21 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على هذا المسلك )الأحمر، وهشام الضرير من الكوفيين المتأخِّرون وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس، وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخِّرين الأذكياء، فقال: إنَّما تنكَّبَت العلماءُ ذلك؛ لعدم وثوقهم أن ذلك نفس لفظ رسول الله ﷺ، إذ لو وثقوا به لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية به، وإنما كان ذلك لأمرين: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فنجد قصة واحدة قد جرت في زمانه ﷺ، أحدهما: فقال فيها لفظًا واحدًا، فنقل بأنواع من الألفاظ، بحيث يجزم الإنسان بأن رسول الله ﷺ «لم يقل تلك الألفاظ جميعها، نحو ما روي من قوله عليه السلام ، وغير ذلك من الألفاظ الواقعة في هذه القصة، فنعلم )3(«،)2(القرآن قطعًا أنه لم يتلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم أنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظًا مرادفًا لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف، إذ هو جائز عندهم النقل بالمعنى، ولم يأتوا بلفظه ﷺ، إذ المعنى هو المطلوب، لا سيما مع تَقَادُم السَّماع، وعدم ضبط المعنى، وأما ضبط اللفظ فبعيد جدًّا، لا سيما في الأحاديث الطوال التي لم يسمعها الراوي إلا مرة واحدة، ولم تملَ عليه فيكتبها. وقد قال سفيان الثوري فيما نقل عنه ).تصدِّقوني إنما هو المعنى ومن نظر في الحديث أدنى نظر، علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى. أنه وقع اللحن كثيرًا فيما روي من الحديث؛ لأنَّ كثيرًا من الرواة كانوا الأمر الثاني: غيرَ عرب بالطَّبع، ولا تعلَّموا لسانَ العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في نقلهم وهم لا 426- انظُر تجلية ذلك في) 1( « .)والاستشهاد باللغة ). أخرجَهُ البخاريُّ في )2( .) أخرجَهُ البخاريُّ في )3( .)240/ أخرجَهُ الترمذيُّ في )4(
عدد الصفحات ٢٤22 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة يعلمون ذلك، ووقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، ونعلم قطعًا غير شك أن رسول الله ﷺ كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلَّم إلا بأفصح اللغات، وأحسن التراكيب، وأشهرها وأجزلها، وإذا تكلم بلغة غير لغته، فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريقة الإعجاز، وتعليم الله ذلك من غير معلِّم إنسانيٍّ، ولا تلقفٍ لها من أهلها، ومع الوافدين عليه من غير أهل لغته.)كحديثه عليه السلام مع النَّمِر ابن تَوْلَب قد أكثر من الاستدلال بما أثر في هذا الأثر، متعقِّبًا بزعمه على ♫والمصنف النحويين، وما أمعن النَّظَرَ في ذلك، ولا صحب مَن له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة. كأنه موافق لأبيه في استدلاله بما روي في الحديث، فإنه ♫وابن المصنف يذكره على طريقة التسليم. وقال لنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جَمَاعة الكِنَاني الحموي - وكان ممن قرأ على المصنف، وكتب عنه نكتًا على 38/ أخرجَ عبدُ الرزَّاق في )1( 78/342/« 302/4146( 303/165/« 2706/نُعَيم في العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: « بسم الله الرحمن الرحيم، مِن محمَّدٍ رسول الله، لِبَنِي زُهير بنِ أُقَيْشٍ حَيٍّ مِن قُلتُ: نَعَم، فأخذتُهُ، فإذا فيه عُكْلٍ : أنَّهُم إنْ شَهِدُوا أنْ لا إلهَ إلاّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وفارَقُوا المُشرِكِين، وأَقَرُّوا بالخُمْسِ في »غنائمِهم، وسَهْمِ النبيِّ ﷺ وصَفِيِّه؛ فإنَّهُم آمِنُونَ بأمانِ الله ورسولِهِ فقال له بعضُ القومِ: هل سمعتَ مِن رسولِ الله ﷺ شيئًا تُحدِّثْناهُ؟ قال: نَعَم، قالوا: فحدِّثنا يرحَمُكَ الله، قال: »مَن سَرَّهُ أنْ يَذهبَ كَثيرٌ مِن وَحَرِ صَدْرِه؛ فلْيَصُم شهرَ الصَّبْر، وثلاثة أيّاام مِن كُلِّ شَهْر سمعتُهُ يَقولُ القومُ - أو بعضُهُم -: أَأَنْتَ سمعتَ هذا مِن رسولِ الله ﷺ؟ فقال: ألا أُراكم تتَّهِمُونِي أنْ أكذِبَ على رسول الله ﷺ؟! - وقال إسماعيلُ مَرَّةً: تَخافُون - واللـهِ لا أُحدِّثَنَّكُم حديثًا سائرَ اليوم، ثم انطلقَ .◙هذا لفظُ الإمام أحمد، وفي رواية الطبراني وغيره تسمية الأعرابي بـ: النمر بن تولب وإسنادُه جيِّد.
عدد الصفحات ٢٥23 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ذكر ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه، قال له: يا سيدي، هذا الحديث روته الأعاجم، ووقع فيه بروايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول عليه السلام، فلم يجب بشيء. وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة، لئلا يقول مبتدئ: ما بال النَّحْويين يستدلون بقول العرب، وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث، بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟! فإذا طالع ما ذكرنا، أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل ).النحاة بالحديث عند )وأشار أبو حيان إلى هذه المسألة أيضًا بايجاز في كتابه كلامه على « القواعد النَّحوية بما روي في الحديث، وفي الآثار مما نقله الأعاجم الذين يلحنون، ومما لم يتعيَّن أنه من لفظ الرسول ﷺ، ولا من لفظ الصحابي فيكون حجة، إذ أجازوا النَّقلَ بالمعنى 3 :)3(السيوطي منع جلال الدين السيوطي الاحتجاج بالحديث النبوي، زعمًا منه أن معظمَها رويت بالمعنى، وأجاز الاستدلال بالأحاديث التي ثبتت روايتها باللفظ، وهي قليلة جدًّا على :)حدِّ رأيه. فقال في كتابه 170-« )1( -4409-4408/9( 365-18 ففيه تتبُّع جيِّد لكلامه على المسألة في سائر كُتُبه 791/2( )2( هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، صاحب المؤلفات الكثيرة، الإمام) 3( 50/الحافظ المؤرخ الأديب، توفي سنة ).266/السائرة ).« )4(
عدد الصفحات ٢٦24 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة « إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلَّةٍ أيضًا، فإنَّ غالب الأحاديث مرويٌّ بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجمُ والمولَّدُون قبل تدوينها، فرووها بما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا، وقدَّموا وأخَّروا، وأبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويًّا على أوجه شتى بعبارات مختلفة، ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث وقال أيضًا: استشهد على )« «لغة (أكلوني البراغيث) بحديث وأكثر من ذلك حتى صار يسميها لغة (يتعاقبون)، وقد استدل به السهيلي، ثم قال: لكني أقول: «إن الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولاً مجوَّدًا، قال فيه ).2(ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار « :)وقال في كتابه 116/50/« )1( يلحقون الفعل علامة التثنية والجمع إذا تقدَّم على المُسنَد إليه - خلافًا للُّغة المشهورة -، وانظُر منه (باب 101/الصفة المشبهة -202/النحوية، دراسة نظرية تطبيقية من خلال تخريج الأحاديث والآثار في (شرح التسهيل) لابن مالك ).522- 205 19-« )2( قواعد الصنعة الحديثية، والله الموفق، لا رب سواه 142/338/« )3( -29-« .)126-134 208/188/وأمَّا الاستدلال بالحديث؛ فقد تعقَّب أبو حيَّان في 42/به، وقوّى ابن حجر في 525-523/النحوية ).470-171/النحوية في كتاب فتح الباري
عدد الصفحات ٢٧25 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة - من كلام ابن الضائع وأبي حيان أنه لا يستدل بالحديث على ما خالف القواعد النحوية، لأنه مروي لا بلفظ الرسول ﷺ، والأحاديث رواها العجم والمولَّدُون، لا من يحسن العربية فأدوها على قدر ألسنتهم
عدد الصفحات ٢٨26 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ثانيًا: المجوِّزون لا يكاد يخلو كتاب من كتب النحو من ذكر الأحاديث النبوية والاستشهاد بها، حتى :)قال الدكتور حسن موسى الشاعر في كتابه منذ أيام سيبويه إلى أيام الأشموني، فلم أجد كتابًا )« واحدًا يخلو من ذكر الحديث، بما في ذلك مصنفات الذين منعوا الاحتجاج بالحديث زَعَمَ جَمْعٌ أنَّ سيبويه لم يحتجَّ بالحديث النبويِّ، كما تراهُ في قال أبو عُبيدة: وأصول النحو في كتاب سيبويه شواهده القرآن الكريم وكلام العرب وأشعارهم، كما تراهُ في 39( حديثٍ واحد فقط، كما تراهُ في كان المسلك الأول الذي سلكه شيخ النُّحاة قانونًا مطردًا، نفذه النحاة مِن بعدِه مِن غير مُناقشة ولا نظر ولم يسلم ما سبق! فاستطاعَ الأُستاذ محمود حسني في مقاله المنشور في المجمع الأردني العربي ووسَّع الأول توجيه الدلالات النحويَّة أو الصرفيَّة منها. -ولـمّا ألَّف العلاَّمةُ أحمد راتب النّفّاخ كتابَه 58 المادة اللُّغوية التي يحتجُّ بها من منثور الكلام، ولم يصرِّح بنسبتِها للنبيِّ ﷺ، مما جعلَ ). (ص) 1( وكذا المعاجم العربيَّة، انظُر - أنموذجًا - مقالة (الاستشهاد بالحديث النبويِّ في مُعجَم )2( للدكتور حازم طه، المنشور في مجلَّة ).306-- نيسان
عدد الصفحات ٢٩27 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الدُّكتورة خديجة الحديثي تقول في كتابها (ص وعلَّلت ذلك بقولها في كتابها « واحتجَّ به، لذلك قدَّم لها بعبارات يقدِّم بها عادة لما يستشهد به من كلام العرب المنثور، فاهتم بنسبة الشواهد إلى القبائل لا إلى الأشخاص؛ لأن الأفراد يتكلمون عادة بلغة قبائلهم، كما أنه لم ينسب كثيرًا مِن أبيات الشعر إلى قائليها..؛ لأن قصده إثبات ورود صورة من صور التعبير في لغة معيَّنة من لغات العرب مع ذِكر مرتبة هذه اللغة... وفعل مثل ذلك في القراءات الأحاديث التي في بُطون كُتُب اللُّغة والأدب كثيرة، ومِنها عددٌ لا بأسَ قال أبو عُبيدة: به مُسندًا، وهي - عند أهل الاختصاص - غريبة، وألفاظ بعضها غير معهودة عندهم، ويزيد هذا الأمر حسن تخليص هذه الأحاديث على وجه يقيني، ولكن صنيع سيبويه - هذا - وإلغازه يُفيد أنَّ الحديث حُجَّة عندَه، ولذا تراهُ يستدلُّ بقطعة مِنه تارةً، ولم يَنْمِه إلى النبيِّ ﷺ خوفًا مِن الدخول تحت الوعيد، أو لرفع التعنِّي عن نفسه في إثبات صحَّة الحديث، ولم تكن آنذاك - آخر القرن الثاني الهجري - قد دُوِّنَت مناهج النقد على وجهٍ تفصيلي ظاهر؛ وإنما بقيت في صدور النُّقَّاد، الذي عبَّر بعضُهم عن صنيعهم بأنَّه كصنيع الصيارفة، إذ هو قائمٌ - آنذاك - على ملكات ومعرفة خاصة بالرُّواة ونمط الأداء، مع الإحاطة بطبقاتهم ومروياتهم. يبقى التنبيه على أمرٍ مُهمٍّ: أنَّ صنيع سيبويه هذا نُفِخَ فيه، ممَّا جعل بعضهم يطلق الأحكام ، ويقول: لم يعرف الاستدلال بالحديث النبوي قبل القرن السابع الهجري!)جزافًا والحقُّ أنَّ الإنكار لمْ يعرف قبل ابن الضائع، نَعَم هُنالك عدم تسليم للاستدلال الجزئي في مسائل تختلف فيها وجهات النظر، سواء في أصل الثبوت أو الاستنباط (التوجيه)، ستأتيك إشارة فيها حصر لمرويات سيبويه للحديث النبوي في كتابه) 1( (الشبهة الرابعة: دعوى أنَّ النُّحاة الأوائل تركوا الاحتجاج بالحديث
عدد الصفحات ٣٠28 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ولعلَّ الذي انقدح في نفس ابن الضائع أنَّه لَـمَّا ألَّف يصرِّح بذِكر الحديث النبوي، فأطلقَ عدم احتجاج سيبويه بالحديث، ولم يحرِّر كلامه، وبنَى عليه أبو حيَّان إنكاره - كعادته - على ابن مالك، وتعلَّق بعلل أُخرَى، فتولَّد اتجاه للمنع بسبب هذا الصنيع. ، ذكرَ ذلك ابن )وتفطَّن لذلك ابن خلدون - قديمًا -، وله في ذلك فتوى مفردة الطيِّب الفاسي، في مَعرِضِ سردِه لجماعة، منهم أئمَّة مُعتبرُون في اللُّغة والحديث، وبعضهم ممَّن مات قبل القرن السابع الهجري، قال - أي: الحديث -، والاستدلال بألفاظِه وتراكيبه جمعٌ مِن الأئمة، منهم: شيخا هذه ، )الصناعة وإماماها، الجمالان: ابنا مالك وهشام، والجوهري، وصاحب والحريري، وابن سِيدَه، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وأبو محمد عبد الله بن ).برِّي، والسهيلي، وغيرهم ممَّن يطول ذِكْرُهُم وغيره، )وقال أيضًا والعلاَّمة المحقِّق البدر الدماميني في ).مواضع مِن مُصنَّفاته، بل خصَّ هذه المسألة بالتَّصنيف وسأركِّز على مذهب جَمْعٍ مِن أساطين اللُّغة والحديث، وأبرز موقفهم مِن الاحتجاج بالحديث النبويِّ على المسائل النحوية، فأقول - وعليه التُّكلان، وهو سُبحانَهُ المُستعان -: مِن أشهر أصحاب هذا المذهب: ظفرتُ بها في أصل خطي عقب جواب البُلقيني، وسيأتي توصيفه لاحقًا. )1( .)212/ هو محمد بن مسعود الغَزْني (ت )2( .)« )3( ) انظر: شرحه على أحاديث) 4( 1493/و -النبوي: الأستاذ عبد الجليل بن محمد المرشدي في كتابه ). 273 .)« )5(
عدد الصفحات ٣١29 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة أولاً: ابن مالك: أكثر ابن مالك من الاحتجاج بالحديث النبوي وتخريج القواعد النحوية عليه، حتى عُدَّ زعيم هذا المذهب، ورائد هذا الاتجاه فحمل عليه أبو حيان، وأنكر استدلاله بالحديث قائلاً: « .)الكليه في لسان العرب وقد لخص الإمام السيوطي مذهب ابن مالك في الاحتجاج فقال: « .)شاهد عدل إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب وهكذا وضع ابن مالك الأمور في نصابها الصحيح، فعاد بالاحتجاج إلى المبدأ السليم الذي حاد عنه النحاة قبله، وسلك الطريق الذي ينسجم مع طبيعة اللغة وأهمية الشواهد، فكان عالمًا مُجدِّدًا في تاريخ النحو العربي. وقد أصاب الدكتور يوسف خليف، في تقديمه لكتاب ظهور ابن مالك يُعدُّ بداية مرحلة جديدة في تاريخ النحو العربي، يقف هو فوق قمتها ).« )1( .)134/« )2( 134-67-وتُنظَر أمثلة في استشهاد ابن مالك بالحديث النبوي للتَّوسُّع في ذلك بنيان بعُنوان (في الحديث الشريف والنحو) المنشورة في مجلَّة عبد الجبار النايلة بعُنوان (الحديث النبوي الشريف مِن مصادر الدرس النحوي) المنشورة في مجلة ).509-الرافدين ثم بعد تدوين هذه السطور رأيتُ دراسة الدكتور ياسر بن عبد الله الطريفي المطبوعة في مجلدين عن دار كنوز إشبيليا بعنوان والآثار في في الحديث النبوي عن الجامعة الأردنية سنة (شرح التسهيل) تخريجًا ودراسةً
عدد الصفحات ٣٢30 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة هو الذي قام بأكبر عملية تصفية تمت في الشامخة.... إن أهمية ابن مالك ترجع إلى أنه ). وخطا به الخطوة الأخيرة التي استقر بعدها في صورته الثابتة إلى اليومتاريخ النحو، :)2(ثانيًا: الدماميني انتصر الدماميني لابن مالك في الاحتجاج بالحديث النَّبويِّ، فقال في كتابه :)الفرائد على تسهيل الفوائد « إثبات الأحكام النحوية، وشنع عليه أبو حيان، وقال: ما استند إليه من ذلك لا يتم له، لتطرق احتمال الرواية بالمعنى إلى ما يستدل به من تلك الأحاديث، فلا يوثَق بأن ذلك « )1( هو محمد بن أبي بكر بن عمر بن محمد القرشي المخزومي، ويعرف بابن الدماميني نسبة إلى (دمامين )2( وهي بلدة في محافظة الصعيد بمصر، ولد بالإسكندرية سنة فمهر بعلوم العربية وشارك في الفقه وغيره، له مصنفات كثيرة، منها ).148/66/اللبيب وممن اعتنى بترجمته، وطول فيها وأجاد: ابن معصوم المدني في رحلته المسماة 192-الأريب طالع، وغور نازل، فمررنا في شارح بالداء العياء، حتى إنهم ألفوا كتابًا في المسائل التي سألوه عنها، ولم يجب فيها قال أبو عبيدة: لا يبعد عندي - بل يتقوى - أن سبب هذه المراسلة كانت على إثر تلك المطارحة، وأنها جاءت البلقيني من الهند إبان وجود الدماميني فيها. ولا يبعد عندي أنه أرسلها إلى ولده أحمد في مصر. وأن أحمد سلمها إلى البلقيني، وكان أحمد (ولد 106-105/الدماميني) ممن له صلة بالسراج، ترجمه السخاوي في « 15-14/258/1( )3( في كتابه تعليق الفرائد واستشهد الدماميني كثيرًا بالحديث النبوي في شرحه مواطن عديدة مِن ) 854-وكذا في القطعة التي أَتمَّها من شرحه على ).(فهرِس خاصٌّ بالأحاديث والآثار التي فيه)، ويُنظَر
عدد الصفحات ٣٣31 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة وقد أجريت ذلك لبعض المحتَجَّ به لفظُه عليه الصلاة والسلام، حتى تقوم به الحجة، اليقين ليس بمطلوب في بناء على أن مشايخنا فصوب رأي ابن مالك فيما فعله من ذلك، الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما تتوقف هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب، فالظن في ذلك كله كافٍ الأصل ولا يَخْفَى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقولَ المحتجَّ به لمْ يُبدَّل؛ لأن لا سيما والتشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث شائع بين النقلة عدم التبدُّل، والمحدثين. ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى، إنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه، فلذلك تراهم يتحرون في الضبط، ويتشددون، مع قولهم ، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تُبدَّل، ويكون احتمال )بجواز النقل بالمعنى التبديل فيها مرجوحًا، فيُلغى، ولا يقدح في الاستدلال. ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى، إنما هو فيما لم يدوَّن في الكتب، وأما ما دُوِّن وجُعِل في بطون الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه، من غير خلاف بينهم في ذلك. وتدوين الأحاديث والأخبار من أكثر الروايات وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك المبدِّلين، على تقدير تبديلهم، يُسَوِّغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يصحُّ الاحتجاج به بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دُوِّنَ ذلك المبدل على تقدير التبديل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى كما قال ابن الصلاح، فبقي حجة في بابه صحيحة، ولا يضر توهُّم ذلك الاحتمال السابق ، والله - تعالى - أعلم بالصواب )في شيء من استدلالهم المتأخر « في تعليقه على حديث) وقال أيضًا في سيأتي بيان شروطه بالتفصيل.) 1( يُقال فيما ليس له وجه: ما قاله الزمخشري) 2( .)النحويَّة واللغويَّة عند الزمخشري قال أبو عُبيدة: المؤلَّفات في تصحيفات المحدِّثين كثيرة، وطُبِعَ منها غيرُ واحد، ولا بُدَّ مِن إعمال قواعد المحدِّثين، والأمور عند أهل الصَّنعة ممكنة، وسنُعالج مثلاً مَشهورًا، يُمكِن أن يُقاسُ عليه. ).32/3( )3(
عدد الصفحات ٣٤32 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة جاء على لغةيتعاقبون فيكم ملائكة« لغة جميع العرب في هذا الحديث: إن الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر )وقال السهيلي «رواه البزار طويلاً مُجوَّدًا، فقال فيه في رد كلام ابن )قلت: دعوى لا دليل عليها، فلا يُلتفت إليها، وقد اعتمدها أبو حيان مالك في الاستدلال بهذا الحديث، ومعنى التعاقب: إتيان طائفة بعد أخرى ويعدُّ الدماميني من أبرز الذين حملوا راية التصدِّي لمانعي الاحتجاج بالحديث النبوي، :)وفي ذلك قال البغدادي في ولله درُّه؛ « .»فإنه قد أجاد في الرد وقال عنه الدكتور محمد ضاري الحمادي في كتابه :)في الدراسات اللغوية والنحوية « من أبرز نحاة الاحتجاج بالحديث، وأبرعهم في التَّصدِّي للمانعين، ومقارعتهم الحجة بالحجة وفي كلام الدماميني السابق إشارة إلى هذه المسألة التي بين أيدينا، فلعله أشار إلى ، فصوب رأي ابن مالك فيما لبعض مشايخنا، بقولهمكاتبته للبلقيني فعله من ذلك ).208/ نقل كلامه أبو حيَّان في) 1( 42/208/188/ في) 2( .)338/142/« .)14/1( )3( 371- (ص) 4(
عدد الصفحات ٣٥33 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة :)1(ثالثًا: محبُّ الدِّين ناظر الجيش -4408/نَقَلَ في شرحِه المُطوَّل على 4410 وتعرَّضَ لما ساقَهُ أبو حيَّان مِن دليل وفنَّدَه، وبيَّنَ أنَّ مناكدة أبي حيَّان لابن مالك إنّما باعثُها ، وهذا نصُّ كلامِه بحرُوفِه: )حصل في النَّفْسِ حسدٌ ما « بأنَّ الرُّواة جوَّزُوا النَّقل بالمعنَى؛ فيُقالُ فيه: لا شكَّ أنَّ الأصلَ في المرويِّ أنْ يُروَى باللَّفظ الذي سمع مِن الرسول ﷺ، والرواية بالمعنى وإن جازت فإنَّما تكونُ في بعضِ كلمات الحديث المُحتمَل لِتغيير اللَّفظ بلفظٍ آخَر يُوافقه معنىً، إذ لو جَوَّزْنا ذلك في كُلِّ ما يُروَى؛ لارْتَفَعَ الوُثوقُ عن جميع الأحاديث بأنَّها هي بلفظ الرسول ﷺ، وهذا أَمرٌ لا يجوزُ تُوهُّمُهُ، فضلاً عن أن يُعتقدَ وُقوعُه، ثُمَّ إنَّ المُصنِّف إذا استدلَّ على مسألة بحديث لا يقتصر على ما في الحديث الشريف، بل يستدلُّ بكلام العرب مِن نَثرٍ ونَظم يردف ذلك بما في الحديث، إمَّا تقويةً لما ذكرَه مِن كلام العرب، وإمَّا استدلالاً على أنَّ المستدلَّ عليه لا يختصُّ جوازُه بالشِّعر، بل إنَّه يجوزُ في الاختيار أيضًا، ولا يَخفَى عن اللَّبيب أنَّ قول النبي ﷺ لِعُمَرَ - «رضي اللهُ تعالى عنهُ - في ابن صيَّاد «، يَبعدُ فيه أنْ يكونَ مُغَيَّرًا، كذا قولُه ﷺ )3(في قَتْلِه هو محمد بن يوسف بن أحمد، المعروف بـ(ناظر الجيش)، المُتوفَّى سنة )1( السراج البلقيني جلال الدِّين عبد الرحمن مُصاهَرة ).4412/« )2( .) أخرجَهُ البخاري )3( 94/هكذا بوصل الضمير في هذين الموضعين، وهو كذلك في الطبعة البولاقية 448/وحده في 126/8( .)675/522/في ثم نظرتُ في نسخة الشيخ إسماعيل بن علي البقاعي (ت فيها
عدد الصفحات ٣٦34 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، وأمَّا قولُهُ: إنَّ المُصنِّف ما أمعنَ النَّظَرَ في ذلك فما علمت الأمر الذي أشار إليه بأن )1(إيَّاكُم ).المصنِّف ما أمعن فيه نظره ما هو؟ رابعًا: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: احتجَّ ابنُ تيميَّة كغيرِه مِن السابقين بالحديث النبويِّ على قِلَّة وترَى أمثلةً مِن ذلك 285/60/36/في ).202/7( وممَّن بسطَ مذهب ابن تيميَّة في ذلك الدُّكتور هادي أحمد فرحان الشجيري في رسالته للدُّكتوراه ).358-وأثرها في استنباط الأحكام الشرعيَّة خامسًا: الحافظ ابن حجر العسقلاني: لَعَلَّ صنيع ابن حجر في منها، مع معرفته الواسعة بالعربية، وذوقه اللغوي العالي ممَّا يسمح بأن تظهر جهوده في هذه المسألة على وجهٍ بارز، وتحتاج - كما تقول الباحثة الدكتورة ناهد بنت عمر العتيق في رسالتها 895/« مُؤصَّلَة بفنّ الحديث، وعِلم الرِّجال، وموازنة الروايات، إلاَّ أنَّه يمكن - ومن خلال قراءة كتابه :)كاملاً - وضع أُطر عامَّة تحدِّد نهج ابن حجر في هذا الموضوع، وهذه الأُطر على النحو التالي يقبل ابن حجر الاحتجاج بالحديث على صحَّة القواعد النحوية، ويعتمده مصدرًا الأوَّل: بلا تردُّد حيث يظهر أنَّ اللفظ محفوظ لم تختلف الرواة في لفظه. 219/ هو مفرَّق من عدَّة أحاديث، انظُر )1( المقصود ).4411- 4410/« )2( ما تحته مِن دراسة الدُّكتورة ناهد العتيق مُلخَّصًا، وفيها بعضُ الأمثلة على الأُطر المذكورة، وقد بَحَثَتْها في )3( دراستها المُنوَّه بها
عدد الصفحات ٣٧35 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة تشتدُّ عبارة ابن حجر في الردِّ على المُخالِف في المسألة التي ثَبَتَ الحديثُ على الثاني: وَفْقِها، وذلك لِقرائن تحفُّ بها، مثل كثرة وُرودها في النُّصوص، ونحو ذلك. يدفع ابن حجر الاحتجاج بالحديث في النحو، إذا ظهر له أن اللَّفظ (موضع الثالث: الاحتجاج) قد تصرَّف فيه الرُّواة، بحيث تذهب طُمأنينة القلب إلى أن هذا اللفظ الذي فيه الحُجَّة قد قالَهُ رسولُ الله ﷺ، أو مَن هو في عَصر الاحتجاج بقوله. يتسامح ابن حجر في الاحتجاج بالحديث على القواعد النحوية على كَون الرابع: اللَّفظ قد وَقَعَ فيه اختلافٌ بين الرُّواة، وذلك لقرائن تُحيط بالمسألة، مثل: وُرود ذلك في نُصوص أُخرَى، أو كون اللَّفظ مُخرَّجًا على لُغةٍ مُتَّفَقٍ عليها، وإنْ كانت قليلة، أي: ليس ).في المسألة اختلافٌ ثم قالت بعدَ أن استطردَت في التَّمثيل على ما سبق: ♫« مِن رَفض الاحتجاج بما ثَبَتَ أنّ الرُّواة تصرَّفُوا في لفظه، إلاَّ أنَّه يُمكن القول: إنَّ موقفًا ، وهو الحافظ، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين ♫قويًّا مِثل هذا ينتهجُه ابن حَجَر في الحديث، والعلاَّمة في معرفة الرجال، وطرق الحديث ورواياته، وقد بَلَغَ فيها منزلة شهد له فيها بالتَّفوُّق أكابرُ شيوخه، وعوَّلُوا على قولِه في كثيرٍ مِن المسائل، أقول: إنَّ هذا الموقف جديرٌ بأن يُوقف عنده، ويُدرس دراسة علميَّة فاحصة، علَّها تَفتح آفاقًا جديدة في ).مجال الدَّرس النحوي :)3(سادسًا: ابن سعيد التون عرض ابن سعيد مسألة الاستدلال بالحديث في كتابه ).906-895/« )1( .)906/ المصدر السابق) 2( هو محمد بن علي بن سعيد الحِجْري التونسي، أديب نحوي، له حاشية على )3( مالك ).297/44/توفي شابًا سنة
عدد الصفحات ٣٨36 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، وردَّ ردًّا طويلاً على أبي حيان، ودافع عن ابن مالك، حيث كان ينقل اعتراض )الواكب أبي حيان على ابن مالك، ثم يرد عليه بكلام طويل من وجوه مختلفة، لخَّص أهمَّها الدكتور فيما يلي:)حسن الشاعر في كتابه 1 مشتغلين به ولا قاربوا ذلك، وليس المصنف مثلهم 2 فكفاهم ذلك عن الاستشهاد بالأحاديث التي يحتاجون فيها إلى الوسائط الكثيرة فيما بينهم وبين قائليها، وليس كذلك المصنف. 3 يدل عليه كلامه - ولو بمعنى الظن القوي الكافي، في مثل هذه الصناعة، كان في المرتبة العالية من البطلان، فإن بعض الأحاديث بل كثيرًا منها لم تختلف فيها الرواة أصلاً، فكان ذلك كالإجماع منهم على أنها لفظ رسول الله ﷺ. 4 عن النبي ﷺ إلا وهو محتمل أن يكون ليس مرويًّا باللفظ، وذكروا أن الراوي بالمعنى يقول أو كما قال، أو نحوه، فطردُ الاحتمال في جميع الأحاديث حتى ينتفي الظن القوي باطلٌ، فلا يسوغ الرد على المصنف في كل حديث استشهد به بمجرد الاحتمال، بل حتى يبيِّنَ - مثلاً - قصة جاءت عن النبي ﷺ بألفاظ متعددة. 5 لفظه - عليه الصلاة والسلام -، لأن وقوف الرواة عند تلك الألفاظ كالإجماع على نفي ما ، الذي كان إذا قال◙سواها، سيما إذا كان في الرواة مثل عبد الله بن مسعود . )رسول الله ﷺ ).150-146/« )1( .)55-« )2( 548-547/83/ إشارة إلى ما أخرجَهُ الدارمي )3(
عدد الصفحات ٣٩