15 انتقال الثقافة العربية الى أوربا وتعتبر الاندلس من أهم الطرق التي انتقلت منها العرب والمسلمين في الطب والصيدلة والفلك والهندسة ... الخ إلى أوروبا ، وذلك عن طريق الترجمة وعن طريق الاحتكاك والتلقي . وقد بدأت ترجمة المؤلفات الطبية العربية الى اللغات الأوربية في منتصف القرن العاشر وأنجزت أعمال النقل الأولى في مقاطعة كتالوينا من اسبانيا . وقد أصدر المستشرق الاسباني خوان بيرنيط كتابا قيما عن الدور الذي لعبته إسبانيا في نقل الثقافة العربية الى اوروبا . وكتب كثيرون في هذا الباب ، من أمثال جورج سارتون في " تاريخ العلوم " ، وول ديورانت في كتابه " قصة حضارة " ، ودونالد كامبل في كتابه " الطب العربي " وزيغريدهونكه في كتابها " شمس العرب تسطع على الغرب ". وكانت مدرسة سالرنو ومدرسة صقلية من المداخل الهامة التي انتشرت منها العلوم والثقافة العربية الى أوربا النصرانية من جهة أخرى . ومن الكتب النباتية الهامة كتاب " عمدة الطبيب في معرفة النبات " لابن عبدون الأندلسي ، وتوجد من الكتاب نسخة خطية في المكتبة العامة بالرباط وأخرى في الأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد ، ويقول عنه محمد العربي الخطابي أنه أوفى وأدق كتاب عربي في التعريف بأنواع النباتات وبيئتها الطبيعية وجغرافيتها ( في الاندلس والمغرب ) ، كما أنه يفسر أسماء الأعشاب باليونانية ، والفارسية ، واللاتينية ، والعربية ، والأمازيقية ، (لغة البربر ) وألاسبانية ، وقد ابتكر المؤلف طريقة خاصة به لتصنيف أنواع النبات في دراسة موضوعية سبق بها غيره ، كما صحح أخطاء القدماء . ويرى المستشرق ما يرهوف أن أحمد بن محمد بن السيد الغافقي مؤلف كتاب " الأدوية المفردة " هو أكثر الصيادلة العرب اصالة ، وأحسن عالم نباتي في العصر الاسلامي الوسيط ، ولكن محمد العربي الخطابي يرى أن كتاب " عمدة الطبيب في معرفة النبات " (1) لابن عبدون أدق منه وأوسع واحسن تبويبا وترتيبا ، وعلل ذلك بأن مايرهوف لم يطلع على مخطوطة " عمدة الطبيب " لندرتها . ويعتبر أبو القاسم بن محمد الغساني الاندلسي الغرناطي الاصل الفاسي المغربي الشهير بالوزير افضل علماء المغرب النباتيين ، إلا أنه ظهر في القرن العاشر الهجري ( السادس عشر ميلادي ) ، وكانت وفاته سنة 1019هـ1611م ، وأشهر كتبه " حديقة الازهار في ماهية العشب والعقار " ، الذي حققه وشرحه محمد العربي الخطابي . وقد اعتمد دون ريب على من سبقه ، ولكنه لم يقبل ما كتبوه إلا بعد التجربة والمشاهدة ، كما أضاف الشيء الكثير بسبب معلوماته الوافرة عن النبات وتقسيمه بطريقة لم يسبق إليها وقال عنه المقري : " كتاب عجيب في بابه لم يؤلف مثله ، يذكر سائر الأعشاب والعقاقير بما سميت به في الكتب ، ثم يذكر اسمها بلسان عامة الوقت ، ثم يذكر خواصها على وجه عجيب " ، وقد رتب الغساني كتابه على الحروف الأبجدية باصطلاح المغاربة ، مبتدئا بالألف ومنتهيا بالشين . ويذكر الاسم العلمي للنبات ، ثم يشرح ما هيتها ويوصف شكلها وأجزاءها وما يكون لها من زهر وثمر ، وأسماءها المتعددة ، والبيئة التي تنبت فيها ، واسمها الدارج ، والاسم الفصيح ،/ واسمها بلغة البربر ، ثم يذكر خواصها الطبية ومنافعها ومضارها ، وما يقوم مقامها عند فقدها . وميزة هذا الكتاب أنه من أوائل من اصطنع منهجا لتصنيف النبات تصنيفا علميا ، حيث يعين جنس النبات ، فما يسمى اليوم الفصيلة القرعية يسميه هو جنس اليقطين ، ويدخل فيه القرع والدباء والقثاء والخيار والبطيخ والحنظل ، واليقطين يشمل كل نبات يمتد على الأرض ولا ساق له ، ويرى محمد العربي الخطابي ان لفظه جنس اليقطين أدق مما فعله المحدثون بإطلاق اسم الفصيلة القرعية على هذه المجموعة من النباتات .
عدد الصفحات ١٥، واليقطين يشمل كل نبات يمتد على الأرض ولا ساق له ، ويرى محمد العربي الخطابي ان لفظه جنس اليقطين أدق مما فعله المحدثون بإطلاق اسم الفصيلة القرعية على هذه المجموعة من النباتات . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كتاب " عمدةالطبيب في معرفة النبات ( يكاد يكون مجهولا ).
عدد الصفحات ١٥16 ويسمي الغساني الفصيلة الزنبقية جنس البصل لانها تشمل البصل والثوم وبصل العنصل . ويسمي الفصيلة الخيمية باسم لطيف هو ذوات الجمم والجمة : الشعر الكثيف على الرأس ، ومنها الكراوية ، والكرفس ، والكزبرة ، واليانسون ، والشبت ، والسنوت ، والكمون . وكان الغساني أدق من المحدثين العرب عندما أطلق اسم اليتوعات أو التيوعات على الفصيلة الفربيونية ، وهي مجموعة من النباتات لها إفراز لبني يسيل إذا قطعت ، وهو أجدر بالاستعمال ( اليتوع) من لفظ الفصيلة الفربيونية ، وهو لفظ لاتيني ، وقد لاحظ الغساني ما بين الاعشاب والنباتات من قرابة ، فجعلها في مجموعات وأجناس ، وخطا بذلك خطوات نحو تصنيف علمي دقيق ، وقد لاحظ المستشرق الفرنسي هنري رنو H. Renaud أصالة بحث الغساني فقال عنه : " يعد الغساني ذهنا متميزا إذا قيس بعصره وبيئته ، وقد استخلص بوضوح فكرة التسلسل في خصائص النبات ، وأدرك مفهوم القرابة القائمة بين انواع النبات ، بحيث يضمها تحت تسمية واحدة بواسطة تلك الجموع الطريفة التي اصطنعها" . وقال عنه المستشرق الايطالي الدوميلي ALDOMEILI : " امتازأبو القاسم الغساني الوزير بتصنيفه للنبات ، فجاء كتابا فريدا من نوعه بين المصنفات العربية ، وهو قد انتفع غاية الانتفاع بعمل سلفه المالقي " يقصد ابن البيطار. وقد ميّز الغساني في أثناء تصنيفه للنباتات ما له ثمر وما لا ثمر له ، كما لاحظ وجود نباتات طفيلية على الاعشاب والنباتات التي وصفها . وكان دقيقا في تعبيراته واهتم بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها النبات الذي يصفه ، كما كان أمينا في نقله حيث يرجع كل قول لصاحبه بكل أمانة علمية ودقة بالغة ، وفي نفس الوقت ينتقد ما يجده من أخطاء ويوضح آراءه بما تمليه عليه التجربة والمشاهدة . ويعتبر داود الأنطاكي ( المتوفي سنة 1008هـ ) خاتمة العقد في الصيادلة المسلمين ، واستمر كتابه " تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب " المصدر الاول للعقاقير والأدوية في البلاد الإسلامية منذ ظهوره إلى القرن الماضي ولكن تأثيره في أوربا قليل ، لانه ظهر في أبان عهد النهضة ، وقد ذكر داود الأنطاكي في تذكرته 1700 عقار ، وكان أمينا في نقله عن المصادر المختلفة التي سبقته ، وقددلت التجربة والمشاهدة على خطئه ، وله ملاحظات قيمة ، رغم ما فيه من علوم العدد الغنوطية . 9- استخدام المنهج العلمي في الطب والصيدلة والاعتماد على التجربة رغم التأثير العميق والقوي لأبقراط ، وجالينوس اللذين اعتمدا على ما يسمى " الطب المزاجي " والعناصر الأربعة ، والأمزجة الأربعة ، والاخلاط الأربعة .. الخ . ويقول ابن سينا في القانون(1) : إن التجربة إنما تهدف الى معرفة قوة الدواء بالثقة بعد مراعاة شرائط: "أحدها أن يكون الدواء خاليا من كيفية مكتسبة ( حتى لا تؤثر على كيفيته وتأثيره الأصلي ) . الثاني : أن يكون المجرب عليه علة منفردة ، فإنها إن كانت علة مركبة فيها أمران يقتضيان علاجين متضادين فجرب عليهما الدواء فنفع ، لم يدر السر في ذلك بالحقيقة . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القانون لابن سينا ج2/164 ،224.
عدد الصفحات ١٦17 الثالث أن يكون الدواء قد جرب على العلل المتضادة ، حتى ان كان ينفع منها جميعا لم يحكم أنه مضاد لمزاج أحدهما ، فربما كان نفعه من إحداهما بالذات ، ومن الأخرى بالعرض . الرابع: أن تكون القوة في الدواء مقابلا ما يساويها من قوة العلة . الخامس : أن يراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله . السادس : أن يراعي استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر فإن لم يكن كذلك كان الفعل عنه بالعرض لأن الامور الطبيعية تصدر عن مباديها إما دائمة وأما على الأكثر ( أي أن الدواء النافع من مرض معين ينبغي أن يكون نافعا لغالب الناس الذين يعانون من هذا المرض ، ولا يكفي في ذلك انتفاع الآحاد ، بل ينبغي أن يكرر التجربة على عدد كبير من المرضى ) . السابع : ان تكون التجربة على بدن الانسان لانه إن جرب على غير الانسان جاز ان يختلف من وجهين ، أحدهما : أنه قد يجوز أن يكون الدواء بالقياس الى بدن الانسان حارا وبالقياس الى بدن الاسد والفرس باردا ... والثاني : انه يجوز ان يكون له بالقياس الى أحد البدنين خاصة ليست بالقياس الى البدن الثاني " . ومع هذا فقد قام الاطباء والصيادلة العرب والمسلمون بتجريب العقاقير الجديدة على الحيوانات أولا ، ثم تجرب ذلك على الانسان ، وتدوين الملاحظات والفروق بين الانسان والحيوان . وقد قسم ابن سينا الجزء الثاني من القانون المتعلق بالأدوية والعقاقير الى قسمين : الأول : يتناول استنباط مزاج العقار بالتجربة والتأثير ووضع الشروط اللازمة لاختبار العقاقير ، والتجارب التي يمكن اجراؤها على الجسم البشري ( تقدم ذكرها آنفا ) ، وخلو العقار من أي تغيّرات داخلية أو خارجية ، على أن التجربة يجب أن تكون على أساس علاج أمراض بسيطة (لا مركبة ) أول الامر ، ثم تقرر مدى صلاحية العقار من ناحية الكمية والكيفية لعلاج طبيعة المرض وشدته ، ثم يضع قواعد عامة بالنسبة لمفعول العقاقير وطرق جمعها وحفظها وتخزينها والمدة التي تتلف فيها . الثاني : يسرد فيه 760 عقارابالترتيب الابجدي وفي كل عقار يتحدث عن النقاط التالية " التعرف على العقار ، الجزء المستعمل ، الخصائص المزاجية ، تأثير العقار على كل جهاز من أجهزة الجسم ، وعلى أمراض معينة ، تأثيرات العقار النوعية ، هل العقار ترياق ( أي ضد السموم ) ؟ ، ما هو العلاج البديل عند فقد العقار ؟ ، وما هي المواد المساعدة لتأثيره ؟ وقد خصص ابن سينا الجزء الخامس من كتابه الموسوعي ( القانون ) في علم الأقرباذين ، أي الادوية المركبة ، ويشمل : بيان الوصفات الطبية ، وطرق تحضير الأقراص والفرزجات ( التحاميل ، اللبوس ) الشرجية والمهبلية ، وأنواع المساحيق ، وأنواع الأشربة والمنقوعات والبنادق ( وهي أدوية تقدم في شكل اقراص معطرة ) والجوارش ( وهي أدوية تساعد في الاصل على الهضم وتقدم في شكل معجون أو شراب مكثف أو أٌراص ، فمنه المسهل ومنه الهاضم ومنه القابض ) ، واللعوقات ( وهي أدوية مركبة للسعال وأمراض الصدر ، قوامها بين المعاجين والاشربة ) ، والملينات ( وهي الادوية المستخدمة للإمساك ) ، والشيافات ( وهي مركب دوائي دهني طري ليّن ، منها ما يستعمل كمرهم للعين أو الاذن ، ومنها ما يستعمل شرجيا ) ، والنطولات ( وهو ما يصيب من الدواء السائل على جسم المريض شيئا فشيئا ليعالجه به ) ، والسنونات ( وهي أدوية الاسنان والفم ) ، والنقوعات ( وهو ما ينقع من الفواكه المجففة بالماء ) ، والمواد الكيماوية مثل الاسبيداج وهو كاربونات الرصاص القاعدية ويكون بشكل مسحوق أبيض يضغط على هيئة أقراص . ويقول أبو بكر الرازي : " ولا نحل شيئا من ذلك عندنا محل الثقة إلا بعد الامتحان والتجربة "
عدد الصفحات ١٧18 طرق العلاج يصف ابن سينا طرق العلاج فيقول : إن العلاج يتم من أشياء ثلاثة : احدها التدبير ، والاخر استعمال الادوية ، والثالث استعمال اليد ، والتدبير عبارة عن التصرف في الاسباب الضرورية المعدودة التي هي جارية في العادة ، والغذاء من جملتها ... " والمعالجة بالدواء لها ثلاثة قوانين : أحدها : قانون اختيار كيفيته ، أي اختباره حارا او باردا رطبا أو يابسا . والثاني : قانون اختياره كميته ، وهذا القانون ينقسم الى قانون تقدير وزنه و إلى تقدير قانون كيفيته . والثالث : قانون ترتيب وقته " (1). ثم يفصل ابن سينا في معرفة كيفية المرض وما يضاده من الدواء ، فإن المرض يعالج بالضد ، والصحة تحفظ بالمشاكلة . وتقدير الكمية يعتمد على معرفة خصائص الدواء ، ومعرفة العضو المصاب ، والمرض ، وتجربة ذلك ، حتى يتم معرفة مقدار الكمية المناسبة . ومعرفة العضو تتضمن معرفة تشريحية ، ونوع الاصابة ووظائف هذا العضو ، وكيف يمكن ان يصل اليه الدواء بسرعة . كما تخلص أدوية الجهاز البولي بمدرات البول ، وأدوية القلب بالزعفران . زإذا كانت القرحة في الامعاء العليا تم ايصال الدواء اليها بالشراب ، وإن كانت في الامعاء السفلى استخدام الحقنة ( الشرجية ) . ولا بد كذلك من معرفة وقت المرض ، وهل هو في بدايته أم في قمته أو نهايته ، ولكل حالة من هذه الحالات الدواء المناسب لها . " وليس يجب ان تقيم على علاج واحد بدواء واحد ، بل تبدل الادوية ( عند الحاجة لذلك ) ، وإذا اشكلت العلة فخل بينها وبين الطبيعة ولا تستعجل ، فإن الطبيعة إما ان تقهر العلة ، واما ان تظهر العلة ، وهو ملحظ جيد بحيث يعطى الدواء بعد تشخيص الداء ، وهو كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للشمردل بن قباث الكعبي : " لا تداو أحدا حتى تعرف داءه"(2). ولا بد أولا من التشخيص قبل اعطاء الدواء ، وهو أمر في منتهى الاهمية ، ويهمله للاسف كثير من الاطباء . ويقول جابر بن حيان : " ان واجب المشتغل في الطبيعات والكيمياء هو العمل واجراء التجارب فإن المعرفة لا تحصل إلا بها " . ولذا فإن الدكتور فرانتز روزنثال يقول في كتابه " مناهج علماء المسلمين في البحث العلمي " : ان أعظم نشاط فكري قام به العرب والمسلمون يبدو جليا في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم ، فإنهم كانو يبدون نشاطا واجتهادا عجيبين ، حين يلاحظون ويمحّصون ، ويرتبّون ما تعلموه من التجربة " . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القانون لابن سينا ج187/1-191. (2) جاء الشمردل بن قباث الكعبي الى لنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان طبيبا في الجاهلية ، فسأل النبي ما يحل له فقال الرسول صلى الله عليه وآاله وسلم : " فصد العروق ، ومجسّه الطعنة ( وهي تستخدم لفتح الخراجات وتسمى بالانجليزية LANCET) إن اضطررت ،ولا تجعل من ذلك شرا وما عليك بالسنا ( أي عليك بالسنا ) ولا تداو أحد حتى تعرف داءه " فقام الشمردل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبّل ركبته وقال : والذي بعثك بالحق لأنت أعلم بالطب مني . أخرجه ابن حجر في كتابه الاصابة .
عدد الصفحات ١٨19 وتقول زيغريد هونكه في كتابهاشمس العرب تسطع على الغرب " : " وهناك كتاب آخر هام جمعت معلوماته من التجربة ، ويهدف الى التجربة ، وهو كتاب " زاد المسافر " لابن الجزار القيرواني" . ولاحظ الموفق البغدادي مخالفته لجالينوس في مواضع عدة ومنها وصف الفك الاسفل ، ويقول في كتابه " الافادة والاعتبار " : أو يكون ما شاهدناه مخالفا لما قيل فيها ، والحس أقوى دليلا من السمع ، فإن جالينوس ، وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ، فإن الحس أصدق منه " . ويقول جاك ريسلر في كتابه " الحضارة العربية " - ترجمة غنيم عبدون – عن العرب والمسلمين ما يلي : " وقد جمعوا دون كلل ، وهم ناقدون مدققون غاية التدقيق ، ومتأننون ، وذوو رأي صلب ، ومن الآن وصاعدا أصبح تجريبيا " . ويذكر علي بن العباس المجوسي ( وهو أقدم من ابن سينا ) في كتابه الموسوعي " الملوكي " أن ملاحظاته قد جمعها من ممارسته الطبية ومن البيمارستانات ( المستشفيات ) وليس من النقل من الكتب . ولا عجب في ذلك فإن تعاليم القرآن الكريم تحث المسلمين على التثبت من الامور وعدم تصديقها لأول وهلة دون فحص وتدبر قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَن وا إِنْ جَاءَك مْ فَاسِق بِنَبَإ فَتَبَيَّن وا[}6 .] وقال تعالى وَلَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّس ولِ وَإِلَىَٰ أ ولِي الأَْمْرِ مِنْه مْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِط ونَه مِنْه مْ ۗ [} النساء83] وَلاَ تَقْف مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَ صَرَ وَالْف ؤَادَ ك لُّ أ ولََٰئِِكَ كَانَ عَنْه مَسْئِ ولاا [}36] 10- الموازين والمكاييل لقد طالب ابن القف بتوحد الاوزان والمكاييل الطبية لضمان سلامة المريض ، ولاتقاء خطر تنوع واختلاف الاوزان ، بين قطر وقطر ومدينة وأخرى(1) وهي خطوة مهمة جدا في تنظيم عملية التداوي وتحضير الدواء . وقد اهتم بذلك المسلمون اهتماما عظيما ووضعوا المصنفات فيها . ومن أهم هذه المصنفات كتاب أبي القاسم الزهراوي " تفسير الأوزان والاكيال الموجودة في الطب " ، وقد حققه عبد الحميد العلوجي . ولاهميتها البالغة سننقلها عنه بشيء من الاختصار : الرطل = 12 أوقية112 مثقال132 درهم7920 حبة الأوقية = 11 درهما11 مثقال الدرهم (دراخمي ) = مثقال = 3.4 جم (جرام24 قيراط باقلاه = ثلث درهم = ثلث مثقال = 1 جرام تقريبا60 حبة دانق = سدس درهم = نصف جرام . حبة = 60/1 من الدرهم = 60/1 من الدانق60/1جرام7920/1 من الرطل خروبه = 4 حبات . والقيراط8/1 مثقال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سامي حمارنة : الجراحة عند العرب وفضلهم في سرعة تطورها في أوربا . مجلة جامعة الموصل العدد 3 ، السنة الثالثة
عدد الصفحات ١٩20 ورغم وجود اختلاف بين الرطل البغدادي والرطل المصري .. الخ واختلاف بين المثقال العادي ، والمثقال من فضة ، والمثقال من الذهب ، الا أن هذه الأوزان والمكاييل توضح مدى الدقة إلا التي وصل اليها أهل الصنعة من المسلمين . وهناك أوزان ومكاييل أخرى مثل الدورق الأنطاكي : وهو ثمانية خروش ، والخرش = 6 أقساط رومية ، والقسط = 3 أرطال وهناك الديسجه : قبضة تملأ الكف ، والقوطولي : وهو بالكيل ما يوازي الرطل ، والقدج : وهو ما يوازي رطل وربع ، والكف : وهو ستة دراهم ، والمعلقة : وهي مثقال ، والكبيرة منها تساوي نصف أوقية (15 مليلتر) . والنواة : هي3/2 مثقال نظرة على كتاب الصيدنة للبيروني (351-440هـ961-1046م ويعتبر أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني من أعاجيب الزمن ، فقد كان فذا عبقريا في كثير من العلوم ، وكان من الفطاحل والمبرزين في علم الفلك والحساب والهندسة والجغرافية وتاريخ الهند تاريخ الامم ، وله شعر رائق ، ومشاركة قوية في معرفة الجواهر والموازين ، ويعتبر كتابه " الصيدنة " من الكتب التراثية الهامة التي ظهرت في فترة مبكرة ( القرن الخامس الهجري – الحادي عشر ميلادي ) ، وقد قسم كتاب الصيدنة الى قسمين : الأول : في فن الصيدلة والتأثير الدولي والعلاج ، مع نبذة تاريخية عن هذا العلم وتعريفاته . الثاني : في العقاقير مرتبة حسب حروف الهجاء ، ويذكر أسماءها بلغات العرب واليونان والهند والفرس واللاتين ... الخ ، ثم يصف النبات او العقار وما يستخدم منه ، ومقدار الجرعة الدوائية ، ومضار الدواء ، وكيفية دفع هذه المضار . وما يقوم مقامه عند فقده . وموطن هذا العقار وكيفية زرع النبات وجنيه ، وما ذكره علماء الطب والصيدلة في كل واحد منها. وقد أوضح بكل جلاء الفروق بين الصيدلة والطب ، وعرّف الصيدلاني بأنه الشخص المحترف الذي يعرف الادوية وخواصها ويختار الاجود منها ويركبه على أفضل ما يكون التركيب ، ويقول : ان الصيدلة قد انفردت بنفسها عن الطب كانفراد كتب اللغة عن صناعة الترسل (الأدب ) والعروض عن الشعر ، والمنطق عن الفلسفة ، وذلك لانها آلات لها لا منها . ويقول : " إن التقدم في المهنة – أي الصيدلة يحصل بتلمذة على المهرة ، ثم دوام المزاولة لتطبيع صورة الادوية وهيئاتها وأحوالها في طباعه ، وبذلك يستطيع الصيدلي أن يميز بين الدواء الجيد والرديء ، ويفيد في هذه كثرة المشاهدة " . والصيدلة عند البيروني هي معرفة العقاقير المفردة بأجناسها وأنواعها وصورها المختارة لها ، وخلط المركبات من الأدوية ، وكذلك معرفة قوى الأدوية المفردة وخواصها . ويحتاج الصيدلاني الى الحذف والتبديل ، اما الحذف فواجب عليه وعلى الطبيب إذا رام تركيبا مشهورا بالنجاح ثم أعوزه (منها) عقارا واحدا ، ويكون التبديل إما في النوع أو في الجنس ، ولا بد من العلم والتجربة ، فهما مثل الجناحين للطائر ، ولا يستطيع الصيدلاني أن يطير إلا بهما " .
عدد الصفحات ٢٠21 وقد أحسنت مؤسسة همدرد باخراج كتاب البيروني في الصيدنة محققا بواسطة الحكيم محمد سعيد والدكتور رانا احسان الهي ، الكتاب صورة لمخطوط واضح بالخط النسخ . وربما كان افضل من المطبوع المليء بالاخطاء . وبهذه الجولة السريعة نتبين مدى ما قدمه المسلمين والعرب في مجال الصيدلة وتطوير طب الاعشاب ، وقد لعبت الاندلس دورا بارزا في مجال الاعشاب والنبات ، وكانت أحد أهم المعابر التي انتقلت منها الثقافة العربية والطبية والصيدلانية الى اوربا . ولا شك ان هناك العشرات من الكتب والابحاث التي قدمها المسلمون والتي لا يزال كنوزها قابعة في مختلف مكتبات العالم تبحث عمن ينفض عنها غبار الزمن وعاديات الايام ، ويظهرها بصورتها اللائقة بعد تحقيقها وتفسير غامضها .. ورجال البحث والجامعات مطالبون بابراز هذه الجهود العلمية القيمة والمساهمة فيها إذ لا يمكن لأمة ان تتبوأمكانها تحت الشمس الا بربطها بماضيها المجيد . ولا يفوتني هاهنا أن أنوه بأهمية تدريس الطب والصيدلة وكافة العلوم باللغة العربية التي ظلت قرونا طوالا لغة العلم لمختلف اجناس البشر من حدود الصين شرقا الى شاطئ الاطلسي غربا .. ولا يمكن ان تظهر هذه الأصالة بدون العودة الى هذه الاصول واعتماد اللغة العربية لغة العلم ، والارتقاء به الى مصاف الامم التي نهضت وتبوأت مكانتها السامقة ، لانها اعتمدت تدريس العلوم المختلفة بلغتها الأصلية . والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
عدد الصفحات ٢١22 الفهرس الموضوع الصفحة المقدمة ........................................................ 2 الطب النبوي........................... 4 كتب الطب النبوي.............................. 5 عوامل النهضة الطبية في العالم الاسلامي7 المستشفيات في الاسلام والتسامح الديني ..................... 8 دور المسلمين في الصيدلة وطب الأعشاب8 الصيدلية الكيماوية10 ما قدمه العرب والمسلمون للصيدلية11 دور اندلس .................................................... 13 انتقال الثقافة العربية الى أوربا15
عدد الصفحات ٢٢