www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 1 مقدمة الحمد لله كما يحب ويرضى والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد. فق النبيل الصديقة المبجلة؛ عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها. لاسيما في هذا الزمان الذي كثُرت فيه قالة السوء، وجماعات الإفك، من الطاعنين في عِرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وس آله، وهم يطعنون فيه، ويهدمون بفئوس الحقد س والحقد المتوقد، والطعن الغادر المتجرئ، في مثال العفة الس وحبيبة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها. وعندما اس تنال ش الطاعنين وكذب الكاذبين، وما العف تضمنته حادثة الإفك، على فصول أربعة، وهي: •بيدر الفضائل وسبع سنابل: وفيه عرض موجز عن فضائل أمنا الصديقة. •جراب الكذب: وفيه يعرض الكاتب لأهم الشبهات وأكثرها شهرة، وليس لكل شبهة وطعن؛ فإن الكذب المروي في هذا الباب طويل وثقيل، فاقتصر الكاتب على أمهات الطعون، والتي تناسل عنها ما تناسل من ضلالات الكذب.
عدد الصفحات ٢www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 2 • محاق الإفك: وفيه عرض لجوانب أخرى من حادثة الإفك، وشيءٍ من فوائدها وحِكَمِها، بإيجاز قدر المستطاع. •قطوف دانية: وفيه بيان العلاقة الودود بين أمنا الصديقة رضي الله عنها وآل بيت النبوة، نفيا لتلك الصورة الذهنية المعتمة عند الآخرين حول هذه العلاقة المشرقة. وقد حرصت جهدي- وأنا المقصر- التزام المنهج العلمي الس قالب، رجوت أن يكون جامعا بين البيان والعلم، والحجة العقلية والنقلية معاً. وأستغفر الله تبارك وتعالى من التقصير، لائذاً بفضله، معتصماً بجوده وإحسانه. وصلى الله وسلم على أبي القاسم وعلى آله وأزواجه وصحابته أجمعين كتبه سيد بن علي بن عبد المعين
عدد الصفحات ٣الفصل الأول َ سنابِل ُ ع ْ ب َ وس الفضائِل ُ بيدر
عدد الصفحات ٤www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 4 الفصل الأول بيدرُ الفضائِل وسَبْعُ سنابِلَ س وجوداً متوهجا بالفضل في هذا الوجود، وشملت فضائلها ش الش ومكانتها عند رب العالمين تبارك وتعالى، ومنزلتها السامية من بعدُ في قلب كلِّ مؤمنٍ زادَهُ شَرَفاً أن كانت الصِّدِّيقة عائشةُ أمَّه التي ينتسب إليها ورضي الله عنها. السنبلة الأولى: في بيت الصِّدِّيق: فقد بسط الإسلام هديه المنير في جنبات البيت الذي قدمت إليه الصديقة رضي الله عنها، فقد كان بيتا مُسلِماً كُلُّه، يغشاه النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم بكرة وعَشِ أبو بكر رضي الله عنه، مصحوبا بقلب أسيف، وعين دامعة. وتبين هذا أمنا عائشة رضي الله عنها فتقول: (لم أعقل أبويّ إلاّ وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلاّ يأتينا فيه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، طرفي النّهار: بكرةً وعش القرآن، فيقف عليه نس فنشأت أمنا عائشة رضي الله عنها (((بكرٍ رجلاً بكّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن) )، و((مسند 3905( )58/5)،476( )(02/( ((صحيح البخاري في مواضع من صحيحه منها ((( )، وغيرهما، واللفظ للبخاري. 25626( )4(9/42الإمام أحمد
عدد الصفحات ٥www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 5 موصولةً بالخير، فوالدها الصديق رضي الله عنه، وهو من هو فضلا وس سامقة لا تلحق، وأمها أم رومان رضي الله عنها، وأختها ذات النطاقين أسماء رضي ، (((الله عنها، وجدها أبو قحافة لم يفته الخير؛ إذ لحق بركب الهداية فأسلم عام الفتح فتمت النعمة وعمت بَركة الهداية بيت الصديق رضي الله عنه. وفي ه تهتدي بنور الوحي، وتس سامية نبيلة، تسمع الخير وتعيه، وتحرص عليه وتقصد إليه؛ لتهيأ لتلك المنزلة الباذخة في أن تكون زوجاً لأعظم الأنبياء والمرسلين. فكان أن أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بصورتها في الرؤيا -ورؤيا الأنبياء ح ((أريتك في المنام مرّتين، أرى أنّك في سرقةٍ من حريرٍ، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف . (2(عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند اللّه يمضه وهكذا كان زواجها من نبينا صلى الله عليه وس إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم تكن أمنا زينب رضي الله عنها منفردة بتلك المنقبة عن أمنا الصديقة رضي الله عنها. السنبلة الثانية: أَحَبُّ الناسِ: وسارت أمنا رضي الله عنها على مدارج السمو صعوداً، فتزوجها النبي صلى الله )، و((سنن النسائي)) 4204( )85/4)، و((سنن أبي داود2(02( )(663/3((صحيح مسلم ((( )، وغيرها من دواوين السنة.82/20)، و((المسند5076( )(38/8( .(2438( )(889/4) ، و((مسلم3895( )56/5 في ((الصحيحين، واللفظ للبخاري (2(
عدد الصفحات ٦www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 6 عليه وس وم ورس حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن بيانه عن حبه لها صلى الله عليه وس له ألقه الخاص، بالبيان قولا وفعلا وإشارة. فهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه، يلقي السؤال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ فيُكسى هذا العموم في كلمة (الناس)، كِسوة الخصوصية في قلب النبي صلى الله . وكم في هذا التخصيص الذي يستل من فضاء هذا (((عليه وسلم، فيجيب: عائشة العموم الفسيح هذا الاسم، من دلالة على منزلة أمنا عند نبينا أبي القاسم صلى الله عليه وسلم! وكم في مبادرته بالجواب قبل البحث عن المقصود بالناس هنا، من إشارة إلى حبه لها صلى الله عليه وسلم، وكأن لفظة الحب إذا انصرفت فإنما هي المقصودة رضي الله عنها! فلم ا فقال: أبوها، ولم يقل أبو بكر.. فكأن في أطواء شهادته بالحب لأبي بكر شهادةً أخرى )، و((مسلم)) 4358) (ح66/5)،3662) (ح5/5 ((صحيح البخاري)) في مواضع، منها ((( )، وغيرهما.2384) (ح856/4(
عدد الصفحات ٧www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 7 لأمنا بالحب، وكان في التعبير عن صديق الأمة بصفته أباً لعائشة، وليس باسمه، ما فيه من الروعة البيانية عن منزلة أمنا رضي الله عنها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء! وكان النبي صلى الله عليه وس .(((الحافظ أبو عبد الله الذهبي رحمه الله: (وأحبّها حبّاً شديداً كان يتظاهر به) وقد كان هذا الحب يتمثل في حركة س رض الأصحاب يوم الصديقة، وتكثر، فيجيب: ((يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فوالله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة إلا هي.. فينتدب زوجاته رضي الله عنهن بضعته .(2(الطاهرة فاطمة، فيجيبها جواب المحب: أتحبينني؟ فأحبي هذه السنبلة الثالثة: اللُّطْف: ويدنيها منه صلى الله عليه وسلم، ويبسط عليها من حنانه ورحمته، ويترجم قوله إلى فعل شريف تأنس به أمنا رضي الله عنها، فيتتبع مواضع طعامها وشرابها ليشرب منه عل فإنّك تقولين: لا وربّ محمّدٍ، وإذا كنت عليّ غضبى، قلت: لا وربّ إبراهيم. قالت: .. فبادلته حبا بحب ولطفا (3(قلت: أجل واللّه يا رس بلطف صلى الله عليه وسلم. (.42/2 ((سير أعلام النبلاء((( (.3944( )64/7)، و((النسائي2442( )(89( /4 ((مسلم(2( .(2439( )(890/4)، و((مسلم5228( )36/7 ((صحيح البخاري (3(
عدد الصفحات ٨www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 8 ويكون قافلا من غَزَاةٍ، وقد صحبته أمنا الصديقة رضي الله عنها فيأمر الجيش أن يتقدموا ليفس فتس والبس صل ونس (((أسابقك. فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: هذه بتلك))! وي تتحدث مع رس ترفعين صوتك على رس عليه وسلّم- بينه وبينها. ثمّ خرج أبو بكرٍ، فجعل النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- يترضّاها، وقال: ألم تريني حلت بين الرّجل وبينك؟. ثمّ استأذن أبو بكرٍ مرّةً أخرى، فسمع تضاحكهما، فقال: أشركاني في سلمكما، .(2(كما أشركتماني في حربكما فقد قطع عنها النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤذيها، ولو من والدها حميةً له، وجعل يترضاها تطييبا لخاطرها، وإسعاداً لنفسها، وفي هذا ما فيه من حبه لها رضي الله عنها. (.2578( )29/3 ((سنن أبي داود((( ). و(صححه الشيخ شعيب في تحقيق المسند، وقوى إسناده 8395( )342 /30 ((مسند أحمد(2( .((7(/2في تعليقه على الس
عدد الصفحات ٩www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 9 ويأتي الحبش إلى لعبهم بالحراب، ولا يكون إطلالها على هذا المش رأس الوقوف، لا اس فتقول أمنا: ((فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: حسبك، فقلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك، فقلت: لا تعجل يا رسول الله. قالت: وما بي .(((حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي، ومكاني منه)) ففي هيئة الوقوف ما فيها من حنان النبي صلى الله عليه وس كان بوس الحبشة بالحِراب، وقد كان ممكنا أن يقف إلى جوارها، دون أن يجعل من كتفه الكريم موئلا لرأس لا يق لشأنه، وقد حمُِّل ما حمُِّلَ من أعباء الدعوة وأمر الأمة! لكن هذا الإمكان َكُلَّه منفِيٌّ في حق الصديقة، ففي إفس حبٍّ لا يتلعثم، وفي إطالة الوقوف، ش وفي احتماله إطالة الوقوف ش ولطفه الحاني شاهدٌ وش عظيم مكانة أمنا الصديقة عند خير الخلق صلى الله عليه وسلم. )، وأصل الحديث في الصحيحين.8902( )(8( /8 ((سنن النسائي(((
عدد الصفحات ١٠www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 10 وهذا كله مما كانت تختص به أمنا عائشة، ولم تكن زوجة من زوجات نبينا صلى الله عليه وسلم مشاركةً لها في هذا القَسْمِ الذي هو فضل رب العالمين يؤتيه من يشاء. السنبلة الرابعة: في السماءِ والأرض: وقد س الكون، وجاوز الأفق، فنالت الثناء الحسن والذكر الجميل، وعوملت بالإجلال الذي يلي ، وفي هذا (((فخصوا يومها الذي هو قَسمها من النبي صلى الله عليه وسلم بهداياهم ما فيه من علمهم بأن نفس النبي صلى الله عليه وسلم تكون أطيب ما تكون - وهي النفس الطيبة المباركة - في يوم أمنا عائشة، وكأن هدايا الصحابة الكرام كانت إعلاناً بأن أمنا عائش فكانت نعم الزوج لخير الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم. وقد كان هذا الحب معروفا مس جاراتها من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فقد كان يكون منهن ما يقع من المرأة غيرةً، ولكن في استقامة، ومجادلة ولكن في غير باطل، مع تسليم الكل بأن للصديقة ما ليس لغيرها من المكانة الرفيعة السامية، حتى إذا ما أرادت إحداهن أمرا، جعلت من أمنا عائشة شفيعا عند نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذه أمنا س أن لا تقوم بحق النبي صلى الله عليه وس (.244(( )(89(/4)، و((مسلم2574( )(55/3 ((صحيح البخاري (((
عدد الصفحات ١١www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 11 بها حاجة للرجال، تترك يومها الذي هو لها لأمنا الصديقة، ولم تذهب لزوجة أخرى من زوجات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لعلمها بالمحل الأسنى لأمنا الصديقة، والذي .(((لا يشاركها فيه أحد وهذه أمنا أم سلمة رضي الله عنها يأتيها السائل مستفتياً عن جواز تقبيل الرجل لزوج (2(به غيرها وشواهد هذا الفضل الصِّدِّيقِيِّ بين أهل الأرض لا تنتهي، حتى صارتْ أُمُّنَا علماً على سمو القدر وش مسروق رحمه الله إذا حدث عنها، يقول: حدثتني المبرأة المصدقة بنت الصديق، حبيبة .(3(حبيب ا وأب آلافٍ، عش .(4(حبيبة رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم وه في الس )، وكانت لا حاجة 266 /2)، و((انظر سير أعلام النبلاء2593( )(59/3((البخاري ((( لها بالرجال. ) بسند فيه ضعف، وله شواهد ، ((شرح معاني الآثار)) 2669(( )298/44 في ((المسند (2( .(3395( )93/2للطحاوي (.886( )2404/5)، و((الشريعة)) للآجُرِّي 079( )382/( ((الزهد والرقائق)) لابن المبارك (3( .((97 /2 ((سير أعلام النبلاء(4(
عدد الصفحات ١٢www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 12 ؛ لطهارة قلبها، وجلالة قدرها، ولقد خاض أهل الزيغ فيما خاضوا (((رضي الله عنها فيه- كما س أمن المنابر، تملأ الكون والتاريخ، بالبيان الإلهي الجليل الذي يدفع قالة الس أفيكة الطاعنين، ويعص والأحساد والضغينة المستكنة والمستعلنة على أمنا رضي الله عنها. ويأتي جبريل عليه الس .(2(وتوقيرا للطيبة المطيبة رضي الله عنها وقد كانت عناية الله تحفُّ أمَّنا الصِّدِّيقةَ حتى في الشأن الذي لا ي عقدها وتوقف الجيش، بحثا عن هذا العقد، وطال بهم الوقت، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، والصديق يعتب عليها ويشتد في تأنيبها، فتنزل آيات التيمم، تيسيرا على المؤمنين، ورفعا للحرج، فينطلق أسيد بن حضير رضي الله عنه ناطقا عن قلوب المؤمنين الفرحة، مثنيا على آل بكر، وهي المقصودة بهذا الثناء، فيقول: ما هذه بأول بركتكم يا آل .. وينقلب عتب الصديق إذ رأى التيسير الذي أنزله الله رخصة للمؤمنين، (3(أبي بكر (4(إلى ثناءٍ حنون، فيقول لابنته رضي الله عنهما: ما علمتُ.. إنك لمباركة (.3879( )703 /5). ((الترمذي258(( )(56/3 ((البخاري ((( (.2693( )55/5)، ((الترمذي3768( )29/5 ((البخاري (2( .(367( )279/(). و((مسلم334( )74/( ((صحيح البخاري (3( )، وأصله في الصحيحين، كما تقدمت الإشارة إليه 565( )(87/(((سنن ابن ماجه بإسناد صحيح (4(
عدد الصفحات ١٣www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 13 السنبلة الخامسة: نمطٌ آخر وهذه الخصال الش قائم برأسه، جعلت من أمنا الصديقة موئل سكينة، وظل راحة للنبي صلى الله عليه وس ويسلك معها نمطا فريدا في شأنها كله، فإذا اشتكت أضْعَفَ لها من اللطف، وصانها بحنان لا أرى من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أمرض، إنمّا .(((يدخل فيسلّم، ثمّ يقول: كيف تيكم)) وكانت أمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على خير ما تكون الزوجة رعاية وحدبا وطاعة وحبا، حتى إذا طرق المرض جسد النبي صلى الله عليه وسلم، مؤذنا بارتحاله، التف ((أين أنا اليوم، أين أنا غداً. اس نفسه، وارتاح باله، واطمأن خاطره، وتخبر هي رضي الله عنها عن ذلك فتقول: فلمّا (2(كان يومي سكن وإذا كان من المقرر س من التقوى والزهادة ورفعة القدر وش ( 0(/6)،4(4(( )((6/5)،266(( )(73/3 ((البخاري)) في مواضع من صحيحه ((( ). وفي (المسند) 2770( )2(29 /4). و(مسلم 7369( )((3/9)، ومختصرا 4750( .(25623( )404/42( .(3774( )30/5 ((صحيح البخاري (2(
عدد الصفحات ١٤www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 14 وسلم، ومع ذلك يتناثر السؤال يوما من بعد يوم: أين أنا اليوم، تشوقا من النبي صلى الله عليه وسلم ليوم أمنا عائشة، واستبطاء له، مما يدل على أنها كانت نمطا فريدا من النساء، وإن الجنة لدرجات ومنازل، وإن كانت كلها جنة! وهذا السكون الذي كانت تبعثه أمنا الصديقة رضي الله عنها في قلب النبي صلى الله عليه وس الوجع، يتجاوز الأفق في البيان عن حبه -وهو الطيب المطيب- لأمنا عائشة رضي الله عنه .(((عليّ الموت أن أريتك زوجتي في الجنة)) ف الله عليه وسلم؟! ولم يزل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وس خرجت روحه الش أمنا الصديقة له، وخالط ريقها ريقه، وتوفي بين سحرها ونحرها، ودفن في بيتها صلى .(2(الله عليه وسلم السنبلة السادسة: العليمة القانتة: وسارت أمنا رضي الله عنها مسيرة الفضل في حياتها، وكانت على نبراس السمو ). وقد 25075( )5(9/4()، وبمعناه في ((المسند207/2 ((زوائد الزهد)) لحسين المروزي ((( (.2867( )867/6حسَّنه الشيخ الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة ( 26(/40)، و((المسند2443( )(893 /4)، ((مسلم389( )(02/2 ((البخاري (2( .(242(6(
عدد الصفحات ١٥www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 15 لا تفارقه، تبث ما ورثته من علم وفقه إلى الأمة جميعا، فكانت أعلم نساء الأمة على الإطلاق كما نعتها بذلك الإمام الذهبي، وكان الكبار من الصحابة يس أش .(((فهي من المكثرات في الحديث وقد أجاب مس عائش .(2(مشيخةً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض وهذا أبو موس .(3(اللّه عليه وسلّم- حديث قطّ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً وهذا عروة بن الزبير رحمه الله يقول عنها: (لقد صحبت عائش قلت قبل وفاتها بأربع س منها، فما رأيت أحداً قطّ كان أعلم بآيةٍ أنزلت ولا بفريضةٍ ولا بسنّةٍ ولا أعلم بشعرٍ ولا أروى له, ولا بيومٍ من أيّام العرب ولا بنس بطبٍّ منها. فقلت لها: يا أمّه, الطّبّ من أين علمتيه؟. فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشّيء، ويمرض المريض فينعت له، فينتفع، فأسمع النّاس بعضهم لبعضٍ فأحفظه. .(4(قال عروة: فلقد ذهب عنيّ عامّة علمها لم أسأل عنه روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، كما سيأتي لاحقا. ((( .(82/2( ((سير أعلام النبلاء(( (2( .(3(037 ( )239/6). و((مصنف ابن أبي شيبة493( )(24/6 ((الموطأ(3( .((83 /2)، و((سير أعلام النبلاء898( )24((/5 ((الشريعة)) للآجري (4(
عدد الصفحات ١٦www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 16 ويقول الزهري رحمه الله: لو جمُِعَ علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم .(((جميع النساء لكان علم عائشة أفضل (وعن الشّ .(2(يذكرها، فيتعجّب من فقهها وعلمها، ثمّ يقول: ما ظنّكم بأدب النّبوة؟ وكان لها مناقشات واستدراكات على بعض الصحابة الكبار فيما ذهبوا إليه من مس كتابا قائما برأسه في هذا الأمر، أسماه (الإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة). وهذا الميراث العليم كان مصحوبا بالسمت الصالح والخلق القويم، والنسك المترفع ، وتأتيها (3(عن ألواث الدنيا وغبار المادة، فكانت أمنا تس الأعطيات فلا تلتفت لشيء من هذا، وإنما تنفقه في سبيل الله، ولا تتكئ على دنيا تطمئن إليها، وإنما كانت نافضة يدها من هذا كله، على سنن أبي القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وق عليه وسلم فخيرها بين متاع الدنيا، وما تتوهج به زينتها من مباهج وأضواء فانية تختل النفوس وتس العذر لتخرج ما في نفس .. فردَّت بصِدقها الفريد هذا الحشدَ المتدافع (4(أَن لاَ تعجلِي حَتىَّ تَسْ (.85/2 ((سير أعلام النبلاء((( (.97/2 ((سير أعلام النبلاء(2( .((87/2)، وانظر: ((سير أعلام النبلاء68/8 ((طبقات ابن سعد(3( .((((3 /2). و((مسلم2468( )(33/3 ((البخاري)) في مواضع منها (4(
عدد الصفحات ١٧