود . فؤجابوا عن الإشكال أجوبة لٌس فٌها ممنع . منها أن طابفة لالت : إن الحدٌث مراد به كافر معٌن ومإمن معٌن . ولعلن تمول : هذا الذي تذهب إلٌه فً الحدٌث حسن لو لا أن الرواٌة الأخٌرة تعانده فٌما ٌبدو ظاهرها أن الأكل المراد به الأكل بدلٌل هذا إلى شرب سبع حلبات ـ وهو كافر ـ فلما أسلم شرب حلبباً واحداً . فهذا كالتصرٌح أن الكافر ٌؤكل كما ٌؤكل المإمن سبع مرات . فالأكل هنا هو الأكل ، والسبع هنا هً السبع .

عدد الصفحات ٧٧

فؤلول لن: إن الأكل هنا جنس ٌتناول أنواعاً . ٌتناول الأكل حمٌمة ، وٌتناول اللبس ، والسكن ، والادخار ، والجمع ، وكل ما فٌه تمتع .ودلٌل ذلن الآٌات المتمدمة . وإذا ذلن كذلن فؤحد أنواع الأكل الأكل المعروؾ ، كما فعل الرجل المذكور فً كفره وإٌمانه ، والأنواع الأخرى التً ٌتناولها لفظ الأكل دل علٌها لوله " والكافر ٌؤكل فً سبعة أمعاء " . وسبب الحدٌث لا ٌكون مخصصاً عمومه . فالعموم باق على حاله ، وإن كان السبب خاصاً لا عموم له . وبٌان هذا أن الرسول علٌه السلبم لما رأى ذلن الكافر وكثرة ما ٌؤكل ذكر خلماً من أخلبق الكافرٌن ، وهو التمتع باللذات المادٌة بشره وشدة . والمعانً تتداعى . وتفسٌر هذا لول العلماء " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " ٌرٌدون أن اللفظ عاماً فً دلالته وإن كان خاصاً سببه . وؼالب عمومات الشرع أسبابها خاصة .هذا من جهة الأكل . أما من جهة العدد فلب رٌب أنه لا ٌرٌد فً مثل هذا الاستعمال تحدٌد العدد . ومثل ذلن أن تمول : فلبن ٌتكلم بسبعة ألسن ، أو سبعة أفواه ، وٌؤكل فً سبعة بطون ، او سبع أٌدي ، وٌنظر بعٌون كثٌرة ، وٌمشً بؤرجل عدٌدة ، وأمثال ذلن . لا شن أن المابل لذلن لا ٌمصد العدد المذكور ، وإنما ٌرٌد المبالؽة . ومن فهم من هذه الألوال العدد فهو كمن فهم من لوله تعالى ( تجري بؤعٌننا ) ولوله ( والسماء بنٌناها بؤٌد وإنا لموسعون ) ولوله ( وخلمنا لهم مما عملت أٌدٌنا أنعاماً ) العدد . وكان كذلن الوزٌر الذي لال له الحجاج : الطع لسان هذا . ٌشٌر إلى شاعر مدحه ونال إعجابه . فؤخذ الوزٌر الموسى وآلة المطع وأحضر الشاعر لٌمطع لسانه . وكان الحجاج ٌرٌد أن ٌعطٌه مالاً ٌكؾ لسانه عن ذمه . -81 - وبما ذكرنا صار الحدٌث واضحاً ، ولاعدة من لواعد الأخلبق الإسلبمٌة. وهً أن المإمن العالل الحكٌم لا بد أن ٌكون مستملب من الشهوات المادٌة ، مستملب من خدمة الدنٌا لذاتها ، لٌس بذلن الطماع الجشع ولا اللحز الشحٌح ، لٌس بعزٌز علٌه أن ٌضٌع ماله فً وجوه البر والخٌر ، بل له شؤن أسمى من ذلن ، وؼرض أعلى ، وهو تنمٌة الروح وتذكٌة العمل . ولا أهدم لأخلبق الأمم ، وللمدٌنة الفاضلة من الحرص على المادٌات والشهوات . أحادًث امعٌُ

عدد الصفحات ٧٨

روى البخاري ومسلم عن رسول الله علٌه السلبم أنه لال: " العٌن حك " وزاد مسلم " ولو كان شًء سابك المدر سبمته العٌن " وثبت فً البخاري وؼٌره عنه علٌه السلبم أنه كان ٌعوذ الحسن والحسٌن بهإلاء الكلمات " أعٌذكما بكلمات الله التامة من كل شٌطان وهامة ومن كل عٌن لامة " وٌمول " كان إبراهٌم ٌعوذ بهن إبنٌه إسماعٌل وإسحاق " . والأخبار فً هذا الباب متواترة . ولد اتفمت الأمم بالإجمال على أن للعٌن تؤثٌراً . فلب تجد أمة إلا وفٌها من ٌعرؾ بذلن ، ومن ٌصدله وٌعترؾ به ، وٌروي فٌه الرواٌات الكثٌرة العجٌبة التً ٌستحـٌل أن تكون كلها كذباً ، وأن ٌكونوا تواطإوا على الجهل والؽلط والكذب فٌها . بل ٌكاد ٌكون فً كل بلدة من ٌعرؾ عنه ذلن الداء الوبٌل ، والناس ٌحكون عنه الأشٌاء الكثٌرة ، وٌذكرون أنهم شاهدوها . وسمعنا من أناس كثٌرٌن أنهم ٌعرفون أناساً لا تخطًء لهم عٌن حتى أنهم ٌمصدون لذلن . فإذا ما أراد إنسان الولٌعة بآخر أجر من ٌعرؾ بهذا للمٌام بهذه المهمة ، فٌموم بها خٌر لٌام ، وٌمضً على تلن الفرٌسة بكلمة أو نظرة . وحدثنً إنسان أنه كان فً لرٌته شخص عرؾ بالحسد حتى إنه إذا مر فرٌك من الطٌر فً السماء لال لهم : أي هذه الطٌور ترٌدون ؟ فٌشٌرون إلى واحد فٌمول فٌه كلمة ، أو ٌنظر إلٌه نظرة ، فٌخر ذلن الطٌر صرٌعاً . وكذلن ٌصنع بالبهابم والرواٌات فً ذلن كثٌرة . وكلنا ٌسمع من ذلن الشًء العجٌب وإن كنا نرتاب فً صحة كثٌر منه . -82 - ونحن لا نمول: إن جمٌع ما ٌروى صحٌح . وإنما نمول إنه مستحٌل أن ٌكون كله ؼٌر صحٌح . ولا شن أن أؼلب أهل الأرض ٌإمنون بذلن . والذٌن ٌنكرونه هم طابفة للٌلة من المتعلمٌن السطحٌٌن ولا أظن أن جمهور النوع الإنسانً ٌتفك على الخطؤ المرون الطوٌلة . ولبن جاز أن ٌتفموا على الخطؤ فً أمر عملً نظري فلٌس بجابز أن ٌتفموا على الخطؤ فً أمر ٌرجع دلٌله إلى المشاهدة والحاسة . وأمر العٌن راجع إلى المشاهدة والحاسة . ولبن جاز هذا الذي لا ٌجوز فلن ٌجوز أن تجتمع الأدٌان كلها على الخطؤ . ولد اجتمعت كلها على أمر العٌن ، والإصابة بها . والدٌن الإسلبمً ٌمرر ذلن أصدق تمرٌر . وفً المرآن الكرٌم ما ٌوما إلٌه . لال تعالى : ( لل أعوذ برب الفلك ) السورتٌن . فمد أنزل الله فٌه لرآناً ، وأمر الرسول بالتعوذ منه . وفً سورة

عدد الصفحات ٧٩

ٌوسؾ حكاٌة عن ٌعموب( ولال ٌا بنً لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرلة ) الآٌة. ٌمول طوابؾ من المفسرٌن : إنه خاؾ على بنٌه العٌن إذا دخلوا مجتمعٌن ، فؤمرهم أن ٌدخلوا مصر متفرلٌن لبلب تصادفهم عٌن حاسدة . وأما الطابفة المولعة بالإنكار والجحود فمد كذبت أمر العٌن ، وأنكرت الحسد ، وعدت المصدق به من العوام ، ولم تعبؤ بؤن تصادم دٌناً أو تصادم رواٌات كثٌرة صحٌحة ، واتفاق جماهٌر لا ٌحصون . لم تبال بشًء من ذلن . ولٌس معها من دلٌل على تكذٌبهم وإنكارهم الإنكار البات ؼٌر الاستبعاد المابم على الجهل المحض . فإذا ما لٌل لهم: من أٌن علمتم إنكار ما أنكرتم؟! وما برهانكم على أن الدٌانات مخطبة ، والأمم ؼالطة ، والرواٌات كاذبة ؟! لم ٌكن لهم من جواب ؼٌر أن ٌمولوا : لا ٌمكن أن ٌصٌب الشخص الآخر بؽٌر اتصال وملبمسة ، ولا ٌمكن أن ٌإثر بالحسً المادي إلا حسًّ ماديّ مثله نراه ونبصره بؤعٌننا ؛ فإذا ما لٌل لهم ما المانع من أن ٌإثر المعنوي بالحسًّ ؟! وأن تإثر الروح بالجسم وبالروح أٌضاً من ؼٌر ملبمسة ومماربة ؟! وما المانع أٌضاً من أن ٌإثر الجسم بالجسم بلب اتصال ؟! أو ما المانع من أن ٌنبعث من روح العابن أو من عٌنه أو من جسمه أمر ٌصرع المعٌن وان لم نبصره ؟! ما المانع من ذلن وإن كنت لا تراه ؟! ولٌس كل ما لا ٌرى باطلبً . ولد كان الناس لبل أن ٌخترعوا " المٌكروسكوب " ٌنكرون المٌكروبات لأنهم لا ٌبصرونها ولا ٌحسونها. ولو ذكرت لهم لكذبوا بها ، ولما آمنوا بها. أولٌس من " المٌكروبات " -83 - ما دق على" المٌكروسكوب " وما هو فوق " المٌكروسكوب" ؟! أي إن من النسمات التً تعرؾ " بالمٌكروبات " التً بها تحدث الأمراض ما لم ٌشاهد حتى الآن ، وما لم ٌحس مع العلم أنه ٌحدث الأضرار وٌمتل الأحٌاء ؟! ولو لٌل ذلن لطابفة الجحود والإنكار لم ٌكن لها من جواب فٌه ممتنع . فٌا هإلاء المنكرون ! ماذا تنكرون من ذلن ؟! أو لسنا نرى الحً ٌموت بمجرد أن تفارله الروح ، وٌحً بوجودها فٌه ؟! وهل رأٌنا الروح أو أحسسناها ؟! أو لسنا نرى الحً ٌمهد ، أو ٌموت موتاً أصؽر إذا جاءه ذلن الشًء المجهول المعلوم الذي نسمٌه نوماً أو موتاً ، وٌصحو وٌموم إذا ما فارله ونحن لا نحس ذلن ولا نبصره ؟! أو لٌس الساحر ٌإذي المسحور من ؼٌر

عدد الصفحات ٨٠