المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ١ من ١٨

الـمـواطـنـة والـوطـن في الـدَّولـة الـحـديـثـة الـمـسـلـمـة حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1435هـ 2014م

عدد الصفحات ٢

*إ الشعوب التي كسرت قيود الاستبداد ، وقهرت الديكتاتورية ، وغيرت مجرى التاريخ المعاصر ، والتي ضحت بدمائها وأموالها وفلذات أكبادها ، وقدمت قوافل الشهداء ، ودفعت الثمن غاليا ، وابتليت بالجوع والخوف ، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله ، وما ضعفت ، وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها ، ولسان حالها بأن الحرية لا توهب ولا تعطى ، وإنما تنتزع انتزاعا ، وتروي شجرتها الزكية بدماء الشهداء ، وأن تقدم الأوطان وازدهارها ، وارتقاء شعوبها معقود على همم أبنائها ، واستعدادهم المستمر للتضحيات الجسام. * قال تعالى: َ فَمَن كَانَ يـَر ج و ل قَاءَ رَب ه فـَل يـَع مَل عَمَل صَالح ا وَلاَ ي ش ر ك ب ع بَادَة رَب ه أَحَد ا }* [110. ]

عدد الصفحات ٣

{ب س م اللَّّ الرَّحْ َان الرَّح يم }* المقدمة إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستهديه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فل مضل له ، ومن يضلل فل هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . {يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا اتـَّق وا اللََّّ حَقَّ تـ قَات ه وَلاَ تََ وت نَّ إ لاَّ وَأَنـ ت م م س ل م ونَ [ }*آل عمران : 102.] ََ {يََأَيـُّهَا النَّاس اتـَّق وا رَبَّك م الَّذ ي خَلَقَك م م ن نـَف س وَاح دَة وَخَلَقَ م نـ هَا زَو جَهَا وَبَثَّ م نـ ه مَا ر جَالا كَث ير ا وَن سَاء وَاتـَّق وا اللََّّ الَّذ ي تَسَاءَل ونَ ب ه وَالأَر حَامَ إ نَّ اللََّّ كَانَ عَلَي ك م رَق يب ا }* [1. ] ََ {يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا اتـَّق وا اللََّّ وَق ول وا قـَو لا سَد يد ا *ي ص ل ح لَك م أَع مَالَك م وَيـَغ ف ر لَك م ذ ن وبَك م وَمَن ي ط ع اللََّّ وَرَس ولَه فـَقَد فَازَ فـَو ز ا عَظ يم ا }*[70 ـ 71. ] أما بعد: فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك ، ولك الحمد حتى ترض ى ، ولك الحمد إذا رضيت ، ولك الحمد بعد الرضى .

عدد الصفحات ٤

هذا الكتاب حلقة مهمة من حلقات المشروع الفكري السياسي ؛ الذي تحدثت عنه في كتبي السابقة. وقد صدرت عدة كتب تخدم هذا التوجه : * الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها. * البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة. * التداول على السلطة التنفيذية. * الشورى فريضة إسلمية. * الحريَت من القران الكريم ، حرية التفكير ، وحرية التعبير ، والاعتقاد ، والحريَت الشخصية. * العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية. وهذا الكتاب يتحدث عن المواطنة والوطن في الدولة الحديثة. وقد قسمته إلى خمسة مباحث: المبحث الأول: المواطنة في اللغة ، والاصطلح ، والتطور التاريخي لمفهوم المواطنة. وبينت في هذا المبحث مفهوم المواطنة ، وبأنه يعتبر من المفاهيم القديمة الحديثة التي يدور حولها جدل كبير. ومن هنا يختلف مفهوم المواطنة حسب الطرف الذي يتناول منه ، ومن أي زاوية ، وتبعا لما يراد به.

عدد الصفحات ٥

يعود تاريخ هذا المفهوم إلى زمن الإغريق الذي يعتبر أساس الديمقراطية في العالم اليوم ، حيث يرجع أصل استعمال مفهوم المواطنة للحضارتين الرومانية واليونانية. هذا وقد شهد مفهوم المواطنة تغيرا جذريَ في استخداماته ومضامينه ، ولم يعد فقط يشير إلى علقة المواطن بالوطن ، والفرد بالدولة ، بل تعدى ذلك إلى كونه مفهوما مجتمعيا شامل متعدد الأبعاد[1.]) إن الناظر إلى تاريخ الفكر الفلسفي السياسي يدرك مدى التطور الذي لحق مفهوم المواطنة ، فالمفهوم الذي بدأ خلل الحقبة اليونانية قبل الميلد ليس هو نفسه الذي كان موجودا في فترة العصور الوسطى ، وكذلك يختلف عن ذلك الذي عرفته أوربة بعد الثورة الفرنس ية ، والذي يختلف بدوره عن المفهوم المعاصر للمواطنة. فالمواطنة في كل حقبة تاريخية إنما كانت تعبر عن التركيبة الثقافية والأخلقية لتلك الحقبة ، ومن ثم كانت المواطنة هي المؤثر على مدى تحقق المثل الأخلقية والسياسية في زمانها ، فالمواطن عند اليونان هو «اليو الحر» ، بينما المواطن في زمن الدولة القومية هو أحد أبناء الأمة المكونة للدولة[2 ...])إ ، وقد مرَّ مفهوم المواطنة عبر التاريخ بمراحل ، وقد تَّ بيانها في هذا الكتاب. وفي المبحث الثاني: المواطنة والمفاهيم المتعلقة بها ، فكان الحديث عن العلقة بين الوطن ، والمواطن ، والمواطنة ، والهوية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، والمفهوم الحقوقي للمواطنة ، والبعد المقاصدي لها ، والجنسية ، وطرق اكتساب صفة المواطنة ، وقانون الجنسية العثماني ، والعلقة بين المواطنة والدين في الثقافات الإنسانية ، وركائز دولة المواطنة ، كالسيادة ، والشورى ، ومحاسبة الحاكم ومساءلته.

عدد الصفحات ٦

و المبحث الثالث: كان الحديث عن الأدلة القرانية والنبوية المتعلقة بالوطن ، وتأصيل مفهوم المواطنة. وفي المبحث الرابع : بينت حقوق المواطنين وواجباتهم ، ووضحت المعاملة المتساوية بين المسلمين وغيرهم من حقوق الحماية: حْاية النفس ، والمال ، والعرض ، وتوفير مقومات الحياة ، وحق العمل والكسب والتنقل ، والحقوق السياسية ، كتحديد صفة المواطن والمواطنة ، وحق الانتخاب ، وحق عضوية المجالس النيابية ، ومناقشة دعوى منع غير المسلمين من عضوية البرلمان ، ووضحت الحقوق الفكرية للمواطنين ، كحرية التدين ، والعقيدة ، والعبادة ، والشعائر الدينية ، والاستقلل الثقافي ، وحرية الرأي ، والخطابة ، والكتابة ، والتعليم ، وتكلمت عن الحقوق الاجتماعية ، كحسن المعاشرة ، والبر ، والإحسان ، والرحْة ، و رعاية الجوار ، وأشرت إلى أهمية حقوقهم في إقامة العدل والمساواة فيما بينهم ، ولخصت أهم الحقوق الشخصية للمواطنين في الدولة الحديثة المسلمة ، كحقهم في التكريم الشخصي ، وحرية التنقل ، وحرمة المسكن ، وسرية المراسلت ... إلخ. وركزت على أهم ضمانات حقوق المواطنين. وبينت أهم واجبات المواطنين ، والتي منها: 1 ـ الخضوع لقوانين الدولة وأنظمتها. 2 ـ الواجبات المالية. 3 ـ الدفاع عن أرض الوطن. 4 ـ الطاعة للقيادة. 5 ـ حق النصرة والمساعدة.

عدد الصفحات ٧

6 ـ التعاون ، والتكافل ، والاحترام المتبادل بين المواطنين. 7 ـ النصيحة ، والتقويم. 8 ـ التصدي للشائعات. 9 ـ المساهمة في التنمية الاقتصادية. 10 ـ المحافظة على المال العام. وفي المبحث الخامس والأخير: بينت أهمية معالجة الصراعات الطائفية في البلدان ، وأشرت إلى فكرة المواطنة العربية الإسلمية. فالدولة الحديثة المسلمة تحرص على معالجة الصراعات الطائفية الداخلية ، وتبحث عن جذورها ، ومعرفة أسبابها ، وإقامة العوامل التي تحول بين تطورها ووضع السياسات والخطط والإجراءات اللزمة لذلك ، والتي من أهمها: 1 ـ تعميق فكرة المواطنة. 2 ـ ملحقة مرتكبي العنف. 3 ـ الحرص على أمن المواطنين. 4 ـ تعزيز مؤسسات المجتمع المدني. 5 ـ توضيح المغالطات الخاطئة. 6 ـ الاستفادة من الخبرات العالمية. 7 ـ نشر الثقافة الدستورية . 8 ـ تفعيل مؤسسات الدولة.

عدد الصفحات ٨

9 ـ التأكيد على المرجعية الوطنية. 10 ـ الاهتمام بثقافة الإنتاج. 11 ـ تطوير المؤسسات التعليمية. وفي نهاية الكتاب أشرت لجهود العلماء والمفكرين وأبناء الأمة العربية والإسلمية في البحث عن وسائل لتحقيق الوحدة بين بلدانها ، وعن المحاولات المستمرة للبحث عن اليات تحقق الهدف المرجو نحو الولايَت العربية المتحدة ، أو الولايَت الإسلمية المتحدة ، أو الوصول لفضاءات وتجمعات كبرى على نمط الاتحاد الأوربي ، أو غيره ، وعالم الأفكار متطور ، وليس له حدود في منظورنا القريب . وكانت هناك أفكار أقرب للخيال وبعضها بين بين، والأخرى أقرب للواقع، ويبقى الاجتهاد مفتوحا ، وتقديم الرؤى مطلوبا ، ودراسة النظريَت في علم الاجتماع السياسي و اجبا على أهل الاختصاص ، ومعرفة السنن وقوانين الحضارات والدول في قيامها وزوالها دليل على الرسوخ في المعرفة ، والعلم ، والثقافة. إن الشعوب العربية دخلت في مرحلة جديدة مع اندلاع الثورة التونسية والثورات العربية التي لم تنته تداعياتها ، بل وقابلة لتطورات ضخمة ، وزلازل فكرية كبرى ، سيتمخض عنها بإذن الله تعالى مشروع نهوض لهذه الأمة ؛ التي تلتمس الطريق في مفازات الصحاري ، والأمواج اللجية ، وظلمها الدامس. وتبقى نهضة الدول القطرية نواة مهمة في « لم الشمل» ، وتوحيد الشعوب العرب ية والإسلمية، والسعي لتحقيق أهدافها المرسومة، وشهادتها على العالمين في منظومة حضارية ، جديدة قابلة للتطور ، والتوجيه ، والترشيد ، والتعديل.

عدد الصفحات ٩

إن التحديَت الكبرى التي تَر بها الأمة في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي تحتاج لاجتهادات نوعية على أسس راسخة ، ومعرفة عميقة بالمقاصد والمبادأئ والقيم الموجهة لهذه الأمة ؛ لأن التخلف في مستوى النتائج الفكري الإسلمي لن يؤدي إلا إلى رضاع الأجيال من ألبان العقول الغربية ؛ التي تشبعت عبر قرون طويلة بجفاف المادية القاتلة ، والب عد عن الله ، والتمرد على القيم الروحية ، والانقياد للفكر الوضعي الحائر. وإن ما صارت إليه المجتمعات الغربية المعاصرة من أخطار اجتماعية وخلقية ؛ هو نتاج الشجرة المسمومة التي غذتها الأفكار والأهواء البعيدة عن هدايَت السماء، فلبد أن يسعى مفكرونا لتجنب أجيالنا أن تَر في نفس الأطوار الاجتماعية التي مرت بها أورب ة ، وخير سلح أن ترضع الأجيال المعاصرة من ألبان الإسلم وفكره ، فهو خير سبيل للوقاية من أخطار المادية القاتلة[3.]) و كتاب ربنا ، وفي سنة نبينا خير عظيم لمن ألقى السمع وهو شهيد. وفي دراسة التاريخ الإنساني والإسلمي توسيع للمدارك ، واطلع على تجارب الأمم والشعوب ، وعلينا أن لا نكون أسرى للماضي ، بل نكون أحرارا في معرفة الحقيقة ، حريصين على استخراج السنن والنواميس والعبر والدروس ، وربطها بحركة الحياة ، ونهضة الأمة ، وسمو الإنسانية ، وسيرها على الطريق المستقيم. هذا ؛ وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الأحد 5/7/1435هـ الموافق 4/5/2014م الساعة الثانية والربع ظهرا لمدينة الدوحة ، والفضل لله من قبل ومن بعد ، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولا حسنا ، وأن يكرم نا برفقة النبيين ، والصد يقين ، والشهداء ، والصالحين.

عدد الصفحات ١٠

قال تعالى: َ مَا يـَف تَح اللَّّ ل لنَّاس م ن رَحْ َة فَلَ مُ س كَ لهََا وَمَا يم س ك فَلَ م ر س لَ لَه م ن بـَع د ه وَه وَ ال عَز يز الح َك يم }* [2. ] و يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم، وإلهي الكريم، معترفا بفضله وكرمه وجوده، متبرئ من حولي وقوتي، ملتجئا إليه في كل حركاتي وسكناتي وحياتي ومُاتي، فالله خالقي هو المتفض ل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق ، فلو تخلى عني ، ووكلني إلى عقلي ونفسي ؛ لتبلَّد مني العقل ، و لغابت الذاكرة ، وليبست الأصابع ، ولجفت العواطف ، ولتحجرت المشاعر ، ولعجز القلم عن البيان. اللهم بص رني بما ي رضيك ، واشرح صدري ، وجن بني اللهم ما لا يرضيك ، واصرفه عن قلبي وتفكيري ، وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العل أن تجعل عملي لوجهك خالصا ، ولعبادك نافعا ، وأن تثيبني على كل حرف كتبته ، وتجعله في ميزان حسناتي ، وأن تثيب إخواني الذين أعانوني على إتَام هذا الجهد ؛ الذي لولاك ما كان له وجود ولا انتشار بين الناس. ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ، ومغفرته ، ورحْته ، ورضوانه من دعائه. قال تعالى: َ رَب أَو ز ع ني أَن أَش ك رَ ن ع مَتَكَ الَّتي أَنـ عَم تَ عَلَيَّ وَعَ لَى وَال دَيَّ وَأَن أَع مَلَ صَالح ا تـَر ضَاه وَأَد خ ل ني ب رَحْ َت كَ في ع بَاد كَ الصَّالح ينَ }* [19. ] وأختم هذه المقدمة بقول الله تعالى{ :رَبـَّنَا اغ ف ر لَنَا وَلإ خ وَان نَا الَّذ ينَ } [الحشر: 10.]

عدد الصفحات ١١

الفق إلى عفو ربه ، ومغفرته ، ورحْته ، ورضوانه علي محمد محمد الصَّلبي غفر الله له ، ولوالديه ، ولجميع المسلمين

عدد الصفحات ١٢

المبحث الأول المواطنة في اللغة والاصطلح ومفهومها والتطور التاريخي لمفهوم المواطنة أولا : المواطنة في اللغة والاصطلح ومفهومها. ثانيا : التطور التاريخي لمفهوم المواطنة. * * *

عدد الصفحات ١٣

أو: المواطنة في اللغة والاصطلح ومفهومها 1 ـ المواطنة والوطن في اللغة: جاءت المواطنة من: واطنه على الأمر مواطنة ، وواطن القوم: عاش معهم في وطن واحد. وفعل واطن بمعنى شارك في المكان مولدا وإقامة ؛ لأن الفعل على وزن «فاعل»([4.]) والمواطنة تعني: المنزل تقيم به ، وهو موطن الإنسان ومحله. والجمع أوطان ، ومواطن مكة: مواقفها ، ومن ذلك: وطن المكان ، وأوطنه: اتخذه وطنا . يقال: أوطن فلن أرض كذا وكذا ، أي: اتخذها محل ومسكنا يقيم فيه[5.])

عدد الصفحات ١٤

و «المعجم الوسيط» :الوطن: مكان إقامة الإنسان ومقرُّه ، و لد به أو لم يولد. ومُا استدركه شارح القاموس على القاموس: توطَّنه ، وتوطَّن به[6.]) والغريب في هذه الاشتقاقات كلها: أنه لم يجئء فعل «واطن» الذي اشت قَّ منه اسم الفاعل «مواطن» ، والذي مصدره القياسي «مواطنة». وإنما جاء «واطن» بمع اخر مجازي بعيد عن المفهوم الذي نحن بصدده. ولهذا قال في «المعجم الوسيط» الذي أصدره مجمع اللغة العربية : واطن القوم: عاش معهم في وطن واحد ، «مح دثة » ، أي: ليس لها أصل في كتب اللغة[7.]) «والوطنية» مصدر صناعي منسوب إلى الوطن ، كما يقال «القومية» نسبة إلى القوم ، و«العالمية» نسبة إلى العالم ، و«الإنسانية» نسبة إلى الإنسان ، وكثير من هذه المفاهيم والمصطلحات هي من هذا النوع : مصادر صناعية ، قد تزاد أحيانا ألفا ونونا مثل: النفسانية ، نسبة إلى النفس ، والعلمانية نسبة إلى العلم ، والشخصانية نسبة إلى الشخص[8.]) وتَتد جذور الوطن والمواطنة إلى ادم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة ، ويأكلن منها ر غدا حيث شاءا ، وكانت كل حاجتهما مكفيَّة ، كما قال الله تعالى لادم في الجنة{ :إنَّ لَكَ أَلاَّ تجَ وعَ ف يهَا وَلاَ تـَع رَى *وَأَنَّكَ لاَ تَظ مَأ ف يهَا وَلاَ تَض حَى }*[118 ـ 119. ] فلما أهبط الله ادم وزوجه من الجنة ، بقيا هما وذريتهما بما ق در لهم من الخلفة في الأرض ، وعمارتها ، وعبادة الله فيها: كانت الأرض مهيأة لتكون كلها وطنا ومستقرا لادم وذر يته من بعده ؛ ولهذا قال الله تعالى في القران مخاطبا ادم وزوجه وإبليس معهما: َ اه ب ط وا بـَع ض ك م ل بـَع ض عَد و وَلَك م في الأَر ض م س تـَقَر وَمَتَاع إ لىَ ح ين }* [ 24. ]

عدد الصفحات ١٥

وهكذا كانت الأرض كلها في أول الأمر وطنا لادم وأولاده ، لا تزاحم ، ولا تنافس ، ولا اختصاص بمكان دون مكان. فلما كثرت ذرية ادم وانتشرت ، بدأ الناس يتجمَّعون في أماكن بحكم الطبيعة الاجتماعية للبشر ، حتى قال الأقدمون: الإنسان مدني بطبعه ، وكان الناس يتجمعون في بلدان أو قرى ، ويتخذ كل منهم لنفسه ولأهله وولده بيتا يأوي إليه ، يكن ه من القر والحر ، ويستره من أعين الناس ، ويمارس فيه خصوصيته ، ومن مجموع هذه البيوت تكون القرية التي يترابط أهلها فيما بينهم بروابط شتى: كالنسب ، والمصاهرة ، والجوار ، والصداقة ، والز مالة في العمل ، والاشتراك في تأمين حاجات القرية والدفاع عنها ، ومن هذه القرية ، أو البلدة ، أو المدينة: بدأت قضية «الوطن» ، فحين تعدَّدت البلدان والقرى ، واضطر الإنسان لسبب أو لاخر إلى أن يهاجر من بلده ؛ لم ينس الموضع الأول الذي عاش فيه ، وكوَّن به علقات حْيمية من أهل ، وأصهار ، وأقارب ، وأصدقاء ، وأحبَّة ، وأمسى مرتبطا عاطفيا بذلك المكان وأهله ، كما عبر عن ذلك أبو تَام بقوله: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يسكنه الفتى وحنين ه أبدا لأول منزل وكان الوطن أول الأمر يتعلق بتلك القرية أو المدينة ، ثم تطورت حياة البشر و علقاتهم فتكوَّنت أوطان أكبر من ذلك ، تشمل إقليما كبيرا ، ثم عدَّة أقاليم تنتظم تحت سلطان واحد يجمعها: ديني ، أو اجتماعي ، أو سياسي[9.])

عدد الصفحات ١٦

على كل حال ، نرى فكرة «الوطن والوطنية» تقوم على حاجة الإنسان إلى المكان ، وارتباطه به ، وهذا أمر طبيعي ، فكلُّ كائن حي محتاج إلى مكان أو مأوى يلوذ به ، فالوحوش لها حجورها ، والطير لها أعشاشها. وقد نرى الطيور والأسماك ونحوها تسير المسافات الشاسعة ، وقد تخترق البحار والمحيطات ، ثم تعود إلى أماكنها الأولى ، أي: إلى أوطانها ، لا تضلُّ طري قها إليها ، بحاسة الهداية العامة التي منحها الله لكل مخلوقاته[10])قَالَ رَبـُّنَا الَّذ ي أَع طَى ك لَّ شَ ي ء خَل قَه ثم َّ هَدَى }*[50. ] فالمواطنة كلمة لها أصل عربي مرتبط بموطن الإنسان ، ومستقره ، وانتمائه الجغرافي ، لكنها في نفسها كتركيب ، ومصطلح ت استحداثها تعبيرا عن الوضعية السياسية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة ، وبذلك تكون «المواطنة هي: رابطة التزامية تقوم في زمان ومكان واحد» ([11.]) 2 ـ المواطنة في الاصطلح: ي عرَّف الوطن بأنه ـ بشكل عام ـ قطعة الأرض التي تعمرها الأمة بشكل خاص ، وهو المسكن ، فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات ، والبدن وطن لكونه مسكن الروح ، والثياب و طن لوطنها مسكن البدن ، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن[(12.]) واتفقت معظم مراجع الفقه الدستوري على إطار عام يحدد التعريف الاصطلحي للمواطنة على النحو التالي: المواطنة هي علقة بين فرد ودولة ، كما يحددها قانون تلك الدولة ، وبما تتضمنه تلك العلقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة ، وهي تسبغ على المواطن حقوقا سياسية مثل: ـ حق الانتخاب ، وتولي المناصب العامة.

عدد الصفحات ١٧