آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 73 سورة العادوات- دراسة مقطعية م.د. هلال علي محمود تاروخ التقدوم: 18/1/2007 تاروخ القبول: 23/9/2008 المقدمــــة الحمد لله رب العالمين، عمى ما أنعم بو عمينا من نعم لا تعدّ ولا تحصى، وعمى ما أعطانا فأجزل لنا العطاء، فمو الشكر الوافر الجزيل، والثناء الحسن الجميل، والصلاة والسلام عمى سيدنا محمد وعمى آلو وصحبو ومن اىتدى بيديو إلى يوم الدين. أما بعد: فمشدة ما وقفت عند سورة العاديات، أقرؤىا وأرددىا، آناء الميل وأطراف النيار، أشعر بسرِّ يشدني إلييا، ولطالما تأممتيا عمّي أجد ما يبصرني بفيم شامل لأسرارىا، ومن ىنا أجمت نظري في أغمب كتب التفسير المتقدمة، فمم أجد ما يسعفني في ما أروم وأرغب إلا حين اطمعت عمى تفسيرىا في تفسير سيد قطب (في ظلال القرآن ) وفي (التفسير البياني لمقرآن الكريم ) لمدكتورة عائشة عبد الرحمن، فضلاً عن دراسة الدكتور حسن محمد باجودة الموسومة بـ (تأملات في سورة العاديات ) فتبينت آنئذ أبعاد الصورة، ومعالم الطريق، ثم جاء بعده ذلك الغوص في البنية المقطعية لمسورة ليعمق ذلك الفيم، ويزيد من ذلك البيان، إذ من خلال ىذه البنية تتبيّن دلالة كل آية، كما اتضح كيف يساق المبنى المتناغم لمقاطع السورة لتوضيح المعنى، وتبيين الدلالة، فضلا عن دلالة الكم المقطعي لكل آية ليتسق بدوره مع دلالة كل مشيد من مشاىد السورة، وقد كان ليذه الظاىرة دورىا الحاسم في التعرف عمى دلالة البنية المقطعية لكل آية في كل مشيد فييا، قسم المغة العربية / كمية الآداب/ جامعة الموصل.
عدد الصفحات ١سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 74 ليشكل ىذا الكم المقطعي المتناغم في النياية مشيداً دلالياً واحداً من مجموع مشاىد السورة كميا . وقد انتظم البحث فضلاً عن المقدمة والخاتمة، عمى مدخل اشتمل نظرةً موضوعيةً في سورة العاديات، ثم جاءت بعدىا دراسة لبنيتيا المقطعية، كما تضمن البحث جدولاً إحصائياً وتوضيحياً لأنواع مقاطع السورة، ورسماً بيانياً لتوضيح الكيفية التي تتابع فييا مقاطع كل آية، وتوضيحاً تقريبياً عوّض نوعاّ ما عن التحميل الطيفي لآيات السورة في المختبر الصوتي . وقد أعاننا كثيراّ - الجدول والرسم البياني - في استكناه الحدث المغوي بكميتو . وبعد.. فيذا جيد متواضع، اجتيدنا فيو ما وسعنا من طاقة، عمّو يكون حسنة في سجل أعمالنا، ولا نزعم أن ىذا البحث خالٍ من العثرات ىنا وىناك، أو من زلّة القمم إذا ما سيا، فإنّ الكمال لله وحده. ومن الله التوفيق وىو ييدي السبيل... نظرة موضوعية في سورة العادوات سورة العاديات من السور المكية، وان اختمف في مكيتيا، إلا أن قصر آياتيا، وعمو نبرة كمماتيا، وقوّة جرس ألفاظيا يقطع بمكيّتيا، ىذا فضلاً عن كونيا من قصار السور، إذ إن آياتيا إحدى عشرة آية، "تتحدث عن خيل المجاىدين في سبيل الله، حين تغير عمى الأعداء، فيسمع ليا عند عدوىا بسرعة صوت شديد، وتقدح بحوافرىا الحجارة فتتطاير منيا النار، وتثير التراب والغبار، وقد بدأت السورة بالقسم بخيل المجاىدين إظياراً لشرفيا وفضميا عند الله، عمى أن الإنسان كفور لنعمة ربّو عميو، جحود لآلائو وفيوض نعمائو، وىو معمن ليذا الكفران والجحود بمسان حالو ومقالو، كما تتحدث عن طبيعة الإنسان وحرصو وحبّو
عدد الصفحات ٢آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 75 الشديد لممال، وختمت السورة الكريمة ببيان أن مرجع الخلائق إلى الله لمحساب والجزاء، ولا ينفع مال ولا جاه في الآخرة، وا نما ينفع العمل الصالح"(1) . والسورة في الحقيقة قد قرنت بين مشيدين، مشيد صاخب مَعَضّد تثيره الخيل في عدوىا، الصاخبة في أصواتيا، الضابحة القادمة بحوافرىا المغيرة فجأة مع الصباح، المثيرة النقع والغبار، والمقتحمة وسط جمع القوم عمى غير انتظار، مع جو الجحود والكنود، والحرص والشحّ الشديد في خشونة ودمدمة وفرقعة، فضلاً عن الجوّ الصاخب الذي تنشئو القبور المبعثرة، والصدور المحصّل ما فييا من شدّة وقوة(2) .وىو المشيد الثاني في السورة . وتظير في السورة واضحة قدرة الألفاظ المتناغمة صوتياً وا يقاعياً عمى تصوير المعاني والأفكار تصويراً رائعاً، تجسدىا كأنيا حياة متحركة تمرّ أمامنا، يَتَمَلاىا حسّنا وفكرنا وتصورنا، فضلاً عن الألفاظ بجرسيا وا يقاعيا تساعد عمى رسم الصورة وا عطائيا أبعادىا، إذ إنيا رسمت في مطمعيا صورة الخيل المغيرة الماضية إلى الجياد، فجاءت بتعبير مصوّر ومبرّز ليذه الصورة بألفاظ عنيفة الجرس قوية الإيقاع نحو (ضبحاً، قدحاً، صبحاً، نقعاً، جمعاً ). في حين أنيا لجأت إلى تعبير أىدأ، وا يقاع أطول، عندما انتقل السياق إلى وصف جحود الإنسان، وحبو الشديد لممال، ثم عاد الإيقاع سريعاً متدافعاً مرة أخرى ليناسب التعبير عن مشيد يوم القيامة والحساب، وذلك من خلال الأفعال : (بعثر، وحصّل) ليعبر عن عنف يوم القيامة، وشدتو، وقوة التحصيل ودقتو(3)، ثم ما يمبث الإيقاع المتناغم إلا أن يعود ىادئا ليلائم دلالة الآية الخاتمة عمى مدى إحاطة عمم الله () بما تخفيو طوية الإنسان، وما يستكن فييا. (1 )صفوة التفاسير، محمد عمي الصابوني، دار القرآن الكريم، ط 2، بيروت– 1401ىـ/ 1981م: 3/59 . (2 )ينظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، دار إحياء التراث، بيروت – د. ت: 28/643 . (3 )ينظر: الجدول في إعراب القرآن الكريم، وصرفو وبيانو مع فوائد نحوية نثرية، محمود صافي، ط1، انتشارات مدين -1411ىـ/1990م: 30/390-391 .
عدد الصفحات ٣سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 76 دراسة البنية المقطعية لسورة العادوات سورة العاديات بوصفيا وحدة دلالية، تتأطر في ثلاثة مشاىد رئيسة، لكل مشيد فييا إيقاعو الخاص المتناغم مع إيقاع السورة ككل، ثم تكون داخل كل مشيد إيقاعات خاصة تتناغم مع إيقاع كل مشيد نبراً وتنغيماً مشكمة بذلك دلالة خاصة، تنسجم والبنية المقطعية في كل آية من آيات السورة الكريمة . ففي المشهد الرئيس الأول: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُوسِيَاتِ قَذْحًا (2) فَالْمُغِيشَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَشْنَ بِهِ وَقْعًا(4) فَوَسَطْهَ بِهِ جَمْعًا (5) والذي ىو في الحقيقة وصف لغارة سريعة عنيفة، تأخذ القوم صبحاً، وتمزق جمعيم كل ممزق، يبرز مشيدان فرعيان، فالمشيد الفرعي الأول يتمثل في الآيات الثلاث الأًُُوَل: والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحا . وتمحظ في ىذه الآيات ظاىرتان مقطعيتان، الأولى تتمثل في التطابق الكامل في البنية المقطعية بين الآيتين الأوليين، فكمتاىما تقطع عمى النحو الأتي: وىذا التطابق يشير إلى دلالة أن العاديات ضبحاً، "وىي الخيل المغيرة (1 )ىي نفسيا التي توري قدحاً، فالإيراء قدحاً لم يكن ليحصل لولا العدو العنيف لمخيل في الأرض الوعرة، إذ نتيجة اصطكاك حوافر الخيل بالحجر يخرج الشرر، فمن دون عدو عنيف سريع لا يمكن أن يظير الشرر متقادحاً ىنا وىناك في حمكة الميل. إذ إن الايراء المتقادح بحوافر الخيل يبقى مستمراً مع بقاء الخيل مستمرة في عدوىا السريع، وجرييا العنيف . (1 )صفوة التفاسير : 3/395 . ََولْ عــــــا دِ يـــــا تِ ضَبْــــــــــــــــــــحا فَلْـــــ مـــو رِ يـــــا تِ قـَـــدْ حـــــا ص + ح + ص ص + ح + ح ص + ح ص + ح + ح ص + ح ص + ح + ص ص + ح + ح
عدد الصفحات ٤آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 77 والظاىرة الثانية التي يمكن الإشارة إلييا في ىذا المشيد الفرعي، تغاير البنية المقطعية للاية الأخيرة فيو فالمغيرات صبحا وىو تغاير طفيف، إذ تقدم المقطع القصير الثالث (ص + ح) عمى المقطع الثاني الطويل المفتوح، لينتج عنو تتابع مقطعين طويمين مفتوحين، عمى النحو الأتي: وىذا التغاير في البنية المقطعية يشير – فيما يبدو – إلى دلالة حصول تغيّر في مسيرة وعدو الخيل المغيرة وعدوىا، وىو تغيير حاسم إذ ىو انتقال العدو إلى حالة التييؤ والكمون، وىذا المعنى يشير إلى الانتقال من المقطع الطويل المقفل بصامت إلى مقطعين طويمين مفتوحين. ثمّ تبرز ظاىرة تتابع المقطعين الطويمين المفتوحين لتعمق ىذه الدلالة، إذ يشعر ىذا التتابع بسرعة الانطلاق وقوتو عند الإغارة، واندفاعو الشديد عمى العدوّ صبحاً، ثم بعد ىذا الانفتاح يأتي الإيقاع المقطعي منتظماً متناسقاً مع الإيقاع المقطعي في الآيات التي قبميا فيذه الآيات "تصور حركات خيل المجاىدين في سبيل الله حتى الإغارة عمى أعداء الله صباحاً مبتدئة من اشتداد خيل الله في عدوىا ضبحاً، فإنيا تطوي العديد من المراحل السابقة المفيومة ضمناً لكل واحد يبصر بعيني رأسو خيل المجاىدين في سبيل الله تعالى وىي تطوي الأرض طياً وعمييا فرسانيا متجية إلى ساحة المعركة "(1) . وفي المشهد الفرعي الثاني من المشهد الأول الرئيس : فأثرن بو نقعاً، فوسطن بو جمعاً . تبرز ظاىرة التطابق الكامل في البنية المقطعية، فكمتاىما تقطع عمى النحو الآتي : (1 )تأملات في سورة العاديات، د . حسن محمد باجودة، دار أبو سلامة لمطباعة والنشر والتوزيع تونس 1396ىـ. فَــلْـــ ’مـــ ـــغيــــــــ را تِ ’صبــْـ حـــــــا " ص + ح + ص ص + ح ص + ح + ح ص + ح + ح ص+ ح ص + ح + ص ص + ح + ح فَـ أَ ثَرْ نَ بِـ ـوِ نَقْـ عاًُُُِِِ فـَ وَ سَطْ نَ بـِ ـوِ جَمْـ عاً ص+ح ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ص ص+ح+ح
عدد الصفحات ٥سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 78 وىذا التطابق يشير إلى إرادة تحديد مكان المعركة، وجعمو محصوراً في بقعة من الأرض محددة، من أجل إظيار المشيد العنيف، إذ يكون النقع وغبار المعركة أكثف كأنو الميل بتحديد مكان المعركة، وكذلك يكون الحدث أعنف وذلك لقدرة المكان عمى احتواء جمع العدو، كيما يكون ممكناً تمزيقيم كل ممزق بسرعة خاطفة، وىذا كمّو يُعطي لمغارة دفقا معنويا خاص، من سرعة خاطفة، وتفريق لمجمع، وتبديد لمشمل، وعنف في القتل، أي في قتل العدو المتربص بالمؤمنين الدوائر. ىذا فضلاً عن شيوع المقطع القصير في الآيتين المذكورتين آنفاً الدال عمى معنى المبالغة السريعة المفاجئة العنيفة في ىذا المشيد الفرعي خصوصاً، والمشيد الرئيس عموماً، فجوَ المبالغة تلائمو الحركة القصيرة السريعة لما فييا من حسم الموقف، وسرعة الانتقال، وتلاحق الموقف، ما بين العدو السريع، وا يراء القدح، وا ثارة النقع، وتوسط الجمع، من أن تعدو الخيل ضبحاً، مورية قدحاً، مغيرة صبحاً حتى تكون قد توسطت الجمع ممحقة فيو الدمار، في النقع المثار(1) . فياتان الآيتان تشيران إلى مرحمة التحام جيش الإسلام وجيش الكفر والطغيان وا ن فرَّ الخيل وكرّىا، وا قباليا وا دبارىا جعل العلاقة المميزة بين ارتفاع العجاج وكثافتو في موضع المعركة، فضلاً عن الانتفاع المستمر، حتى توسطت في قمب جيش العدو حاسمة الموقف، ومردية العدو في الياوية، مع إلحاق اليزيمة الأكيدة (2) . ثمّ يأتي المشهد الرئيس الثاني: وىو يعرض ما في نفس الإنسان من الكنود والجحود والأثرة والشّحّ الشديد(3)، وىو جواب القسم: ِننَّ ااِْونَانَ لِشَببِّهِ لَ َىُود (6)وَ ِونَّهُ َ َ رَلِ َ لَ َ ِيذ(7)وَ ِونَّهُ لِحُببِّ الْخَيْشِ لَ َذِيذدٌ (8) (1 )التفسير البياني لمقرآن الكريم، د، عائشة عبد الرحمن، (بنت الشاطئ)، دار المعارف، القاىرة -1966م: 1/140 . (2) ينظر: تأملات في سورة العاديات : 21 . (3 )في ظلال القرآن : 28/643 .
عدد الصفحات ٦آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 79 ومما يمكن ملاحظتو في آيات ىذا المشيد التنوع المقطعي : ومع ملاحظة تنوع المقاطع يمكن ملاحظة ظاىرة أخرى وىي ظاىرة التطابق في عددىا، إذ بمغ عدد مقاطع كل أية في ىذا المشيد إثني عشر مقطعاً الموضوع الذي تتحدث عنو ىذه الآيات، فضلاً عن غياب المقطع الطويل المفتوح، أو كاد أن يغيب كمياً عن الحدث المغوي في ىذه الآيات، ومقابل ذلك برز المقطع الطويل المقفل بصامت، عكس ما شوىد في آيات المشيد الأول، إذ برز فييا المقطع الطويل المفتوح . - إنْ نَ لْـ إِنْ سا نَ لِ ص+ح+ص ص+ح+ص ص+ح+ص ص+ح+ح ص+ح ص+ح رَبْ بِـ ـوِ لَـ كَـ نود، 12 مقطع ص+ح+ح ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ح+ص. - وَ إِنْ نَ ـوُ عَـ ـمى ذا ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ح لِـ كَ لَـ شَـ ـييد، 12 مقطع ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح +ح+ص. - وَ إِنْ نَ ـوُ لِـ حُبْ بِمْـ ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ص خَيْـ رِ لَـ شَـ ديد، 12 مقطع ص+ح+ح ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ح+ص
عدد الصفحات ٧سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 80 ومن أولى الملاحظ التي يمكن أن تسجل ىنا ظاىرة اختلاف البنية المقطعية لكل أية من آيات ىذا المشيد، فمم تأت آيتان متطابقتان في البناء المقطعي تطابقاً كاملاً مثل ما كان شائعاً في آيات المشيد الأول، وىذه النقطة تدل دلالة واضحة عمى اختلاف المشيد الأول عن المشيد الثاني مبنىً ومعنىً، إذ يلاحظ ذلك التناغم وتمك الرتابة في آيات المشيد الأول، عمى حين يغيب ىذا التناغم المنتظم، وىذه الرتابة المتسقة في آيات ىذا المشيد، وبذلك يمكن القول باطمئنان: (إن الاختلاف في البناء المقطعي دليل عمى اختلاف البناء الدلالي)، وىذه القاعدة تتأكد كنتيجة من خلال الموازنة بين آيات المشيدين، إذ جاءت آيات ىذا المشيد ىادئة التنغيمات، طويمة الكممات، ليلائم كبير جحود الإنسان، وحبّو الشديد لممال، عمى عكس المشيد الأول الذي جاء سريعاً خاطفاً قميل الألفاظ، ليتناسب مع جوّ السرعة لعدو الخيل، وا غارتيا، وكيما ترسم بدقة صورة الخيل المغيرة الماضية إلى الجياد، فجاءت ىذه الآيات متناسبة مع شدة التعبير، عن قوة الخيل المغيرة، والمعممة والجمبة، والعجاج (1) . ويظير ىذا اليدوء جمياً في الآية الأولى من ىذا المشيد، وذلك بتتابع ثلاثة مقاطع طويمة مقفمة بصامت عمى النحو الآتي: وكان ىذا التتابع يشكل ثلاث عقد أو قيود، تشعرك بثقميا حين قراءتيا، فضلاً عن طوليا، وفي ىذا ممحظ دقيق وىو إرادة تأكيد صفة الكنود في طبع الإنسان فالكنود "حقيقة في نفس الإنسان، حين يخوى قمبو من دوافع الإيمان ينبيو القرآن عمييا، ليجند إرادتو لكفاحيا مُذ كان الله يعمم عمق وشائجيا في نفسو، وثقل وقعيا في كيانو"(2)، ويتأكد ىذا المعنى إذا عرف أن : "الكنود لغة يقال في الأرض (1 )ينظر: الجدول في إعراب القرآن الكريم : 30/390 . (2 )في ظلال القرآن : 28/644 . "إنْ نَ لـــْ إِنْ " ص+ح+ص ص+ح+ص ص+ح+ص
عدد الصفحات ٨آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 81 التي لا تنبت شيئاً، فيي عاصية، وىي بخيمة، وىي كنود"(1)، وكذا الإنسان بكفرانو النعمة يكون عاصياً وبخيلاً . ثمّ يأتي بعد ذلك مقطع طويل مفتوح، يفسح لمنفس أن ينفذ بعد الانغلاق المطبق، وكأنو يشعر بالإشارة إلى صفة الإنسانية في نفس الإنسان، فمع ىذه الصفة فإنو مع ذلك كنود وبخيل، ثم بعد المقطع الطويل المفتوح يأتي مقطعان قصيران للإسراع في الوصول إلى خبر (إنّ ) والذي ىو بؤرة الجممة، ولكنو يصطدم بمقطع طويل مقفل بصامت، كأنّ فيو دلالة عمى تنبيو أذن السامع عمى أن ىذا الكنود من الإنسان لربو الذي خمقو، وسّواه، وانعم عميو بنعم كثيرة لاتعد ولا تحصى، إذ كيف يصحّ نكران نِعم الله، وكفران آلائو، وىو الذي يتجمى عمينا بالإكرام والإنعام . ثم تأتي أربعة مقاطع صغيرة مسرعة متتابعة بغية الوصول إلى نياية الفاصمة المتكونة من مقطع طويل مقفل بصامت (ص+ح+ح+ص). ليعبر ىذا التتابع السريع المنتيي بنغمة طويمة نازلة شكميا المقطع الأخير في الفاصمة، عن استغراق الإنسان بكنود، وكفرانو لمنعمة، والإشعار كذلك بمدى تمكن ىذه الصفة في نفسو، وخطورتيا عميو في الوقت نفسو . وفي الآية الثانية: وا نو عمى ذلك لشييد من ىذا المشيد، تبرزىا ظاىرتان في بنيتيا المقطعية، الأولى : شيوع المقطع القصير، وغياب المقطع الطويل المقفل بصامت إذ لم يأت إلا مرّة واحدة فقط، في حين رأيناه متتابعاً شائعاً في الآية التي قبميا، فنسبتو إلى المقطع القصير في ىذه الآية (8/1)، في حين كان في الآية المتقدمة بنسبة (5/4) وىو ما يعادل النصف تقريباً، وليذه الظاىرة دلالة لطيفة وىي أن الإنسان يسرع معترفاً في شيادتو عمى نفسو، بكفران نعم ربّو، وجحودىا، وىي شيادة دامغة، إذ ليس أقوى من أن يشيد الإنسان عمى نفسو من شيادة. وىذا المعنى يقرره أصل معنى الشيادة في المغة، الذي ىو الحضور، والمعاينة، "وما شيادة الإنسان عمى نفسو بالكنود، وا قراره بكفران نعم ربّو، إلا من (1 )التفسير البياني لمقرآن الكريم : 1/145 .
عدد الصفحات ٩سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 82 أجل إلزام بالحجة، وتأكيد لفداحة الذنب، واعتراف بو، في موقف الزجر والوعيد، حيث لا سبيل بعد مثل ىذه الشيادة الدامغة، إلى تنصل من ذنب أو ادعاء البراءة منو"(1) . ىذا فضلاً عن التعبير بصيغة المبالغة(شييد) أدت إلى الايغال في شيادة الانسان عمى نفسو بيذا الكنود، وا شعار كذلك من كون أن تمك الشيادة مستمرة مطمقة غير محددة بزمان أو مكان، "فالانسان ليجحد نعم ربّو، وينكر جزيل فضمو، ويتمثل كنوده وجحوده في مظاىر شتى تبدو منو أفعالاً وأقوالاً، فتقوم عميو مقام الشاىد الذي يقرر ىذه الحقيقة(2) . ثم تأتي ظاىرة ثانية تؤكد الدلالة الأولى، وىي تتابع مقطعين طويمين مفتوحين في: وىذا التتابع يشعر بمدى إدانتو لنفسو بصفة الكنود، ويدلّ عمى اتضاح ىذه الصفة وظيورىا كحقيقة ثابتةٍ في نفس الإنسان، فضلاً عن معنى كون ىذه الصفة صفة شنعاء ذميمة، وعمى الرغم من شناعتيا ىذه وفضاعتيا فإن الإنسان عمييا شاىد وشييد. "وبناءً عمى ذلك يمكن القول إن الإنسان شاىد، بل شييد، ىكذا بصيغة المبالغة، عمى نفسو بأنو كفور لمنعم، مقصر في جنب الله. وىذه الشيادة تكون بمسان الحال كما تكون بمسان المقال."(3 ) وأخيراً يأتي المقطع المديد المقفل بصامت في نياية الفاصمة: ليتمكن من معنى استغراق شيادة الإنسان عمى نفسو بالكفران والكنود . وأما الآية في المشيد الثاني: (1 )م.ن: 1/146 . (2 )في ظلال القرآن : 28/644 . (3 )تأملات في سورة العاديات : 24-25 . عــــــــــلــــى ذا لك ص+ح+ح ص+ح+ح هيــد ص+ح+ح+ص
عدد الصفحات ١٠آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 83 وَ ِونَّهُ لِحُببِّ الْخَيْشِ لَ َذِيذ فيمكن ملاحظة ظاىرتين في بنيتيا المقطعية، وكل ظاىرة منيا دلالة خاصة تعمق معنى الآية، وتضفي عمييما معنى جديداً لم يشر إليو من قبل. والظاىرة الأولى تتمثل في غياب المقطع الطويل المفتوح (ص+ح+ح) غياباً كاملاً من مقاطع ىذه الآية، وبروز نوعين من المقاطع، وىما المقطع القصير، والمقطع الطويل المقفل بصامت، فنسبة المقطع القصير، إلى المقطع الطويل بصامت (7/4)، إذ تتابع المقاطع القصيرة متناغمة " مع المقاطع الطويمة المقفمة بصامت، لينتيي ىذا التتابع بمقطع مديد مقفل بصامت، وبذلك اختمفت البنية المقطعية ليذه الآية عن التي قبميا مع كونيما تدوران في مشيد واحد، إذ برز في الآية التي قبميا مقطعان طويلان مفتوحان، مع وجود مقطع طويل مقفل بصامت وحيد، وىذا الاختلاف في البنية المقطعية بين الآيتين يشير إلى تغيّر المعنى مع العمم أن كمتا الآيتين متكونة من إثني عشر مقطعاً، فيما متفقتان في عدد المقاطع ولكنّيما مختمفان في نوعيتيا، وكيفية تتابعيا، وىذا يشير إلى دلالة شدة شحّ الانسان وحرصو وبخمو، وا مساكو لممال، وشدة تعمقو بو، وعدم إنفاقو، فناسب فييا مجيء المقاطع المقفمة، وعدم مجيء المقاطع المفتوحة، إذ معموم أن الكرم انشراح نفس مع أريحية، في حين ان البخل إمساك مع انقباض، ىذه الدلالة أشعر بيا شيوع المقطع الطويل المقفل بصامت، فكأنو بمثابة القيد الذي يغلّ الأيدي إلى الاعناق. والظاىرة الثانية في ىذه الآية ىي تتابع ثلاثة مقاطع من النوع الثالث (ص+ح+ص) في وسط الآية إنَّو لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَديد ، إذ يظير عمى النحو الأتي: وىذا التتابع يوحي بدلالة شدّة حبّ الإنسان لنفسو، وعمق تغمغل صفة البخل في أعماق طويتو حتى كأنيا صارت غريزة تسري فيو مسرى الدم، أسيراً ليا وىي لـِ حُةْ بَِِلْــ خَيــــــْ ر ص+ح+ص ص+ح+ص ص+ح+ح
عدد الصفحات ١١سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 84 أسيرة لو، فالإنسان : "ىذه فطرتو وىذا طبعو، ما لم يخالط الإيمان قمبو فيغير من تصوراتو وقيمو وموازينو واىتماماتو، ويحيل كنوده وجحوده اعترافا بفضل الله، وشكراناً، كما يبدل أثرتو وشحّو إيثاراً ورحمة ويريو القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكد والكدح . وىي قيم أعمى من المال والسمطة والمتاع الحيواني وأعراض الحياة الدنياً (1) . ثم تختم الفاصمة بالمقطع المديد المقفل بصامت: لتؤكد شدّة حبّ المال الكثير، إذ الخير في المغة: المال الكثير(2) .ومدى تممكو لمبّ الإنسان وحواسو، إذ انو مستغرق مغرم بيذا الحب، مأخوذ بو، لا يغادر تفكيره لحظة، فيو أنيسو في وحشتو، وعضيده في محنتو، إذا ما قام قام معو، وا ذا ما نام نام معو، لا يرى الحسن إلا فيو، ولا الفضل إلا بسببو، وذلك من شدّة تعمقو بالماديات، وتركو لمروحانيات، وىذا راجع إلى خمو قمبو من الإيمان "فالإنسان بغير إيمان – حقير صغير – حقير المطامع، صغير الاىتمامات، وميما كبرت أطماعو واشتد طموحو، وتعالت أىدافو، فإنو يظل مرتكساً في حَمْأَةِ الأرض، مقيداً بحدود العمر، سجيناً في سجن الذات، لا يطمقو ولا يرفعو إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض، وابعد من الحياة الدنيا، وأعظم من الذات، عالم يصدر عن الله الأبدي، وتتصل فيو الدنيا بالآخرة إلى غير انتياء "(3) . وبعدها يأتي المشهد الثالث الرئيس وهو أخر المشاهد: والذي يصف يوم القيامة وما يكون فيو من بعث، وحساب، ومن غاية وقرار، الجنة أو النار : َفَ َ يَعْ َ ُ ِرَا بُعْ ِشَ َا فِ الْقُبُوسِ (9)وَحُلبِّ َ َا فِ اللصُّذُوسِ(10) ِننَّ سَبنَّ ُ ْ بِ ِ ْ يَوْ َ ِزذٍ لَخَبِيشدٌ . والذي يمكن تقطيعيا بالشكل الآتي: (1) في ظلال القرآن : 28/645 . (2 )ينظر: المفردات، الراغب الأصفياني، تحقيق صفوان عدنان داودي، ط 1، دار القمم، دمشق، الدار الشامية، بيروت – 1412 ىـ/1992 م: ص300 . (3 )في ظلال القرآن : 28/645 . شـــ دِيد ص+ح+ح+ص
عدد الصفحات ١٢آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 85 وىذا المشيد ينقسم في الحقيقة إلى مشيدين فرعيين، يستغرق المشيد الفرعي الأول منيما الآيتين الأوليين، في حين يستغرق المشيد الفرعي الثاني الآية الأخيرة، والتي تمثل النتيجة الحاسمة لبعثرة ما في القبور، وتحصيل ما في الصدور. ويمكن أن يممح في المشيد الفرعي الأول ظاىرتين : الأولى: تنسجم مع الاستفيام الاستنكاري الذي خرج إلى معنى التيديد والوعيد (1) . والاستفيام إذا ما جاء للإنكار يكون التنغيم فيو مستوياً نازلاً(1) .وىذا التنغيم لم يكن ليحصل لولا البنية المقطعية للآية، وذلك من خلال تتابع ثلاثة (1 )صفوة التفاسير : 3/594 . -أَ فَ لا يَعْـ لَـ مُ إِ ذا بُعْـــ ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ص ثـِ رَ مـا فِمْـ قُـ بــور ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ح+ص وَ حُصْـ صِـ لَ ما فِصْـ صُ دور ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ح+ص ص+ح+ص إِنْ نَ رَبْ بَ ىُمْ بـِ ىِمْ يَو ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص ص+ح+ح ص+ح+ص مَ ئِـ ذِنْ لَـ خَـ بيـر ص+ح ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح+ح+ص
عدد الصفحات ١٣سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 86 مقاطع قصيرة، وثلاثة مقاطع طويمة مفتوحة، وثلاثة مقاطع طويمة مقفمة بصامت، لينتيي ىذا التتابع بمقطع مديد مقفل بصامت، وبذلك ينتيي ىذا التتابع ارتفاعاً وانخفاضاً بشكل مستوٍ ومتوازٍ، بنزول طويل حاد، يشكل خاتمة ىذا التعاقب بين الارتفاع والانخفاض، كما ىو متمثل في الفاصمة المنتيية بمقطع مديد مقفل بصامت، والنغمة تظير جمية من خلال تتابع المقاطع الطويمة المفتوحة، والطويمة المقفمة، إذ جاءت بِنَسَبٍ متساوية (3/3) في حين شكل المقطع القصير نسبة (8/15) ليخفف من حدّة ىذا التتابع بين المقاطع الطويمة، وليسرع من الوصول إلى المقطع الأخير المديد النازل ىبوطاً . ومن الذي تقدم تبرز دلالة الاستفيام الإنكاري الخارج لمعنى التيديد والوعيد، إذ إن تتابع مقاطع الآية ارتفاعاً وانخفاضاً، أدى معنى الانتقال من الانفتاح إلى الانغلاق، ومن الاتساع إلى الانطباق ليؤيد دلالة الوعيد الصادق، والنذير الصادع، والزجر الرادع . ولكي تتضح الدلالة أكثر يمكن تمثيميا بالمخطط الآتي: َفَ َ يَعْ َ ُ ِرَا بُعْ ِشَ َا فِ الْقُبُوسِ والظاىرة الثانية التي تممح في ىذا المشيد ىي التطابق التام بين : بعثر ما في القبور . حُصِّل ما في الصدور . إذ كمتاىما تقطّع عمى النحو الآتي: ص+ح+ص/ص+ح/ص+ح/ص+ح+ح/ص+ح+ص/ص+ح/ ص+ح+ح+ص. (1) التنغيم في القرآن الكريم، سمير إبراىيم وحيد العزاوي، ط 2، دار الضياء لمنشر والتوزيع، عمان – 1421ىـ/2000م: ص52 .
عدد الصفحات ١٤آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 87 وىذا التطابق يدل عمى كون بعثرة ما في القبور تتزامن مع تحصيل ما في الصدور، بل إن الغاية واليدف من بعثرة ما في القبور، وبعث من فييا؛ لأجل تحصيل ما في الصدور، لمحساب والجزاء يوم القيامة، ىذا فضلاً عن التقارب المعنوي بين دلالة كل من الفعمين، فالبعثرة يمحظ فييا معنى التفتيش والكشف، فيقال: بعثر الشيء؛ استخرجو فكشفو وأثار ما فيو "(1)، وكذلك التحصيل ما ىو إلا: "إيذان بكشف المستور، وا ظيار المطوي المضمر"(2) . ثم يتأكد المعنى المتقدم إذا ما حُمّل الفعلان مقطعياً. إذ إن كمييما متفق في البنية المقطعية كما يظير عمى النحو الآتي: فيذا الانتقال من المقطع الطويل بصامت، إلى مقطعين قصيرين، يُشعر بالانتقال من سكون إلى حركة، ومن انغلاق إلى انفتاح، ومن قوة وتعمل إلى تيسير وسيولة، وبذلك يُحاكي ىذا الانتقال دلالة الفعمين، فمعنى: "بُعثر: أثير وقمب وبحث"(3 )وكأنّ(بعثر) متضمن دلالة كل ىذه الأفعال، وىذا يصح إذ لا تكون بعثرة إلا بعد قمب وبحث وبعث، قال أبن عطية : "(وبعثرة ما في القبور ): نقضو مما يستره والبحث عنو، وىي عبارة عن البعث، وفي مصحف ابن مسعود : (بَحَثَ ما في القبور) وفي حرف أبي (وبحثرت القبور )"(4)، وىذا الذي أشار إليو ابن (1 )التفسير البياني لمقرآن الكريم : 1/150 . (2 )م.ن: 1/151 . (3 )الجامع لأحكام القرآن الكريم، أبو عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القرطبي، ط 1، دار الكتب العممية، بيروت – 1409 ىـ/1989 م: 20/111، وقراءة عبدالله بن مسعود، عبدالله حسن أحمد، رسالة ماجستير، جامعة الموصل، كمية الآداب : 313 . (4 )المحرر الوجيز، في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، ط، مؤسسة دار العموم، الدوحة -1402ىـ/1982م: 15/150 . بُعـْــــثـِـــــرَ حُصْـ صـِ لَ ص+ح+ص ص+ح ص+ح
عدد الصفحات ١٥سـورة العادوـات: دراسـة مقطعيــة م.د. هلال علي محمود 88 عطية من قبيل التفسير فيما يظير، ولكنو يتأكد من خلاليما دلالة الفعل: (بُعثر) مَبْنىً ومعنى. وكذلك الفعل (حُصّل) دلّ عمى معناه من خلال بنيتو المقطعية: "فالتحصيل لغةً : الجمع والتميز. واصمو من الحواصل، والحوصمة والحوصلاء، وىي من الطير كالمعدة للإنسان، ومن الحوض مستقر الماء في عمقو الأقصى، وليذه الدلالة المغوية الأصيمة، أثرىا في معنى (حُصّل) ىنا، فكل ما يعممو الإنسان مستقر في أعماقو، مجموع في صدره، حتى يحين أَوان بعثرتو وكشفو والحساب عميو"(1). وبذلك ينتيي ىذا المشيد العنيف المثير، بعثرة لما في القبور، إذ يأتي (بعثر) بيذا المفظ العنيف المثير مبنى ومعنى، والمتضمن معنى القمب والبعث والإثارة، وتحصيلاً لما في الصدور من أسرار ضُنَّ بيا، وخبئت بعيداً عن الأعين، يأتي كذلك الفعل (حُصّل) بيذا المفظ القاسي العنيف، ومجيء مثل ىذه الأفعال جرساً وا يقاعاً يحتممو السياق ويتحممو إذ الجو مشحون بالعنف والشدة والتعفير، "أفلا يعمم (ىذا الإنسان) إذا كان ىذا (الموقف) ؟ ولا يذكر ماذا يعمم؟ لأن عممو بيذا يكفي ليزّ المشاعر ثم ليدع النفس تبحث عن الجواب، وترود كل مراد، وتتصور كل ما يمكن أن يصاحب ىذه الحركات العنيفة من أثار وعواقب"(2) . ثم يأتي المشيد الفرعي الثاني من المشيد الرئيس، ليمثل بحق خاتمة المشاىد جميعاً، إذ يعد بمثابة النتيجة التي يروم النص الوصول إلييا، واليدف والغاية التي يفضي السياق إلييا بدءاً وانتياءً . ومن خلال تحميل الآية الأخيرة مقطعياً يظير في بنيتيا المقطعية مجموعة من الظواىر: إنّ ربَّيم بِيِمْ يَومَئِذٍ لَخَبير (1 )التفسير البياني لمقرآن الكريم : 1/151 . (2 )في ظلال القرآن : 28/645 . إنْ نَ رَبْ بَ ىُم بِ ىمْ ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح+ص يَوْ مَ ئـِ ذِنْ لـَ خَـ بيـر . ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح+ص ص+ح ص+ح ص+ح+ح+ص
عدد الصفحات ١٦