حقـائق مهجورة تأليف برهان الدين القاضي
عدد الصفحات ٢النسخةالرقميّة المجازة مكتبة الهداية دار السلام
عدد الصفحات ٣ قال تعا ﴿نْتُمْ تَعْلَمُونَ َ وَلََ تَلْبِسُوا الَْْقَّ بِالَْْاطِلِ وَتَكْتُمُوا الَْْقَّ وَأ ﴾(1). ﴿لُِِحِقَّ الَْْقَّ وَيُبْطِلَ الَْْاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾(2). ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالَْْق ِ عَلََ الَْْاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق ﴾(3). ﴿وَقُلْ جَاءَ الَْْقُّ وَزَهَقَ الَْْاطِلُ إِنَّ الَْْاطِلَ كََنَ زَهُوقًا ﴾(4). ﴿قُلْ جَاءَ الَْْقُّ وَمَا يُبْدِئُ الَْْاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾(5). (1) البقرة 42. (2) الأنفال8. (3) الأنبياء18. (4) الإسراء 81. (5) سبأ44.
عدد الصفحات ٤5 الـمقدّمة الناظر - في أحوال الناس - يجد التخالف بينهم فاشيًا، ويجد التوافق بينهم نادرًا، فيشيع بينهم التباغض والتشاتم والتلاعن والتدابر والتعادي والتضارب والتقاتل؛ ويندر بينهم التعاطف والتلاطف والتراحم والتعاون والتآخي والتعايش والتسالم. وللتخالف سبب رئيس ، هو مخالفة الحقّ، ولهذه المخالفة صورتان: 1- أن يكون المتخالف ان كلاهما مخالفين للحقّ، كرجلين يتضاربان على مال غيرهما؛ ليسرقاه، فهما مخالفان للحقّ، ومتخالفان. 2- أن يكون أحد المتخالفين مخالفًا للحقّ، ويكون الآخر موافقً ا للحقّ، كرجلين يتضاربان على مال ، أحدهما صاحب المال، والثاني لصّ ي ريد سرقته، ف صاحب المال موافق للحقّ، واللصّ المعتدي مخالف للحقّ. فمخالفة الحقّ هي السبب الأكبر ، في كلّ صور التخالف، ولو أنّ كلّ الناس عملوا بمقتضى الحقّ - في كلّ خطوة من خطواتهم - لما تخالفو ا أبدًا. ولكنّ مخالفة أكثر النا س للحقّ - في كثير من أحوالهم وأحيانهم - أمر واقع، لا ي كن نككاره، ونّّا تكون المخالفة؛ لثلاةة أسباب رئيسة، هي: 1- الجهل هو الخلل في صفة العلم، والناس ليسوا سواء في العلم، فمنهم العالم، ومنهم المتعلّم، ومنهم الجاهل. والعلم والجهل أمران ك سبيّان، فقد تعلم ما يجهله غيرك، وقد تجهل ما يعلمه
عدد الصفحات ٦6 غيرك، وقد تعلم اليوم ما كنت تجهله أمس، وقد تجهل اليوم ما كنت تعلمه أمس . والنسيان والسهو والغفلة أمور لا يكاد يخلو منها نكسان، وهي أبرز صور الجهل العارض؛ فإن خلا منها أحدنا يومً ا، أ صيب بها، أو ببعضها، في يوم آخر، ونن خلا منها ساعة، أ صيب بها، أو ببعضها، في ساعة أخرى، ونن خلا منها نكسان، أ صيب بها غيره. والجهل على درجات، كما أنّ العلم على درجات، والناس متفاوتون في درجات العلم، ودرجات الجهل، ولكنّهم مشتركون عمومً ا في الاتّصاف ببعض الجهل، وببعض العلم. والجهل سبب رئيس ، من أس باب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من يجهل الحقّ ، سيخالفه، غالبًا، كرجل أخذ مال غيره، وهو يحسبه ماله، وكامرأة أخذت طفل غيرها، وهي تحسبه طفلها، وكقاض يجهل براءة البريء، فيحكم عليه بالإ داكة، أو يجهل نجرام المجرم، فيحكم عليه بالبراءة. ولك أن تتصوّر ما ي كن أن يفعله جهل المجنون، وجهل الأحمق، وجهل الطفل، وجهل السكران، وجهل النعسان، وجهل الناسي، وجهل الساهي، وجهل الغافل، وجهل غير المتعلّم، وجهل العالم والمتعلّم، حين يجهلان بعض ما يعلمه غيرهما من الحقّ. 2- الهوى هو الخلل في صفة الرغبة، والناس ليسوا سواء في الرغبة، فمنهم من يرغب في فعل الخير، ومنهم من يرغب في فعل الشرّ، ومنهم من ييل نلى الحقّ، ومنهم من ييل نلى الباطل، ومنهم المذبذب بينهما. والرغبة الحسنة ، والرغبة السيّئة أمران ك سبيّان، فقد ترغب اليوم في فعل الخير، وترغب غدًا في فعل الشرّ . وقد ييل قلبك اليوم نحو الحقّ، و ييل غدًا نحو الباطل؛ وقد تكون - في غالب أحوالك وأحياكك - راغبً ا في الحقّ ، والخير،
عدد الصفحات ٧7 والمعروف؛ وقد تكون - في الغالب - راغبً ا في الشرّ والباطل والمنكر. والهوى سبب رئيس ، من أسباب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من ييل قلبه عن العمل بالحقّ، نلى العمل بالباطل، سيخالف الحقّ ، في عمله، غالبًا. وللهوى عدّة درجات، أبرزها: أ- الهوى العارض: وهو هوى لا يكاد يخلو منه نكسان، ولكنّ صاحبه لا يلبث أن يعود برغبته نلى الحقّ. ب- الهوى الغالب: وهو هوى تغلّب على صاحبه، فخضع له في معظم أحواله وأحياكه، ولكنّه - في أحيان قليلة - يعود برغبته نلى الحقّ، فيندم على اتّباعه هواه، ثمّ لا يلبث أن يعود برغبته نلى الباطل. ج- الهوى الدائم: وهو هوى استفحل، واستحكم، فاستحوذ على صاحبه، حتّ صدّه عن الموعظة والنصيحة، وهذه حال من أدمن على الشرّ والباطل، فاستحبّهما على الخير والحقّ، فأعرض عن كلّ ناصح. د- الهوى الطاغي: وهو هوى الطغاة والبغاة، الذين لا يكتفون بما هم عليه من اتّباع الهوى، بل يسعون نلى نفساد من سواهم من الناس، وصدّهم عن كصح الناصحين، ووعظ الواعظين، ويعادون أهل الحقّ والخير، ويحاربونهم؛ للقضاء عليهم؛ ليكون لهم السلطان في الأرض. 3- الضعف هو الخلل في صفة القدرة، والناس ليسوا سواء في القدرة، فمنهم القويّ، ومنهم الضعيف، ومنهم المريض، ومنهم العاجز. والقدرة والضعف أمران ك سبيّان، فقد تقدر على ما يضعف عنه غيرك، وقد تضعف عمّا يقدر عليه غيرك، وقد تقدر اليوم على ما كنت تضعف عنه أمس، وقد تضعف اليوم عمّا كنت تقدر عليه أمس.
عدد الصفحات ٨8 والمرض والتعب والجوع والعطش أمور لا يكاد يخلو منها نكسان، وهي أبرز صور الضعف العارض؛ فإن خلا منها أحدنا يومً ا، أ صيب بها، أو ببعضها، في يوم آخر، ونن خلا منها ساعة، أ صيب بها، أو ببعضها، في ساعة أخرى، ونن خلا منها نكسان، أ صيب بها غيره. والضعف على درجات، كما أنّ القدرة على درجات، والناس متفاوتون في درجات القدرة، ودرجات الضعف، ولكنّهم مشتركون - عمومً ا - في الاتّصاف ببعض القدرة، وببعض الضعف. والضعف سبب رئيس ، من أسباب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من يضعف ع ن العمل بالحقّ، سيخالفه، غالبًا. وللضعف عدّة صور، أبرزها: أ- الضعف البدنيّ، كضعف الطفل، والهر م، والمريض، والتعبان. ب- الضعف الماليّ، كضعف الفقير، والمسكين، والمدين. ج- الضعف الآليّ ، كضعف الأعزل ، في مواجهة المسل ح. د- الضعف العدديّ، كضعف الواحد، في مواجهة الجمع. ه- الضعف القسريّ، كضعف السجين، والأسير، والكسير، والجريح. و- الضعف النوعيّ، كضعف المرأة ، في مواجهة الرجل. ز- الضعف الاجتماعيّ، كضعف العبد، واللقيط، والطريد. ح- الضعف النفسيّ (الخوف): وينشأ بسبب صورة، أو أكثر، من صور الضعف المذكورة آكفًا، كخوف الرجل الأعزل ، من مواجهة الرجال المسل حين، فربمّا حمله خوفه على مطاوعتهم، في الباطل، ونن كان كارهًا. قال ابن القيّم: «والأسباب الماكعة من قبول الحقّ كثيرة جدًّا. فمنها: الجهل
عدد الصفحات ٩9 به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإنّ من جهل شيئًا عاداه، وعادى أهله. فإن اكضاف نلى هذا السبب بغض من أمره بالحقّ، ومعاداته له، وحسده، كان الماكع من القبول أقوى. فإن اكضاف نلى ذلك نلفه، وعادته، ومرباه على ما كان عليه آباؤه، ومن يح بّه ويعظّمه، قوي الماكع. فإن اكضاف نلى ذلك توهمّه أنّ الحقّ الذي د عي نليه يحول بينه وبين جاهه، وعزّه، وشهواته، وأغراضه، قو ي الماكع من القبول جدًّ ا. فإن اكضاف نلى ذلك خوفه من أصحابه، وعشيرته، وقومه، على كفسه، وماله، وجاهه، كما وقع لهرقل ، ملك النصارى بالشام، ع لى عهد رسول الله ، ازداد الماكع من قبول الحقّ قوّة، فإنّ هرقل عرف الحقّ، وهم بالدخول في الإسلام، فلم يطاوعه قومه، وخافهم على كفسه، فاختار ال كفر على الإسلام، بعد ما تبينّ له الهدى... ومن أعظم هذه الأسباب: الحسد؛ فإكّه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد ف ضّل عليه، وأوتي ما لم يتت كظيره، فلا يدعه الحسد أن ينقاد له، ويكون من أتباعه. وهل منع نبليس من السجود لآدم، نلاّ الحسد؟! فإكّه ل ـمّا رآه قد ف ضّل عليه، ور فع فوقه، غص ب ريقه، واختار الكفر على الإيان، بعد أن كان بين الملائكة. وهذا الداء هو الذي منع اليهود، من الإيان بعيسى ابن مريم، وقد علموا - علمًا لا شكّ فيه - أكّه رسو ل الله، جاء بالبيّنات والهدى؛ فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإي ان، وأطبقوا عليه، وهم أمّة فيهم الأحبار والعلماء والزهّاد والقضاة والملوك والأمراء. هذا؛ وقد جاء المسيح بحكم التوراة، ولم يأت بشريعة تخالفها، ولم يقاتل هم، ونّّا أتى بتحليل بعض ما ح رّ م عليهم؛ تخفيفًا ورحمة ونحساناً، وجاء مكمّلاً لش ريعة التوراة، ومع هذا، فاختاروا كلّهم الكفر على الإيان. فكيف يكون حالهم مع كبيّ، جاء بشريعة مستقلّة ناسخة لجميع الشرائع، مبكّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًً على فضائحهم، ومخرجًا لهم من ديًرهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلّه
عدد الصفحات ١٠11 ينص ر عليهم، ويظفر بهم، ويعلو هو وأصحابه، و هم معه دائمًا في سفال. فكيف لا يلك الحسد والبغي قلوبهم؟! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به، من بعد ما تبينّ لهم الهدى! وهذا السبب - وحده - كاف في ردّ الحقّ؛ فكيف نذا اكضاف نليه زوال الريًسات والمآكل كما تقدّم؟!»(1). وقال ابنالقيّم أيضًا: «كلّ من آةر الدكيا من أهل العلم واستحبّ ها؛ فلا بدّ أن يقول على الله غير الحقّ ؛ في فتواه وحكمه ، في خبره ونلزامه ؛ لأنّ أحكام الربّ سبحاكه كثيرً ا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ، ولا سيّ ما أهل الر ئاسة والذين يتّ بعون الشهو ات؛ فإنهّ م لا تتمّ لهم أغرا ضهم نلاّ بمخالفة الحقّ ، ودفعه كثيرً ا؛ فإذا كان العالم والحاكم محبًّ ا للر ئاسة، متّ بعً ا للشهوات لم يتمّ له ذلك نلاّ بدفع ما يضادّ ه من الحقّ ، ولا سيّ ما نذا قامت له شبهة، فتتّ فق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحقّ ! ونن كان الحقّ ظاهرً ا لا خفاء به، ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة . وفي هتلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿ف خ ل ف م نْ بـ عْد ه مْ خ لْفٌ أ ض اع وا الص لا ة و اتـ بـ ع وا الش ه و ات ﴾(2)،وقال: ﴿ف خ ل ف م نْ بـ عْد ه مْ خ لْفٌ و ر ة وا الْك ت اب يأ ْخ ذ ون ع ر ض ه ذ ا الأْ دَْ و يـ ق ول ون س يـ غْف ر ل ن ا و ن نْ يأ ْته مْ ع ر ضٌ م ثـْل ه يأ ْخ ذ وه أ ل ـمْ يـ تْخ ذْ ع ل يْه مْ م يث اق الْك ت اب أ نْ لا يـ ق ول وا ع ل ى اللَّ ن لا الحْ ق و د ر س وا م ا ف يه و الد ار الآْخ ر ة خ يـْرٌ ل ل ذ ين يـ تـ ق ون أ ف لا تـ عْق ل ون ﴾(3)، فأخبر سبحاكه أنهّ م أخذوا العرض الأدَ مع علمهم بتحريه عليهم، وقالوا: سي غف ر لنا! ونن عرض لهم عرض آخر أخذوه؛ فهم مصرّ ون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحقّ ، فيقولون: هذا حكمه (1) هدايةالحيارى: 33-11. (2) مر93. (3) الأعراف 163.
عدد الصفحات ١١11 وشرعه ودينه ! وهم يعلمون أنّ دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك ، أو لا يعلمون أنّ ذلك دينه وشرعه وحكمه ! فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، و تارة يقولون عليه ما يعلمون بطلاكه»(1). فالجهل والهوى والخوف هي الأمراض الكبرى التي تدعو أصحابها ن معاداة الحقّ. ولكلّ مرض من هذه الأمراض دواء مناسب؛ فمرض الجهل دواؤه التعليم، ومرض الهوى دواؤه التهذيب، ومرض الخوف دواؤه التشجيع. وللقضاء التامّ، على الباطل، وأهله، لا بدّ من هذه الأدوية الثلاةة، معًا؛ فلا يكفي دواء التعليم، نن لـم يصاحبه دواء التهذيب، و دواء التشجيع؛ ولا يكفي دواء التهذيب، نن لـم يصاحبه دواء التعليم، و دواء التشجيع؛ ولا يكفي دواء التشجيع، نن لــــم يصاحبه دواء التعليم، و دواء التهذيب. ولذلك تتسلّح الدعوة نلى الإسلام، بثلاةة أسلحة، هي: سلاح (العلم)، وسلاح (التقوى)، وسلاح (القوّة)؛ لأنّ فاقد الشيء لا ي عطيه. فسلاح (العلم) ي عطي المصاب بالجهل (دواء التعليم)، وسلاح (التقوى) ي عطي المصاب بالهوى (دواء التهذيب)، وسلاح (القوّة) ي عطي المصاب بالخوف (دواء التشجيع). قال سيّد قطب: «هذا المنهج الإلهيّ الذي يثّله الإسلام، كما جاء به محمّد ، يتحقّق في الأرض، في دكيا الناس، بمجرّد تنزّله من عند الله. ولا يتحقّق بمجرّد نبلاغه للناس وبياكه. ولا يتحقّق بالقهر الإلهيّ، على نحو ما ي ضي الله ناموسه في دورة الفلك، وسير الكواكب، وترتّب النتائج على أسبابها الطبيعيّة.. نّّا يتحقّق بأن تحمله مجموعة من البشر، تتمن به نياناً كاملاً، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها - وتجعله وظيفة حياتها، وغاية آمالها، وتجهد لتحقيقه في (1) الفوائد119-116.
عدد الصفحات ١٢12 قلوب الآخرين، وفي حياتهم العمليّة كذلك، وتجاهد لهذه الغاية، بحيث لا تستبقي جهدًا ولا طاقة.. تجاهد الضعف البشريّ، والهوى البشريّ، والجهل البشريّ، في أكفسها، وأكفس الآخرين. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل؛ للوقوف في وجه هذا المنهج...»(1). ودواء التعليم، ونن لم يكن كافيًا، لكنّ له أةرًا كبيرًا في التخلّص من هذه الأمراض الثلاةة، أو التقليل من ضررها؛ لأنّ الكثير من أعداء الحقّ ، نّّ ا يعادون الحقّ ؛ بسبب مرض الجهل. ودواء التعليم هو الدواء الشافي من مر ض الجهل. فإذا ش في المصابون بمرض الجهل، من جهلهم، كثر أتباع الحقّ، وقلّ أتباع الباطل. وكثرة أتباع الحقّ ، وقلّة أتباع الباطل: سببان كبيران، من أس باب تشجيع الخائفين؛ فحين يرى الخائفون كثرة أتباع الحقّ ، وقلّة أتباع الباطل، سيتشجّعون، فيتّبعون الحقّ، ويوالون أهله، ويتجنّبون الباطل، ويعادون أهله. فإذا ش في المصابون بمرض (الجهل)، من جهلهم، و ش في المصابون بمرض (الخوف)، من خوفهم، كثر أتباع الحقّ كثرة، يغلبون بها أهل الأهواء؛ فكاكت تلك الكثرة سببًا في شفاء بعض أهل الأهواء، من أهوائهم، من الذين لم تستحوذ عليهم أهواؤهم. أمّا أولئك الذين استحوذت عليهم أهواؤهم، فلن ينفع - في شفائهم من أهوائهم - أي تهذيب. والمادّة الصحيحة السليمة الطيّبة، التي يتألّف منها (دواء التعليم) هي: مادّة (الحقائق)؛ فإنّ التعليم الشافي، الذي يشفي الجاهل من مرض الجهل هو (تعليم الحقائق)؛ بخلاف التعليم القائم على الأباطيل والأوهام؛ فإكّه يزيد الجاهل (1) في ظلال القرآن 1/925.
عدد الصفحات ١٣13 جهلاً، ولا سيّما حين ي صاب الجاهل بمرض (الجهل المرك ب)، فيكون جاهلاً، يجهل الحقيقة، ويجهل - في الوقت كفسه - أكّه يجهل الحقيقة. ومن الناس من يعلم بعض الحقائق، لكنّه يخالفها عمدًا، ويعاديها، ويعادي أهلها؛ نمّا بسبب الهوى، أو بسبب الخوف. ومن هنا كاكت الأمراض الثلاةة (الجهل والهوى والخوف) هي الأسباب الرئيسة، التي تتدّي نلى وجود (حقائق مهجورة)، يهجرها كثير من الناس. ويكون هجر الحقائق على ةلاث درجات بارزة: 1- هجر الاطّلاع، بأن يهجر الهاجر الاطّلاع على حقيقة معيّنة، فلا يعلم عنها شيئًا؛ نمّا قصورًا، أو تقصيرًا. 2- هجر التدبُّر، بأن يهجر الهاجر تدب ر حقيقة معيّنة، كان قد اطّلع عليها، من قبل، فلا ينتفع باطّلاعه عليها؛ لأكّه لـم يتدبّـرها. 3- هجر العمل، بأن يهجر الهاجر العمل بمقتضى حقيقة معيّنة، كان قد اطّ لع عليها، من قبل، وتدب ــر ها، لكنّه لا يعمل بمقتضاها. وقد عمدت - في هذا الكتاب - نلى بيان بعض (الحقائق المهجورة)، التي هجرها كثير من المنتسبين نلى (الإسلام)، من المتلّفين والمتعلّمين والعامّة، في كثير من أحوالهم وأحيانهم؛ ليكون هذا البيان تعليمًا شافيً ا من مرض الجهل، الذي منع الكثير منهم، من العمل بمقتضى هذه (الحقائق المهجورة). والله يهدي من يشاء نلى صراط مستقيم.
عدد الصفحات ١٤11 حقيقة الإسلام الإسلام هو الدين الأوّل والأخير والوحيد المرضيّ عند الله ، وهو عبارة عن خضوع المخلوق الضعيف الفقير الصغير، لخالقه القويّ الغنّ الكبير. وهذا الخضوع ليس من مختصّات الإكسان، بل ننّ الإكسان في الحقيقة هو أقلّ المخلوقات خضوعًا للخالق . فكلّ مخلوقات: مسلمة له، خاضعة له، منقادة لأمره . قال تعالى: ﴿أ فـ غ يـْر د ين اللَّ يـ بـْغ ون و ل ه أ سْل م م نْ في الس م او ات و الأْ رْض ط وْعًا و ك رْهًا و ن ل يْه يـ رْج ع ون ﴾(1) . فالشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والأودية والبحار والأنهار والريًح والأشجار والثمار والزروع والملائكة والدوابّ والطيور والحشرات، كلّها لله : مسلمة خاضعة، منقادة طائعة، مسبّحة حامدة، مصلّية ساجدة قال تعالى: ﴿و للَّ ي سْج د م نْ في الس م او ات و الأْ رْض ط وْعًا و ك رْهًا و ظ لا له مْ با لْغ د وّ و الآْص ال ﴾ (2) . وقال تعالى: ﴿ت س بّ ح ل ه الس م او ات الس بْع و الأْ رْض و م نْ ف يه ن و ن نْ م نْ ش يْء ن لا ي س بّ ح بح مْد ه و ل ك نْ لا تـ فْق ه ون ت سْب يح ه مْ ن ك ه ك ا ن ح ل يمًا غ ف ورًا﴾(3) . وقال تعا﴿أ ل ـمْ تـ ر أ ن اللَّ ي س بّ ح ل ه م نْ في الس م او ات و الأْ رْض و الط يـْر ص اف ات ك لٌّ ق دْ ع ل م ص لا ت ه و ت سْب يح ه و اللَّ ع ل يمٌ بم ا يـ فْع ل ون ﴾(1) . (1) آل عمران 53. (2) الرعد 19. (3) الإسراء 11. (1) النور11.
عدد الصفحات ١٥15 أمّا الناس، فمنهم المسلم، ومنهم غير المسلم، قال تعالى: ﴿أ لـمْ تـ ر أ ن اللَّ ي سْج د ل ه م نْ في الس م او ات و م نْ في الأْ رْض و الش مْس و الْق م ر و الن ج وم و الجْ ب ال و الش ج ر و الد و اب و ك ث يرٌ م ن ال ن اس و ك ث يرٌ ح ق ع ل يْه الْع ذ اب و م نْ ي ه ن اللَّ ف م ا ل ه م نْ م كْر م ن ن اللَّ يـ فْع ل م ا ي ش اء ﴾(1) . والجنّ كالإكس في هذا الأمر؛ فإنهّم اكقسموا على مسلمين وقاسطين. قال تعالى: ﴿و أ نا م ن ا الْم سْل م ون و م ن ا الْق اس ط ون ف م نْ أ سْل م ف أ ول ئ ك تح ر وْا ر ش دًا. و أ م ا الْق اس ط ون ف ك اك وا لج ه ن م ح ط بًا﴾ (2) . فإذا كظرنا في نسلام الإكسان رأينا أنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي ارتضاه الله لعباده؛ ولذلك كان الرسل كلّهم يدعون - في الحقيقة - نلى دين واحد، هو الإسلام. فنوح، ونبراهيم، ولوط، ونسماعيل، ونسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وسليمان، وعيسى ،وأتباعهم - كالسحرة بعد أن آمنوا، وملكة سبإ بعد أن آمنت، والحواريّين - كلّهم كاكوا مسلمين. قال تعالى: ﴿و اتْل ع ل يْه مْ كـ ب أ ك وح ن ذْ ق ال ل ق وْ م ه يً قـ وْم ن نْ ك ان ك بـ ر ع ل يْك مْ م ق ام ي و ت ذْك ير ي بِ يً ت اللَّ فـ ع ل ى اللَّ تـ و ك لْت ف أ جْْ ع وا أ مْر ك مْ و ش ر ك اء ك مْ ثم لا ي ك نْ أ مْر ك مْ ع ل يْك مْ غ م ةً ثم اقْض وا ن لي و لا تـ نْظ ر ون . ف إ نْ تـ و ل يـْ ت مْ ف م ا س أ لْت ك مْ م نْ أ جْر ن نْ أ جْر ي ن لا ع ل ى اللَّ و أ م رْت أ نْ أ ك ون م ن الْم سْل م ين ﴾ (3) . وقال تعالى: ﴿و ن ذْ يـ رْف ع ن بـْر اه يم الْق و اع د م ن الْبـ يْت و ن سمْ اع يل ر بـ ن ا تـ ق ب لْ م ن ا ن ك ك أ كْت الس م يع الْع ل يم . ر بـ ن ا و اجْع لْن ا م سْل م ينْ ل ك و م نْ ذ رّ ي ت ن ا أ م ةً م سْل م ةً ل ك (1) الحجّ15. (2) الجنّ11-19. (3) يوكس11-12.
عدد الصفحات ١٦16 و أ ر نا م ن اس ك ن ا و ت بْ ع ل يـْن ا ن ك ك أ كْت التـ و اب الر ح يم . ر بـ ن ا و ابـْع ثْ ف ي ه مْ ر س ولاً م نـْه مْ يـ تـْل و ع ل يْه مْ آيً ت ك و يـ ع لّ م ه م الْك ت اب و الحْ كْم ة و يـ ز كّ يه مْ ن ك ك أ كْت الْع ز يز الحْ ك يم . و م نْ يـ رْغ ب ع نْ م ل ة ن بـْر اه يم ن لا م نْ س ف ه كـ فْس ه و ل ق د اصْط ف يـْن اه في الد كـْي ا و ن ك ه في الآْخ ر ة ل م ن الص الح ين . ن ذْ ق ال ل ه ر ب ه أ سْل مْ ق ال أ سْل مْت ل ر بّ الْع ال م ين . و و ص ى به ا ن بـْر اه يم ب ن يه و يـ عْق وب يً ب ن ن ن اللَّ اصْط ف ى ل ك م الدّ ين ف لا َ وت ن ن لا و أ كـْت مْ م سْل م ون . أ مْ ك نـْت مْ ش ه د اء ن ذْ ح ض ر يـ عْق وب الْم وْت ن ذْ ق ال ل ب ن يه م ا تـ عْب د ون م نْ بـ عْد ي ق ال وا كـ عْب د ن له ك و ن ل ه آبا ئ ك ن بـْر اه يم و ن سمْ اع يل و ن سْح اق ن له ًا و اح دًا و نح ْن ل ه م سْل م ون . ت لْك أ م ةٌ ق دْ خ ل تْ له ا م ا ك س ب تْ و ل ك مْ م ا ك س بـْت مْ و لا ت سْأ ل ون ع م ا ك اك وا يـ عْم ل ون . و ق ال وا ك وك وا ه ودًا أ وْ ك ص ار ى تـ هْت د وا ق لْ ب لْ م ل ة ن بـْر اه يم ح ن يفًا و م ا ك ان م ن الْم شْر ك ين . ق ول وا آم ن ا با للَّ و م ا أ كْز ل ن ل يـْن ا و م ا أ كْز ل ن لى ن بـْر اه ي م و ن سمْ اع يل و ن سْح اق و يـ عْق وب و الأْ سْب اط و م ا أ وتي م وس ى و ع يس ى و م ا أ وتي الن ب ي ون م نْ ر بهّ مْ لا كـ ف رّ ق بـ ينْ أ ح د م نـْه مْ و نح ْن ل ه م سْل م ون . ف إ نْ آم ن وا بم ثْل م ا آم نـْت مْ ب ه فـ ق د اهْت د وْا و ن نْ تـ و ل وْا ف إ ّ ا ه مْ في ش ق اق ف س ي كْف يك ه م اللَّ و ه و الس م يع الْع ل يم . ص بـْغ ة اللَّ و م نْ أ حْس ن م ن اللَّ ص بـْغ ةً و نح ْن ل ه ع اب د ون . ق لْ أ تح اج وكـ ن ا في اللَّ و ه و ر بـ ن ا و ر ب ك مْ و ل ن ا أ عْم ال ن ا و ل ك مْ أ عْم ال ك مْ و نح ْن ل ه مخ ْل ص ون . أ مْ تـ ق ول ون ن ن ن بـْر اه يم و ن سمْ اع يل و ن سْح اق و يـ عْق وب و الأْ سْب اط ك اك وا ه ودًا أ وْ ك ص ار ى ق لْ أ أ كـْت مْ أ عْل م أ م اللَّ و م نْ أ ظْل م ِ نْ ك ت م ش ه اد ةً ع نْد ه م ن اللَّ و م ا اللَّ ب غ اف ل ع م ا تـ عْم ل ون ﴾ (1) . وقال تعالى: ﴿ف أ خْر جْن ا م نْ ك ان ف يه ا م ن الْم تْم ن ين . ف م ا و ج دْنا ف يه ا غيـْر بـ يْت م ن الْم سْل م ين ﴾ (2) . (1) البقرة 121-111. (2) الذاريًت 39-36.
عدد الصفحات ١٧17 وقال تعالى: ﴿ر بّ ق دْ آتـ يـْت ن م ن الْم لْك و ع ل مْت ن م نْ تأ ْو يل الأْ ح اد يث ف اط ر الس م او ات و الأْ رْض أ كْت و ل يّ ي في الد كـْي ا و الآْخ ر ة تـ و ف ن م سْل مًا و أ لحْ قْن با لص الح ين ﴾(1) . وقال تعالى: ﴿و ق ال م وس ى يً قـ وْم ن نْ ك نـْت مْ آم نـْت مْ با للَّ فـ ع ل يْه تـ و ك ل وا ن نْ ك نـْت مْ م سْل م ين ﴾(2) . وقال تعالى: ﴿ق ال ف رْع وْن آم نـْت مْ ب ه قـ بْل أ نْ آذ ن ل ك مْ ن ن ه ذ ا ل م كْرٌ مك رَْ وه في الْم د ين ة ل ت خْر ج وا م نـْه ا أ هْل ه ا ف س وْف تـ عْل م ون . لأ ق طّ ع ن أ يْد ي ك مْ و أ رْ ج ل ك مْ م نْ خ لا ف ثم لأ ص لّ بـ ن ك مْ أ جْْ ع ين . ق ال وا ن نا ن لى ر بّ ن ا م نـْق ل ب ون . و م ا تـ نْق م م ن ا ن لا أ نْ آم ن ا بِ يً ت ر بّ ن ا ل م ا ج اء تـْن ا ر بـ ن ا أ فْر غْ ع ل يـْن ا ص بـْرًا و تـ و فـ ن ا م سْل م ين ﴾ (3) . وقالتعالى: ﴿و ج او زْنا ب ب ن ن سْر ائ يل الْب حْر ف أ تـْبـ ع ه مْ ف رْع وْن و ج ن ود ه بـ غْيًا و ع دْوًا ح ت ن ذ ا أ دْر ك ه الْغ ر ق ق ال آم نْت أ ك ه لا ن ل ه ن لا ال ذ ي آم ن تْ ب ه بـ ن و ن سْر ائ يل و أ نا م ن الْم سْل م ين ﴾(1) . وقال تعالى: ﴿ن نا أ كـْز لْن ا التـ وْر اة ف يه ا ه دًى و ك ورٌ يح ْك م به ا الن ب ي ون ال ذ ين أ سْل م وا ل ل ذ ين ه اد وا و الر با ك ي ون و الأْ حْب ار بم ا اسْت حْف ظ وا م نْ ك ت اب اللَّ و ك اك وا ع ل يْه ش ه د اء ف لا تخ ْش و ا الن اس و اخْش وْن و لا ت شْتـ ر وا بِ يً تي ثَ نًا ق ل يلاً و م نْ ل ـمْ يح ْك مْ بم ا أ كـْز ل اللَّ ف أ ول ئ ك ه م الْك اف ر ون ﴾ (9) . وقال تعالى: ﴿ق يل له ا ادْخ ل ي الص رْح فـ ل م ا ر أ تْه ح س بـ تْه لج ةً و ك ش ف تْ ع نْ (1) يوسف111. (2) يوكس51. (3) الأعراف 123-126. (1) يوكس31. (9) المائدة11.
عدد الصفحات ١٨