المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التوريث الدعوي

محمد موسى الشريف

صفحة ١ من ٣

معالد على طريق الصحوة (18 ) التوريث الدعويّ د. محمد موسى الشريف

عدد الصفحات ١

قاؿ تعا: ( ثم أكرثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) كقاؿ صلى الله عليو كسلم: " إف الأنبياء لد يورثوا ديناران كلا درهمان، كإنما كرثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ كافر"

عدد الصفحات ٢

مقدّمَة اتضمد لله رب العاتظتُ، كالصلاة كالسلاـ على سيدنا رسوؿ الله، كعلى آلو كصحبو كمن كالاه، أما بعد: فهذه رسالة في التوريث كأهميتو في حياة الدعاة إلذ الله تعالذ، كقد دفعتٍ إلذ الكتابة في ىذا اتظوضوع أمور منها : - ندرة الكتابة فيو؛ إذ أني لد أقف على من تكلم في ىذه القضية، كقد أخذت على نفسي عهدان بألا أكتب في مواضيع قد طرقت من قبل طرقان كافيان أك شبو كاؼو، كىذا اتظوضوع أحسب الكلاـ فيو جديدان، كالله أعلم. - أهمية اتظوضوع، كما سأكضح إف شاء الله تعالذ في ثنايا الكتاب . - تخصُّصو الدقيق؛ إذ أف من أحب الأمور إلرٌ تناكؿ مثل ىذه اتظواضيع الدقيقة كخدمتها كتجلية جوانبها اتظختلفة؛ إذ تؿن في عصر تخصص التخصص، كاتظواضيع الدعوية العامة قد قتلت بحثان، فينبغي أف يكتب الدعاة في مواضيعى تفتقر إليها الساحة، ىذا كقد مرت الكتابة في الصحوة الإسلامية بأطوار كاف منها :  طور إثبات عظمة الإسلاـ، كصلاحيتو لكل زماف كمكاف، كدعوة الناس إلذ التمسك بو كالفخر بتعاليمو، كىذا كاف في زماف انتشار الإتضاد كاتظذاىب الوضعية في أكائل القرف اتعجرم الفائت إلذ الربع الأختَ منو، ككاف ذلك بسبب ترلة عوامل لا تغاؿ لذكرىا في ىذه اتظقدمة العىجًلة .  طور بياف طرؽ الدعوة إلذ الله تعالذ، كتثبيت الدعاة، كطرد الشبهات عن طريقهم، كتحذيرىم من الوقوع في الشهوات، ككانت تلك الكتابات في زماف لاحق للطور الأكؿ لكنو عاصره بعد ذلك .  ككلا الطورين السابقتُ قد كتب فيهما كتب كرسائل كثتَة جدان، ملأت الساحة الثقافية.

عدد الصفحات ٣

 كالطور الذم ينبغي الكتابة في شأنو في ىذا الزماف ىو الطور اتظخصَّص للدعاة إلذ ا تعالذ، كالذم قد يغفلوف عنو في زتزة الدعوة كانشغاتعم بها، كيخاطبوف فيها بالارتقاء بطرؽ الدعوة، كابتكار الوسائل الكفيلة بإحساف القياـ عليها، كجعلها تػوران لالتقاء الطاقات كتفعيلها، كأحسب أف ىذا اتظبحث- التوريث – من القضايا الدقيقة التي قد ييغفل عنها كليان أك جزئيان؛ كىذا ىو السبب اتظهم الذم دفعتٍ إلذ الكتابة في ىذا اتظوضوع، كالذم أرجو أف يكتبو الله تعالذ لر حسناتو في صحائف أعمالر يوـ ألقاه، إنو أكرـ مسؤكؿ كأعظم مأموؿ . كىناؾ سبب آخر دعاني للكتابة في قضية التوريث ىذه كىو ما شاىدتو في ىذا العقد الأختَ من موت كثتَ من العلماء كالدعاة كأىل الفضل كالصلاح، الذين عاشوا تغاىدين عاملتُ، ثم ماتوا كمات مع أكثرىم خبرتو كتجربتو، كلد ييسجل أم ذكريات أك يتًؾ كتبان يتحدث فيها عن تجربتو كدعوتو كعلمو، كىذه خسارة عظيمة كبتَة، كسأكضح في ثنايا الرسالة إف شاء الله تعالذ سبل تلافي ىذا الأمر . ىذا كقد كنت صنفت كتاب (( التدريب كأهميتو في العمل الإسلامي )) قبل ىذه الرسالة بمدة، كهممت أف أتضق بو فصولان في التوريث، ثم رأيت أف أفرد التوريث بالتصنيف لأهميتو كلتباين بعض مباحثو عن مباحث التدريب، لكتٍ أقرر ىاىنا أنو لا بد لكل داعية إلذ الله تعالذ، كلا بد لكل مؤسسة تدعو إلذ الله تعالذ من ىذين الأمرين اتظهمتُ : التدريب كالتوريث؛ فالتدريب يحافظ على سلامة اتظستَة بل يرتقي بها، كالتوريث اتضسن يضمن استمرار العطاء كتناقلو بتُ الأجياؿ، كالله اتظوفق. ككتبو العبد الفقتَ : تػمد بن موسى الشريف اتظوقع على الشبكة: www.altareekh.com البريد الإلكتًك: mmalshareef@hotmail.com

عدد الصفحات ٤

تمهيد قضية التوريث في العمل الإسلامي كالدعوة إلذ الله تعالذ تعتٍ أف يقدِّـ السابق للاَّحق خلاصة تجاربو، كعصارة حياتو الدعوية، ليبدأ اللاحق من نقطة انتهاء السابق، فهذه القضية إذان من أىم القضايا الدعوية على الإطلاؽ لأنها توفر اتصهود، كتسدد اتظستَة، كيؤمن معها كبها الزلل كاتطلل إف شاء الله تعالذ. كاتظلاحظ أف اتعيئات الإسلامية كالتجمعات الدعوية الرتشية منها كالشعبية لا تكاد تلتفت إلذ ىذه القضية اتظهمة، فتجد اتظسؤكلتُ يغادركف مواقعهم التي مكثوا فيها سنوات فيأتي مىن لا خبرة لو أك صاحب اتطبرة الضحلة ليتولذ مسؤكلية عمل لد يتقنو أك لد يحط بو علمان كما ينبغي، كىو إما أف يكوف قد شارؾ في فريق ذلك اتظسؤكؿ عن العمل أك أنو جديد تدامان، كفي كلتا اتضالتتُ فإنو قد كرث تركة ثقيلة، مدار إدارتها على تعاليمى شفوية في أكثر الأحياف ليبدأ طريقان طويلان يكاد يكوف فيو لا صلة لو بمن سبقو. كالضعف في قضية التوريث ىذه ملحوظ في جوانب كثتَة منها : - المؤسسات الدعوية والخيرية: كذلك كهيئات الأمر باتظعركؼ كالنهي عن اتظنكر، كاتظراكز الدعوية، كاتظندكبيات التعاكنية الدعوية، كترعيات تحفيظ القرآف، كمكاتب كترعيات البر كىيئات الإغاثة، إلخ .... كىي كلها لا تكاد تدلك من كسائل التوريث الصحيحة إلا مقداران يستَان، لا يصح أف ييكتفى بو. - تدريس العلوم الشرعية: يلاحظ أنو ليس بتُ من ييدىرِّسوف العلوـ الشرعية تنسيق كلا توريث إلا في النادر، فتجد مسجدان من اتظساجد يدرس الشيخ فيو كتابان في الفقو مثلان، كيطوؿ عجبك إذا علمت أف مساجد كثتَة تدرِّس الكتاب نفسو في كقت كاحد كفي أمكنة متقاربة؛ إذ يدرِّس من شاء ما

عدد الصفحات ٥

شاء بلا تنسيق كلا توريث، ثم إنو قد يفرغ الشيخ من كتابو الذم يدرسو ليبدأ بتدريس الكتاب نفسو مرة أخرل، فلا يعتتٍ بهؤلاء الذين درسوا كتابو لينقلهم إلذ مستول أعلى أك إلذ مسجد آخر، كلا يكاد الشيخ يكلف نفسو النظر في الطلاب ليختار منهم النابهتُ ليورثهم علمو كخبرتو، كىذا تؽا سأكضحو في ثنايا الكتاب إف شاء الله تعالذ 1) . - النتاج الفكري والثقافي: كقلة التوريث في ىذا اتصانب ملحوظ إلذ حد كبتَ؛ إذ أف عشرات من اتظؤلفتُ يكتبوف في موضوع كاحد مكرر مطركؽ، كالذم يفتًض ىو أف يينظر فيما ىو معركض في الأسواؽ كييقوٌـ فإف أغتٌ فهذا ىو اتظطلوب، كإف لد ييغن فيؤلف بالقدر الذم يحتاج إليو الناس، كبهذا يكمل اتظؤلفوف في تآليفهم بعضهم بعضان، كيورث السابق للاَّحق اتظادة اتظهمة التي يبتٍ عليها اللاحق تأليفو، لكنا لا تؾد ىذا أبدان إلا في القليل النادر. ككم ألٌف السابقوف تآليف مهمة أيسدؿ عليها ستار النسياف كجاء من بعدىم ليكتب في اتظوضوع نفسو – سواء أعلم أـ لد يعلم بالتأليف السابق – كقد يكوف تأليف السابق أحسن كأعظم من تأليف اللاحق، لكن اتظشكلة تكمن في غياب التوريث تدامان، ككم أيلِّفت رسائل علمية في موضوعات مهمة. كقد مضى على ىذه التآليف سنوف عديدة، ثم يفاجأ الناس بمن يعيد التصنيف في اتظوضوع نفسو . كالسبب ىو أف اتظؤلف اتظتأخر لد يعرؼ بالتأليف اتظتقدـ، أك أف اتظصنفات اتظتقدمة لد تنشر كإنما بقيت مطوية في خزائن النسياف . كمثاؿ على ىذا أيضان أننا تؾد من يكتب في قياـ الليل فيتبع سبيل من سبقو في التأليف بلا نظر إلذ متطلبات العصر اتضديث الذم يعيشو، كلا كيف يوفق بتُ تعقيدات ق ليخرج بطريقة علمية لتحقيق اتظطلوب من قياـ الليل، كذلك لأف اتظؤلف اللاحق لد يكلِّف نفسو عناء كراثة السابق كراثة حقيقية نافعة . 1) انظر اتظبحث الثا: النوع الأكؿ .

عدد الصفحات ٦

كتعذا كلو كثر الغثاء في السوؽ الثقافية الفكرية، ككثر الطرح النظرم، كقىلٌ الطرح العملي اتظناسب تضاؿ أىل العصر. - قلة الاستفادة من الدعاة والصالحين والعلماء: إذ أف ترهرة كبتَة من الدعاة كالصاتضتُ كالعلماء يغادركف ىذه اتضياة بدكف أف تستفيد منهم الأجياؿ في كراثة مفيدة قائمة على أصوؿ علمية كاضحة، كلذلك يفقد العالد الإسلامي بهذا كنزان تذينان لا يعوٌض غالبان إلا أف يشاء الله تعالذ، فلو كانت ىناؾ مؤسسات مهمتها استقاء ماعند أكلئك الدعاة كالعلماء كالصاتضتُ كتتبُّع أكضاعهم كتىسقُّط أخبارىم، كتسجيل اتظهم من خبرتهم كأحواتعم لكاف ذلك أمران حسنان يدؿ على عناية الأمة باتطتَة من أبنائها كالعظماء منهم1) . كالعجيب أف الأمم من حولنا– شرقان كغربان - تنبهت إلذ ىذه القضية اتظهمة في كقت مبكر، كعقدت تغامع، كأسست مراكز، كعملت كل ما في كسعها للاستفادة التامة من علمائها كأعلامها، فلا يغادركف ىذه اتضياة إلا كقد حصلت الاستفادة التامة من حياتهم غالبان، فحبذا لو التفتنا إلذ ىذا الأمر اتظهم، إذ أفى اتصهود اتظبذكلة اليوـ لا تكاد تقتصر على مظاىر كشكليات في ىذه القضية، نعم ىي مهمة لكن لا ترتقي إلذ أف تبلغ اتظستول اتظطلوب من الاستفادة كالتوريث اتضسن، فما الذم سيستفيده المجتمع من حفلات التكريم كجوائزىا – على قلتها كندرتها كذىابها لغتَ أىلها عادة – إذا اكتيفي بذلك كلد ييستفد من أكلئك الأعلاـ الاستفادة اتضقيقية. كأشرع الآف في تفصيل ما أردت اتضديث فيو، كالله اتظستعاف . المبحث الأول 1) سأبتُِّ إف شاء الله تعالذ في ثنايا ىذه الرسالة طرقان للاستفادة من تلك الفئة اتظهمة من المجتمع، انظر اتظبحث الثا : النوع الأكؿ .

عدد الصفحات ٧

معتٌ التوريث كتأصيلو من الكتاب كالسنة كعمل الصدر الأكؿ من اتظسلم كيشتمل على أربعة مطالب : - اتظطلب الأكؿ: التوريث لغة كاصطلاحان . - اتظطلب الثاني: التوريث في كتاب الله . - اتظطلب الثالث: التوريث في السنة الشريفة . - اتظطلب الرابع : عمل الصدر الأكؿ من اتظسلمتُ. المطلب الأول معنى التوريث

عدد الصفحات ٨

لغة: كىرًث، يرث كىرٍثان، ككًراثة، ككًراثان، كتيراثان، كمتَاثان، كإرثان، كإراثان . صار ما خلٌفو إليو فهو كارث، كىم كرثة ككيرٌاث. كاتظاؿ مىوٍريكث، كالأب مىوٍريكث. كيقاؿ لكل من حصل لو شيء من غتَ تعب: قد كرث كذا . ككرث مالو كتغده . ككرث منو علمان : استفاد. ككرٌثو: خلٌف لو مالان أك تغدان . كالوارث من أتشاء الله تعالذ : قاؿ تعالذ: ( ولله مِيرَاثُ السَّمَواتِ والأَرْضِ ). كالوارثة : أف يحصل للإنساف شيء لا يكوف عليو فيو تبعة كلا عليو تػاسبة 1) . اصطلاحان: كالتوريث اتظقصود في ىذا البحث ىو ما يتًكو السابق للاٌحق من خبرة أك تجربة أك لوائح أك طرائق في تغاؿ الدعوة خاصة . 1) " معجم متن اللغة" : كرث .

عدد الصفحات ٩

المطلب الثاني التوريث في كتاب الله تعالى قد ذكر الله تعالذ في كتابو الوارثة كالتوريث مراران 1) ، كذلك علامة على أهمية ىذه القضية، كقد كاف الأنبياء العظاـ مهتمتُ بها أيضان، فمن ذلك قولو تعالذ قاصٌان قوؿ زكريا عليو السلاـ: (وإني خِفْتُ المَوَلىَ مِن وراءى وكَانَتِ امرَأتي عَاقِراً ف َهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيِّاً * يَررُنيِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ ي َعْقُوبَ وَااْعَلوُ رَبِّ رَ ِيّاُ *)2) فزكريا عليو السلاـ يخاؼ انقطاع النبوة من نسلو، كيريد من يرثو : يرث العلم كيرث النبوة، قاؿ الأستاذ سيد قطب رتزو الله تعالذ : ((صوٌر حالو، كقدـ رجاءه، ذكر ما يخشاه كعرض ما يطلبو: إنو يخشى مىن بعده، يخشاىم ألا يقوموا على تراثو 3) بما يرضاه، كتراثو ىو دعوتو التي يقوـ عليها – كىو أحد أنبياء بتٍ إسرائيل البارزين - كأىلو الذين يرعاىم، كمنهم مريم التي كاف قيِّمان عليها كىي تخدـ المحراب الذم يتولاه ... كىو يخشى اتظوالر4) من كرائو على ىذا التًاث كلو، كيخشى ألا يستَكا فيو ستَتو ... ذلك ما يخشاه، فأما ما يطلبو فهو الولر الصالح الذم يحسن الوراثة، كيحسن القياـ على تراثو، كتراثو النبوة من آبائو كأجداده ... ))5) . كقاؿ الشيخ الإماـ ابن كث 6) رتزو الله تعا : (( كجو خوفو أف خشي أف يتصرفوا بعده في الناس تصرفان سيئان، فسأؿ الله كلدان يكوف نبيان من بعده ليسوسهم بنوبتو كما يوحى إليو فأجيب في ذلك، لا أنو خشي من كراثتهم لو مالو؛ 1) قرابة ثلاث كثلاثتُ مرة . 2) (سورة مر : 605 .) (3) أم: متَاثو. 4) العصبة من قومو. 5) " الظلاؿ" 4/2302 . (6) الشيخ الإماـ إتشاعيل بن عمر بن كثتَ البصركم القرشي الدمشقي . توقي سنة 774 رتزو الله تعا : انظر ترترنو في "الدرر الكامنة": 1/399 -400 .

عدد الصفحات ١٠

فإف النبي أعظم منزلة كأجلُّ قدران من أف يشفق على مالو إلذ ما ىذا حىدُّه أف يأنف من كراثة عصباتو لو، كيسأؿ أف يكوف لو كلد فيجوز متَاثو دكنهم، ىذا كجو . الثاني: أنو لد ييذكر انو كاف ذا ماؿ بل كاف تؾاران يأكل من كسب يديو، كمثل ىذا لا يجمع مالان، كلا سيما الأنبياء – عليهم السلاـ – فإنهم كانوا أزىد شيء في الدنيا . الثالث: أنو قد ثبت في الصحيحتُ من غتَ كجو أف رسوؿ الله  قاؿ: ((لا نورث، ما تركناه فهو صدقة ))، كفي ركاية عند التًمذم بسند صحيح: ((تؿن معشر الأنبياء لا نورث )) كعلى ىذا فتعتُ تزل قولو: ((فهب لر من لدنك كليان )) يرثتٍ على متَاث النبوة 1) . كنعى الله تعالذ على أقواـ يرثوف الكتاب بدكف فهم كلا تطبيق كلا تدبر، فقاؿ عن ب إسرائيل : (فخلف من بعدىم خلف ورروا الكتاب يأخذون عرض ىذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثلو يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيو والدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون)2) . قاؿ الأستاذ سيد قطب رتزو الله تعا : ((صفة ىذا اتطلف الذم جاء بعد ذلك السلف من قوـ موسى أنهم كرثوا الكتاب كدرسوه، كلكنهم لد يتكيَّفوا بو كلد تتأثر بو قلوبهم كلا سلوكهم، شأف العقيدة حتُ تتحوؿ إلذ ثقافة تيدرس كعلم يحفظ، ككلما رأكا عرضان من أعراض اتضياة الدنيا تهافتوا عليو ثم تأكلوا كقالوا: سيغفر لنا ...))3) . كقاؿ تعا: ( وإن الذين أورروا الكتاب من بعدىم لفي شكٍ منو مريب )4) . كالله تعالذ يبتُ في كتابو العظيم أف الوراثة كالتوريث بأمره ليس من ذلك شيء لأحد من اتطلق، فهم ينتظركف مشيئتو بتسليم كاطمئناف، يقوؿ تعالذ قاصٌان قوؿ نبيو موسى عليو السلاـ 1) " تفستَ القرآف العظيم ": 5/207 . (2) سورة الأعراؼ آية : 169 . (3) " الظلاؿ": 3/1387 . (4) سورة الشورل آية : 14 .

عدد الصفحات ١١

لبتٍ إسرائيل : (إن الأرض لله يوررها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)1) قاؿ الأستاذ سيد رتزو الله تعالذ : (( إف الأرض لله، كما فرعوف كقومو إلا نزلاء فيها، كالله يورثها من يشاء من عباده – كفق سنتو كحكمتو – فلا ينظر الداعوف إلذ رب العاتظتُ إلذ شيء من ظواىر الأمور التي تخيل للناظرين أف الطاغوت مكتُ في الأرض غتَ مزحزح عنها، فصاحب الأرض كمالكها ىو الذم يقرر متى يطردىم منها ))2) . كقاؿ تعا: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يررها عبادي الصالحون )3) الذكر ىو التوراة، كالزبور كتاب نبي الله داكد عليو الصلاة كالسلاـ 4) . كىنا يتحدث الأستاذ سيد قطب-رتزو الله تعالذ - حديثان طويلان عن ىذه الوراثة كمىن يستحقها، كأختار من كلامو قولو : "ما ىي ىذه الوراثة؟ كمن ىم عباد الله الصاتضوف؟ لقد استخلف الله آدـ في الأرض لعمارتها كإصلاحها، كتنميتها كتحويرىا، كاستخداـ الكنوز كالطاقات اتظرصودة فيها، كاستغلاؿ الثركات الظاىرة كاتظخبوءة كالبلوغ بها إلذ الكماؿ اتظقدٌر تعا في علم الله، كلقد كضع الله للبشر منهجان متكاملان للعمل على كفقو في ىذه الأرض ... في ىذا اتظنهج ليست عمارة الأرض كاستغلاؿ ثركاتها كالانتفاع بطاقاتها ىو كحده اتظقصود، كلكن اتظقصود ىو ىذا مع العناية بضمتَ الإنساف ليبلغ الإنساف كمالو اتظقدَّر لو في ىذه اتضياة ... كقد يغلب على الأرض جباركف كظلمة كطغاة، كقد يغلب عليها همج كمتبربركف كغزاة، كقد يغلب عليها كفار فجَّار يحسنوف استغلاؿ قول الأرض كطاقاتها استغلالان ماديان، كلكن ىذه ليست سول تجارب الطريق، كالوراثة الأختَة ىي للعباد الصاتضتُ الذين يجمعوف بتُ الإيداف كالعمل الصالح ... كما على أصحاب الإيداف إلا أف يحققوا مدلوؿ إيدانهم كىو العمل الصالح، كالنهوض بتبعات 1) سورة الأعراؼ آية : 128 . (2) " الظلاؿ" 3/1355 . (3) سورة الأنبياء آية : 105 . (4) ىناؾ أقواؿ غتَ ىذه أنظرىا " تفستَ القرآف العظيم ": 5/379-380 .

عدد الصفحات ١٢

اتطلافة ليتحقق كعد الله كتجرم سنتو : ((أف الأرض يرثها عبادم الصاتضوف )) فاتظؤمنوف العاملوف ىم العباد الصاتضوف 1) . الصاتضوف كاتظتَاث: كتظا سبق أقوؿ: إف الصالح يحرص على أف يػيوىرَّث متَاثان حسنان كما قاؿ تعالذ: ( رم أورنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)2) فتَث الصلاح كاتطتَ كالقرآف كالدعوة إلذ الله تعالذ، كىو كذلك يحرص على أف يػيوىرِّث العمل الصالح؛ فيدع أكلادان صاتضتُ، كأعمالان صاتضة، كذلك كاف مطلبان لنبي الله إبراىيم عليو أفضل الصلاة كالتسليم حيث قاؿ: "وااعل لي لسان صدقٍ في الآخرين"3) أم اجعل الآخرين الذين يأتوف من بعدم يثنوف عليٌ ثناءن حسنان كيذكركن ذكران عاطران، فأكتي ذلك عليو أفضل الصلاة كالتسلييم كما قاؿ تعالذ (وتركنا عليو في الآخرين)4) ثم طلب الوراثة العظمى : (وااعلني من وررة انة النعيم)5) فأكتي ذلك عليو الصلاة كالسلاـ، كليس أعظم من أف يتًؾ العبد عملان صاتضان يوٌرثو تظن بعده من الأجياؿ، فيظل عطر ذكراه باقيان ما بقيت ىذه الأرض، كيتًدد صدل عملو في جنباتها يرشد العاملتُ كيهدم السائرين، كالله اتظوفق . المطلب الثالث التوريث في السنة الشريفة المطهرة 1) " الظلاؿ": 4/2400، كقد ذكر الإماـ ابن كثتَ قولان عن السلف أف اتظراد بالأرض اتصنة: أنظر "تفستَ القرآف العظيم ": 5/380، ككلا القولتُ تػتمل كلو كجو، كالله أعلم . (2) سورة فاطر : آية 32 . (3) سورة الشعراء : 84 . (4) سورة الصافات . 5) سورة الشعراء .

عدد الصفحات ١٣

قد كرد عن الن ترلة أحاديث يدكن أف يستنبط منها قواعد مهمة للتوريث، كيستنبط منها- أيضان - عنايتو الكبتَة بأبي ىو كأمي  بهذه القضية اتططتَة، فمن تلك القواعد: ُ. تناقل العلم فيما بتُ الصحابة كمىن بعدىم من أجياؿ اتظسلمتُ، أك مىن لد يحضر ما قالو  ، فمن ذلك قولو : (( ليبلغ الشاىدي الغائب؛ فإف الشاىد عسى أف يػيبػىلِّغ من ىو أكعى لو منو))1). كفي معتٌ ىذا اتضديث كردت عدة أحاديث منها قولو لو فد عبد القيس تظا أرشدىم إلذ بعض أمور دينهم: ((احفظوه كأخبركه مىن كراءكم))2) . فهذا التناقل اتظشار إليو ىو نوع من التوريث . كمن ذلك أيضان ما كاف من حاؿ معاذ بن جبل رضي الله عنو حيث يحدثو النبي  بحديث فيكتمو– كما أمره النبي  - ثم يورثو تظن بعده عندما حانت منيتو، فقد حدٌثو الن  ، كىو رديفو على الرَّحٍل، قاؿ: (( يا معاذي بنى جبل)). قاؿ: لبيك يا رسوؿ الله كسعديك . قاؿ: (( يا معاذ)). قاؿ: لبيك يا رسوؿ الله كسعديك (ثلاثان ). قاؿ: ((ما من أحد يشهد أف لا إلو ألا الله كأف تػمدان رسوؿ الله صدقان من قلبو إلا حرمو الله على النار)). قاؿ: يا رسوؿ الله، أفلا أخبر الناس فيستبشركا؟ قاؿ: ((إذان يتكلوا)) كأخبر بها معاذ عند موتو تأتذان 1) (1) أخرجو الإماـ البخارم في صحيحو، كتاب العلم : باب قوؿ النبي  : ((رب مبلَّغ أكعى من سامع)) 2) اتظصدر السابق: باب تحريض النبي  كفد عبد القيس على أف يحفظوا الإيداف كالعلم كيخبركا من كراءىم. 1) أخرجو الإماـ البخارم في صحيحو : كتاب العلم: باب من خىص بالعلم قومان دكف قوـ كراىية ألا يفهموا.

عدد الصفحات ١٤

ِ. الاىتماـ بنوعية التوريث كأنو ينبغي أف يكوف في الأمور اتصامعة اتظهمة للأمة : كمثاؿ ذلك قولو  في شأف كراثة الأنبياء : ((إف الأنبياء لد يورثوا ديناران كلا درهمان كلكن كرثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ كافر ))2) . ّ. التشجيع على توريث العمل الصالح : فهذا النبي الأعظم  يذكر في حديث لو قضية يدكن أف تدرج ضمن التشجيع على التوريث، كىي قضية الأعماؿ الصاتضة التي تتناقلها الأجياؿ بإعجاب كيكوف أجرىا للعامل الأكؿ، فقد قاؿ  : ((من سن في الإسلاـ سنة حسنة فعيمل بها بعده كتب لو مثل أجر من عمل بها كلا يىنقص من أجورىم شيء))3) . ْ. ترلة من الأعماؿ الإدارية للدكلة الإسلامية الأكلذ : ىناؾ عدد من الأعماؿ التي شرعها النبي  كىي مبينة لاىتمامو بهذه القضية، فمن ذلك إقراره تظبدأ الشورل لإدارة شؤكف الدكلة، ككذلك إشارتو الواضحة بتولية أبي بكر الصديق رضي الله عنو من بعده، كمبادئ اتضرب التي كاف يبينها تعم  كالعلاقات بتُ الدكؿ، كإقامة اتضدكد تضفظ الأمن كالنفوس، كغتَ ذلك من القضايا الكثتَة التي سقت أمثلة تعا فقط، كإلا فالدين كلو توريث على اتضقيقة، فكيفية الصلاة كالزكاة كاتضج كالصوـ كاتظواريث كغتَ ذلك ىي أنواع من التوريث، لكتٍ إنما ذكرت ىاىنا ما نص عليو النبي  أنو توريث أك أشار إليو إشارة كاضحة. المطلب الرابع عمل الصدر الأول من المسلمين ومَن بعدىم 2) أخرجو الإماـ أبو داكد كالتًمذم في كتاب العلم، كأخرجو الإماـ أتزد في مسنده كلهم عن أبي الدرداء رضي الله عنو، كفي اتضديث كلاـ طويل أتطصو بسىوٍؽ كلاـ الأستاذ الشيخ البنا إذ قاؿ: ((قاؿ اتظنذرمٌ )): كمن ىذا الطريق ركاه أبو داكد كابن ماجو كابن حباف في صحيحة، كالبيهقي في ((الشعب)) كغتَهما ... كركل اتضديث أيضان اتضاكم في ((اتظستدرؾ )) بإسناد حسن، كالنسائي كأبو يعلى، كالطبراني في الكبتَ، كصحيح البخارم بعض طرقو ... )) أنظر ((الفتح الرباني )): 1/150 . (3) اتضديث أخرجو الإماـ مسلم في صحيحة : كتاب العلم: باب من سن سنة حسنة أك سيئة، كمن دعا إلذ ىدل أك ضلالة.

عدد الصفحات ١٥

كاف الصدر الأكؿ من اتظسلمتُ يشيع فيهم التوريث في كثتَ من أمورىم، فهذا كتاب ا تعالذ كقد كرثوا عملو خلفان عن سلف ككابران عن كابر، ككرثوا طريقة قراءتو كذلك، كىذه أحاديث رسوؿ الله  كرثوىا بأسانيد متصلة، كقيل الشيء نفسو في الشعر الذم كاف ديوانهم، كيتوارثونو جيلان بعد جيل، ككل ذلك قبل عصر التدكين كانتشار الكتابة كالكتب، كىناؾ بعض الأمثلة اتظهمة في التوريث كانت منتشرة بينهم، فمن ذلك : 1. المدارس الفقهية: كاف الصحابة رضي الله عنهم قد تفرقوا في الأمصار، ككاف عند بعضهم علمه تشعو من رسوؿ الله  ككعاه قلبو مع من كعاه، كبعضهم تفرَّد بعلم لد يكن عند الآخرين، فبثُّوا كل ذلك في الأمصار التي سكنوىا، حيث التفٌ حوؿ كل كاحد من أكلئك الأطهار تغموعة من التلاميذ كرثوا علمهم فاستفادكا منو أيدَّا استفادة، كمثاؿ على ذلك عبدالله بن مسعود  (1) الذم استقر في الكوفة، ككرث علمو تراعة كثتَة منهم علقمة 2) – كىو من أجلِّ تلاميذه- كالأسود بن يزيد 3) كغتَهما، ككرث علم أكلئك كغتَىم تراعة منهم إبراىيم النَّخىعي4) ككرث علم إبراىيم تراعة أجلٌهم تزاد بن أبي سليماف5) . ثم جاء الإماـ أبو حنيفة6) الذم كرث علم كل أكلئك حيث كاف تلميذان تضماد كعليو تفقَّو. كأسس مدرسة للفقو في الكوفة، كما زاؿ تلاميذه يتوارثوف علمو إلذ يوـ الناس ىذا . كقل الشيء نفسو في اتظدارس اتظختلفة التي نشأت في زماف السلف كاتظدرسة اتظالكية كالشافعية كاتضنبلية. 1) أثٛ ػجداٌسؽّٓ اٌٙرٌّٟ، ِٓ وجبز ػٍّبء اٌظؾبثخ ، ِٚٓ اٌعبثم١ٓ الأٌٚ١ٓ. ِٕبلجخ عّخ رٛفٟ ظٕخ 32 ثبٌّد٠ٕخ . أظس ((اٌزمس٠ت)): 323 . (2) ػٍمّخ ثٓ ل١ط ثٓ ػجدد إٌنَّ ؼٟ اٌىٛفّٟ. صمخ صجذ، فم١ٗ، ػبثد. ِبد ثؼد اٌعز١ٓ زؽّٗ د رؼبٌٝ: اٌّظدز اٌعبثك:397 - أظس اٌزمس٠ت397 . (3) الأظٛد ثٓ ٠ص٠د ثٓ ل١ط إٌنَّ َؼٟ ، أثٛ ػّسٚ. ِ ضسَ. صمخ، ِىضس، فم١ٗ . ِبد ظٕخ 74 أٚ75 زؽّٗ د رؼبٌٝ: اٌّظدز اٌعبثك:111 . (4) إثسا٘١ُ ثٓ ٠ص٠د ثٓ ل١ط إٌنَّ َؼٟ، أثٛ ػّساْ، اٌىٛفٟ اٌفم١ٗ. صمخ. ِبد ظٕخ 96 ٚ٘ٛ اثٓ خّع١ٓ أٚ ٔؾٛ٘ب. اٌّظدز اٌعبثك: 95 . (5) اٌؼلاِخ الإِبَ، فم١ٗ اٌؼساق، أثٛ إظّبػ١ً ثٓ ِعٍُ اٌىٛفٟ ٌِٛٝ الأشؼس٠١ٓ، ٚأطٍٗ ِٓ أطجٙبْ. وبْ أؽد اٌؼٍّبء الأذو١بء ٚاٌىساَ الأظ ١بء. ٌٗ صسٚح ٚؽشّخ ٚرغًّ. رٛفٟ ظٕخ 120 وٙلاً زؽّخ د رؼبٌٝ. أظس رسعّزخ فٟ ((ظ١س أػلاَ إٌجلاء)): 5/231-239 . (6) إٌؼّبْ ثٓ صبثذ اٌىٛفٟ، أثٛ ؽٕ١فخ الإِبَ. فم١ٗ ِشٙٛز. ِبد زؽّٗ د رؼبٌٝ ظٕخ خّع١ٓ ِٚبئخ ٌٚٗ ظجؼْٛ ظٕخ. أظس ((اٌزمس٠ت)):563

عدد الصفحات ١٦