المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بعد أن زلت الأقدام

محمد محيي الدين حمادة الدمشقي

صفحة ١ من ٤

من صميم الثورة السورية بعد أن زلَّ ت الأقدام بقلم الشيخ الداعية المؤرخ محمد محيي الدين حمادة الغنيمي الدمشقي الميداني

عدد الصفحات ١

2  الحمد ُُللهُُرب ُ ُالعالمين,ُوأفضل ُ ُالصلاةهُُوأتم ُُ التسليمهُُعلىُسيدناُمحمد ُُالمبعوثهُُرحمةُللعالمين,ُوعلىُ آلهُوصحبهُأجمعين:ُ وبعد: فإن أُمّتنا اليوم في ظلّ هيمنة صهيوصليبية بما لديها من مخالب حادة حاقدة غرزتها في المشهد السياسي والعسكري في العالم منذ سقوط الخلافة العثمانية ,وفي ظلّ وضع أنظمة عسكرية قطري ة مريبة مصنوعة بيد

عدد الصفحات ٢

3 غربية محترفة... أقول: في ظل نظام حكم الس ادة الاستكباري العالمي, ونظام حكم العبيد الديكتاتوري, زل ت أقدام شرائح من أبنائنا سواءٌ على مستوى العلماء , أو طلاب العلم, والمثقفين, ورجال الأعمال, و الأفراد,أو القادة الميدانيين, والزعماء السياسيين , فالجميع زلّت أقدام شرائح منهم لا سي ما في أجواء ثورات الربيع العربي , وفي مقدمتها ثورة الشام الفاضحة التي كشفت اللثام عن شخصيات كُ ن ا نقدم لها الت حية والإجلال, لا بل إنّ بعضنا كان يلثم الأ رض التي كان يمشي عليها بعض

عدد الصفحات ٣

4 هؤلاء_على نحو ما صرّح به أخيراً الفنان السابق والداعية الإسلامي اللاحق وجدي العربي _, لكن ما لبث هؤلاء أن سقطوا فجأة من القمة إلى الهاوية في زمن قياسي, و دفعة واحدة, فإذا بالجماهير التي كانت تعشقهم غدت تلفظهم دون تردد , سواء من قبل الخاصة من تلامذتهم و مريديهم أو العامة من جهة دائرة محبّيهم !. هنا تدبّرتُ قوله تعالى في محكم التنزيل من سورة النحل: { فَتَزِل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتهَِا } (آية: 49) ,فانتابتني رعشةٌ مِ ن خوف و وجل وخشية؛ إذْ كيف زل ت أقدام

عدد الصفحات ٤

5 هؤلاءوالكثير منهم كان يشار إليهم بالبنان , لا سيما وأنّ الباري عز وجل لم يقل لنا : "فتزل قدمٌ بعد تذبذبها ونفاقها وتلوّنها , لكن قال: بعد ثبوتها ", أي: بعد رسوخها .., فأدركت أن الخطر عظيم لا يستثني أحداً , وأنّ الحافظ لنا من الز لل جميعاً هو الله عز وجل بشرط أن نأخذ بأسباب أمره و نهيه سبحانه وتعالى , وتنب هتُ إلى حقيقة أنّ هؤلاء المتذبذبين _الذين كانت الأمة تلتمس لأخطائهم الأعذار بسبب ظروف القهر التي كن ا نعيش فيها _ كانوا قد س قطوا منذ زمن بعيد دون أن ننتبه, أو نلحظ الواقع المؤسف الذي يتقل بون

عدد الصفحات ٥

6 فيه, وأن الأمر استمر وفق هذه الصورة زمناً إلى أن أطل تْ علينا ثورة الشام المباركة بر أسها البهيج وبميزتها الكاشفة و الفاضحة حين سل طت الأضواء على كافة الوجوه, فأبرزت طائفة, وانتزعت الأقنعة عن أخرى, فأم ا الطائفة التي أبرزتها فقد أسفرت بها عن وجوه مضيئة صادقة تحكي حقيقة قلوب نظيفة لم نكن ننتبه لها يوماً , أو أنها لم تأخذ فرصتها في السابق بسبب تضييق الحصار عليها زمن النظام الغاشم... وفي المقابل فقد انكشف الس تار عن وجوه سوداء مكفهرة تحكي حقيقة قلوب مُت سخة بسبب ولائها

عدد الصفحات ٦

7 الخفي للنظام الفاسد, أو لصناعة أجهزة النظام لرجالها, ودعمه لشريحتها !. أجل ... حدث سقوطٌ مدوٍّ من أعلى القمّة إلى سحيق الهاوية! فلله درّكِ يا ثورة الشام , فكم زلّت في ساحتك من أقدام, وكم تهاوى في فضائك الرحب من رجال, وكم تدحرج من عليائك زعيم وسياسي و عالم وتابع وتاجر! فمن أين أتى الخلل ؟ في تقديري فإن الانحرافَ الحادّ الذي آل إليه أمر

عدد الصفحات ٧

8 أُوْلئكم حدث باجتماع عوامل متعدّدة اِ لتقت في تلك الشخصيات الس اقطة, فالتف ت حول رقاب أصحابها بقسوة, حتى شدّتْ عليها بقوة , فلم يشعر أحدهم إلا والأرض تميد من تحته! و لم ينتب ه إلا وهو يغوص في مستنقع الأحداث من أسفل قدمه حتى مفرق رأسه, ويغرق في وحلها دونما منقذ له أو منجد!. العامل الأول : أن الباري عز و جل لم يطلب من عباده العلم فحسب , وإنما طالبهم بأن يضم وا إلى العلم العمل,إذ ما قيمة العلم الشرعي في ميزان عمل

عدد الصفحات ٨

9 صاحبه إن لم يقترن بالموقف الإسلامي, ويتجس د في واقعه اليومي عملٌ قرآنيّ نبويّ , اقتداء بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؟ لهذا وجدنا القرآن الكريم يطالبنا بالعمل في خطاب صريح في قوله تعالى :{ وَقُلْ اعْمَلُوا ..}, بيد أنّ البيان القرآني لم يأمر بالعمل ومن ثَمّ توقف , وإنّما أعلن بأنّ ذلك العمل سيعرض على الخالق جل وعلا , وعلى رسوله محمد عليه الصلاة و السلام, بل وسيطلع عليه المؤمنون أيضاً _إن خيرا فخ , و إن شرّاً فشرّ , وهي دائرة تتعدّى العمل إلى الإتقان , تمهيداً ل لحساب

عدد الصفحات ٩

01 والمناقشة, و الجزاء و النشر و الاطّلاع _و هو ما جاء في تمام الآية الكريمة من سورة التوبة: { وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيرََى الله ُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُْؤْمِنُونَ وَسَترَُد ونَ إِلىَ عَالمِِ الْغَيْبِ وَالش هَادَةِ فَيُنَب ئُكُمْ بِماَ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [سُورَةُ الت وْبِةِ : 501 ] إنمشكلة شريحة من العلماء أنه ا علمت ولم تعمل, فانخدعت بها الأمة دهراً , لكن ا لعدالة الإلهية ذات معايير دقيقة , ومن ذلك أنه ا تمهل و لا تهمل, وأنهّا لا تقبل بخديعة تبدأ ولا تنتهي , لذلك نجدها دائماً تتحر ك في غفلة من الخادعين بعد أن تعطيهم الفرصة

عدد الصفحات ١٠

00 تلو الأخرى ليثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى بارئهم, ثم ما تلبث أن تدهمهم في لحظة واحدة, فإذا بها تكشف عن خبايا النفوس, وما أس ت القلوب, وإذا بالمتلو نين عرايا في صحراء الحياة بلا لباس يستر سوأة الأيام الطويلة التي قضاها هؤلاء في الغدر والنفاق والانتفاع الشخصي على حساب الإسلام وأهله بلا تقوى من الله عز و جل. قال تعالى: { وَلِبَاسُ الت قْوَى ذَلِكَ خَيرٌْ } , لهذا عرّف سيدنا ع _رضي الله عنه _التقوى بقوله: التقوى: هيَ الخوفُ من الجَليل, والعملُ بما في التنزيل, والاستعدادُ ليوم الر حيل ", لكن يبدو أن هذا

عدد الصفحات ١١

02 الصنف الفاسد من العلماء نسَ أن العلم ما أورثك الخشية, وأن علماَ لم يُ ورث صاحبه الر هبة من الخالق والخوف منه -سبحانه وتعالى- فإن ه عبء على أهله يدخل به صاحبه في زمرة إبليس و جماعته حين اقترن علمه بالكبر و المراوغة والمخالفة!!. إن هذا المقياسَ الد قيق لَ يُ عَ د وجهاً من وجوه مكر الله بخلقه , وفي هذا نقرأ قول الله عز وجل في محكم التنزيل :{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَالله ُ خَيرُْ المَْاكِرِينَ } [سُورَةُ الأَنْفَالِ : 00 ] هذا وإن من مظاهر استدراج المكر الإلهي بهؤلاء ومن كان على شاكلتهم ما جاء على لسان الصادق

عدد الصفحات ١٢

03 المصدوق خاتم رسل الله - صلى الله عليه وسلم - موضحاً ومخبراً و متوعّداً هذا الصنف الفاسد من العابثين...وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إِن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَْن ةِ حَت ى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ...فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الن ارِ, فَيَدْخُلُهَا )) [صحيح البخاري] وفي هؤلاء يقول الإمام الغزالي -رحمه الله -:"من طلب الدنيا بالدين فهو كمن جعل وجهه ممسحة لحذائه". أم ا الإمام القاضي أبو الحسن الجُرجاني فيقول في هذه

عدد الصفحات ١٣

04 الشريحة من أهل العلم نظماً لا نثراً: وَلَوْ أَن أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانهَُمْ ... وَلَوْ عَظ مُوهُ فيِ الن فُوسِ لَعُظ ماَ وَلَكِنْ أَ هانُ وهُ فَهَانُوا وَدَن سُوا ... محَُي اهُ بِالأَْطْماَعِ حَت ى تَََه ماَ . ويحضرني في هذا المقام ما وقع لمفتي البصرة وحافظها حمَ اد بْن سَلَمَةَ –رحمه الله - فقد أَرْسَلَ إليه محَُم دُ بْنُ سُلَيْماَنَ أَمِيرُ الْبَصرَْةِ يَطْلُبُ مِنْهُ الحُْضُورَ إلَيْهِ لأَِ جْلِ مَسْأَلَة وَقَعَتْ لَهُ , فَأَرْسَلَ إلَيْهِ حمَ ادٌ وقال له كلاماً حازماً جازماً لا يقبل التأويل: " إن ا أَدْرَكْنَا الْعُلَماَءَ

عدد الصفحات ١٤

05 وَهُمْ لاَ يَأْتُونَ أَحَدًا .., فَإِنْ وَقَعَتْ لَك مَسْأَلَةٌ فَأْتِ نَا فَسَلْنَا عَما بَدَا لَك " العامل الثاني : نظر النظام بخبثه إلى تطل ع تلك الشريحة من أهل العلم لزخارف الحياة الدنيا , وتعشّقها لها , وإقبالها عليها فاستثمرها بخبث واحتراف و حقد منقطع النظير, إذْ ما كان من ه إلاّ أن جعل الفرص الإعلامية و الدعوية بل والن شاطات التبليغية حكراً على مَ ن استجاب لأغراضه من الشيوخ والدعاة, أو لمن يعطي إشارات واضحة على استعداده لأن يتعامل مع النظام بطريقة أو بأخرى, في الوقت

عدد الصفحات ١٥

06 الذيحجز فيه تلك الفرص عن الآخرين ! وهنا انقسم الناس حيال تلك السياسة إلى فريقين: الفريق الأول: من كان من أهل العلم راسخ القدم, قويّ الصلة بالله عز و جلّ فقد زهد بما لديهم, وأعرض عنهم, و ولىّ مدبراً عن إغراءاتهم الخسيسة التي لن تُعطى بالمجان أبداً , وإنّما لا بد من دفع الثمن على حساب ثوابتنا و إسلامنا و مواقفنا وأُ م تنا وشامنا وعروبتنا... الفريق الثاني : من كان طالب اً لدنيا في ثوب عالم فقد وقعت عليه صفقة النظام !

عدد الصفحات ١٦