مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -13- المقدمة الحمد لله ذي الفضل والإنعام والعزة التي لا ترام والقوة التي لا تضام، الموجد لخلقو من العدم التفضل على من شاء منهم بوافر النعم، وأشهد أن لا إلو إلا الله وحده لا شريك لو عدد ما خفق الجنان ونطق اللسان وأشرق القمران، والصلبة والسلبم على قدوة الأنام وأفضل من عبد ربو واستقام، وعلى آلو وصحبة النجباء الكرام وعلى من سار على نهجهم واستقام، وبعد: فإن تفسير كلبم الله تعالى من أجل العلوم قدراً وأعلبىا منزلاً وأرفعها مكاناً، وما ذلك إلا لشرف موضوعو الذي ىو كلبم الله تعالى أشرف الكلبم وأصدقو، ولسمو غايتو والغرض منو، فالناس جميعاً على مر العصور والأزمان بحاجة ماسة إلى ىذا العلم الذي يضيء للؤمة طريقها ويعالج مشاكلها ويمهد لكمالها العاجل والآجل، سبب اختيار الموضوع : رغبت في الكتابة عن ىذا الموضوع لأن في ىذا العمل خدمة لكتاب الله تعالى وتجلية لمعنى آية كريمة من آيات ىذا الكتاب العزيز، وإزالة للبس عن فهمها، وذلك أن ىذه الآية الكريمة: ﴿ ﴾(1) قد أخطأ فهمها الكثير من الناس فحملوىا ما لا تحمل وتعدوا بمعناىا خلبف ما ىو عليو، فاستدلوا بها على أمور لا دلالة عليها من الآية - حسبما يظهر لي - و من ذلك مسألة التقريب بين الأديان والتهوين من مسألة الكفر بوجو عام، فربما فهم البعض من ىذه الآية وما جاء (1 )البقرة (256)
عدد الصفحات ١اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 14- في معناىا من الآيات التي فيها بيان شيء من حكمتو تعالى وقضائو في إضلبل من شاء من عباده عدلاً كقولو تعالى: ﴿ ﴾(1) وكقولو ﴿ ﴾(2) .وما جاء في ىذا المعنى من الآيات الكريمة، فربما أخذ البعض من ظواىر ىذه الآيات دليلبً على التقاعس عن دعوة الناس إلى الدين الحق بحجة أنو يجوز إقرار الناس على معتقداتهم، أو لأنو قد قام الدليل على عدم جدوى دعوة بعضهم لأن الله تعالى كتب عليهم الشقاء، فلم إذاً تبذل الجهود وتسخّر الطاقات بلب جدوى!!، وربما ىون البعض لأجل ىذا الفهم الخاطئ من شأن الردة، طالما اعتقد خطأً أن مسألة الإيمان والكفر مبناىما على الاختيار، وأن الناس قد فوّض إليهم الأمر في ىذه المسألة اعتماداً على ظواىر بعض الآيات الكريمة كقولو تعالى: ﴿ ﴾(3)وما إلى ذلك مما آل إلى تمييع العقيدة. ىذا ومن المعلوم أيضاً أن من توسع في الحرية بلب ضوابط قد اعتمد كذلك على ظواىر بعض الآيات ومنها ىذه الآية، دونما بيان لضوابط الحرية وبيان أن الخيرة التامة إنما ىي لله تعالى: ﴿ (1 )البقرة (6) (2 )يونس( 96/97) (3 )الكهف( 29)
عدد الصفحات ٢مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -15- ﴾(1) وقال تعالى ﴿والله ﴾"(2) وكقولو تعالى وتقدّس: ﴿ ﴾(3) وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن الله تعالى ىو الأعلم والأحكم، وأن الحرية بلب ضوابط شرعية تقود إلى البهيمية، وأنها سبيل إلى الانفلبت من الضوابط والقيود الشرعية. لهذا أحببت أن أوجز ما جاء عن أىل العلم في معنى ىذه الآية الكريمة، وأبرز المعنى الصحيح لمعناىا بحسب المستطاع بإذن الله، والله تعالى أسال العون التوفيق والسداد، خطة البحث: يتكوّن البحث من مقدمة وثلبثة مباحث وخاتمة. المقدمة: وقد بينت فيها أىمية الموضوع، وسبب اختياره وبيان خطة البحث ومنهجي في كتابة البحث . المبحث الأول: عرض موجز للتفسير التحليلي للآية الكريمة، وتحتو مطبان. المطلب الأول: آراء المفسرين في توجيو: ﴿لا إكراه في الدين﴾ من حيث إفادة الإخبار أو النهي. المطلب الثاني: شرح مفردات الآية الكريمة. (1 )القصص(68) (2 )النور(19) (3 )الأحزاب 36
عدد الصفحات ٣اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 16- المبحث الثاني: دراسة أقوال المفسرين في من عناىم الله تعالى بقولو: ﴿لا إكراه في الدين﴾ مع بيان الراجح من الأقوال، وتحتو تمهيد وثلبثة مطالب. التمهيد: ما ورد عن المفسرين في معنى الآية من حيث الجملة، وىل المعني بها خاص أو عام. المطلب الأول: القائلون بأن الآية محكمة. المطلب الثاني: القائلون بأن الآية منسوخة. المطلب الثالث: المناقشة وبيان الراجح. المبحث الثالث: المستدلون بالآية على التفويض والرد عليهم. وتحتو تمهيد ومطلبان. التمهيد: دين الإسلبم ىو خاتمة الشرائع السابقة ولا يقبل دين سواه، المطلب الأول: القائلون بالتفويض ودليلهم. المطلب الثاني: أقوال المحققين في الرد على القائلين بالتفويض. الخاتمة: وتضمنت أىم نتائج البحث. منهجي في كتابة البحث : - جعلت الآية الكريمة في بداية الصفحة بين قوسين مزىرين مكتوبة بالرسم العثماني، - توثيق الأقوال الواردة عن المفسرين بالرجوع إلى كتب التفاسير المعتمدة، - عزو الآيات إلى سورىا بذكر اسم السورة ورقم الآية، - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرىا المعتبرة، باختصار، - التعريف بالمفردات اللغوية والغريب بالرجوع إلى الكتب المختصة، - أحياناً أورد في الهامش خلبصة للؤقوال في بعض المسائل زيادة في
عدد الصفحات ٤مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -17- الإيضاح وكرىاً للئطالة، - تذييل البحث بفهارس علمية تقرّب محتواه، مع إيراد ما يقتضيو مقام الإيضاح بحسب الحاجة.
عدد الصفحات ٥اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 18- المبحث الأول: عرض موجز للتفسير التحليلي للآية الكريمة قال تعالى :﴿ ﴾(1) وتحتو مطلبان: المطلب الأول: توجيو الأقوال في معنى: ﴿ ﴾ من حيث إفادة الإخبار أو النهي ذىب بعض المفسرين إلى أن قولو تعالى: ﴿ ﴾ خبر في اللفظ والمعنى، أي خبر محض، وأن "لا" في الآية الكريمة نافية، أي لا يتصور أن يكون في الدين إكراىاً، لأنو بين واضح جلي دلائلو وبراىينو واضحة معالمو، وىذا ما عليو أكثر المفسرين، قالوا: والمراد بالدين ىنا المعتقد والملة فليس في ذلك إكراه، (2)، قال الإمام ابن كثير رحمو ا : من ىداه الله للئسلبم وشرح صدره ونوّر بصيرتو دخل في الدين على بينة ومن أعمى الله قلبو وختم على سمعو وبصره فإنو لا يفيده الدخول فيو مكرىاً مقسوراً (3) . وقال الألوسي: قولو تعالى ﴿ ﴾ جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للئيذان بأنو لا يتصور الإكراه في الدين لأنو في الحقيقة (1 )البقرة (256) (2 )وىو مال إليو ابن عطية كما في ا﵀رر الوجيز 2/280، ونقل ابن عرفة عنو ولم أجده النسخة التي بتُ يدي قال: والظاىر عندي أنها على ظاىرىا ويكون خبراً في اللفظ والمعتٌ ويكون المراد : إنو ليس في الاعتقاد إكراه، وىو أولى من قول من جعلها خبراً في معتٌ النهي و انظر تفستَ ابن عرفة عند ىذه الآية، (3 )انظر تفستَ ابن كثتَ ص /207
عدد الصفحات ٦مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -19- إلزام الغير فعلبً لا يرى فيو خيراً يحملو عليو، والدين خير كلو، والجملة على ىذا خبر باعتبار الحقيقة ونفس الأمر، وأما ما يظهر بخلبفه فليس إكراىاً حقيقاً، وجوزوا أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرىوا في الدين وتجبروا عليو أحداً (1)، وقال السعدي رحمو ا : يخبر تعالى أن لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليو، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفي غامض، أما ىذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلبمو للعقول(2)، وىذا الرأي ىو ما بدأ بو جلة المفسرين(3) . (1 )تفستَ الألوسي2/13. (2 )انظر تفستَ السعدي1/316. (3 )انظر تفستَ البغوي1/314 وتفستَ البيضاوي1/135، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود عند ىذه الآية، وغتَىم. وبعد أن ذكره ابن كثتَ ص 207 شرع رحمو ا﵁ بعد ذلك في إيراد أقوال المفسرين فيمن عناىم ا﵁ بأنهم لا يكرىون، وىذا الذي قالو ابن كثتَ رحمو ا﵁ تعالى وغتَه من المفسرين يؤول إلى أنو ليس لأحد أن يكره أحداً على قبول الدين والإيمان بو بقناعة قلبيو، بل الذي يقدر على قذف الأيمان في قلوب العباد ىو رب العباد سبحانو وتعالى، والأدلة على ىذا كثتَة معلومة قال تعالى ﴿ ﴾(3)، وقد ورد في الحديث الشريف قولو " :ما من نبي إلا وقد أوتي من البينات ماثلو آمن عليو البشر" متفق عليو، إذا قد ظهر الحق جلياً لمن كان مريداً للحق وأراد ا﵁ بو ختَا، أما من كان معانداً فإن ىذا البيان لم يزده إلا بعداً كما قال تعالى: ﴿ ﴾ يونس ( 96/97) إذاً لا يتصور مع وضوح شرائع الإسلام إكراه أحد، لكن ىذا الوضوح وىذا البيان الساطع لا يخوّل لمن رفض القبول لهذا الدين إن يقر على حالو وأن يتًك على ما ىو عليو ما لم يظهر الرضا الكامل والإذعان لشرائع الإسلام ظاىراً، فمعلوم أن المخالفتُ على قسمتُ منهم من لو كتاب أو شبة كتاب كأىل الكتاب ومن في =
عدد الصفحات ٧اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 20- بينما: يرى البعض الآخر من المفسرين أن ىذه الآية خبر في معنى النهي، وحينئذ تكون "لا" في قولو تعالى: ﴿ ﴾ ناىية، وىو ما مال إليو الإمام الطبري رحمو الله قال : قولو تعالى: ﴿ ﴾ معناه: لا يكره أحد في دين الإسلبم عليو وإنما دخلت الألف واللبم في "الدين" تعريفاً للدين الذي عنى الله تعالى بقولو ﴿ ﴾ وأنو ىو دين الإسلبم، وقد يحتمل أن يكون أدخلتا أي الألف واللبم عقيباً من الهاء المنوية في الدين، فيكون المعنى:.. وىو العلي العظيم لإكراه في دينو.. وىو الأشبو.(1) المطلب الثاني: شر ح مفردات الآية الكريمة بإيجاز قولو تعالى ﴿ ﴾" ىذا مما أيد بو البعض الرأي الأول، أي قد وضح الحق من الباطل(2)(3) . = حكمهم فهؤلاء يقرون على حالهم لكن مع دفع الجزية والنّزول عند حكم الإسلام، أما غتَىم فلا يقبل منو إلا الإسلام أو السيف، فهم يلتزمون بأحكام الإسلام ويقبلونو مرغمتُ لكن ىذا لا يعتٍ قسرىم على القناعة القلبية بو كما تقدم، وكما قال بعض السلف : فأنت تملك أن تدخل الحصان الماء ولكن لا تملك أن تجبره على الشرب منو، إذا ليس فيما نقلتو لك عن ابن كثتَ وغتَه من المفسرين تأييداً لقول من يقول بالتفويض كما سيأتي. (1 )انظر تفستَ الطبري18/3 ( وىو ما لم يذكر غتَه السمرقندي، وىو كذلك في الجلالتُ، وىو ما اكتفى بو مقاتل وابن عجيبة وصاحب المنتخب وصاحب الوجيز وغتَىم وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة لأنها محور البحث ) (2 )وىو ما قالو النيسابوري . (3 )قال الراغب : الغيّ جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غتَ معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد وىذا النحو الثاني يقال لو غي (369)
عدد الصفحات ٨مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -21- قولو تعالى ﴿ ﴾ قال الإمام ابن كثير : أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدع و إليو الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ووحّد الله وشهد أن لا إلو إلا ىو ﴿ ﴾(1)(2) قال الطبري" العروة في ىذا المكان: مثل للئيمان الذي اعتصم بو المؤمن(3) وقال ابن كثير : معنى "فقد استمسك بالعروة الوثقى" أي فقد ثبت في أمره (1 )انظر تفستَ ابن كث ( 207.) (2 )قال في الصحاح(طغا): طغا يطغي ويطغو: أي جاوز الحد، وقال أبو حيان رحمو ا﵁ : بناء الطاغوت بناء مبالغة، من طغى يطغي وحكى الطبري يطغو، إذا جاوز الحد بزيادة عليو، ووزنو الأصلي: فعلوت، فجعلت اللام مكان العتُ، والعتُ مكان اللام "طوغوت " ثم تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فصار "طاغوت "، وقال الراغب " طغى": والطاغوت عبارة عن كل متعبد وكل معبود من دون ا﵁ ويستعمل في الواحد وفي الجمع، وقال ابن القيم رحمو ا﵁ تعالى : معتٌ الطاغوت: كل ما تجاوز بو العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، والطواغيت كثتَون ورؤوسهم خمسة : إبليس لعنو ا﵁ ومن عبد من دون ا﵁ وىو راض، ومن دعا الناس لعبادة نفسو ومن حكم بغتَ ما أنزل ا﵁ .، انظره في ىامش تفستَ القرطبي2/240، قلت: وجملة ما ورد عن المفسرين في المراد بالطاغوت في الآية : أنو الشيطان، قالو عمر رضي ا﵁ عنو و مجاىد والضحاك وقتادة والسدي رحمهم ا﵁، وقال أبو العالية: ىو الساحر، وقال ابن جبتَ ىو الكاىن، انظر الأقوال مسندة في تفستَ الطبري 3/18- 19، قال ابن كث 207 مرجحاً الأول: وتفستَ الطاغوت بالشيطان قوي جداً فإنو يشمل كل شر كان عليو أىل الجاىلية من عبادة الأوثان والتحاكم أليها والاستنصار بها. (3 )تفستَ الطبري3/20 وقال الراغب ص 332 (عرى ) والعروة ما يتعلق بو.
عدد الصفحات ٩اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 22- واستقام على الطريقة المثلى"لانفصام لها "(1) قال الطبري: أي لا انكسار لها، أي للعروة، أي فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامو خذلانو إياه، كالمستمسك بالوثيق من عرى الأشياء، التي لا يخشى انكسار عراىا (2)، وقال ابن كثير : معناه فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبو ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، (3)" والله سميع عليم" أي سميع لأقوال عباده عليم بما أخفتو كل نفس لا ينكتم عليو سر، ولا يخفى عليو أمر (4)، (1 )تفستَ ابن كثتَ ص 207 (2 )تفستَ الطبري3/20 (3 )تفستَ ابن كث 207 وقد ذكر رحمو ا﵁ تعالى جملة ما ورد عن المفسرين في مع "العروة الوثقى" فمنهم من قال المراد بها الإسلام، ومنهم من قال : الإيمان، ومنهم من قال: شهادة أن لإلو إلا ا﵁، وقيل القرآن وقيل الحب في ا﵁ والبغض في ا﵁، قال ابن كثتَ رحمو ا﵁ مذيلاً : وكل ىذه الأقوال صحيحة، ، وقال الجوىري "فصم" فصم الشيء كسره من غتَ أن يبتُ، تقول فصمو من باب: ضرب فانفصم، والانفصام الانكسار . (4 )انظر تفستَ الطبري3/21
عدد الصفحات ١٠مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -23- المبحث الثاني: دراسة أقوال المفسرين في معنى ﴿ ﴾ مع بيان الراجح من الأقوال وتحتو تمهيد وثلبثة مطالب، التمهيد: ما ورد عن المفسرين في معنى الآية وبيان من عناه الله في الآية بأنه لا يكره من حيث الجملة: لخص المتأخرون جملة ما ورد عن المفسرين في ىذه الآية، وقد بينوا أن ما ورد عنهم في الجملة يؤول إلى قولين، منهم من يرى العموم، أي من أخبر الله تعالى أنو لا يكره في الدين يعم أىل الكتاب وغيرىم، أي لا يكره أحد على الدخول في الإسلبم مطلقاً، والآية حينئذ منسوخة بآيات القتال، ومنهم من يرى الخصوص، أي أن من ذكر الله تعالى أنو لا يكره في الدين يراد بو أىل الكتاب ومن في حكمهم إذا قبلوا الجزية، أما من لم يكن لو كتاب أو شبة كتاب فلب يقبل منو إلا الإسلبم أو السيف(1) والآية حينئذ محكمة، وعند تدقيق النظر يتبين أن الخلبف أشبو ما يكون لفظياً لأن المؤدى واحد، لكن الخلبف وقع فيمن يدخل تحت عموم الآية ومن لا يدخل، وأيضا تداخل التخصيص مع النسخ. المطلب الأول: القائلون بأن الآية محكمة أكثر المفسرين يرون أن ىذه الآية محكمة وىو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال بو قتادة وابن جبير والسدي ومجاىد والشعبي وابن زيد والحسن في رواية والضحاك وعطاء رحمهم الله وىو ما نصره الطبري رحمو الله تعالى، وقالوا إن ىذه أنزلت في خاص، ولا مانع من إجرائها عل العموم في كل (1 )انظر تفستَ الشوكا 1/349 وتفستَ الآلوسي2/13
عدد الصفحات ١١اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 24- مانتظمتو، والأكثر على أنها نزلت في الأنصار أو في خاص منهم، كان لهم أولاد قد ىودوىم أو نصروىم فلماء جاء الإسلبم أرادوا إكراىهم عليو فنهاىم الله عن ذلك حتى يكونوا ىم الذين يختارون دين الإسلبم، وبو يقول ابن عباس: قال: كانت المرأة تكون مقلبة (1) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فنزلت(2)، وبناءاً على ىذا القول فالآية كما تقدم محكمة غير منسوخة، إذاً فهي من العام المخصوص، فالذين عناىم الله تعالى بأنهم لا يكرىون ىم أىل الكتاب والمجوس وكل من جاز إقراره على دينو المخالف لدين الحق وأخذ الجزية منو، وقد جزم بهذا الإمام الطبري رحمو الله تعالى، إذ يقول في معرض رده للقول بالنسخ قال: ما كان ظاىره العموم من الأمر والنهي وباطنو الخصوص فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، فلب يعتب ر ناسخاً إلا ما رفع حكم المنسوخ بالكلية، إذ يمكن أن يقال : لا إكراه في الدين لأحد ممن أخذت منو الجزية، وكان المسلمون جميعاً قد نقلوا عن نبيهم أنو أكره على الإسلبم قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلبم وحكم بقتلهم إن امتنعوا منو وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد ومن في حكمهم، وأنو قد ترك إكراه آخرين (1 )المقلات بكسر الميم، مشقة من القلت، وىو الهلاك وعليو فالتاء فيو أصلية، وليست ىاء التأنيث، وورد: مقلى كما ىو في رواية عند الطبري عن ابن عباس فتكون مقلاة : مفعلة من قلى إذا أبغض، انظر ىامش تفستَ الطبري 3/13 (2 )انظر تفستَ الطبري3/13 وتفستَ القرط3/182، وذكره الو احد ي ص58وجملة من الروايات المتقاربة ع ن مفسري السلف، قال النحاس مؤيداً لهذا القول: وىذا أولى الأقوال، يشتَ إلى قول ابن عباس المتقدم في سبب النزول، لصحة الإسناد ومثلو لا يؤخذ بالرأ ي، فلما أخبر: أن الآية نزلت في كذا وجب أن يكون أقوى الأقوال ..، كما في الناسخ والمنسوخ لو ص 80
عدد الصفحات ١٢مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -25- على الإسلبم بقبول الجزية منهم وذلك كأىل الكتابين ومن أشبههم .(1) إذاً يرى ىؤلاء أن المعنى: لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منو ورضي بحكم الإسلبم، ويرون أن نزول الآية في خاص لا يمنع أن يعم حكمها كل من جانس الحكم الذي نزلت فيو، قال الطبري رحمو الله تعالى : فالذين نزلت فيهم الآية إنما كانوا قوماً دانوا بدين أىل التوراة فنهى الله عن إكراىهم على الإسلبم وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها غيرىم(2) .وقال الجصاص: نزول الآية على سبب خاص غير مانع من اعتبار عمومها في سائر مانتظمتو، لأن الحكم للفظ لا للسبب إلا أن تقوم الدلالة على وجوب الاقتصار على سببو (3) . قلت: ويندرج تحت ىذا القول وىو أن الآية محكمة قول من قال المعنى: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنو دخل مكرىاً لأنو إذا رضي بعد الحرب وصح إسلبمو فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوىم إلى الإكراه، (1 )وقد جزم بإحكام الآية أيضاً ابن العربي في إحكام القرآن1/310 يقول: قولو "لا إكراه في الدين" عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بحق فإنو من الدين قال " أمرت أن أقاتل الناس.." متفق عليو أخرجو البخاري في الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم في الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إلو إلا ا﵁، وىو مأخوذ من قولو تعالى: ﴿ ﴾ البقرة ( 193) وبهذا يستدل على ضعف قول من قال إن الآية منسوخة، وممن جزم بإحكام الآية أيضاً مكي بن أبي طالب كما في الإيضاح لو ص 162 وتقدم أنو رأي النحاس، وقد ذيل محقق نواسخ القرآن لابن الجوزي الكتاب بجدول للناسخ والمنسوخ ولم يذكر عن أحد ممن ألف في الناسخ والمنسوخ أنو قد عد ىذه الآية من المنسوخ، (2 )انظر تفستَ الطبري3/13 (3 )أحكام القران للجصاص 1/122
عدد الصفحات ١٣اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 26- ونظيره قولو تعالى: ﴿ ..﴾ (1) والآية على ىذا خبر، مفادىا: ليس من الدين ما ظهر على جهة الإكراه وإنما الدين ما تواطأ عليو القلب واللسان(2)، ويندرج تحتو أيضاً قول من قال: إن الآية نزلت في السبي متى كانوا أىل كتاب فلب يجو ز إجبارىم على الإسلبم (3) . (وىذا القول والذي قبلو اللذان يندرجان تحت القول بالإحكام ىما كالتخريج لما يظهر من تعارض بين منطوق الآية وبين ما صح عنو أنو أكره أقواماً على الإسلبم ولم يقبل منهم غيره وىو ما أيد بو القائلون بالنسخ مذىبهم، والآية على ىذين القولين خبر محض، كما قالو القاسمي (4) وسيأتي لو مزيد بيان، المطلب الثاني: القائلون بأن الآية منسوخة وىو ماحكاه الطبري عن ابن مسعود رضي الله عنو وعن زيد بن أسلم(5)، والنفي في الآية ﴿ ﴾ على ىذا القول بمعني النهي(6)، وعلى (1 )النساء(94) وىذا قول ابن الأنبا ري كما في نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 217 ونحوه قول الزجاج كما في المعاني 1/133 وقد عده ابن الجوزي أحد الوجهتُ للقول بأن الآية محكمة قال الأول: أن الآية من العام المخصوص، والثاني: أن المراد بو ليس الدين ما يدين بو في الظاىر على جهة الإكراه عليو ولم يشهد بو ..، (2 )انظر زاد المستَ لابن الجوزي (3 )حكاه القرط3 /182 ولم يعزه، (4 )انظر تفستَ القاسمي3 /325 (5 )انظر تفستَ الطبري/ وزاد القرطبي 3/182 نسبتو إلى الشعبي والحسن وحكاه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 220 مسنداً عن الضحاك والسدي وسليمان ابن موسى، وحكاه أبو حيان 2/615 عن قتادة في رواية (6 )انظره في تفستَ القاسمي 3/324 وقال وىو ما ذىب إليو كثتَ في تأويل الآية،
عدد الصفحات ١٤مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 146 -27- ىذا القول فالآية الكريمة من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف(1)، حكى الطبري عن جمع من المفسرين قالوا: أمر رسول الله بقتال أىل الأوثان ولم يقبل منهم إلا الإسلبم أو السيف، ومما استدلوا بو أيضاً : لأن ىذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف(2) . المطلب الثالث: المناقشة وبيان الراجح فأنت ترى أن القائلين بأن الآية محكمة يرونها في خاص أو من العام المخصوص، فالنبي أقر أقواماً على دينهم المخالف لدين الحق، ولم يقبل من آخرين إلا الإسلبم، لكنهم يرون أن ىؤلاء الذين لم يقبل منو النبي إ الإسلبم لا يدخلون في عموم الآية أصلبً، لأنها عندىم من العام المخصوص كما تقدم عن الطبري، فالتأويل عندىم: لا إكراه في الدين ممن حل قبول الجزية منو ومن في حكمو لا مطلقاً، بينما يرى أصحاب الرأي الثاني القائلون بالنسخ تعارضاً بين منطوق ىذه الآية الكريمة التي ظاىرىا النهي عن إكراه الناس على الدخول في الإسلبم وبين ما تواتر عنو أنو أكره المشركين وأىل الأوثان على الدخول في الإسلبم أو السيف ومن ثم يرون أن الآية منسوخة، ويلتقون مع الفريق الأول أن من الناس من لم يقبل منو الرسول إلا الإسلبم أو السيف، لكن الفرق بين القولين أن الذين يرون أن الآية محكمة فهي عندىم من العام المخصوص، وليس في الآية دليلبً على الكف عن قتال المشركين (1 )وىي قولو تعالى ﴿ ﴾. (2 )كما في نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 220 وتقدم أنو قول الضحاك والسدي وقتادة.
عدد الصفحات ١٥اَلْخُلبَصَةُ لِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي ب َيَانِ ق َوْلِوِ ت َعَالى: ﴿ ﴾– د.عَلِيُّ بْنُ حُمَيْدٍ السِّنَانِيُّ - 28- وعبدة الأوثان إن لم يقبلوا الدخول في الإسلبم، وإنما يستدل بأدلة أخرى على لزوم قتالهم، والذين قالوا بالنسخ يرون أن عموم الآية يشمل أىل الكتاب وغيرىم لكن خص من عموم الآية أىل الكتاب ورفع حكمها عمن سواىم. الترجيح : من خلبل عرض القولين السابقين يتبين أن القول الأول يؤول إلى قصر النص على سبب نزولو، وىذا خلبف القاعدة المقررة وىي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كذلك ظاىر الآية يقتضي العموم لأن النكرة في سياق النفي " لا إكراه " وتعريف " الدين " يفيدان العموم. أما القول الثاني فيشكل عليو ما تقرر أن الناسخ لا يكون ناسخاً إلا إذا رفع الحكم المنسوخ بالكلية، أما إذا رفع بعض أفراد العام وبقي البعض الآخر فهذا كما يقول الإمام ابن كثير رحمو الله عن الناسخ والمنسوخ بمنأ، والأشبو على ىذا القول ليكون النسخ معتبراً أن يقال: إن ىذه الآية قد رفع حكمها بالكلية لا يؤخذ منها الكف عن قتال أىل الكتاب ومن في حكمهم وإنما يستدل على ذلك بفعل النبي، تماماً كما قال الأولون: إن قتال المشركين وعبدة الأوثان يؤخذ من فعل النبي .وبناءً على ما تقدم: فإن الذي يترجح عندي والعلم عند الله تعالى ىو : أن الآية الكريمة من العام المخصوص فهي تشمل أىل الكتاب وغيرىم لكن خص من عمومها المشركون وعبدة الأوثان فإنهم يقاتلون على الإسلبم إن لم يقبلوه، قال الشوكاني رحمو الله تعالى : والراجح أن الآية في السبب الذي نزلت فيو محكمة غير منسوخة، وأما أىل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكن قد خص ىذا العموم بما ورد من آيات في إكراه أىل الحرب (1) (1 )انظر تفستَ الشوكا 1/349 -350
عدد الصفحات ١٦