469 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة موضع مصلاه فتجده رطباً من دموعه في الليل! وقال الوليد بن مزيد: « إلا وهو قائم يصلي وكان يقول وسئل عن الخشوع في الصلاة فقال وهو الحزن والخوف وقال بشر بن المنذر قاضي المصيصة ثانياً: الإمام المحدِّث الفقيه المجتهد.. أخذ الأوزاعي عن عدد من أئمة التابعين، منهم: عطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر محمد الباقر، ومكحول، وقتادة، وربيعة، وغيرهم. وأخذ عنه: شعبة، والثوري، ومالك وابن المبارك وغيرهم. وقد أكرمه الله بحفظ السنة، ونشرها، وتدوينها، قال عبد الرزاق جريج، وصنَّف الأوزاعي قال الذهبي أول من دوَّن العلم بالشام. وذكر بعض الحفاظ أنَّ حديث الأوزاعي نحو الألف. يعني المسند أما المرسل والموقوف فألوف. وهو في الشاميين نظير معمر لليمانيين، ونظير الثوري للكوفيين، ونظير مالك للمدنيين، ونظير الليث للمصريين، ونظير حماد بن سلمة للبصريين. وقد أكرمه الله برؤية النبي ﷺ في المنام.. قال ابن الأوزاعي، قال لي أبي:
عدد الصفحات ٤٧٢470 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة يا بني أحدثك بشيء لا تحدث به ما عشت، رأيت كأنه وقف بي على باب الجنة، فأخذ بمصراعي الباب فزال عن موضعه، فإذا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر يعالجون رده فردوه فزال ثم أعادوه، فقال لي رسول الله ﷺ يا عبدالرحمن: ألا تمسك معنا فجئت حتى أمسك معهم حتى ردُّوه ولا أعلم دراسة معمقة تجمع حديثه، وتبيِّن معالم منهجه في الحديث النبوي الشريف وعلومه. وقد كان من أئمة الاجتهاد.. قالوا عنه: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها.. وكان يقرن بالإمام مالك بالمدينة، والإمام سفيان الثوري في الكوفة.. وكان لهذا الإمام المجتهد، مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام مدة وفقهاء الأندلس، ثم فني ثم ذكر سبب اندثاره، فقال العشرين ومئتين، ثم تناقص واشتهر مذهب مالك بيحيى الليثي، وكان مذهب الأوزاعي مشهوراً بدمشق إلى حدود الأربعين والثلاث مئة، وكان القاضي أبو الحسن ابن حذلم له . )حلقة بجامع دمشق ينتصر فيها للمذهب الأوزاعي وقال الحميدي في ترجمة زياد بن عبدالرحمن بن زياد فقه مالك بن أنس، وكانوا قبل ذلك على مذهب الأوزاعي، مات زيادٌ بالأندلس سنة ثلاث، وقيل سنة تسع وتسعين ومئة، وقال ابن حزم: مات سنة أربع ومئتين ص •أي فقه ضيَّعتِ الأمة؟! قلت: هيأ الله للإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد أصحاباً فدوَّنوا فتاويهم واجتهاداتهم، فحفظت ونفع الله بذلك المسلمين.. ).143/ تاريخ الإسلام) 1(
عدد الصفحات ٤٧٣471 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ودوَّن الشافعي اجتهاداته، فنقلها تلاميذه.. ومما ساعد على حفظ مذاهبهم، تدوينها، واستمرار التفقه بها، وحكم القضاة بها في المحاكم.. وقد هيأ الله للإمام الأوزاعي تلامذة حملوا مذهبه، وعملوا به في الشام ما يقرب من قرنين، وفي الأندلس ما يقرب من قرن، لكن بانتشار مذهب الشافعي في الشام، ومذهب مالك في الأندلس، واهتمام الفقهاء بدراستهما، والقضاة بالحكم بهما أُهمل فقه الأوزاعي، وهذا أقوى الأسباب من وجهة نظري.. •أين نجد فقه الإمام الاوزاعي؟ قال الوليد بنسخها، فقال يا أبا عمرو: هذه نسخة كتابك وإصلاحك بيدك، فما عرض لشيء منها حتى فارق الدنيا وهذا النص يدل على أنَّ فقه الأوزاعي كان مدوَّناً، ونجده مفرَّقاً في الكتب الكبار المصنفة في الفقه والحديث والتفسير.. « :)60/لكن قال أستاذنا الفقيه عبدالله الجبوري في لم نعثر على مدوّنة دُوِّنَ فيها آراء الإمام وفتاويه، كما لم نعثر على مدوّنات له أو لأصحابه تجمع آراءهم وآراء إمامهم كما عُثِرَ على مدوّنات للأئمّة الأربعة ولأصحابهم حفظت مذاهبهم وعلم ما فيها. وكل ما عُثِرَ عليه أقوال فقهية وفتاوى منثورة في كتب الفقه المذهبي وكتب الخلاف وكتب التفسير والحديث، وقد جمعتُ ما أمكنني العثور عليه في هذه الكتب من فقهه ورتّبته على أبواب الفقه المشهورة قلت: والأمر فيه حاجة إلى دراسة جديدة، فقد تكون رويت في الكتب الكبار، ولعلنا نعثر على بعضها في خزائن المخطوطات.. وقد قام بجمع أقواله الفقهية الأستاذ الدكتور عبدالله الجبوري في رسالة علمية نال بها
عدد الصفحات ٤٧٤472 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة .درجة الدكتوراة، بعنوان: فقه الأوزاعي، وطبعت في مطبعة الإرشاد ببغداد، سنة وله أيضاً: الامام الأوزاعي: حياته وآراؤه وعصره، طبعت في دار الرسالة، سنة )1980( وللدكتور محمد رواس قلعجي موسوعه فقة عبد الرحمن الأوزاعي أيضاً وللدكتور علي الضويحي طبع في مؤسسة الرسالة. وهناك مقولة للإمام أحمد يصف فيها رأي الأوزاعي وحديثه بالضعف! ينبغي دراستها والتوقف عندها.. ثالثاً: صدعه بالحق.. كان الأوزاعي قوي الشخصية مهاباً رجل عامة، وكان يصلح للخلافة.. وقد قال عنه الإمام أبو إسحاق الفزاري: « وأما الثوري فكان رجل خاصة نفسه، ولو خيّرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي -يريد الخلافة •من نماذج صدعه بالحق: قوله: لما فرغ عبد الله بن علي -يعني عم السفاح- من قتل بني أمية، بعث إلي، وكان قتل يومئذ نيفا وسبعين منهم، فدخلت عليه فقال: ما تقول في دماء بني أمية؟ فحدت، فقال: قد علمت من حيث حدت فأجب. فقلت: كان لهم عليك عهد قال: فاجعلني وإياهم ولا عهد
عدد الصفحات ٤٧٥473 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ما تقول في دمائهم قلت حرام؛ لقول رسول الله ﷺ الحديث قال الذهبي معلقاً: « فالإمام الأزواعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء وقد كتب إليه أبو جعفر المنصور يقول جعل الله لرعيته قبلك في عنقه، فاكتب إليَّ بما رأيت فيه المصلحة مما أحببت فكتب إليه الأرض بغير الحق، وأعلم أنَّ قرابتك من رسول الله ﷺ لن تزيد حق الله عليك إلا عظماً ولا طاعته إلا وجوباً وقد أكرمه الله بعجائب الرؤى، من ذلك، قوله: رأيت كأنَّ ملكين عرجا بي وأوقفاني بين يدي رب العزة، فقال لي: أنت عبدي عبد الرحمن الذي تأمر بالمعروف؟ فقلت: بعزتك أنت أعلم. قال: فهبطا بي حتى رداني إلى مكاني نماذج من أقواله وورعه: وكان يقول وكان يقول بالشبهات وكان يقول وكان يقول وكان يقول
عدد الصفحات ٤٧٦474 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة فيه غير أهله وقال سعيد بن عبدالعزيز استعفى فأعفي وكان يقول الإمام الذي خرجت أهل الملل في جنازته.. قال سالم بن المنذر: لما سمعت الضجة بوفاة الأوزاعي خرجت فأول من رأيت نصرانيا قد ذر على رأسه الرماد فلم يزل المسلمون من أهل بيروت يعرفون له ذلك. قال والنصارى في ناحية، والقبط في ناحية ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي . * * *
عدد الصفحات ٤٧٧475 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة تَقَوُّض صرح المكتبات بالعوالم الإسلامية أبو شذا محمود النحال الحمد لله وحده، وبعد: فإن الإحاطة بذلك مُتعذِّرَةٌ، والذي يظهر لي أن بداية تقوُّض صرح المكتبات العلميَّة وفُقْدان أُمهات الأصول الخطِّيَّة يبدأ بالسنوات الأخيرة من حياة أبي حاتم بن حِبَّانَ البُسْتِيِّ، وهذه الفترةُ من أعصب الفترات العلمية التي تراجعت فيها الحياةُ العلميَّةُ، وكان لها أثرٌ عظيم على الأجيال القادمة كالحاكم النَّيْسَابورِيِّ وتلميذِه البَيْهقِيِّ. فما أعجب أن يتحمَّل الدَّارَقُطْنِيُّ كتُبَ أبي حاتمٍ البُسْتِيِّ إجازة مُكاتَبةً، وما أغرب ثناء الحاكم النيسابوري على عندنا وتلميذُه البيهقي الذي رحل إلى المشرق رحلةً موسَّعةً، واستقرَّ في مكَّةَ سنواتٍ طويلةً إبَّان المِحْنَة التي حلَّت بالأشاعرة في نيسابورَ - ومكَّة ملتقى المحدِّثين مِن المشرِق والمغرِب - لم يجد شيخًا يتَّصلُ سماعُه بـ عِقْد الكتُب الستَّةِ! والمتابِعُ لاختفاء الأصولِ بعد وفاةِ ابن حِبَّان؛ يشعُر أن كارثةً كبيرةً حلَّت بالبلاد الإسلامية، واستولى عليها أهلُ الفسادِ، كما يُفْهَم السِّجْزِيِّ التي أرسلها إلى الخطيبِ البغدادي، وساقها الخطيبُ في خاتمة لأخلاق الراوي وعقَّب الخطيبُ بقوله عندكم ومقدورٌ عليها ببلادِكم؟ فقال: لا، إنما يوجد منها الشيءُ اليسيرُ والنَّزْرُ الحَقير. قال: وقد كان أبو حاتم بن حِبَّان سَبَّل كتُبَه ووقَفَها وجمعَها في دارٍ رَسَمها بها فكان السببُ
عدد الصفحات ٤٧٨476 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة في ذهابها مع تطاول الزمان ضعفَ أمرِ السلطانِ واستيلاء ذوي العَبَثِ والفسادِ على أهل تلك البلادِ... ومثلُ هذه الكتبِ الجليلةِ كان يجب أن يكثُر بها النَّسْخُ، ويتنافَسَ فيها أهلُ العلمِ ويكتبوها لأنفسهم، ويخلِّدوها أحرازَهم، ولا أحسب المانع من ذلك إلا قلةَ معرفةِ أهل تلك البلاد لمحلِّ العلم وفضله، وزهدَهم فيه، ورغبتَهم عنه، وعدمَ بصيرتهم به. والله أعلم أما كتُبُ عليِّ بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبُها ولسانُ طائفة الحديث وخطيبُها، فيقول عنها الخطيب البغدادي على شيء منها إلا على أربعة أو خمسة حسبُ، ولعَمْري إن في انقراضِها ذَهابَ علومٍ جمَّةٍ وانقطاعَ فوائدَ ضخمةٍ ثم بعد ذلك يتجدَّد الأمرُ بنهاية حياة الخطيب البغدادي، ولمعرفة المأساة الحقيقة راجع »…دِمشْقَ من الكتُبِ مِنْ رِوَايَتِه لتقف على الكتب التي ورَدَ بها الخطيب دِمَشْقَ وفُقِدَت عبر العصور. ثم بنهاية عصرِ الأمير أبي نصر بن ماكولا تلميذِ الخطيبِ البغداديِّ الذي وقعَتْ ل ه نسختان من إحداهم ا عتيقة عارَض بها مُسَبِّح بن سعيد الوراق، وكتب خطه بالمعارضة بها في صفر سنة ثم انين وم ائتين. ووقعت له نسخة من -وخطُّه حجة في النقل- وخطوط أبي عبد الله الصّوري، وغيره. ثم بنهاية عصر أبي بكر بن نُقْطةَ البغدادي والذي وقف على الأمات بخطوط الحُفَّاظ مثل: أبي نُعَيْمٍ الأصبَهاني، ومُؤْتَمن بن أحمد الساجِيِّ، ومحمد بن طاهرٍ المقدسيِّ، وعبد الله بن أحمدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وأبي الفضل محمد بن ناصِرٍ السَّلاَمِيِّ، وأبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفِي، وأبي العلاءِ الحسنِ بن أحمدَ العطَّار الهمَذاني، وأبي محمد عبدِ الله بن
عدد الصفحات ٤٧٩477 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة أحمد بن الخشَّاب النحويِّ، وأبي القاسمِ عليِّ بن الحسن بن عساكر الدِّمَشْقِيِّ، وأبي موسى محمد بن عُمر الأصبهاني، وأبي سعد عبدِ الكريمِ بن محمد السَّمْعانيِّ، وأبي عامر محمد بن سعدون العبدَرِيِّ. ثم بنهاية عصر ابن دِحيةَ الكلبيِّ وكان ابنُ دِحيةَ لديه أصلُ الحافظ الطبراني من « الضياء المقدسي في رحلته إلى أصبهانَ وقَفَ على أصل ابن فادشاه، كتب بعضهم عليه أنه اشتراه من تركة ابن الجميل يعني ابن دِحْيَة الكلبيِّ. وعنده أصل حافظ المغرب أبي عمر بن عبد البر من « المِصرية من ثم بالنكبة التي حصلت بمدرسة الحديث الضِّيائية بصالحية دمشق؛ فحدَّث الجَمَال ابن عبد الهادي إنه كان فيها خطُ الأئمة الأربعة، ويقال أيضًا: كان فيها الإنجيل، وكانت مضبوطة الحال أيام خزنتها بني المحب أصبح ضريرًا بأَخِرَةٍ. وذكر اليونيني في إلى مدرسة ضياء الدين المقدسي، وكان فيها جماعتُها فرَمَوْهم بالحِجارة، ثم رَدُّوهم عن أنفسهم، ثم إنهم عَجَزوا فخرجوا فدخلوها ونَهَبوها، وكسروا خِزانةَ الكتب وبذروا بعضها. وبعد أن ذكَر حادثة غزو قازان لدمشقَ والجبلِ، وما فعلوه بالعمرية والضيائية، قال: وبيعت كتبُ المسلمين بدِمشق، ولم يتورَّع الناسُ من شرائها، بل كانوا يتزايدون فيها، مع علمهم أنها وَقْفٌ، أو أنها ملْكُ الغَيْرِ، فكان الرجلُ إذا مرَّ بسوق الكتبِ وجد كتب الحافظِ عبد الغنيِّ، وكتُبَ الحافظِ ضياء الدين، والأوقاف التي كانت في مدرسته... وما حدَّث به ابنُ طولون عن انفراط عِقْدِ المكتبة عندما صارت إلى القاضي ابنِ زُرَيْقٍ،
عدد الصفحات ٤٨٠478 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة وطمع الناس فيها، ثم لما جاء تيمور لنك وذهب زاد انفراط حالِها، ثم جاء ابنُ حَجَر فأخذ منها أحمالاً، ثم الشمس ابنُ ناصر الدين، ثم الحافظُ القطبُ الخَيضِريُّ... ثم بنهاية حياة الحافظ علاء الدين مُغْلطاي الذي اجتمع لديه من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر، ولن أطيلَ بذكرها. ثم بنهاية حياة ابن ناصر الدين الدِّمَشْقِيِّ الذي كان يمتلكُ نسخةً من ماكولاَ بخط المحدِّث يحيى بن مَسْلَمة أحدِ أصحابِ ابن ناصر السَّلاَمِيِّ، وأخرى هي التي كانت عند الحافظِ الذَّهَبِيِّ وتصفَّحَها ثلاث مرات. ونسخةً من أحمد بن ممجة، سمعها أبو سعدٍ من مؤلِفه، وقُرِئ على أبي سعدٍ المذكور، وأبي عليٍّ الحدادِ، وابنه أبي نعيم عُبيد الله بن الحداد، وأبي بكر الباطرقاني وغيرهم. ونسخةَ ونسخةَ أبي بكر محمد بن أبي نصر اللَّفْتُواني الأصبهانيِّ وعليه خطه. ونسخةَ وقُرِئت كلها في سنة ثمان وسبعين وقَبْلَها على أبي بكرٍ محمدِ بن حَمٍّ كلاهما عن الفَرَبْرِيِّ. ثم بنهاية عصر خاتمة الحفُّاظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيِّ والاستيلاء على خزانة كتب المدرسة المَحْمُودية بالقاهرة، وكان لا يُعرَف بديار مِصرَ ولا الشامِ مثلُها، وكان بهذه الخزانةِ كتُبُ الإسلام من كل فَنٍّ، وكانت من أحسن مدارس مصر. وكان تعدادُها أربعةَ آلاف مجلدةً من أنفَسِ الكتب، جمعها القاضي برهان الدين ابن جماعة طُولَ عمُرِه، فقد كان مُغْرَمًا باقتناء الكُتُبِ النفيسة بخطوط مصنفيها وغيرهم مما لم يتهيَّأْ لغيره، ولما مات اشتراها الأميرُ محمودٌ من تركة ولده ووقفها، وشرط أن لا يخرج منها شيء من المدرسة. ولنفاسة كُتُبِها، رَغِبَ الحافظُ ابن حجر في مباشرتها بنفسه، وعمل لها فهرستًا على
عدد الصفحات ٤٨١479 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الحروف في أسماء التصانيف ونحوها، وآخر على الفنون. ورُغم كونِ السطو على تراثِ القاهرةِ كان في سنة الكتبَ النفيسة التي في المدرسةِ المحموديَّةِ والمُؤَيَّدِيَّة والصُّرْغَتمشية، وغير ذلك من المدارس التي فيها الكتب النفيسة، وحملها إلى مملكته بالقُسْطَنْطِينية إلا أن القاهرة حتى سنة فهذا أحمدُ بن العجمي الوَفَائي العلمية بالقاهرة لا سيما الأزهر لا سيما ازدهار علم الحديث في هذه الفترة مكتبتُه يوجد العديد منها في تركيا كـ نسخة البُوصيري بجار اللهِ، وبقيَّتُها بالمكتبة الأزهرية، وبعض أجزاء جار الله بخط المصنف لم تُعتَمدْ بالمطبوع، والمعتمد أجزاء من نسخة مختصرة غير مسندة، و الشَّذِيّ و الهوامِشِ وظهور الأوراق، منها: نُقُولٌ عن نسخة من وعن ونَقْلٌ محرر من الشرح المطوَّل لـ أقسامِ الحديثِ الصحيحِ، ويشتمل على رأي ابنِ ناصرِ الدين في تساهل الحاكم في التصحيح بـ وعن عساكر وضُبوطٌ عن نسخةٍ صحيحةٍ من ونَقْلٌ لرسالة السيوطي وهي رسالةٌ ماتعة في توجيه كلام ابنِ الصلاحِ بأن بابَ التصحيحِ انسدَّ في هذه الأزمان
عدد الصفحات ٤٨٢480 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة وهي مِنْ آخِرِ ما كتبه السيوطي قبل مرض وفاته بقليل. وهذا العلامة يحيى بن أبي السُّعُودِ بن يحيى الشهاوي المصري الحنفي الفقيه المفيد (ت كان من أكابرِ علماءِ الحنفية فى زمانه خصوصًا فى معرفة الكتُبِ وسَعَةِ الاطِّلاعِ. وكانت تُعْرَض عليه كتبٌ مُنْخَرِمةُ الأوائل لا يعرفها أحد من أقرانه، فبمجرد وقوفه عليها يعرفها بسرعةٍ مِنْ غَيْرِ تردُّدٍ ولا نَظَرٍ. ومما راق لي من تَمَلُّكات هذا العلامة نسخةٌ محفوظةٌ في المكتبة السُّلَيْمانِيَّة من « الشيخ الصالح الدين، أستاذُ الكُتَّاب ورأسُهم ورئيسُهم ومرجُعهم أبو الفَضْل الأعرجُ القاهِرِيُّ الشافِعِيُّ، أحدُ أعيانِ الكُتَّاب والكَتَبَةِ من بالقاهرة، وكان قد جمع من المصاحف المعتمدة، رسمًا وكتابةً وتحريرًا، ومن تحف الأدبيات والنفائس، ومن آلات الكتابة شيئًا كثيرًا، غالبها من كَسْبِه في الكتب وكتابَةِ يَدِه. ومما يدعم رواية أن الشاه سليم العُثْماني قد حمل ثلاثةَ سُفُنٍ من مكتبة الأزهر، غَرِقت إحداها أمام شواطئ الإسكندريةِ، ووصلت الأُخْرَيان مملوءتَيْن بالمخطوطات إلى تركيا: وجودُ الكثيرِ من مجموعة علي الأبشادي المالكيِّ الذي أوقف مكتبته في نهايةِ عصرِ المماليك على رِواقِ الريافة بالجامعِ الأزهرِ، فهذه نسخةُ النُّوَيْري من محفوظةٌ في كوبريلي، وهذه النُّسخةُ هي عمدةُ السَّماع بالقاهرةِ. ومن المخطوطات التي وقفها الأبشادي على رواق الريافة ووجدت في تركيا المرضية مسيح باشا. بل وقفت في مكتبات بلاد فارسَ على مَخطوطات عليها تَمَلُّكُ الأبشادي، وكذا في مجموعةِ الأمير زَيْدان التي نَهَبَها القراصنةُ الأسبان. ثم عصر المؤرِّخ الجَبَرتي، ففي أثناء تعدادِ الجَبرتي للكثير من أسماءِ الكتبِ المُصَنَّفة
عدد الصفحات ٤٨٣481 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة في التواريخ أثناء خطبة نَرَ من ذلك كله إلا بعضَ أجزاءٍ مُدشَّتة بقيت ببعض خزائن كتب الأوقاف بالمدارس مما تداولته أيدي الصحافين، وباعها القَوَمة والمباشرين، ونُقِلَت إلى بلاد المغرب والسودان، ثم ذَهَبت بقايا البقايا في الفتن والحروب، وأخذ الفرنسيس ما وجدوه إلى بلادهم وذكر من الكتب المؤلفة في التاريخ كتاب البدر العيني الذي يقع في ستين جزءًا، وأنه وقف على أجزاء منه بخط مؤلفه. قلت: ونسخة التاريخ التي كانت بخط العيني وُجِدَت في وقفية الأبشادي المالكي الذي أوقف كتبه على رواق الريافة بالجامعِ الأزهرِ وفي الوقفية النص على عدة مجلدات بخط مؤلفه البدر العيني. وقد تتبعتُ هذه النسخة فوقفت على أكثر من خمسة عشر جزءًا منها بخط العيني غالبها يحتَفِظ بها متحف أحمد الثالث بإسطنبول، وبعضها في مكتبة سليم آغا. ومجموعة مراكش التي تعود للأمير زَيْدان تؤيد رواية الجَبَرْتي بأن بعض مخطوطات القاهرة نُقِلَت للمغربِ، فالكثير من المجموعة مخطوطاتٌ تعود لمجموعات القاهرة. وأذكر طَرَفًا ليعلم ذلك، وليستدل به على باقيه: « الكتب، وهم: الزَّيْنُ العِرَاقي والنسخة مطرزة بتعليقاته، ولعله استفاد منها في الذي صنفه على هذه وبها الذَّهَبِيِّ ومِنْ وَقْفِ خِزانةِ كتُب المدرسةِ المحمودِيَّةِ بالقاهرةِ التي لم يكن لها مَثيلٌ في كافَّةِ البلدانِ الإسلاميَّةِ، ويدل على ذلك أن سائرَ كتب الذهبي عليها وَقْفِيَّة الإستادار. و قُرِئَت على القاسم ابنِ الحافظِ ابنِ عساكر، وعليها تملُّك علي الأبشادي المالكي. و
عدد الصفحات ٤٨٤482 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة و شيخه الحافظ ابن حجر. و و و و الزَّيْنِ العِراقِيِّ. و و النَّجْمِ الغَيْطي؛ وقد آلت معظم مصنفات ابن حجر للغَيْطِي. و مجلدةٌ ضخمة مِنْ عليها خطُّ العِراقي، وحافلة بقيود مجالس السماع في القلعة بالقاهرة. وأخيرًا: أفاد الرَّحَّالةُ المصري إبراهيم عيسى في خليل المقدسي قصد بلاد الرُّوملي فلم يجد فيها شيئًا، وبعد البحث والتدقيق وجد أن خزائنها تشتَّتَتْ وتبددت؛ لأنه كان تردد عليها من قبلُ وزارها خمس مرات.. وأما ما رآه في بلاد الأناضول: مكتبتان في قُونِيَة، وهما: مكتبة جلالِ الدين الرومي، ومكتبة ابن قَرَمَان؛ فيهما كتب نادرة الوجود. وثالثُ مكتبة فيها تُسمَّى: مكتبة يوسف بك، وهي كخزائن الملوك الكبرى في الآستانة، والرابعة: مكتبة الصَّدْر القُونويِّ، وفيها كتبُ الشيخ ابن عربي التي كانت ملكا له وعليها خَطُّه.. ولهذا الأمر ذهب إلى قُونيا مَرَّتين. والكثيرُ من المخطوطات الخاصة بتركيا فُقِدَت وتفرقت، ولعل ذلك بعد سقوط
عدد الصفحات ٤٨٥483 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة دولتهم، أو لأنها كانت بيد أناس لا يقيمون للعلم وزنًا على حد تعبير السيد عيسى، أو الخليل المقدسي. وقد وقفتُ في مكتبة دبلن على العديد من هذه المفقودات كشهيد علي، وآيا صُوفْيَا، وبايزيد والكثير جدًّا من المخطوطات التي عليها تملُّك أبي بكرِ بن رُسْتُم الشَّرْوَاني أحدُ رجالاتِ الدولة العثمانية فيما قاله صاحِبُ هذا والله أعلم. * * *
عدد الصفحات ٤٨٦484 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة المعاني التربوية في الإجازة العلمية العراقية أ. د. عبد الحكيم بن محمد الأنيس تحتوي الإجازاتُ العلميةُ التي كانت تُمنَحُ للطلاب بعد فراغهم من دراسة المنهج العلمي المُقرَّر على معانٍ تربويةٍ رائعةٍ تكشفُ حرصَ العلماء المدرِّسين على رُقي حال طلابهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، وهي بهذا تتميزُ عن الشهادات التي تمنحها الجامعاتُ اليوم، إذ هي تخلو من هذه المعاني تمامًا. ومن المفيد جدًّا أن أعرضَ فقرات مِنْ إجازة شيخ شيخنا السيد داود التكريتي (المتوفى سنة 1413 * * * - يذكُرُ الشيخُ المجيزُ المجازَ أولاً أنه لازمه وقرأ عليه، ثم يقول « آباءِ التعليم، فعاهدتُهُ على التوبةِ الخالصةِ. وعلى دوامِ ذكرهِ تعالى بظاهرهِ وباطنهِ، وسرِّهِ وعلنهِ. وعلى القيامِ بقواعدِ الإسلامِ الخمسِ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت إن استطاعَ إليه سبيلاً. وأنْ يُبالِغَ بالقيامِ بحقوقِ المسلمين، سيما جارُه، وقريبُه. وأنْ يكونَ من الأخلاقِ الكريمةِ في المحلِّ الأعلى، ومن الأفعالِ الحميدةِ بالمكانِ
عدد الصفحات ٤٨٧