برنارد لويس 180 أنها لا تعتمد أسلوب الغزو والفرض بل تكتفي بعرض نموذجٍ جذاب وناجحٍ يطمح الآخرون إلى محاكاته أو الاندماج فيه. وهكذا•نكون•قد•انتقلنا•من•تتريكٍ•علمانيٍ•شموليٍ•شرسٍ•يستفز• الشعور•الديني،•إلى•مشروع•الإسلام•الأطلسي،•الذي•يحرص•على• المظاهر•الإسلامية•من•دون•أسلمة•عميقة•للأحوال•الشخصية•والسياسة• والقتصاد•بل•بمقدار•ما•يساهم•الشعور•الديني•في•شرعنة•مشروع•هوفي• جذوره•وأعماقه•علمانيةٌ•جزئيةٌ•ناعمةٌ•ترفع•الآذان•باللغة•العربية•هذه• المرة.• وفي•الرد•على•هذا•النموذج•المريب•نقول:•طالما•أن•المؤسسة• السياسية•هي•التي•تقود•المؤسسة•الدينية•وتوظفها•لمصالحها،•فمن• الصعب•أن•يتم•إنتاج•مشروعٍ•إسلاميٍ•عصريٍ•يُحسن•إدارة•الصراع•مع• التبعية•للغرب•من•جهة•ومع•التخلف•والفقر•والجهل•من•جهة•أخرى. فالمطلوب•في•المقابل•هو•تحرير•المرجعيات•الدينية•للعالم• الإسلامي•من•سلطة•السياسة،•وتأصيل•مفاهيم•الحرية•والعدالة•والتنمية• من•منظور•إسلامي،•وممارستها•باعتبارها•الإسلام•في•هذا•العصر•وليست• ل•في•حدها•ول•في•حدودها•مستوردةً•كمفاهيم•معلبة•من•حضارة•غربية• انحدرت•إلى•مستوى•تسليع•كل•القيم•واستخدامها•في•البازار•السياسي. أما•حسن•الإدارة•ومهاراتها•المتعددة•من•تخطيطٍ•وقيادةٍ•وتنظيمٍ• وتقويمٍ•ومتابعة،•فهي•أمورٌ•محايدةٌ•تعطي•نتائج•إيجابيةً•أينما•طُبقت• بغض•النظر•عن•البعد•العقائدي•أو•الهوية•الإيديولوجية•لمن•يطبقها،• فليس•نجاح•الغرب•أو•المتغربين•في•الإدارة•نابعًا•من•فلسفة•الغرب•بل• من•تطور•العقل•الإداري•عندهم،•والأتراك•كما•قلنا•متميزون•في•هذا•
عدد الصفحات ١٨١181 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك الجانب•ول•شيء•يمنع•من•الستيحاء•من•تجربتهم.•ولكن•في•الشأن القتصادي•ل•يمكن•أن•نتصالح•مع•النُظُم•الربوية•التي•تؤدي•إلى•احتكار• طبقة•الأثرياء•لمال•الأمة•والتحكم•بكل•شيء•عبر•التحكم•بالثروة،• وفي•السياسة•ل•يدعم•الإسلام•ظواهر•السلطنة•والديكتاتورية•وتغول• السلطة•وإخضاع•كل•القيم•والتلاعب•باللغة•والوعي•والعقول•لأغراض• السياسة.. والنص•الوحياني•صريحٌ•في•رفض•الظلم•بكل•أشكاله•والحث•على• بسط•العدل•في•كل•أشكاله•سواء•في•السياسات•الداخلية•والخارجية...• قال•تعا [135على•أنفسكم إن•العقيدة•والقيم•والثقافة•هي•القائد•الحقيقي•للسياسة•في•الإسلام،• وتبقى•هي•المعيار•للحكم•على•أي•تجربةٍ•تدعي•أنها•إسلامية. خلاصة الفصل: ـ يدفع برنارد لويس في كل ما كتب إلى تصوير هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وكأنها هزيمة للدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، فيما نرى أنها كانت هزيمةً لدولةٍ إسلاميةٍ بسبب فساد الحكم وتسخير الدين لأغراض السياسة بدل محاكمة السياسة على أساس المعايير الدينية والقيم الداعية للعدل والإعمار ونصرة المستضعفين وحقوق الإنسان. ـ ولأن الغرب كان يدرك عمق العلاقة بين المسلم ودينه، سواء في تركيا أو غيرها من الدول، كان تعيين ضابطٍ تركيٍ علمانيٍ هو كمال
عدد الصفحات ١٨٢برنارد لويس 182 أتاتورك يهدف إلى تحويل الهزيمة العسكرية إلى هزيمةٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ وحضارية. ولذلك، مى أتاتورك في علمنة تركيا بشكلٍ شرس، فنزع كل مظاهر التدين التي كانت سائدةً لدى الشعب التركي، وبدا أن معركته كانت سهلةً بحسب الظاهر. والسبب في تقديرنا هو أن عملية تغريب تركيا وعلمنتها كانت قد بدأت فعليًا على مدى القرن التاسع عشر. ـ العلمنة على طريقة أتاتورك كانت شاملةً معاديةً للدين بالمطلق، ولذلك اعتبرها برنارد لويس أفضل عملية تغريب على الرغم من اعترافه بأنها فُرضت بالقوة والاستبداد وقتل المعارضين، وبدون أي التفات للديمقراطية وحقوق الإنسان، مما يؤكد ازدواجية المعايير والعنصرية ونفاق الغرب في حديثه عن تلك الشعارات التي هي في الحقيقة سلاحٌ يُستخدم فقط ضد أعداء الغرب. ـ تحوّلت أوروبا بعد هذه العملية إلى قبلةٍ للدولة التركية الناشئة، التي سعت بكل ما أوتيت من قوة للتحول إلى دولةٍ أوروبيةٍ معتمدة... ولكن أوروبا لم تقبلها لأسبابٍ دينيةٍ وعنصرية، بل أرادت منها قوتها العسكرية فقط لاستخدامها كقاعدة انطلاقٍ لغزو بقية العالم الإسلامي، وقد بينّ لويس أن ما تبقى من الإسلام في تركيا يقف حائلاً أمام العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، فحتى اللجوء والهجرة إلى أوروبا هو بمثابة غزوٍ إسلاميٍ ناعمٍ للقارة المسيحية. وهو عندما يدفع باتجاه المزيد من العلمنة يريد من تركيا أن تكون مقبرة الإسلام الذي فتح أوروبا، ومنطلقًا للتغريب الشامل للعالم الإسلامي، وصولاً إلى تعميم نظرية الاستجابة الواقعية للتحدي الغربي التي أكد عليها في معظم كتاباته وخاصة كتاب وتكريس فكرة العالم الأول الذي يقود بقية العوالم. ـ وبما أن الإسلام لم يختف بهذه البساطة، كُلِّف الجيش التركي
عدد الصفحات ١٨٣183 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك بالدفاع عن العلمانية في سلسلة من الانقلابات المتتالية كلما لاح الأفق إمكانية العودة إلى شكلٍ مدجّنٍ من أشكال الإسلام السياسي. ـ مع نجم الدين أربكان، كانت تركيا قد يئست من إمكانية الدخول إلى العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. ولكن ليس من قبيل الصدفة أبدًا ةٍ بخلاف أن يكون الدور التركي في حلف شمال الأطلسي قد تقدم بقو الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى. نفهم من هذا أن رٍ فاعل في الفضاء الأوروبي، الغرب قد أراد لتركيا أن لا ترتقي إلى دو لكي تبقى، مع إسرائيل، عصى الغرب الغليظة المكلفة بوظيفة تأديب أولئك الذين يحلمون بالتحرر من نتائج الحربين العالميتين. •ورؤيةٍ •صوفيةٍ •بخلفيةٍ•سياسيٍ •إسلامٍ ـ اتجه نجم الدين أربكان نحو واعتُبر ذلك جنوحًا خطيرًا عن الوظيفة، وليس آسيوية،•وقِبلةٍ •عصرية الدور، الذي أُريد لتركيا. ولكن، بعدما بدا أن عملية تكييف تركيا مع متطلبات التبعية للغرب بدأت تشهد نقوصًا وتراجعًا واستدارةً نحو آسيا، وأن فكرًا إسلاميًا قد خرج من القمقم العلماني ليجهض عمليات التغير الجيني لتركيا، أصبح لزامًا على معسكر التغريب أن يفكر بأن لا يكتفي بإنشاء تركيا أطلسية، بل أن يعمل على تكوين وتعميم إسلام أطلسي. ـ وبما أن علمنة تركيا عبر المؤسسات الدستورية والجيش أسهل من علمنة الإسلام، فإن الصيغة التي تم التوصل إليها هي أن تقود تركيا العلمانية، بإسلامها الأطلسي، التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لما لهذا التنظيم من انتشارٍ وتأثيرٍ في العالم الإسلامي والعربي. ـ من هذا المنظور، يُعتبر أردوغان، المنقلب على أستاذه، قائد عملية التتريك الجديدة، المستندة هذه المرة على تجربةٍ تنمويةٍ داخليةٍ ناجحةٍ، مما يدعم قوتها الناعمة كنموذجٍ جذاب، مع خطاب طوراني قومي
عدد الصفحات ١٨٤برنارد لويس 184 ضد الأكراد يجند النزعة العرقية عند الأتراك، ومذهبي عندما يلزم الأمر ضد الشيعة لمنافسة السعودية وغيرها على قيادة العالم السني، وتمدّدٍ جيوسياسي باتجاه العالم العربي الممزق تحت عنوان استعادة المجد العثماني... وكل هذا تحت ظلال يريد لتركيا أن تنتقل داخل المدار الغربي من موقع الوظيفة إلى موقع الدور، فهو لم يتخلَّ أبدًا عن حلم العضوية في الاتحاد الأوروبي، بل يهدف بكل هذا الضجيج أن يحجز مقعدًا متقدمًا لتركيا، ليقبل كشريك ممتازٍ في رسم سياسات المنطقة مع الأميركي والأوروبي والروسي. من منظورٍ أعمق، نعرف أن بنية الحكم في الإسلام قائمةٌ على إمامة الثقافة للسياسة. فإذا عكسنا هذا المسار، تصبح السياسة، عبر الأحزاب الإسلامية، هي من يملي على الإسلام ثقافته تحت عنوانٍ عريضٍ هو الاستجابة ـ كل هذا لا ينفي أن في التجربة التركية نقاطًا مضيئةً، خصوصًا على المستوى التنموي، ولذلك نرى أن بإمكان تركيا أن تكون مصدر إلهامٍ لبقية المسلمين فيما توصلت إليه من تطورٍ مدنيٍ واقتصاديٍ لا يتعارض مع الفهم المستنير للدين، بل إنها لو تمسّكت بعناصر الممانعة الثقافية التي يمنحها الإسلام الأصيل بعيدًا عن الانبهار بالغرب، فتكون قد جمعت بين ما ينقصنا في الإدارة والتنمية وما يستلزمه الإسلام من تطوير مستمرٍ لفهمه وتطبيقه... وهذه العملية الشاقة والمعقدة لا يمكن أن تتم في أحضان الغرب المعادي لكل ما هو إسلام وفقًا لقاعدةٍ أصوليةٍ أنتجها ل•يُتقرّب•بالمبعّد.العقل الإسلامي تقرر أنه:
عدد الصفحات ١٨٥