دررمن مصنفات العلامة ابن عثيمين جمع فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
عدد الصفحات ١حقوق الطبع والنشر لكل مسلم
عدد الصفحات ٢بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، من العلماء المتأخرين الذين يقلُّ نظيرهم: علماً، وعملاً، ودعوةً، أسال الله الكريم أن يجزيه خير الجزاء، وأن يرحمه رحمة الأبرار، وأن يعلى درجته في الجنان. والشيخ رحمه الله له مؤلفات كثيرة، وتلك المؤلفات مليئة بالدرر و الفوائد والتوجيهات، انتقيتُ ما يسّر الله لي منها، أسأل الله الكريم أن ينفع بها كاتبها، وقارئها، ومن أعان على نشرها، في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم. ــــ(3)
عدد الصفحات ٣فصل: محبة الله جل جلاله محبة الله جل جلاله غاية ما يتمناه الإنسان: قال الشيخ رحمه الله: محبة الله عز وجل للعبد هي غاية ما يتمناه الإنسان، وأكمل مراتب الإنسان. لذة محبة الله عز وجل لا يعادلها شيء ولا تماثلها لذة: قال الشيخ رحمه الله: محبة الله سبحانه وتعالى إذا وفق العبد لها لا يعادلها شيء ولا تماثلها لذة، يجد الإنسان في محبة الله لذة لا توصف أبداً، حتى أن بعض السلف يقول : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، الله أكبر الملوك في قمة النعيم الدنيوي وأبناؤهم كذلك، لكن أحباب الله وأولياء الله أعظم منهم في هذا النعيم، وقوله تعالى : من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثىوهو مؤمن فلنحيينهُ حياة طيبة [97 ] وقال رحمهالله تعالى يُُبُّ ، ولا ألذَّ للإنسان من محبة الله من كونه يُبُّ الله عز وجل. وقال رحمه الله: محبة الله يجد الإنسان فيها لذةً عظيمةً، لا يُقاربها أكبرُ لذة في الدنيا، لذة عظيمة، وأُنساً بالله عز وجل، وفرحاً به، ونوراً في القلب، ونوراً في الوجه لا يُُاثله شيء. ــــ(4)
عدد الصفحات ٤من أحب الله جل جلاله عمل بطاعته: قال الشيخ رحمه الله: المحبة جذابة تجذب الإنسان بسلاسل من حديد إلى المحبوب، ولهذا لا يُكن أن تجد أحداً يُب الله عز وجل إلا ويعمل بطاعته. والمحبة أمرها عظيم...والموفق من وفقه الله وجعل محبته تابعة لمحبة الله عز وجل...ولهذا ينبغي لك دائماً أن تسال الله عز وجل أن يجعل محبتك تابعة لمحبته، " اللهم إني أسألك حبك وحب من يُبك وحب العمل الذي يقربني إلى حبك " تنال محبة الله عز وجل باتباع الرسول علية الصلاة والسلام عقيدةً وقولاً وفعلاً : قال الشيخ رحمه الله: قال الله تعالى قُل إن كنتم تُُبون الله فاتبعوني يُُببكم [31] عليه، نسأل الله أن يسره لنا، وهو: اتباع الرسول علية الصلاة والسلام ظاهراً وباطناً، في العقيدة والقول والفعل، فإذا حققت ذلك فإن محبة الله سوف تنالك. وقال رحمه الله: كلما كان الإنسان أشد إتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقرب إلى محبة الله تعالى وجرب نفسك لو أنك توضأت وضوءاً والوضوء من العبادات لكنه ليس أعلى العبادات ثم شعرت وأنت تغسل وجهك وتغسل يديك إلى المرفقين وتمسح برأسك شعرت بأنك متبع للرسول عليه الصلاة والسلام لوجدت أثر هذا في قلبك وأثَّر عليك في زيادة الإيُان ومحبة الرحمن عز وجل، لذلك ينبغي لنا أن نستشعر دائماً بكل ما نتقرب به إلى الله تعالى أننا في ذلك متبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نحصل على محبة الله. ــــ(5)
عدد الصفحات ٥فصل: دين الإسلام الإسلام صالح لكل زمان لكنه لا يساير العصر قال الشيخ رحمه الله: الإسلام لا يساير العصر، بمعنى أنه يكون تابعاً للعصر كما يظنه بعض الناس في قولهم " إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان" يُريدون أن يخضعوا الإسلام لكل زمان ومكان، فيجعلونه تابعاً لا متبوعاً، وهذا خطأ، بل المراد: أنك إذا عملت به في أي زمان أو مكان حصلت على الصلاح وإذا خالفته حصل لك من فوات الصلاح بقدر ما أخللت به من دين الإسلام الإسلام دين السلام ودين القوة والحذر من الأعداء قال الشيخ رحمه الله: دين الإسلام هو دين السلام لكنه مع ذلك هو دين العزم والقوة والحذر من الأعداء، وكيدهم، ومكرهم، وخيانتهم. الإسلام دين التسامح والمحبة قال الشيخ رحمه الله: الدين الإسلامي دين التسامح دين التساهل، دين المحبة هذا ليس بصحيح على إطلاقه فالتسامح مع من ؟ مع إخواننا المسلمين؟ نعم، أما غيرهم فقد قال الله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [73] يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظةً واعلمو ا أن الله مع المتقين [ التوبة123] المقاومة، لقوله تعا فاتقوا الله ما استطعتم [16 ] ــــ6)
عدد الصفحات ٦الإسلام شريعة وسياسة قال الشيخ رحمه الله: الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلَّ ، ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله ، وبيان العبادات ، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد، كل له سياسة تخصه، سياسية مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين، ومعاهدين، و مستأمنين، وذميين، وكل طائفة قد بين الإسلام حقوقهم ، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فالدين..سياسة شر عية..ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضلَّ . وقال رحمه الله: الشريعة الإسلامية سياسة بمعنى الكلمة، سياسة للناس في عباداتهم، وسياسة للناس في معاملاتهم، وسياسة للناس في علاقاتهم، وهي التي تسمى في عصرنا الدبلوماسية، ومن فصل السياسة عن الشريعة فقد أخطأ خطأً عظيماً، كل الشريعة سياسة، وكلها من أعلى أنواع الدبلوماسيات، لأنها من عند الله عز وجل، هو الذي شرعها للعباد، ورتبها لهم غاية الترتيب...واقرأ سورة براءة تجد غاية ما يكون م ن السياسة في العلاقات بين الدول الكافرة والدول المسلمة، لكن لما ضيقت الكنسية الخناق على الناس في العبادة ورأوا أنهم لا يستطيعون أن يجمعوا بين الدنيا والآخرة، فصلوا الدين عن السياسة، وجعلوا للسياسة مجرى وللدين مجرى آخر. وقال رحمه الله: الشريعة نظمت المعاملة بين الخلق، كما نظمت المعاملة بين الخالق، والعبد الحقيقي هو الذي أخذ بتنظيم الله في هذا وهذا ومن أخذ بتنظيم الله في العبادة دون المعاملة فإنه متبع لهواه لا لشرع الله[. المرام9/109-218، التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن:175 ] ــــ7)
عدد الصفحات ٧الإسلام دين العدل قال الشيخ رحمه الله: دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، والعدل هو إعطاء كل أحد ما يستحقه، ولذلك تجد أكثر ما في القرآن نفي المساواة، وليس إثباتها، كقوله تعالى : قُل هل يستوي الأعمى والبص [سورة الرعد 16 ] وكقوله هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [9] جرا، فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير وهو أولاً : تسوية الذكور مع الإناث و.تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفاً لدين الإسلام، ثانياً الاشتراكية، بتسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني ونعطيه الفقير لأن الدين دين المساواة وقال رحمه الله: الذي يقول: إن الإسلام دين المساواة فقوله غير صحيح، فالإسلام دين العدل وليس دين المساواة، ولم يأت في القرآن الكريم ولا في السنة أن دين الإسلام دينُ المساواة، بل قال الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى [90] تقع المساواة لأنها عدل، لكن إذا قلنا: إنه دين المساواة دخل علينا شر كثير، فيقال إذن سوِّّ بين الذكر والأنثى، وسوِّّ بين العالم والجاهل، وسوِّّ بين الشرير والمُسالم، وهذا لا يُكن، بل الصواب أن يقال: الدينُ الإسلامي دينُ العدل، فمن تساووا في الاستحقاق والأوصاف فهم سواء، ومن اختلفوا فلكلٍّ حُكمه [ البقرة3/80-تفسير سورة النساء1/444- تفسير سورة المائدة1/217,229- تفسير سورة غافر409- تفسير سورة الحديد 382- فتح ذي الجلال والإكرام 14/140،و10/92- لقاءات الباب المفتوح: 13/26- شرح العقيدة الواسطية 1/229 ] ــــ8)
عدد الصفحات ٨فصل: العبادة ** الصلاة فوائد الصلاة: قال الشيخ رحمه الله: فوائد الصلاة كثيرة لا يُُكن حصرها، فمن فوائدها: 1- أن بها قـُرَّة العين وطُمأنينة القلب وراحة النفس، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حُبِّّب إليَّ من الدنيا النساء والطِّّيبُ، وجُعلت قـُرَّةُ عيني في الصلاة)، وكان يقول: (قُم يا بلالُ، فأرحنا بالصلاة). 2- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها الإنسان على الوجه الذي أُمر به؛ قال الله تعالى: ﴿ إِّنَّ الصَّلااةا تـانـْهاى عانِّ الْفاحْشااءِّ واالْمُنْكارِّ ﴾45.] 3- أنها عون ل لإنسان على أمور دينه ودنياه قال الله تعالى :﴿ وااسْتاعِّينُوا باِّلصَّبرِّْ واالصَّلااةِّ ﴾45] وكان النبي صلى عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلَّى؛ أي: إذا أهمَّه أمرٌ. 4- أنها كفارة لصغائر الذنوب وتطهير من الخطايا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمس مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟)، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس، يُحو الله بهنَّ الخطايا)؛ رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تـُغْشا الكبائرُ)؛ فهذه الصلوات الخمس تغسل الذنوب لمن صلى، فيكون نقي ا بها من الذنوب. ــــ(9)
عدد الصفحات ٩5- ما رتَّب الله عليها من الأجر العظيم والخير الكثير؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد، فمن جاء بهنَّ لم يُضيِّّع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّّهنَّ، كان له عند الله عهد أن يدخلاه الجنة). وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال:(مان حافظ عليها كانت له نورًا وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومان لم يُُافظ عليها لم يكن له نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبي بن خلف)؛ ر واه أحمد بإسناد جيد، فمن حافظ على هذه الصلوات وأدَّاها على الوجه المشروع، كانت له نورًا وبرهاناً، ونجاةً يو م القيامة. 6- ما يُصل في صلاة الجماعة من اجتماع المسلمين عليها في مكان واحد، وحصول التعارف والتآلف بينهم، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وإظهار الشعائ ر الإسلامية وغيرها من المصالح العظيمة. 7- أنها صلة بين المصلي وربه، فالمصلي إذا قام في صلاته استقبله الله بوجهه، (فإذا قال العبد: الحمدُ لله ربِّّ العالمين؛ قال الله تعالى: (حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثني عليَّ عبدي، وإذا قال: ملك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوَّض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبدُ وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدني، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الصراط المستقيم، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). فهل تجد صلة أقوى من تلك الصلة، يجُيبك ربك على قراءتك آيةً آي ةً وهو فوق عرشه، وأنت في أرضه؛ عنايةً بصلاتك وتُقيقًا لصلاتك؟! وما ذكرناه من هذه الفضائل ليس على سبيل الاستيعاب، ولكنه قليل من كثير. ــــ(10)
عدد الصفحات ١٠من فوائد صلاة الجماعة قال الشيخ رحمه الله: حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلاةُ الجماعة تفضلُ صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة). الإنسان لو يرى أنه يربح في السلعة 10%، لكان يُبادر إلى شرائها، ويبادر إ تصريفها، ويُتعب بدنه وعقله وفكره في ذلك، والربح 10%، وهو ربح قابل للزوال، بل لا بدَّ أن يزول، فمالُك الذي بيدك لا بدَّ أن يزول، أو تزول أنت عنه، فلا يُكن أن تخُلَّد له أو يخُلَّد لك. وسبع وعشرون درجة في صلاة الجماعة، كم الربح في المائة؟ فهذا فرق عظيم، ومع ذلك هذا الثواب يبقى، وتجده في يوم أنت أحوج ما تكون إليه، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس يتهاونون مع هذا الفضل العظيم. ثم إنَّ صلاة الجماعة فيها تنشيط للإنسان، فالإنسان إذا صلى مع الجماعة صار أنشط له، والصلاة مع الجماعة فيها حفظ الصلاة؛ لأن الإنسان إذا صلى مع الجماعة سوف يصلي مع إمام يراعي السنة في القراءة، في الركوع، في السجود، في القيام، في القعود، فيحصل على صلاة تامة، وإذا صلى وحده فإن غالب الناس إذا صلوا وحدهم لعِّب بهم الشيطان، ونقروا الصلاة كنقر الغراب. وصلاة الجماعة فيها الأُلفة بين المسلمين، فيتآلفون، ويتحابون، ويرشد بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضًا؛ لأن الرجل إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة ثم تخلَّف، فقاده الناس، وسألوا عن حاله، وساعدوه إن كان في فقرٍ، وحاولوا أن يتطبَّبوا له إن كان مريضًا. ــــ(11)
عدد الصفحات ١١وفي صلاة الجماعة تعليم الجاهل، ولهذا تجد أكثر الناس الآن يصلون- والحمد لله - وهو عوام ما درسوا، لكن كيف تعلموا؟ بشهودهم الجماعة، يرون الناس يصلُّون فيصلون مثلهم، حتى الصبي الصغير يصلي كما يُصلي الناس. وصلاة الجماعة فيها عمارة بيوت الله عز وجل التي قال الله تعالى فيها: ﴿ فيِّ بـُيُوتٍ أاذِّنا اللََُّّ أانْ تـُرْفاعا وايُذْكارا فِّيهاا اسمُْهُ يُسابِّّحُ لاهُ فِّيهاا باِّلْغُدُوِّّ واالآْصاالِّ * رِّجاالٌ لاا تـُلْهِّيهِّمْ تجِّااراةٌ والاا بـايْعٌ عانْ ذِّكْرِّ اللََِّّّ ﴾ [36-37] آخره وصلاة الجماعة فيها كمالُ القيام بحقِّّ ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم؛ لأن هؤلاء الجماعة - ولنقل: ألف نفر - يأتماُّون بإمام واحدٍ، فيأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، ويتابعونه تمامً ا بدقة. وصلاة الجماعة فيها مشابهة للمجاهدين في سبيل الله؛ كما قال عز وجل: ﴿ نَّ اللََّّا يُُِّبُّ الَّذِّينا يـُقااتِّلُونا فيِّ سابِّيلِّهِّ صاف ا كاأانهَُّمْ بـُنـْياانٌ مارْصُوصٌ ﴾4.] وصلاة الجماعة كذلك فيها مشابهة لصلاة الملائكة في السماء؛ كما قال الن صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها)، قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصُّون في الصفوف). وفوائدها عظيمة كثيرة، وهي من محاسن الشريعة الإسلامية، ولا يتخلف عنها إلا منافق أو مريض، أو معذور، فعليك بالجماعة تغنم وتسلام، ويستنير قلبُك، وتلقى ربَّك وهو راضٍ عنك، أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق لما يُبُّ ويرضى. ــــ(12)
عدد الصفحات ١٢الصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة نور)، فالصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل. وكذلك تكون نورًا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة لله عز وجل، وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته. وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء. كذلك نور في حشره يوم القيامة، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن من حافظ عليها كانت له نورًا ونجاةً وبرهاناً يوم القيامة، ومن لم يُافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهاناً، ولا نجاة يوم القيامة، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأبيُ بن خلف)، فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يُافظ الإنسان عليها، وأن يُرِّص عليها، وأن يُكثر منها؛ حتى يكثُر نوره وعلمه وإيُانه. انتظار الصلاة بالقلب والبدن: قال ا لشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (انتظار الصلاة بعد الصلاة)، الانتظار يكون بالبدن ويكون بالقلب. أما البدن فيبقي في مكان صلاته حتى تأتي الصلاة الأخرى، وأما بالقلب فيكون كلما انتهى من صلاة إذا هو ينتظر الصلاة الأخرى متى تأتي؟ ليقف بين يدي ربه؛ لأنه يُب الصلاة، قد جعل الله قرة عينه في الصلاة، وهذا دليل على إيُانه؛ لأن الصلاة إيُان. ــــ(13)
عدد الصفحات ١٣الخشوع في الصلاة: أهميته وسبله وثماره قال الشيخ رحمه الله: أهمية الخشوع في الصلاة من وجهين: لأول: أنه كمال للصلاة، بل هو لُبُّ الصلاة وروحها، والخشوع يعني حضور ال قلب، بحيثُ إن الإنسان يكون حال الصلاة، وهو يقرأ، ويركع ويسجد مُستحضرًا هذه العبادة العظيمة، فلا يفعل هذه الأشياء وقلبه في مكان بعيدٍ. الوجه الثاني: أن الخشوع في الصلاة أكثر ثواباً، وقد امتدح الله عز وجل الذين هم في صلاتهم خاشعون....أما ما يعين على الخشوع، فهو أن الإنسان يُفرغُ قلبه إذا أقبل على الصلاة تفريغًا كاملاً، ويشعرُ بأنه واقف بين يدي الله عز وجل، وأن الله عز وجل يعلم ما في قلبه، كما يعلم تُرُّكاته في بدنه، ليس كالملوك؛ إذ يُُكن أن تقف أمام ملك الدنيا مُتأدباً بظاهرك، وقلبك في كُلِّّ مكان، وهو لا يعلم ، لكن الله عز وجل يعلم ظاهرك وباطنك، فاستحضر أنك بين يدي الله، وإذا قُلت: ﴿ الحْامْدُ للََِِّّّّ رابِّّ الْعاالامِّينا ﴾2] فمن أكبر العون على الخشوع ما يلي أولاً: أن يعتقد الإنسانُ أنه واقف بين يدي ربه. ثانيًا: أن يعتقد أن الخشوع من كمال الصلاة، وأن الإنسان ربما ينصرف من صلاته، وما كُتِّب له منها إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها. ثالثًا: أن يعتقد كثرة الثواب بالخشوع. وقال رحمه الله: الإنسان إذا أدى الصلاة بخشوع وحضور قلب، فإنه يجد من نفسه وهو ساجد، أو يشعر وهو ساجد أنه قريب من الله يدعوه ويناجيه، وهو أيضًا يشعر بأن الله تبارك وتعالى فوق كل شيء، أنه قريب منه، وأنه فوق كل شيء. ــــ(14)
عدد الصفحات ١٤الصلاة قرة عين لمن يؤديها حقيقةً قال رحمه الله: إذا تعود الإنسانُ على إكثار الصلاة صارت قـُرَّة عينه، وصار يألفها دائمًا، ولكننا نعنى بالصلاة الصلاة الحقيقية التي تكون صلة بين الإنسان وبين ربه؛ بحيث إذا دخل في صلاته لا يلتفت قلبُهُ إلى شيء من الدنيا، بل يلتفت إلى الله وحده، إن كبرَّ استشعر عظمة الله عز وجل وكبرياءه، وإن قرأ القرآن الكريم الفاتُة أو غيرها، استشعر بأنه يتلو كتاب ربِّّ العالمين الذي تكلم به لفظًا ومعنىً، وإن ركع استشعر أنه يخضع لله عز وجل، وإن سجد استشعر أنه يُنزِّّل أعلى ما في جسده وأشرافه إلى مهبط القدمين وموضع الأقدام، تواضعًا لله عز وجل. الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ينبغي إعادة النظر فيها: قال الشيخ رحمه الله الصلاة لها فوائد كثير ة، فوائد دينية وفوائد دنيوية؛ أما الفوائد الدينية، فمنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿ اتْلُ ماا أُوحِّيا إِّلايْكا مِّنا الْكِّتاابِّ واأاقِّمِّ الصَّلااةا ﴾45] إذا صلى الإنسان صلاة أتمها، فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر؛ أي: تُوجب أن يبغض الرجل كلَّ فحشاء وكلَّ منكر. ولا تشكَّ إذا صليت ولم تجد في قلبك كراهة للمنكر، أو حب ا للمعروف، لا تشكَّ في الآية، الآية محكمة، خبر من لدن حكيم خبير، لكن شك في صلاتك؛ لأن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي الصلاة التي تُقام على ما ينبغي، ولهذا قال: ﴿ أاقِّمِّ الصَّلاةا إِّنَّ الصَّلاةا ﴾؛ يعني: التي تُقيمها، تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال بعض السلف: من لم تنـْهاه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يـازْدادْ بها من الله إلا بُعدًا، نسأل الله العافية، فعليك بإقامة الصلاة، أحضِّر قلبك، وأدِّّ ما فيها من واجبات؛ سواء ك انت ركنًا، أو شرطًا أو واجبًا، وكمِّّلها بالسُّنن حتى تؤتى ثمارها. ــــ(15)
عدد الصفحات ١٥من أسباب التهاون في الصلاة سئل الشيخ رحمه الله: يتهاون كثير من الناس اليوم في الصلاة، فما هي الأسباب في نظركم؟ فأجاب: أسباب ذلك متعددة كثيرة، من أهمها وأعظمها: اتباع الشهوات، ولهذا قرن تبارك وتعالى إضاعة الصلاة باتباع الشهوات، فقال سبحانه: ﴿ فاخالافا مِّنْ بـاعْدِّهِّمْ خالْفٌ أاضااعُوا الصَّلااةا وااتـَّبـاعُوا الشَّهاوااتِّ فاساوْفا يـالْقاوْنا غاي ا * إِّلاَّ مانْ تاابا واآمانا ﴾ [59،60.] ومن أسبابها جهل الناس بحقيقة هذه الصلاة، جهلهم بأهميتها، جهلهم بفوائدهم، جهلهم بفضائلها، جهلهم بثوابها، جهلهم بمرتبتها عند الله عز وجل، إلى غير ذلك من الأمور التي أوجبت لكثير منهم الاستهانة بها. ومن أسباب التهاون في الصلاة أن كثيرًا من المصلين إذا صلوا، إنما يصلونها - نسأل الله لنا ولهم العفو والعافية - كعمل روتيني، عمل جارحي؛ أي: عمل جوارح فقط، لا عمل قلب، فلا تكاد تجد عندهم خضوعًا، ولا خشوعًا، ولا ذُلا بين يدي الله عز وجل، ولا استحضارًا لما يقولون في صلاتهم، ولا استحضارًا لما يفعلون، فلهذا يخرجون من الصلاة لم يستفيدوا منها شيئًا، لم يُصل لقلوبهم نور، ولم يُصل لإيُانهم زيادة، ولم يُصل منهم انتهاء عن الفحشاء والمنكر، كل ذلك لأنهم يصلون صلاة جسد بلا روح، ولو أنهم أعطوا الصلاة حقَّها من الخشوع، وحضور القلب، والإنابة إلى الله، وشعور الإنسان بأنه واقف بين يدي ربه - لكان أحبَّ الصلاة وألِّفها، ويهوي قلبُ ه إليها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (جُعلت قرةُ عيني في الصلاة). ــــ(16)
عدد الصفحات ١٦