المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمود درويش ذاكرة للنسيان

غير معروف

صفحة ١١ من ١٥

162 يوجع. ولا أردُّ التحية لأني واطأت مع نفسي على رغبتي من اول خصلة شعر كسرتني. فللشهوة ايضا قناع، لتطول اللعبة عاما آخر. عبتُ من قناعي، ومن لعبتي، ومن عبك، فلا دقي بلاط الشارع اكثر بصهيل يحفزني. عبتُ من حوادث سير لا ليق بهذه الحرب كأن رتطم كتفي اليُسرى بكتفك اليسرى في قاطع صبيانيّ المشهد. ومن العار ان نموت حُبّاً في زمن الحرب. هل أحبك؟ لا أحبك اذا كان الحب يستغرق وقتاً اطول من اطلاق رصاصة على نخاع شوكي. وأحبك، اذا كان الحب امتثالا لصاعقة برق ضربني الساعة: عالي لنعرف الجواب. عالي نسأل السؤال. فما على المحاصرين في هذا الركن الاخير من العالم غير ان يعْتقا جِنّ الشبق من سجن الكلام والذهب. ومن الظلم ان نهاجر بلا التصاق. من الظلم عيون صب العسل ان نُرجع النظرة من منتصف الطريق الى على النار. عيناك جرحان الحجر وتذيعان في دمي دبيب النمل، فمتى اجمع هذا النمل واعيده اليك، الى بيت النمل، لأتوقف عن حكّ دمي بنظرات الساق على الساق. اخرجي من هذا الباب الى البحر، ثم انعطفي يميناً.. وامشي عشرين اليمين ثلاثين متراً متراً ثم انعطفي الى اليسار ومنه الى

عدد الصفحات ١٦٢

163 يمين آخر. هناك شجرة زنزلخت كبيرة، بعدها انعطفي الى شجرة وحيدة ستدلُّك على ساحة صغيرة.. اقطعيها واتبعي رائحة الهال الى مدخل البناية كما يتبع كلب البحر رائحة الدم. اتبعي صوت دمي، واصعدي مائة واثنتي عشرة درجة. ستجدين الباب مفتوحا، وستجدينني خلف الباب مشويا من الانتظار، جاهزاً للموت واقفاً معك واقفاً فيك حتى يفصلنا صاروخ لنجلس. دقّي حجر السلالم كما يدق كعبك العالي طرف القلب ويترك قطعة صغيرة منه لكلاب الشارع. كم أحب الحذاء العالي لأنه يشد الساقين في كلية الانوثة المتأهبة للاندلاع. والحذاء العالي يختصر البطن ويفتح انحناءة لبطن ينكمس من عطش. والحذاء العالي يدفع النهدين ليتكورا ويشرئبا على المارة المحرومين مما يهتفون. والحذاء العالي يصُبُّ القدمين في أُهبة الرقص فوق الدخان المتصاعد من رغبة محروقة. والحذاء العالي يتلع الجيد كلحظة انقضاض الخيول على هاوية. والحذاء العالي يوقف الرمح على منبر من هواء صلب. دقّي بلاط الشارع بنفور غزال لا تلقفه ذراعان ولا كلمات. واتضحي رويداً رويداً خلف الباب المغلق. امام الباب مقعد جلدي صغير يحملنا ويتسع لنا. سأجلس أوّلاً

عدد الصفحات ١٦٣

164 وتجلسين. فغرفة النوم مكشوفة من جهة البحر الذي يرانا، ويتوعد، ويقصف. وغرفة الاستقبال مكشوفة من جهة البحر. وغرفة المكتبة مكشوفة من جهة البحر. ولم يبق لنا غير هذا المقعد الصغير، ارتجفي وانتفضي وانقصفي، ولا نزعي حضن رجل. لا ثيابك لئلا يرانا الموت عاريين. فرس على وقت لغير الحب السريع ونزوة الخلود العابر. لا وقت للحب في حرب لا نسرق منها غير امتصاص مصادر الحياة. أمن طبيعة الحرب ان خلق هذا الشبق؟ أمن طبيعة الخوف من الموت ان يتَوتَّر هذا التوتر؟ يدان خرمشان الحائط لمنع القطط من الرحيل. وفم مفتوح لأصوات البراري الموحشة لاغ اناقة كلام وارت لذلك الطقس الذي يُبدع الغربة وتباطؤ الخروج من العناق، فنهرب الى سيجارة دعي أمّل ما رسمه من دوائ الازرق. وننظر الى الساعة لا لنرى الوقت بل لنعرف متى يتسلل احدنا من الآخر. وأحب هذا الحب الذي لا يترك وجعاً في الذكريات ولا ندبة في ال وردة الروح. لحظة عابرة ابقى وانقى جمالاً من الفراش على

عدد الصفحات ١٦٤

165 بيروقراطية الحب الطويل المحتاج الى ادارة شؤون المواعيد وصيانة الحنين من العطب. ن التباس التشابه بين المرأة والاغنية. نزوة هي حرية الصمت المتحرر من آخر ينقلب الصمت معه الى غربة. عالمان لا يتداخلان بغير القمع. لا مساواة في العاطفة. عالمان يعودان - حين يصمتان - الى ما كان من ذكريات لا تصالح بقدر ما تصادم. وأحب الحب على هذا المقعد الذي لا يحتاج الى ظلام صخرة اعادة رتيب لأنه لا يتجعلك، كما كنتُ احبه على على شاطىء بحر، او في سيارة ختبىء في غابة صفصاف، او في قطار ليل لا نعرف فيه الاسماء، او في رحلة طيران سياج ملعب يصفق فيه الجمهور لخطاب ليل طويلة، او على يشارك فيه العاشق العابر العاشقة العابرة الرقص النزوات المتحررة من الكلمات والواجبات. ولكن الحرب ضفي صوفاً شهوانياً على هذا الاختلاس الرائع. فما اجمل ان يموت الانسان على ضفة نهر العسل الحامض، بلا فضيحة وبلا عري وبلا اولاد. ما اجمل ان نتغلب على الحرب فينا بهذا الخوف ال على انتفاح وردة عرق وتشهق وتتمزق من احتكاك الندى

عدد الصفحات ١٦٥

166 والملح، حت قصف جوي وبري وبحري نسوس فيه مسار اللذة المستقيم صعوداً، ساخرين من عواء الحديد بعواء اللحم، والدم والعصب المشدود. فلا سأليني ان كنت أحبك ايتها الفرس الطالعة من مدائح العرب. ايتها الفرس التي ترجّل عن حضن فارسها لتذهب الى مهرتها الصغيرة، التي رعى بين الصواريخ واقداح البيرة واستاذ الكيمياء والممرضات النبيلات القادمات من اسكندنافيا لاستبدال الموت احباطاً وغماً بالموت في قضية. لا سأليني ان كنت احبك، لأنك عرفين كم يعبدك جسدي الباحثُ عن سلامته في جسد. خذي خبزاً وزجاجة ماء، لتقولي انك كنت بحثين، من ساعة، عن خبز وماء. ستزورين قصيدتي يا كما ذهبت السوسنةُ الطالعة من نشيد الاناشيد، ستزورين قصيدتي يا منام يخرج من منام يا … والقصف يقصف كل شيء، يقصف حتى الخوف. افكر في هذا الركن القصي بهذا الشاب الباكستاني الغائب. ما

عدد الصفحات ١٦٦

167 الذي جاء به الى هذه المدينة من آسيا البعيدة؟ كان يطارد الرغيف فاصطاده الرغيف في هذا الحصار. استدرجه الرغيف من لاهور، جعله يلهث آلاف الكيلومترات كي يلامس هذه المعجزة الانسانية: رغيف الخبز، رغيف الخبز الذي قد يقتله في حرب لا شأن له فيها، فلا يعود حياً او ميتاً الى اي مكان، لا يعود الى اي قبر. باطل الاباطيل، الكل باطل. وافكر في الطرائق المعدة لنهاية جسد كافح حتى النضج ليحترق او ليختنق. باطل الاباطيل، والكل باطل. وقد علمتنا معاشرة الموت ان الموت لا صوت له. اذا سمعت صوت الصاروخ فذلك يعني انك حي، ذلك يعني ان الصاروخ قد اخطأك واصاب غيرك، اصاب العامل الباكستاني على سبيل المثال. الصاروخ يسبق صوته. ان لم سمع صوته فاعرف انك ميت. باطل الاباطيل والكل باطل. ولكن ما سر هذه المناعة؟ اشعر بنعاس لا يقاوم.. نعاس اقوى من اية قوة.. نعاس سلطان. ولكن على لعبته العاطفية. اين كنت؟ اين كنت؟ اجلس معي اذا اي جحيم. استطعت ان وقف ثرثرة السيدة، او ارسلها الى

عدد الصفحات ١٦٧

168 - اين اختفيت؟ - على احدى الجبهات. - ما هي اخبار الشباب؟ - صامدون. ولا يهتمون بنتائج المعركة. انهم صامدون ويقاتلون. ولكن الناس عبت ويقال ان صمودهم مرتبط بخروجنا. هل صحيح اننا سنخرج؟ - طبعا… سنخرج. ألم عرف اننا سنخرج؟ - كنت اظن ان الخروج مناورة. هل سنخرج حقاً؟ - سنخرج حقاً. اين؟ - الى - الى اي مكان عربي يقبل بنا. - ألا يقبلون حتى استقبالنا خارجين؟ - بعضهم لا يقبل حتى جثثنا، واميركا طلب من بعضهم الموافقة على استقبالنا. - اميركا؟ - نعم… اميركا. - هل عني ان هذا البعض يريدنا ان ننتحر ونبقى في بيروت؟

عدد الصفحات ١٦٨

169 - هذا البعض لا يتحمل صمودنا. ولا يدعونا الى الانتحار أسوة بالكولونيل الليبي. ولا يريد لنا ان نبقى في بيروت، او الارض، يريد لنا ان نخرج.. ان نخرج من في اي مكان على العروبة ومن الحياة. - الى اين؟ - الى العدم! - ومتى سنخرج؟ - بعدما نحصل على عناوين للخروج. وبعدما نحصل على ضمانات بحماية المدنيين الباقين هنا، وبحماية المخيمات. - أهناك ضمانات؟ - هناك ضمانات وقوات دولية ستصل لحماية المخيمات. ولكن السفير الايطالي قال لي، البارحة، كلاماً مثيراً للقلق، قال: لا أحد يضمن ألا يدخل الاسرائيليون بيروت بعد خروج المقاومة. فكرة الخروج، لأنها قد ؤثر على معنويات - ألا يمكن اخفاء المقاتلين؟ - هذا صعب لأن المفاوضين يذيعونها. والدولة اللبنانية

عدد الصفحات ١٦٩

170 متلهفة بحجة انها طمئن المواطنين - ولكن، لماذا سنخرج؟ - لا أحد يوافق على بقائنا، لا الداخل ولا الخارج. ولا نس ان البلد ليس بلدنا. انتهت مُدَّة الضيافة. وبعض اطراف الحركة الوطنية يُهَدِّدنا، ولم يبق ما نعتمد عليه: لا مقومات داخلية، ولا مدد خارجي. كان اليُتم الجديد، يخشى ان ننساه في زحام هذه النهايات. كان واحداً من مئات الكتّاب المهاجرين الى مشروع الثورة بيت وهوية. لا يملك ما يدل عليه، لا بطاقة المتحول الى هوية ولا جواز سفر، ولا شهادة ميلاد. ولهذا وجد فينا أهله ووطنه، نحن الذين لا أهل لنا ولا وطن. وكان مع المهاجرين السوريين والعراقيين والمصريين والفلسطينيين قد انزل على بيروت معاني نهائية منح التباس العلاقة بها شرعية حق درجة اجفلت الكثيرين من اللبنانيين الذين المواطن الى يعرفون مدينتهم ومجتمعهم اكثر منا، ويعرفون انها لا حتمل هذا الاسقاط. وقد لاحظ بعضهم ان السهولة التي يوحي بها التعامل مع بيروت، نصاً مفتوحاً للصراع والكتابة، قد بلغت

عدد الصفحات ١٧٠

171 هامشاً من الرهافة يستحق الحذر. ولكن بيروت هي المكان الذي شهد ازدهار التعبير السياسي والاعلامي الفلسطيني. وبيروت هي مهد آلاف من الفلسطينيين الذين لم يعرفوا مهداً آخر. وبيروت هي الجزيرة التي طفا عليها المهاجرون العرب الحالمون بعالم جديد، وهي حاضنة ميثولوجيا البطولة القادرة على قديم وعد آخر للعرب غير وعد حزيران. فكان كل واحد يُمسك بما يعنيه من اسم بيروت الذي فتن الجميع الى حد ارتكاب اخطاء لم ينجُ منها أحد، دون ان مكن أحداً من حديد المعنى الشامل لهذا الافتتان. وهكذا حولت العلاقة ادمان جعل اللغة مجازية الى درجة المواطنة، ببيروت الى في غياب الدولة التي قهرت مواطنيها في كل مكان آخر، مما جعل استباحة الدولة، أية دولة في هذه الدولة، أحد اشكال التدرب العربي على ديمقراطية متخيلة. فصارت بيروت مُلك من يحلم بنظام آخر في مكان آخر، واتسعت لصياغة فوضى ذات جانب عويضي حلت في كل غريب عقدة الغربة. وصارت شرعية الانتماء الى بيروت انعكاساً لشرعية اللاجىء الى المعارضة لنظام البطش العربي، فلم يعد على بيروت واجب مراعاة نظامها المفكك، بل أباح لنفسه حق

عدد الصفحات ١٧١

172 التحالف الداخلي لمواصلة فكيكه خدمة لمشروع ديمقراطي اكبر يخاطب خارج بيروت اكثر مما يخاطب داخلها. ومن هنا، أحسّ المقيمون في بيروت، في حالفهم مع اطراف قواها المتصارعة، بمقاييس اخ للبنانيين انفسهم وبمساعدتهم مقدار حقهم في وطنهم، لأن الوطن حول من جمهورية الى مواقف. وفي الشعر ايضاً، لم يكن عُشّاق بيروت لبنانيين. وحين أنشد الرحابنة للوطن لم ينشدوا لبيروت. كانت اغنية الحب الطالعة من الحرب « لبنان. ليست بيروت، في الاعتبارات الطائفية، لبنان بيروت صارت عربة يغني لها العرب. وصار في مقدور شاعر لبنان سعيد عقل ان ينأى بلبنان الجمالي الى اقصى غابات ان الحرب لا دور بين العنصرية، ليرى فلسطين الفلسطيني عدو صورتهم. وبلا « مجاملة دخلوا في النسيج الداخلي للصراع الثقافي. وحين انفض عنهم حلفاء الثقافة وجدوا انفسهم حت العراء.

عدد الصفحات ١٧٢

173 لقد سبقت الغزو الاسرائيلي عودة الكثيرين من المثقفين الى اصدافهم الاقليمية، عبيرا عن انهيار المشروع العلماني، وعن الهزيمة الملوحة نزعة المثقف الى الاحتماء بالطائفة في عراء في الأفق.. جرت اعادة اصطفاف طائفي احتلت فيه الطائفة الممتازة مكانة النموذج. وقفز بطل الطائفة، الخارج من قاع الجريمة، الى بطل منذور لسائر المعبرين عن طوائف اخرى البديل السابق، الى ايوان حتذي استلابها، فتسابق شعراء الشرقية للحصول على صك غفران في محبة لبنان ممن اتقنوا ارتداء القناع الفاتن دولة، واحتاج الخائفون الى اية دولة. فازدهرت الخراب الى الحياة الثقافية في المنطقة الشرقية المرشحة لتوحيد الوطن، وازدهر كازينو لبنان بعروضه الفنية التي لم ينقصها غير فرقة الرقص الليبي المحاطة بدويّ اعلامي صاخب. ولم يتساءل السياسي للهفة الكتائب على الرقصات أحد عن المغزى الليبية، فقد كان المغزى شديد السخرية والوضوح. وحين سجل المثقفين من المشروع الديمقراطي الى الصَدَفة الطائفية، حولونا الى

عدد الصفحات ١٧٣

174 من الشعراء والرسامين والمسلحين الذين اعتبروا نقد عودة المثقف الى الطائفة شهيرا منا، كمعبرين عن طائفة، بطائفتهم. وحين كنت اقسم بأنني لا اعرف ما هي طائفتي لم يصدقني أحد، لأن الوباء كان قد استشرى، ولأن اي فهم لما يجري في لبنان خارج حدود الفهم الطائفي هو فهم قاصر. كان شارع الحمراء ومقارعة الحجة بتحسس المسدس. اما انا، المشاع للحملات الصحافية، فلم أنجح في برئة نفسي من جريمة القول اننا « ما زلنا نحاول ملامسة التطبيق العملي لخيارنا الوحيد الابداع في الثورة، والثورة في الابداع، لنتجاوز التجني الذي يرتكبه الميل العام الى المناداة بالاختلاف، او الخلاف، بين مفهومي الثورة والابداع، حيث يحاول احد اطراف هذا الميل حقيق الطلاق بين اللغة الأدبية وبين الواقع لبلوغ الصافي اليومية المباشرة للبرنامج السياسي. نحن نتاج هذا الواقع وهذا الزمن الذي ختلط فيه الانهيارات الواضحة بالولادات

عدد الصفحات ١٧٤

175 الغامضة. ولا نتوب عن احلامنا مهما كرر انكسارها، و نواجه الازمات التي لتف حولنا باسقاط الفكرة، وبالنزهة في الماضي والتراث، لأننا لا نكتفي فقط بتحديد المساحة بين الدم والنفط، فقد اخترنا ان نعتقد ان المستقبل يولد من هذا الحاضر، بالطريقة التي ننخرط فيها في عملية التغيير. ولا يأتي من ماض يتحول في الأزمات الى سيد الايام. وحين نلاحظ ان الثورة لم كتب بعد أدبها الا بالجسد، فاننا ندرك ان معادلة الفعل - القول - المترابطة في سياق التجربة نضج لتنتج الأدب الجديد. وندرك اننا جزء من الثقافة العربية الوطنية لا جزيرة فيها. لذلك لم نقبل ان يكون صوتنا هو صوت الهوية الضيقة. بل ميدان العلاقة الاعمق بين الكاتب العربي وزمنه الذي تخذ فيه العملية الثورية الفلسطينية شكل الانفجار العام. اننا لا نؤسِّس ياراً في كلمة السر العلنية حتى سياق او مجرى كبير يعطي مفهوم الأدب بقدر ما نشير الى وحدة الثقافة العربية الوطنية شكلا من الاشكال، في وقت يتعرض فيه الى اكثر من محاولة فتيت او وأد، وهي الثقافة المفتوحة على اريخها في عدد مصادره. وهكذا لا نقول ان الشرق شرقي كله، ثقافياً، وان الغرب غربي كله. فنحن لا

عدد الصفحات ١٧٥

176 نعرف شرقاً واحداً ولا نعرف غرباً واحداً، ولا نريد ان نُحبَس في معنى لم نختره بحرية. وهكذا لا نتعامل مع حملة التصدي للغزو الثقافي الغربي الرائجة في هذه الايام، بعدما اطلقها كراس او كراسان، الا بقدر ما ستطيع هذه الحملة التمييز بين المصطلحات، وتحاشي الوقوع في بئر غلق علينا الأفق كله، وبقدر ما وضع في سياق البحث عن استقلال يرفض التبعية ويرفض التآكل معا. وحين نرى الى انحطاط بعض مستويات الثقافة، وهيمنة الطفيليات الطائفية عديمة الكفاءة والموهبة على غذاء الناس اليومي او الاسبوعي او الشهري، فاننا لا هنا الأزم نعلق: السياسي، وننتبه… ننتبه الى اسلحة الأدب القادرة على اخفاء القداسة وهشاشة الاحلام حت غطاء الاشمئزاز خيانتها وادعاء من السياسة، اي من الصراع. لا، لسنا غرباء على اية ارض عربية. الغرباء هم الذين يشيرون الى غربتنا بأصابع اتهام، لأنهم غرباء عن اريخهم وعن معاني وجودهم، غرباء في موجة عابرة لا يرى فيها اللص غير وجوه اللصوص. واذا كنا لا نستطيع مجاملة السلفية فإننا لا نرضى الاستقرار في فوضى التجريبية التي لا ريد ان قول اكثر من جريبيتها. واذا كنا

عدد الصفحات ١٧٦

177 نشكو التقصير من القدرة على اتقان لغة الناس، في العملية الابداعية، فان ذلك لا يمنعنا من الاصرار على التعبير عنهم لنصل الى لحظة يحقق فيها الأدب عرسه الكبير، حين يصبح الصوت الخاص هو الصوت العام. نعم، ان للأدب دوراً.. وان انقطاع التفاعل بين النص وبين الذين يتحول النص - فيهم - الى قوة، هو اغتراب الأدب الذي يصفق له الآن المبشرون بالهزيمة النهائية لكل شيء،. وهنا نستصرخ النقد، نستصرخه ليسترد الايمان بشجاعته وجدواه، نستصرخه ليدخل الساحة المستباحة، نستصرخه ليرسي المعايير التي اباح غيابها للجهل وللثورة المضادة ان يتبطّنا في ادعاء الحداثة. ندعو النقد الى اعادة النظر، على سبيل المثال، في حركة الشعر العربي الحديث التي اتسعت لشن الحروب كلها ووصلت الى مفترق طرق اعلن، على الأقل، انهيار وهم وحدتها السابقة. وندعوه الى مزيق حصانة النص الشعري الذي لا يقبل أداة النظر فيه خارج أدواته، فيما يُحمِّل نفسه بكل ما هو خارج ادعائه من حمولة ايديولوجية يحتكر اخفاءها، ويحرم الناقد او القارئ من حق اعلانها. ولنسأل عن دكتاتورية النص. لقد اوصلنا الحياء او الجهل الى درجة صار معها التقدم يخشى

عدد الصفحات ١٧٧