37 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة 6 ذلك في الغالب للصحابة والتابعين وهم فصحاء أعراب غالبًا، فما غُيِّرَ إليه لفظُه - عليه السلام - من ذلك يجوز الاستشهاد به لذلك، وحينئذ فمجرد احتمال الرواية بالمعنى لا يكفي في الرد على المصنف، إنما الذي يرد عليه به أن يبين في الحديث الذي يستشهد به أنه مروي بالمعنى، رواه فلان ابن فلان، غيَّر فيه لفظ النبي ﷺ، وهو غير عربي، وأنَّى له ذلك. 7 وجوه البلاغة وأسرار الفصاحة التي تكون في بعض الأحاديث مما لا يصل إليه غيره - عليه الصلاة والسلام -، كما في جوامع من كلمه عليه الصلاة والسلام، وقد اعتنى بها الفضلاء، وأفردوها بالتأليف. 8 ، الذي سمع قصيدة عمر بن أبي ربيعة: (أمن آل نعم أنت غاد فمبكِّر)، مرة◙عباس واحدة، فرددها كما سمعها مع فرط طولها إلى الغاية، من غير أن يبدِّل فيها حرفًا فضلا عن لفظ، وفي مثل أبي هريرة الذي قال فيه الشافعي: أحفظ من روى الحديث في دهره، والذي دعا له الرسول ﷺ بأن لا ينسى شيئًا سمعه منه، وفي مثل البخاري الذي وقع له عند دخوله . )بغداد الواقعة التي طبقت الآفاق 9 )161/والشاشي -159/387/156/- وابن سعد 160 314/111- 110/في مُقدِّمة 10-9/« 462( فيه، قال: فما سمعتُه يقولُ لشيءٍ قَطُّ: قال رسولُ الله ﷺ، فلمَّا كان ذات عشيَّة، قال: قال رسول الله ﷺ، قال فنكس، قال: فنظرتُ إليه، فهو قائمٌ محلَّلة أزرار قميصه، قد اغْرَوْرَقَت عيناه، وانْتَفَخَت أوداجُه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا مِن ذلك، أو شبيهًا مِن ذلك انظُر تلك القصَّة في )1(
عدد الصفحات ٤٠38 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة واحدة، ولم تُمْلَ عليه فيكتبها، فإنَّ غالب العرب أمية وحفظهم للقصائد والمقامات والخطب مع طولها أمر بالغٌ إلى الغاية. 10 باطل، إذ من نظر في الحديث، علم أنهم يروون بالمعنى، لا أنهم لا يروون إلا به 11 وبأفصحها، وبالحسن من التراكيب وبأحسنها، وبجزلها وأجزلها، لا أنه لا يتكلم إ بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها. ، ومع الوافدين )12 .- ♠عليه من أهل جلولة، فما باله جزم بأن تلك الألفاظ هي ألفاظه من هذا يتَّضح أنَّ ابن مالك اعتمدَ على الحديث اعتمادًا كُلِّيًّا في وَضع الأحكام النحويَّة، بحيث يُمْكِنُنا القول: إنّه فتحَ البابَ على مِصراعيه لمن جاء بعدَه مِن النُّحاة، الّذِين رأَوا فيه ما رآه هو، مِن مزايا تُؤهِّلُه لِيَكُونَ المصدر الثَّاني بعدَ القُرآن الكريم والقراءات. :)2(سابعًا: ابن الناظم ونَذكُرُ أيضًا مِن هؤلاء النُّحاة ولده بدر الدين المشهور بـ(ابن الناظم كان الحديث الشريف أحد مصادر الاستشهاد النحوي عنده، تبعًا لأبيه، صحَّح طائفة من المسائل النحوية، استنادًا إلى ما ورد فيه، وقد يستشهد على صحة قاعدة نحوية بالحديث فقط؛ لأن الوارد منه يُبيح ذلك التصحيح، من ذلك - مثلاً - تصحيحه مذهب الكوفيين في جواز إضافة المضاف إلى ضمير الموصوف في سعة الكلام، مستشهدًا على ذلك سبق إيراده وتخريجه.) 1( هو ولد ابن مالك، اسمه محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، بدر الدين، العلامة النحوي، أبو عبد الله)2( 98/الدمشقي، ويُطلَق عليه كثيرًا ابن الناظم، وابن المصنِّف، ترجمته في ).225/الألحاظ
عدد الصفحات ٤١39 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، حيثُ )بالأحاديث النبوية فقط، ومخالفًا سيبويه الذي لم يجوِّز ذلك إلا في ضرورة الشعر قال في ، وفي )3(«..، وفي حديث الدَّجَّال )2(«في حديثِ أمِّ زَرع ).89-84/959/102/ يُنظَر )1( لفظ البخاري) 2( .)34/والصِّفْرُ: الشيء الخالي الفارغ؛ أي: أنَّها ضامرة البطن، كأنَّ رداءها صفر، كذا في أخرجَه البخاريُّ في )3( ضمن حديث طويل وخُولِف إبراهيم بن سعد في هذا الشاهد، وهذا البيان: أخرجَه البخاري ومسلم ).وتابع الزهريَّ عليه: حنظلة بن أبي سُفيان المكِّيُّ،ولفظه فاللفظ الثابت عن سالم 920/وهكذا رواه عبيد الله بن عمر عن نافع به عند مسلم - الليثي) عن نافع، وأخرجه من طريق مالك: البخاري وأخرجَهُ البخاري ).جويرية عن نافع عند البخاري ورواه البخاري فالراجح من الألفاظ لا يساعد على الاستشهاد بهذا الحديث على اتصال معمول الصفة المشبَّهة بضمير الموصوف، إذ اللفظ الذي يدل عليه ممّا انفرد به إبراهيم بن سعد، وخالفه غير واحد ممَّن هم أكثر منه عددًا وأوثق منه في سالم وغيره. فإن قلت: ألم يروه الترمذي في قُلت: نعم، وهي سبب خطأ إبراهيم بن سعد. فإن قلت: كيف تم ذلك؟ قلت: أخرجه الترمذيُّ مِن طريق المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ إنَّ ربكم ليس بأعور، ألا وإنه أعور، عينه اليمنى كأنَّها عنبة طافية وأخرجه أبو يعلى كأنَّها عنبة طافية وأخرجه مُسلم بلفظ فتفرُّد إبراهيم بن سعد بلفظ الشاهد ثابت، ولا يُلتفَت إليه؛ لأنه وهم، والوهم عدم، لا يحتج به، أو قُل بتعبير المحدثين: رواه بالمعنى. 563/ويُؤكِّد ما وجهناه قول ابن حجر في للأكثر،... ورواه الأصيلي (عينُه) بالرفع
عدد الصفحات ٤٢40 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، ومِن ذلك أيضًا استشهاده به في (عوامل الجزم) على )وَصْف النبيِّ ﷺ: (شَثْنُ أصابعه جواز مجيء جواب الشرط ماضيًا، إذا كان الشرط مضارعًا، حيث قال من قول النبيِّ ﷺ: )يخصُّون هذا النوع بالضرورة، وليس بصحيح؛ بدليل ما رواه البخاري »)3(« واستشهدَ أيضًا على حذف الفاء من جواب الشرط في الندرة بالحديث الذي أخرجَه ، ومثل هذا )5(« :)البخاريُّ مِن قوله ﷺ لأُِبَيِّ بن كَعْب ).كثير في 117- شَرح ابن الناظم (ص )1( إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذي في أصابعه غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال؛ لأنَّه أشدُّ لقبضهم 232/انظُر أنس، ولفظُه 298/203/وأخرجه ابن سعد « ابن مالك، ولم أقف عليه باللفظ الذي ساقه في) 2( هُريرة رفعه ووقع في لفظه خلاف بين الرُّواة، فمنهم مَن رواه بلفظ النفي والإثبات لا الشرط والجزاء، وهذا - عندي - مِن تصرُّف الرُّواة، ورواه الجماعة بالشرط والجزاء، ولكن في الأسانيد الثابتة 114/دون المغايرة بينهما، والترجيح فيه وجهات نظر، وانظر لبسطه 82/227/القاري 1035-1032/المسائل النحوية 352-351( أعلم قال أبو عُبيدة: وسيأتي بسط طرقه، والتدليل على تصرف الرواة فيه عند تعليقي على جواب السراج البلقيني، والله الموفق. ). « )3( .) أخرجه البخاري) 4( « )5( .)« )6(
عدد الصفحات ٤٣41 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة :)1(ثامنًا: جمال الدِّين بن هشام الأنصاري اعتمد العلامة ابن هشام على الحديث كثيرًا في دراسته النحو، بحيث لم يخل باب مِن أبوابه أو مسألة من مسائله من الحديث في كتبه و ، وممّا يدل على اعتماده الفائق على الحديث )يستعين به أحيانًا في تفسير أبيات الشعر استشهاده به على أيِّ رواية وَرَدَ فيها، كاستشهاده - مثلاً - في (باب الفاعل) على إلحاق «جماعة مِن العرب علامة تثنية أو جمع ، قال ذلك لَـمَّا قال )4(«، أو اسمًا كقوله ﷺ )3(بالليل وملائكة بالنَّهار له ورقة بن نوفل: وددتُ أن أكونَ معك إذ يُخرجُك قومك، والأصل: أوَ مُخْرِجُوي هُم، ، والحديث الثاني رَواهُ البخاريُّ بما يُخالِف )فقُلِبَت الواو ياءً، وأُدْغِمَت الياء في الياء ).) بكسر الجيم وسكون الياءأَوَ مُخرجِيْ رواية ابن هشام، تاسعًا: بهاء الدِّين بن عقيل ، )والد زوجة البُلقيني وأستاذه، الذي استشهد بالحديث كثيرًا في ).مِن ذلك مثلاً استشهاده على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بشبه الظرف يقول الأستاذ سعيد الأفغاني في )1( ونقيضه في مذهبه إزاء الاستشهاد في الحديث بصورة واسعة كما سترى، غير أن الثاني منهما قد انتقد ابنَ مالك متحامِلاً عليه ).100/ يُنظَر )2( سيأتي تخريجه مُطوَّلاً )3( ا◙ أخرجه البخاريُّ في )4( .)« )5( -377/29/ يُنظَر )6( .)330-328/379 .)19/65/« )7( .)83/« )8(
عدد الصفحات ٤٤42 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة عاشرًا: علي بن محمد الأشمو ففي الصفحة الأولى من ، )الضمير، خلافًا للكسائي والنحاس وأبي بكر الزبيدي الذي زعم أنَّهُ مِن ومِن ذلك أيضًا: ردُّه على أبي علي الفارسي قوله: إثبات الميم في (فم) مع الإضافة «ضرورة، بأنَّه لا يختص بالضرورة، بدليل قول النبيِّ ﷺ ).، وغير ذلك كثير)2(الله مِن ريح المِسك مِن أصحاب الحواشي، ساروا على هذه السَّبيل الواضحة )4(نُحاة مُتأخِّرُون وهُناك في الاعتماد على الحديث كثيرًا في دراساتهم النحويَّة، كأحمد بن أحمد السجاعي 1197( ومحمد بن مصطفى الخضري ).، أو يستشهد به)، ويرويه أُخرَى )الحديث النبويَّ تارةً مِن ذلك - مثلاً - موافقته لابن هشام على إضافة المصدر للمفعول ورفع الفاعل، ، وردُّه على )8(«مستشهدًا بحديث رسول الله ﷺ ).5/« )1( 31/« )2( 893/، ويُنظَر توجيهه مع دراسة (إثبات ميم (فم) مع الإضافة ◙هريرة 364-363/« .)131/80/49/التسهيل ).621/298/14/« )3( يُمكِنُنا أن نعد عبد القادر بن عمر البغدادي )4( 7/النبويِّ، بدليل استحسانه رد بدر الدين الدماميني على أبي حيَّان ).ضاري في « )5( المصدر نفسه يُنظَر (ص )6( المصدر نفسه يُنظَر (ص )7( .) أخرجَهُ مُسلمٌ في )8(
عدد الصفحات ٤٥43 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة قول بعضهم يحتمل أن يكون الحديث مرويًّا بالمعنى، فلا شاهد فيه ، ثم قال: )باللَّفظ، فإذا قصد الرواية بالمعنى أشارَ الراوي لذلك بقوله: قال ما معناه « .)2(»مُخالِفٌ للإجماع ، أَذْكُرُ مِن ذلك على سبيل المِثال: )أمَّا الصَّبَّان؛ فقد استشهدَ به في استشهاده في حذف الفاء مِن الجُملة الواقعة جوابًا لِـ(أمَّا) في النَّادر، بحديث النبيِّ ﷺ: -: (أمَّا ▲، وبقول عائشة) 4(« .)الذين جمعُوا بين الحجِّ والعُمرة؛ طافوا طوافًا واحدًا ، مِن ذلك مثلاً استشهاده على أنَّ (قَطُّ) )واستشهد الأمير في تختصُّ بالنَّفي في الشّائع، وتقل في الإثبات (متابعًا ابن مالك في مذهبه)، كقول بعض الصحابة: (قصرنا الصَّلاة في السفر مع رسول الله ﷺ أكثر ما كُنَّا قَطُّ)؛ أي: (أكثر وُجودنا ).فيما مضى كما استشهد على حذف فاء جواب (أمَّا) في غير الضرورة بقلَّة، بحديث للنبيِّ يُخاطِبُ ).« )1( .) المصدر نفسه (ص) 2( .)6/4/« )3( .) أخرجَهُ البخاريُّ في )4( 34/201/45/« )5( في -: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ولهم في غير هذا الموضع قولان: الجواز في النثر مع ندرته، والآخر: اختصاصه بالضرورة، وانظُر المسألة 27/355-354/312/مع شواهدها وتوجيهها والمناقشة فيها في ).356-354/1648/« .)64/50/« )6( 139/ المصدر نفسه) 7( 1656(
عدد الصفحات ٤٦44 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة «، وقوله)1(«الأنصار ).2(في قربته وهو في هذا مُتابِع لابن مالك ولغيره مِن النحويِّين كالصَّبَّان مثلاً. ، كاستشهاده على أنَّ في (أب وأخ وحم) )وقد استشهد الخضري بالأحاديث كثيرًا ، وهي )4(«لغةً ثانية؛ هي مجيئها بالألف مُطلَقًا، بحديث رسول الله ﷺ لغة بني الحارث وخثعم وزبيد، وعلى هذه اللغة قال أبو حنيفة ).ضربه بأبا قبيس فالخضري كان لا يقل اعتمادًا على الحديث عمَّن سَلَفَ ذِكْرُهُم مِن أصحاب الحواشي، بدليل ردَّه على مَن كان يدفع الاستشهاد بالحديث، لاحتمال روايته بالمعنى، وممَّا قال التَّبديل؛ لتحرِّيهم في نقلها بأعيانهم وتشديدهم في ضبطها، ومَن جَوَّزَ الرِّواية بالمعنى هذا لفظ البخاري في) 1( الشاهد، انظُر بالأرقام 2717 .)6760 50/ المصدر نفسه )2( (الفاء) على (قد ).39/« )3( :)2491/ قال السُّيوطيُّ في )4( « أنت المقتول يا أبا جهل، أقوال، أصحُّها الثالث 74/قُلْتُ: وفي الطبعة السلطانية (ت أنَّ في هامشها (ق ).(ق 344/وذكرَ ابنُ حَجَر في أنّ رواية ابن خُزيمة ).224- 220/انظُر التفصيل في ).39/« )5(
عدد الصفحات ٤٧45 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ... وغلبةُ الظَّنِّ كافية في الأحكام الشرعيَّة فضلاً عن النحويّاة مُعترفٌ بأنَّه خلاف الأَوْلَى، ).فبقي الحديث حُجَّة في بابه فهذا هو المَعْمُولُ به في كُتُب النّحو، وما عداه فأثره قليل، وما هو في حقيقة الأمر، إلاَّ مُراعاة شروط وضوابط عند الاستدلال بالحديث النبويِّ، وهذا ما نُبيِّنه تحت عُنوان: 107/ المصدر نفسه )1( مصادر الدرس النحوي) المنشور في مجلَّة نيسان
عدد الصفحات ٤٨46 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ثالثًا: المتحفِّظون هم الذين توسطوا بين المنع والجواز، فلا يحتجون بالأحاديث جملة، ولا يتركون الاحتجاج بها جملة، وإنما يجيزون الاحتجاج بالأحاديث التي ثبت أنها لفظ رسول الله ).ﷺ، أما التي نقلت بالمعنى فلا يحتج بها وأشهر أصحاب هذا المذهب: :)2(1 جوز الشاطبي الاحتجاج بالأحاديث التي اعتُني بنقل ألفاظها، ككتابته ﷺ إلى وائل بن حُجر، وكتابته إلى همدان، والأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته ﷺ، فقال في كتابه :)« « نحوي منهم استدلالاً بحديث منقول عن النبي ﷺ إلا على وجه أذكره بحول الله - تعالى -... ووجه تركهم للحديث أن يستشهدوا به: ما ثبت عندهم من نقله بالمعنى، وجواز ذلك عند الأئمة، إذ المقصود الأعظم عندهم فيه إنما هو المعنى، لتلقِّي الأحكام الشرعية لا اللفظ وإذا فرض في الحديث ما نقل بلفظه، وعرف ذلك بنصٍّ أو قرينةٍ تدل على الاعتناء إغلاق باب الاحتجاج بالكُلِّيَّة مِن أجل محترزات وتخوُّفات ليس بمنهج علميٍّ، والصواب حنيئذٍ ذِكْر شُروط )1( تَزول بها المخاوِف، لا الإلغاء بالكُلِّيَّة، فتنبَّه، ولا تَكُن مِن الغافِلين هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ ونحوي بارع. صاحب )2( المصنفات الكثيرة، منها في شرح الخلاصة الكافية ). (ص 405-401/« )3(
عدد الصفحات ٤٩47 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة باللفظ، صار ذلك المنقول أولى ما يحتجُّ به النَّحْويون واللغويون والبيانيون، ويبنون عليه علومهم. « ما عُرف أن المعتنى به فيه نقل ألفاظه لمقصودٍ خاصٍّ بها، فهذا يصحُّ الاستشهادُ أحدهما: به في أحكام اللسان العربي، كالأحاديث المنقولة في الاستدلال على فصاحة رسول الله وكتابه إلى وائل بن )الخ«ﷺ، ككتابه إلى همدان إلى آخر ما كتب.)2(«حُجْر الذي يقول فيه فقالوا: بنو غَيَّان. «ومن هذا ما يروى: أن قومًا وفدوا إلى النبي ﷺ فقال ، فاستدل ابن جني بهذا الحديث على أن النون )3(«فقال النبي ﷺ ، لأن مثل هذا مقصودٌ فيه نقل اللفظ، )في غيان زائدة، وأنه مشتقٌّ من الغي لا من الغين وينبني عليه منع الصرف وعدمه. «وروي أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال : ما قلتَ له، وما قال لك رسول الله؟ فقال لي: قال - عليه السلام ◙فقال أبو بكر : لقد طفت ◙»أيماطل الرجل امرأته؟ فقلت: نعم إذا كان فقيرًا - لي: «في أحياء العرب، فما رأيت أفصح منك يا رسول الله. فقال ).5(وأُرضِعْتُ في بني سعد ) 598/433/549-548/ انظر)1( .)56-و والفراع: جمع فَرَعة وهي أعالي الجبال، والوهاط: جمع وهْط وهو الأرض المطمئنة. والعَزاز: ما صَلُب من الأرض. ).14/148/71- 66- انظر) 2( والتيعة: هي الأربعون من الغنم، وقيل هي اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الإبل والغنم وغيرها، ومقورة الألياط: مسترخية الجلود لهزالها، والضناك: المكتنزة اللحم. ).320/ انظر) 3( .)250/ انظُر )4( 260/830/437/ انظر أطرافًا منه في )5(
عدد الصفحات ٥٠48 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة إلى أمثال هذا من الأحاديث المتحرى فيها اللفظ، وابن مالك ومن قال بقوله لم يفصلوا هذا التفصيل الضروري الذي لا بد منه، فبنوا الأحكام على الحديث مطلقًا، ولا أعرف له فيه من النحاة سلفًا إلا أن ابن خروف يأتي بأحاديث في تمثيل جملة من المسائل، وقصده في الغالب لا يتبين في ذلك، حتى قال الشيخ أبو الحسن ابن الضائع: لا أدري هل ، هذا معنى كلامه، وكأن ابن مالك بنى - والله )يأتي بها بانيًا عليها أم هي مجرد التمثيل .ضعيفأعلم - على القول بمنع رواية الحديث بالمعنى مطلقًا، وهو قول وممَّن ذَهَبَ إلى هذا الرَّأي جَمْعٌ؛ منهُم: 2 يجد أن) الفاحص لصنيعه مِن شرحه على منهجَه وسطٌ في الاحتجاج بالحديث النبوي، فهو لم يرفضه مُطلَقًا، ولم يَقبَلْه برواياته المتعدِّدة مُطلَقًا، فإذا كان للحديث أقرب مِن رواية استحسنَ الزركشيُّ منها ما هو أقرب ، أو )إلى المشهور مِن قواعد العربيَّة، ووَصَفَ هذه الرواية بأنَّها ).، ويصم الأخرى بنقيض ذلك، بل قد يصرِّح بأنَّها مِن تصرُّف الرُّواة )الوجه 3 )تابع الشاطبيَّ على مذهبه هذا أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيل الغرناطي (ت ).44/القدير ). انظُر )1( .)1099-1098/630/35/ انظُر منه - على سبيل المثال) 2( .)1130/« )3( .)1055/« )4( 784/« )5( 73-مِن الاحتجاج بالحديث) (ص حجر في توجيه بعض الأدلَّة، وهذا يُؤكِّد أنَّ مذهبَهم جميعًا صحَّة الاحتجاج، والاختلاف في التنزيل والتوجيه لأحاديث معيّنة.
عدد الصفحات ٥١49 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ) 154- في حيث عرض لمسألة الاستدلال بالحديث، فذكر ابن مالك في ذلك، وساق كلام الشاطبيِّ السابق بتمامه في سبيل التأييد والانتصار له. 4 وكذلك فعل محمود شكري الآلوسي في كتابه 93-الاستشهاد فيها. 5 ولعل العلاَّمة محمد الخضر حسين استفاد من كلام الشاطبي هذا في دراسته التي قدمها إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والتي كان عنوانها اللغة في دراسته ثلاثة اتجاهات للحديث، تحكم مسار الحكم عليه من حيث الاحتجاج: الأحاديث التي يلزم الاحتجاج بها.الأول: الأحاديث التي يلزم عدم الاحتجاج بها.الثاني: ). الأحاديث التي يصح أن يختلف فيهاالثالث: وبناءً على هذا البحث المقدم أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة القرارات التالية: « اقتراح فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين، وبعد البحث وضعت التقرير التالي اختلف علماء العربية في الاحتجاج بالأحاديث النبوية لجواز روايتها بالمعنى، ولكثرة الأعاجم في رواتها. وقد رأى المجمع الاحتجاج ببعضها، في أحوال خاصة مبيَّنة 187- انظر) 1( .)2726-2712/حسين
عدد الصفحات ٥٢50 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة فيما يأتي: الستة )1 فما قبلها 2 أ - الأحاديث المتواترة والمشهورة ب - الأحاديث التي تستعمل ألفاظها بالعبادات. ج - الأحاديث التي تعد جوامع الكلم. د - كتب النبي ﷺ. هـ - الأحاديث المروية لبيان أنه كان ﷺ يخاطب كل قوم بلغتهم. و - الأحاديث التي دوّنها من نشأ بين العرب الفصحاء. ز - الأحاديث التي عرف من حال رواتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى، مثل: القاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وابن سيرين. ).ح - الأحاديث المروية من طرق متعددة وألفاظها واحدة وتتابع المحدثون في دراساتهم على تأييد الاحتجاج بالحديث النبوي، وَفْق هذه الشروط التي وضعها المجمع، ومن أمثلة ذلك الدراسة التي قام بها الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه ليست (الكُتُب السِّتَّة صحاحًا)! بل فيها ما نَصَّ أصحابُها على ضَعْفِه ووهائه، كما يفعلُ الترمذيُّ، وأحاديثُه مِن )1( حيث الصِّحَّة مُتفاوتة جدًّا، وكأنَّه عمد إلى الأحاديث المُشتهرة على ألسنة فقهاء زمانه، فخرجها، وفي أبي داود « 434- انظر) 2( 4-7/العربية 678-والتصريفيَّة لمجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة التدمرية.
عدد الصفحات ٥٣51 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة من الاحتجاج بالحديث الشريف وهما ).العربي هنا مسألةٌ مهمَّة، وهي ضرورة التركيز على الاحتجاج بما صحَّ مِن قال أبو عُبيدة: الحديث على وَفْق قواعد أهل الصنعة الحديثية، إذ راجَت أحاديث عند النحويِّين وأهل اللُّغة، وتتابعُوا على الاستشهادِ بها، وهي عندهُم مِن الفصيح، إلاَّ أنَّها - عند المحدِّثين - مِن غير الصحيح، فهذه لا تدخُل في دائرة الاحتجاج، فالقاعدة العلميَّة (اثبت العرش ثم انقُش). والعجَب مِن النحويِّين تراهُم مع هذا يتشكَّكُون في الاحتجاج بما ثَبَتَ في « البتَّة على قواعد أهل الصنعة ولما كانت مِن سمات النصِّ الشرعيِّ - بما فيه الحديث النبوي؛ إذ هو وحي مِن عند الله - عز وجل - الحاكمية، أصبح مِن الضَّرورة الميل إلى الاحتجاج بالثابت منه، وإنْ عارَضنا أصل قطعيٌّ لغوي، علمنا أنّ التصرُّف فيه مِن الرُّواة، والكلمة فيه لأهل الاختصاص، وما زال البحثُ الميداني التطبيقي بحاجة إلى مَن يجمع بين التبحُّر في الحديث والنحو، وحينئذٍ تزول العقبات التي في التصور، وتعالج مؤاخذات المعترضين بالاحتجاج على وجه فيه توجيه دقيق، وإعمال لأصح الروايات، بمقاييس العِلْمين، فالواجب مع النُّصوص(الإعمال لا الإهمال). ويعجبني ما اقترحَهُ بعضُ مُعاصرِينا مِن ضرورة أن الشريف، وتتحمَّل تَبِعَة تمييز الأحاديث بعضها من بعض، ما دُوِّن منها في الصَّدر الأوَّل، هذا الذي مالَ إليه كثيرٌ مِن المعاصِرِين في أبحاثِهم، ويكاد القول بأنه لم يخرج عليه أحد منهم، وسبقت )1( الإشارة إلى غير واحدٍ منها، ومما هو جديرٌ بالذِّكر: بحث الدكتور محمود حسني محمود بالحديث 61-1399( النبوي في المسائل النحوية 1430(
عدد الصفحات ٥٤52 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة وما دُوِّن في غيره، وما طُعِن في رجاله، وما سلم مِن الطَّعن، وما عُرِفَ في نقَلته العجمة وعدم الدِّراية اللغويَّة طبعًا واكتسابًا، وما عُرِفَ عنه غير ذلك « وصحَّةً وخطأً ).111- 110( ويُلاحَظ - ضرورة - بهذا الصدد أنَّ الأحكام مُتداخِلَة، وينبغي أن يبقى العملان أعني: عمل النُّحاة والمحدِّثين - مُتواصلَين، وليس لهذه إلاَّ الكبار مِن أهل الاختصاص مِن كُلِّ عِلْمٍ، كما كان يعمل عفَّان بن مسلم، فإنَّه كان يجيءُ إلى الأخفش، وإلى أصحاب النحو، فيعرض عليهم الحديث يُعْرِبه، فقال له الأخفش: عليك بهذا - يعني: أبا حاتم سهل بن محمد السِّجستاني النحوي -، قال أبو حاتم: فكان عفَّان - بعد ذلك - يجيئني، ).حتَّى عرض عليَّ حديثًا كثيرًا فهذا الذي يصلح: المعارضة بالتي هي أقوم، للوصول إلى التي هي أحسن، مِن خلال إعمال قواعد الصنعة الحديثيَّة، وعدم إهدار المقرَّر في علم العربيَّة، وياليتنا نظفر بالماجريات التفصيليَّة لما كان يحصل بين عفَّان بن مسلم، وأبي حاتم السِّجستاني، فإنَّ فيها توسعة للبحث، وطريقة عملية للمعالجة. ومَن رام هذا البحث فلا بُدَّ له مِن دراسة التصحيف عند المحدِّثين، وأسبابه، وطريقة معالجة العلماء له، والدراسة الميدانية الواسعة لقضيَّة تغيير الرواة، وطريقة إصلاحهم للحن والتصحيف، مع ضرورة التركيز على ضوابط تحرير الألفاظ عند المحدِّثين وخطر ).إهمالها وقد أحسنَ مجمع اللغة العربية بتقريره السابق، بيد أنَّ حصره الاحتجاج بالأحاديث ).73/167/« )1( لأخينا الباحث العراقي يوسف بن خلف العيساوي - حفظه الله - بحث )2( المحدِّثين، وخطر إهمالها بين المعاصرِين 30-20-في دُبَي، كلية الدراسات العربية والإسلامية،
عدد الصفحات ٥٥