التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 1 التعذ ُّدُّفيُّالمعنىُّبينُّالقر ُّاء ُّاتُّالق ُّرآني ُّةُّون ُّظري ُّةُّ الن ُّظمُّ أ.م.د بيان شاكر جمعة جامعة الانبار / كمية التربية لمعموـ الانسانية د. صاحب رشيد موسى جامعة السميمانية / كمية التربية الاساسية - كلار إضــاءةُُّّ ألا يمكف النظر إلى المعاني المتعددة لمنص الواحد وا لاختلافات الناجمة عف اختلاؼ الروايات والقراءات القرآنية ؛ عمى أنيا أسس تخمؽ جمالية لمنص المقروء ؟ ألا يمكف القوؿ بأنيا يمكف أف تمنحنا معاني متعددة ومختمفة لمنص الواحد ؟ فإذا كاف النص اليومي والتقريري قد وضع مف أجؿ توصيؿ معنى واحد لمس امع فمف الحري بالنص الإ بداعي – فضلا عف أف يكوف نصاً ربانياً - أف يقوـ بتوصيؿ عدة معاف لمنص . إف ت عدد المعاني أو اختلافيا ليس مما يمكف أف يُ كْ ره ، فالتعدد موجود في النصوص الأدبية عموماً نتيجةً لاختلاؼ الروايات حوؿ البيت الواحد أو حوؿ لفظة مفردة ، كما أنو موجود في أكثر مف فف مف فنوف البلاغة العربي ة كالمجاز و الكناية والتمميح والرمز وغيرىا ، ألا نتمتع بالتعدد نحف أنفسنا ؟ . كما أف عمماء أصوؿ الفقو والفقياء وىـ المختصوف بتحميؿ النص القرآني قد أشار وا إلى فكرة التعدد وا مكانيتيا وا ف لـ يكونوا متفقيف فيما بينيـ حوؿ بعض تجمياتيا - سنشير إلى ذلؾ في موضعو إف شاء ا﵀ - ، بينما يُ صر بعض البلاغييف ومف بينيـ الجرجا ني عمى نفي التعدد نيائياً وا بعاده بوصفو شبحاً مخيفاً ومحطماً لمنصوص ؟ لـَ أراد منا أف نفيـ معنىً واحداً فقط مف النص - وىو المعنى ال واضح أو المقصود فيو - عمى رغـ أننا لا يمكف أبداً أف نتوصؿ إلى ىذا المقصود مف خلاؿ بنية المغة ؟ وليذا نجد اختلافاً واسعاً بيف المفسريف و اختلافاً واسعاً أيضاً بيف شراح الدواويف الشعرية ذلؾ الا ختلاؼ الذي يمكف رده في غالب الأحياف إلى الاختلاؼ في الأصوؿ المذىبية أو الفكرية ؟ ألا يمكف عد المعاني المتعددة والمختمفة شكلاً ممكناً لمخطاب ؟ وبالتالي شكلاً ممكناً لمفيـ ؟ .
عدد الصفحات ١التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 2 فضلاً عف أف أصحاب القراءات يدعوف أف تعدد الروايات في آيات معينة لا يشكؿ اختلافاً كبيراً في المعنى بؿ اختلافات بسيطة نزؿ الوحي بيا كميا ولا يمكف تلافييا أو تلافي معانييا المتعددة التي تمنحيا ، أفلا يمكف إذف أف نعيد ليذا الاختلاؼ والتعدد ىيبتو ؟ . 1 - قضية القراءات وتعدد المعنى مف المسمـ بو أف في النص القرآني قراءات متعددة نابعة مف روايات متعددة لمنص الواحد ، و مف المسمـ بو أيضاً أف ىذا التعدد في القراءات لا يشكؿ فرقا كبيراً في المعنى المستنتج منيا ، وقد حصر بعضيـ تعدد القراءات في الكثير مف الأسس كالحذؼ والإثبات والتحريؾ والتسكيف والفصؿ والوصؿ والتقديـ والتأخير وغير ذلؾ"1" إلا أف الداني ( ت444 ) يمخصيا في ثلاثة أبواب رئيسة وىي ( اختلاؼ المفظ ، والمعنى واحد والثاني اختلاؼ المفظ والمعنى جميعاً مع جواز أف يجتمعا في شيء واحد لعدـ تضاد اجتماعيما فيو والثالث اختلاؼ المفظ والمعنى مع امتناع جواز أف يجتمعا في شيء واحد لاستحالة اجتماعيما فيو )"2" ويقصد بالأوؿ منيا الأمور المتعمقة بالإمالة والتخفيؼ والمد ومقداره والقصر وغيرىا مما لا تعمؽ لو بالمعنى بتاتاً لأف المعنى يبقى معو واحداً في جميع قراءاتيا ، وأما الثاني فكقراءة ( ممؾ ) و(مالؾ ) في سورة الفاتحة " 3 " فالمتنَاوَ ؿ بالحديث ىو ا﵀ جؿ جلالو في القراءتيف ولذا لا فرؽ بيف كونو ممكا ومالكا ، وأما الثالث فكقراءة الآية ( وظنوا أنيـ قد كُذِّبوا )"4" بيف التشديد مع البناء لممجيوؿ ( كُذِّبوا ) كي يعود إلى الرسؿ وبيف التخفيؼ والبناء لممعموـ ( كَذَبوا ) كي يعود إلى الكافريف بالرسؿ أي بيف أف يكوف الظف في قولو تعالى ( ظنوا ) فعلاً مف الرسؿ أو مف الكافريف فالموضوع المتناوؿ عندئذ ليس واحداً وىكذا تكوف الألفاظ المختمؼ حوليا مغيرة لممعنى كمياً ، و نرى بأف ىذا التقسيـ أوجز مف باقي التقسيمات والتفريعات وأكثر تعمقاً بمراد بحثنا . و ليس اختلاؼ المعاني الناجـ عف اختلاؼ القراءات كبيراً بحيث يؤدي إلى النقض أو التضاد و قد تحدث عف ذلؾ الإماـ السيوطي رحمو ا﵀ في كتابو الإتقاف وجعؿ الاختلاؼ عمى نوعيف أحدىما : اختلاؼ تضاد وتناقض , وىو المعارضة مف كؿ وجو بحيث لا يمكف الالتقاء مطمقاً وىو ( ما يدعو فيو أحد الشيئيف إلى خلاؼ الآخر )"5" ومثؿ ىذا النوع لا وجود لو في القرآف الكريـ ، وثانييما : اختلاؼ تلازـ , ويندرج تحت ىذا النوع الاختلاؼ في وجوه القراءات وقد قاؿ عنو : ( اختلاؼ التلازـ ىو ما يوافؽ الجانبيف كاختلاؼ وجوه القراءة)" 6. " وعمى ىذا نود أف نقسـ ىذه القراءات بحسب علاقتيا بالمعنى عمى
عدد الصفحات ٢التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 3 1 – قراءات تغير معنى النص القرآني دوف إحداث اختلافات مف قبيؿ التضاد فيو 2 – قراءات لا تغير المعنى أساساً . وينصب اىتمامنا عمى القسـ الأوؿ فيما نمغي الاىتماـ بالقسـ الثاني لأنو لا يدخؿ في إطار بحثنا وىو كالمد والإمالة والإدغاـ وغيرىا مما يغير النطؽ الصوتي لمكممة الواحدة فقط ولا يغير المعنى . ولسنا بصدد القراءات غير المتواترة فما ييمنا بالأحرى القراءات المتواترة التي نص العمماء عمى تواترىا وىي عمى الأغمب مف القراءات العشر المعروفة التي جمعيا صاحب النشر في القراءات العشر"7" . وأحيانا ما نجد قراءتيف متساويتيف في التواتر يقؼ بعضيـ مع قراءة منيما ، والبعض الآخر مع القراءة الأخرى ، فيفسر كؿ منيما الآية بناءً عمى ما احتج بو ، ويحدث أحياناً أف يحاوؿ أحد المختمفيف ، أو كلاىما تضعيؼ القراءة التي احتج بيا الآخر فيقع في المحظور وىو إنكار قراءة متواترة مقطوع بقرآنيتيا ، أو عمى الأقؿ الغض مف قدرىا و مف المفيد أف نعمـ أف القرا ءات المتواترة في الموضع الواحد بمنزلة آي ات مختمفة حوؿ المعنى الواحد ، تكمؿ كؿ قراءة منيا الأخرى ولا تعارضيا ، ويمتنع الترجيح بينيا" 8" ، فإف أمكف الحمؿ عميياكميا لزـ ذلؾ ، وا لا فلا يجوز الترجيح أو الإىماؿ فيي بمنزلة آي ات متعددة تحمؿ عدة معاف يمكف الأخذ بيا وىو ما يشكؿ اختلافا مف باب التلازـ عمى حد تعبير السيو طي آنؼ الذكر ، وقد قاؿ بصدد ذلؾ : ( تنوع القراءات بمنزلة الآيات)" 9" ويتفؽ معو كؿ مف الزرقاني والشنقيطي " 10". 2 - وجهة نظر الجرجاني حول التعدد لـ يضع الجرجاني نظريتو في النظـ ليسمح لتعدد المعاني بالظيور ، وىذا ما يمكف أف نراه جمياً حينما نفكر في النظرية تو ازياً مع قراءتنا لكتابو ، بؿ إنو في عدة مواضع يشدد النكير عمى كؿ تعدد محتمؿ في المعاني كالتعدد الذي يطرحو الاختلاؼ النحوي أو المغوي أو التعدد النابع مف القراءات وسوؼ نبتدئ ىنا بتناوؿ الأدلة التي تؤكد كوف النظرية لا تتفؽ مع التعدد في صمب تكوينيا بؿ إنيا تقؼ معو عمى طرفي نقيض . معروؼٌ أفَّ النظـ وضعٌ للألفاظ مطابقةً لمعاني النفس لأنؾ ( تقتفي في نظميا آثار المعاني وترتبيا عمى حسب ترتيب المعاني في النفس ... مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضيا مع بعض حتى يكوف لوضع كؿٍّ حيث وضع عمة تقتضي كونو ىناؾ )" 11"فمكؿ لفظ إذف موقع و
عدد الصفحات ٣التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 4 الخاص الذي استدعتو عمة معينة في التعبير عف المعنى النفسي ، وربط المفظ بعمة يعني أف تغير المفظ ينجـ عف تغير عمتو قبمو ، فما الذي نقوؿ في تغير ألفاظ القراءات ؟ أيمكف أف يضع الكاتب أكثر مف عمة بحيث ينتج عنيا أكثر مف لفظ ؟ ألا ترتبط المفظة بنظاـ الكلاـ أعني بكؿ الألفاظ السابقة واللاحقة ؟ وما دامت لكؿ لفظة عمة فيذا يعني أف ترتبط العمة الواحدة بمجموعة مف العمؿ المرتينة بمجموعة مف الألفاظ السابقة واللاحقة ؟ أولا يعني تغيير عمة لفظ واحد تغيير عمؿ الألفاظ الأخرى كميا تمؾ التي قادت إلييا وتمؾ التي نتجت عنيا ؟ وىذا يعني تغيير الألفاظ كميا في مرحمة ثانية وفي ىذا ما فيو مف المحاؿ مقارنة بفكرة القراءات القرآنية ، وليست ىذه الفكرة بعيدة عف نظرية النظـ فالنظـ قائـ عمى علاقات الألفاظ ببعضيا بوصفيا نسيجا متكاملا . وما داـ معروفاً أف ما يتغير في القراءات لا يتجاوز في الغالب لفظاً واحداً في الآية القرآنية ؛ فيؿ يمكف الحديث عف عمة ممكنة بدلاً مف عمةٍ حقيقية ؟ عمة نستنتجيا مف النص ولا تسبقو تكوف عمى شاكمة التعميؿ بعد الوقوع ، وا ذا كاف ىذا ممكنا فيو يتعارض مف جية ثانية مع النظرية ؛ فيؿ يمكف افتراض تعدد لممعاني النفسية ؟ قد يجوز ذ لؾ مع النص القرآني المعجز ولكنو لا يتوفر في النصوص البشرية ، وىذا ما يجعؿ مف النظرية مختصة بالقرآف الكريـ فقط وتصبح نظرية دينية بذلؾ لا بلاغية عامة . ومع ذلؾ تصادفنا مشكمة التقديـ والتأخير فالجرجاني يقوؿ : ( إذا وجب لمعنى أف يكوف أولاً في النفس وجب لمفظ الداؿ عميو أف يكوف مثمو أولاً في النطؽ )"12" وىذا ما يعني مطابقة تامة بيف جانبي الألفاظ والمعاني في الترتيب ، ولا يغرنا قولو ( إذا ) ىنا فيو لا يريد منيا الافتراض السابؽ الذي جعمناه مخرجا لما سبؽ مف كلامو بؿ إف أداة الشرط ىذه متعمقة بحاؿ المتكمـ فإذا وجب بالنسبة إلى المتمكـ – بسبب ما يريد الحديث عنو والظروؼ المحيطة وبمعنىً السياؽ كمو - وضع معنى ما أولا فيجب عندئذ أف يضع المفظ الداؿ عميو أولاً في النطؽ ، فما الذي نقولو في تعدد القراءات الخاصة بالتقديـ والتأخير ؟ أيمكف لمكاتب أف يجعؿ الأمور متساوية في التقديـ وا لتأخير لكي نخرج مف مأزؽ القراءات وتعددىا وننقذ النظرية ؟ لا يمكف بنظر الجرجاني أف يكوف التقديـ والتأخير متساوياف البتة فتساوييما يعني تساوي المعاني النفسية في ترتيبيا ، وىذا ما يمكف أف ييدـ الوجوب الذي تحدث عنو قبؿ قميؿ . المسألة متأرجحة إذف بيف الافتراض و الإلزاـ ، الجرجاني يريد إلزاـ الكاتب بالتنظيـ والاختيار والحذؼ والفصؿ والوصؿ"13" فيو يقوؿ( واعمـ أف ليس النظـ إلا أف تضع كلامؾ
عدد الصفحات ٤التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 5 الوضع الذي يقتضيو عمـ النحو وتعمؿ عمى قوانينو وأصولو )"14" عمى أساس التعبير عف المعاني النفسية السابقة للألفاظ ، فالإلزاـ يسير و فؽ قوانيف وأصوؿ لا يمكف المحيد عنيا فما داـ لديؾ معنى محدد فيجب عندئذ أف تسير وفؽ قانوف محدد لإيصالو . ويتضح ذلؾ جيداً بقولو : ( ما وصفوه بفساد النظـ وعابوه مف جية سوء التأليؼ أف الفساد والخمؿ كانا مف أف تعاطى الشاعر ما تعاطاه مف ىذا الشأف عمى غير الصواب و صنع في تقديـ وتأخير أو حذؼ وا ضمار أو غير ذلؾ ما ليس لو أف يصنعو وما لا يسو غ ولا يصح عمى أصوؿ ىذا العمـ ) "15" لديو إذف معيار لمصحة والخطأ وىو قائـ عمى النسؽ الذي يجري فيو الكلاـ فالنسؽ الكلامي – إف صح التعبير – أو نظاـ الكلاـ يقودنا نحو التخطئة أو التصويب و لذا فميس ثمة سوى إمكانية واحدة للاستعماؿ الصحيح وكؿ ما عداىا خاطئ ، وىو يعيب كثيراً عمى الشعراء بناء أبياتيـ بشكؿ نحوي معيف مستنداً إلى سياؽ الأبيات السابقة أو التالية في القصيدة ليستنتج صحة طريقة التعبير أو خطأىا . وبصدد دفاعو عف الإعجاز القرآني يقوؿ الجر جاني بأننا لف نجد في القرآف : ( كممة ينبو بيا مكانيا ولفظة يُ نكر شأنيا أو يُ رى أف غيرىا أصمح ىناؾ أو أشبو أو أحرى وأخمؽ )"16" نعـ ليس ثمة أصمح أو أشبو مما يمكف أف نضعو مف عندنا ولكف ثمة قراءات أخرى بألفاظ وصياغات مختمفة متواترة كتواتر القراءة المتفؽ عمييا ، أيمكف أف نبعدىا ونجعؿ النص قائماً عمى قراءة واحدة فقط نقوؿ عنيا بأنيا لا يصمح غيرىا ؟ ثـ أف الجرجاني قد زاد توضيح ذلؾ في تعريفو لمبلاغة قائلاً بأنيا :( أف يؤتى المعنى مف الجية التي ىي أصح لتأديتو ويختار لو المفظ الذي ىو أخص بو وأكشؼ عنو وأتـ لو وأحرى بأف يكسبو نبلاً ويظير فيو مزية )"17" فيو يعتبر أف المعنى الواحد لو عدة طرؽ لتوصيمو ولكف ثمة طريقة أفضؿ مف أخرى ( أصح لتأديتو ) نحوياً وأف ثمة عدة ألفاظ لتعبر عف المعنى ولكف الألفاظ تتراوح بيف الخاص والأخص وعمى الكاتب أف يختار الأخص والأكشؼ والأتـ ، ولـ يقؿ لنا فيما إذا كاف يمكنو قوؿ ذلؾ بصدد القراءات المتعددة أيمكف أف نعتبر بعضيا أفضؿ مف بعض ؟ . ولنأخذ عمى ذلؾ مثلاً بسيطاً فيو يقوؿ : ( ىؿ تشؾ إذا فكرت في قولو تعالى ﴿ وقيؿ يا أرض ابمعي ماءؾ ويا سماء أقمعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت عمى الجودي وقيؿ بعدا لمقوـ الظالميف ﴾"18" فتجمى لؾ منيا الإعجاز وبيرؾ الذي ترى وتسمع انؾ لـ تجد ما وجدت مف المزية الظاىرة والفضيمة القاىرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط ىذه الكمـ بعضيا ببعض وأف لـ يعرض
عدد الصفحات ٥التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 6 ليا الحسف والشرؼ إلا مف حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وىكذا إلى أف تستقرييا إلى آخرىا وأف الفضؿ تناتج ما بينيا وحصؿ مف مجموعيا )" 19" ومسألة ملاقاة لفظة بأخرى تثير لدينا مشكمة بصدد القراءات فمف المعموـ أف في القراءات القرآنية ما ىو مف قبيؿ التقديـ والتأخير فما الذي سنقولو بصدد القراءات الأخرى إف كانت الأولى فييا تلاقي الثالثة والثان ية تلاقي الرابعة ؟ أكاف الجرجاني يريد القوؿ بأف ىذا الشكؿ مف النظـ ىو المعجز فقط ؟ أـ كاف يريد القوؿ بأف ىذا الشكؿ عمى أساس المعنى الفلاني - إف صح افتراضو – ىو المعجز وأف الشكؿ الآخر سوؼ ينتج لنا معنى آخر ؟ وما الذي سيكوف عميو حاؿ ىذا الآخر أىو معجز أيضاً ؟ وبذا فيو ينفي فكرة الإعجاز مف حيث يريد إثباتيا ، لأف القوؿ بأف كؿ الأشكاؿ معجزة يعني أف أي كلاـ سواه ىو معجز أيضاً . وعمى رغـ ذلؾ فإنو يؤكد بأف المسألة تتعمؽ بترتيب واحد ممكف فقط عمى أساس معنى واحد مراد فقط لأف الترتيب يرتبط بالقصد إذ يقوؿ : ( وجممة الأمر أنو لا يكوف ترتيب في شيء حتى يكوف ىناؾ قصد إلى صورة وصنعة إف لـ يقدـ فيو ما قُدِّـ ولـ يؤخر ما أخر وبدئ بالذي ثنى بو أو ثنى بالذي ثمث بو لـ تحصؿ لؾ تمؾ الصورة وتمؾ الصنعة ) "20"والقصد إلى صورة محددة يعني قصداً إلى ترتيب محدد في الألفاظ أي إلى شكميا كي يقود إلى قصد محدد في شكؿ المعنى أو ما يطمؽ عميو النظاـ التركيبي لمنص ، فالتقديـ والتأخير يجب أف يكونا في موضعييما المحدَّديف ليما عمى أساس المعاني التي تفرض ترتيبيما ؛ لأف القصد والصنعة يفرضاف ىذا الترتيب ، وقد مر معنا كيؼ أف ربط التقديـ والتأخير بمسألة التعمي ؿ يثير مشكمة كبيرة ، فيو يعتبر أف عمة التقديـ ىي كذا فما الذي سنفعمو أماـ القراءات التي يتغير الترتيب فييا ؟ أنقوؿ بأف عمة التقديـ إف تقدـ المفظ ىي كذا وعمة التأخير إف تأخر ىي كذا ؟ يقوؿ بصدد التقديـ والتأخير : ( اعمـ أنا لـ نجدىـ اعتمدوا فيو شيئا يجري مجر ى الأصؿ غير العناية والاىتماـ ) " 21" فيؿ يعتني النص القرآني بالمقدـ ؟ وما الذي نفعمو أماـ التأخير الذي يكوف عكسو في النص نفسو ؟ أيعتني أيضاً بتأخيره ؟ . ونتيجة لذلؾ يقرر بكؿ بساطة ووضوح : ( لا يتصور أف تكوف صورة المعنى في أحد الكلاميف أو البيتيف مثؿ صورتو ف ي الآخر البتة )"22" وىو يتجاوز بذلؾ مشكمة السرقات الأدبية التي طالما بحث فييا البلاغيوف واعتبرىا مسألة غير ذات أىمية لأنو لا يعقؿ أف يكوف لكلاميف المعنى نفسو أبداً صحيح أنو لـ يحدد درجة التشابو ىذه بدقة ، ولكنو مع ذلؾ ينفي التشابو في
عدد الصفحات ٦التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 7 المعنى الذي نجده في القرآف الكريـ والذي نستنتجو مف تعدد القراءات ونحف نقر معو بأف المعنى في القراءات مختمؼ ولكنو متناسب عمى الأقؿ فالغرض فيو واحد وتختمؼ صور تأديتو والمعنى الدقيؽ فيو ، وربما نسي الجرجاني أنو يتحدث عف نص قرآني لا عف نص بشري فكؿ كلامو يكاد ينطبؽ عمى الأغمب عمى النصوص البشرية وبعيد كؿ البعد عف النص الإليي . ولكي يجزـ مسألة الافتراض التي تحدثنا عنيا يستجمب الجرجاني قولو تعالى ﴿ وكمبيـ باسط ذراعيو بالوصيد ﴾"23" ويقرر بأف استبداؿ لفظ ( باسط ) بالفعؿ ( يبسط ) غير ممكف أبدا لأف ىذا الفعؿ يستدعي معنى آخر لـ يكف مرادا في ال نص القرآني فيقوؿ : ( إذا أردت أف تعتبره بحيث لا يخفى أف أحدىما لا يصمح في موضع صاحبو فانظر إلى قولو تعالى﴿ وكمبيـ باسط ذراعيو بالوصيد ﴾ فإف أحدا لا يشؾ في امتناع الفعؿ ىينا وأف قولنا كمبيـ ( يبسط ) ذراعيو لا يؤدي الغرض وليس ذلؾ إلا لأف الفعؿ يقتضي مزاولة و تجدد الصفة في الوقت ويقتضي الاسـ ثبوت الصفة وحصوليا مف غير أف يكوف ىناؾ مزاولة وتزجية فعؿ ومعنى يحدث شيئا فشيئاً ... وا ذا ثبت الفرؽ بيف الشيئيف في مواضع كثيرة وظير الامر باف ترى أحدىما قد صمح في موضع صاحبو وجب أف تقضي بثبوت الفرؽ .... وتعمـ أف المعنى مع أح دىما غيره مع الآخر )" 24" نعـ نحف نقضي بأف المعنى مع أحدىما غيره مع الآخر ولكف ىذا لا يعني بأف الفعؿ لا يصمح موضع الاسـ ، فما الذي نفعمو إذا فرضنا بأف ثمة قراءة عمى الفعؿ بدلا مف الاسـ ؟ أيبقى الأمر غير صالح ؟ يبدو أف الجرجاني يصر عمى أف المعنى النفسي واحد و ىو معنى حقيقي ولذا لا يمكف أف نستبدؿ أية لفظة لأف ذلؾ يغير المعنى النفسي ، إنو ينطمؽ مف إمكاناتنا البشرية ليقيس عمييا الإمكانات الإليية ( قياس الغائب عمى الشاىد ) فيقرر بأف المعنى النفسي لا يمكف أف يتعدد . 3 – الموقف الصريح من القراءات بعد تناولنا للأسس النظرية لنظرية النظـ وتعارضيا مع فكرة تعدد المعاني في القراءات القرآنية نود أف نورد كلاـ الجرجاني الآف صريحا بصدد ذلؾ التعدد ، وبدايةً فيو يغض مف قيمة تعدد القراءات المتعمقة بالأداء أو بكيفية القراءة قائلاً : ( وىؿ يكوف أضعؼ رأيا وأبعد مف حسف التدبر منؾ إذا ىمؾ أف تعرؼ الوجوه في أأنذرتيـ والإمالة في رأى القمر وتعرؼ السراط والزراط وأشباه ذلؾ مما لا يعدو عممؾ فيو المفظ وجرس الصوت ولا يمنعؾ إف لـ تعممو بلاغة ؛ ولا يدفعؾ عف بياف ؛ ولا يدخؿ عميؾ شكا ؛ ولا يغمؽ دونؾ باب معرفة ؛ ولا يفضي بؾ إلى تحريؼ
عدد الصفحات ٧التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 8 وتبديؿ وا لى الخطأ في تأويؿ وا لى ما يعظـ فيو المعاب عميؾ ويطيؿ لساف القدح فيؾ ؛ ولا يعنيؾ ولا ييمؾ أف تعرؼ ما إذا جيمتو عرضت نفسؾ لكؿ ذلؾ وحصمت فيما ىنالؾ ؛ وكاف أكثر كلامؾ في التفسير وحيث تخوض في التأويؿ كلاـ مف لا يبني الشيء عمى أصمو ولا يأخذه مف مأخذه )"25" وقد مر معنا أف الأصولييف لا يعتدوف بالقراءات المتعمقة بالأداء كذلؾ "26" كالمد والإدغاـ وغيرىما ، ومع ذلؾ فيو لـ يتطرؽ إلى الصنؼ الآخر مف القراءات وأعني بو الصنؼ الثاني المتعمؽ باختلاؼ المعاني والألفاظ وىو الجزء الأىـ مف القراءات غاضاً النظر عنو ببساطة لأنو يعمـ بأف ىذا الصنؼ يثير مشكمة كبيرة بالنسبة إلى نظريتو الأساس . وفي أوؿ مرة ترد فييا قراءة يتفؽ مع شيخو أبي عمي الذي رجح قراءة عمى أخرى الذي كاف قد تابع الزجاج بذلؾ في قولو تعالى ( إنما حَرَّـَ عميكـ الميتةَ والدـَ ) "27 "بيف النصب عمى إلغاء عمؿ ( إف ) لأف ( ما ) كفت ( إف ) عف العمؿ ، وبيف الرفع ( إنما حُرِّـ عميكـ الميتةُ والدـ ُ ) عمى أنيا خبر ( إف )؛ والزجاج يختار قراءة النصب ويتابعو الفارسي ، وما ييمنا ىنا أنو يورد كؿ ىذا الكلاـ ولا يخطر ببالو أف يتحدث عف القراءات وتعددىا وتعدد المعاني النابع منيا وموقؼ النظرية مني ا . وقد تابع شيخو في اختياره مرجحاً قراءة واحدة فقط دوف أف يعمؽ عمى مصير القراءة الثانية "28" . ثـ اختار توجييا نحويا واحدا في قراءتي الآية ( قالت الييود عزيرٌ ابفُ ا﵀ِ )"29" حيث قرأ عاصـ والكسائي ويعقوب الحضرمي وأبو عمرو بف العلاء ( عزيرٌ ) بالتنويف وقرأ الباقوف بالرفع بدوف تنويف )عزيرُ ) وىـ نافع وعبد ا﵀ بف كثير وحمزة وابف عامر وأبو جعفر يزيد بف القعقاع ومعموـ أف ىؤلاء القراء مف أصحاب القراءات المتواترة "30" ، وقد أوضح الجرجاني ذلؾ قائلاً وىناؾ باب واسع ومف المشكؿ فيو قراءة مف قرأ وقالت الييود عزيرُ ابف ا﵀ بغير تنويف وذلؾ أنيـ قد حمموىا عمى وجييف احدىما أف يكوف القارئ لو أراد التنويف ثـ حذفو لالتقاء الساكنيف ولـ يحركو "31" .... فيكوف المعنى في ىذه القراءة مثمو في القراءة الأخرى سواء ، والوجو الثاني أف يكوف الابف صفة ويكوف التنويف قد سقط عمى حد سقوطو في قولنا جاءني زيد بف عمرو ويكوف في الكلاـ محذوؼ ثـ اختمفوا في المحذوؼ فمنيـ مف جعمو مبتدأ فقدر وقالت الييود ىو عزير ابف ا﵀ ومنيـ مف جعمو خبرا فقدر وقالت الييود عزير ابف ا﵀ معبودنا وفي ىذا أمر عظيـ .... وا ذا كاف الأمر كذلؾ كاف جعؿ الابف صفة في الآية مؤديا إلى الأمر العظيـ )"32" وىو يقر بالقراءتيف إذا كانتا تعوداف إلى التنويف في كؿ الأحواؿ ، وفي ىذا ما فيو مف تقييد لمعنى النص
عدد الصفحات ٨التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 9 باتجاه واحد فقط وا لغاء ما عداه ، وىو بذلؾ يختار التوجيو الذي يجعؿ ( ابف ) خبرا لا صفة ، ويعد الاختيار الآخر مفضيا إلى عظيـ القوؿ . 4 – الآيات القرآنية الأخرى استشيد الجرجاني في كتاب الدلائؿ بما يزيد عمى مائة وخمسيف آية وقد وجدت أف سبعاً وأربعيف آية منيا فييا قراءات وأف الباقي ( مائة وخمس آيات ) خالية مف القراءات مع استثناء الآيات التي استشيد بيا في خطبة الكتاب أو مقدمتو لأنيا لـ يستشيد بيا في مسألة تخص صمب نظرية النظـ التي قاـ عمييا جيده في كتابيو المعروفيف . ونعتقد بأف ىذا الكـ الكبير مف الآيات التي استشيد بيا كاف حرياً أف ينبيو إلى ضرورة الاىتماـ بالقراءات كأمر مفروغ منو وأف يحاوؿ توجيييا و تطويع النظرية كي تشمميا بشكؿ ما ، عمى أف كثيريف قبمو تحدثوا عف تعدد المعنى في القراءات وعدـ تناقضيا ، ولكنو لـ يفعؿ ذلؾ بؿ نفى التعدد واختار قراءة عمى أخرى كما مر معنا ، ونريد ىنا أف نفحص بعض تمؾ الآيات وخصوصاً تمؾ التي تتعمؽ بصمب النظرية منيا . ففي قولو تعالى ﴿ أصطفى البنات عمى البنيف ما لكـ كيؼ تحكموف﴾"33" وردت قراءة الجميور بالاستفياـ ووردت قراءة نافع بألؼ الوصؿ عمى الخبر عمى أنيا حكاية لشنيع القوؿ ثـ يأتي الاستفياـ لمتوبيخ والمطالبة بالحجة "34" ويستشيد بيا الجرجاني في باب الاستفاـ المتسمط عمى الفعؿ والفرؽ بينو وبيف ذلؾ المتسمط عمى الإسـ متناسياً القراءة الثانية التي تجعؿ الألؼ لمصمة لا للاستفياـ"35" عمما بأنو تتوفر لديو آيات أخرى – وقد استشيد بيا أيضاً - تنفعو في مطمبو وكاف يمكنو الاكتفاء بيا وعدـ الاقتراب مف الآيات الحاممة لقراءات متعددة ، وعندما يتناوؿ الجرجاني ىذه المسألة – الاستفياـ ودخولو عمى الفعؿ والاسـ – فإنو يتحدث عنو بوصفو مؤسسا لأحد أركاف نظريتو في النظـ فما الذي سنقولو أماـ القراءتيف ؟ . وفي موضع آخر يستشيد بقولو تعالى ﴿ ولما ورد ماء مديف وجد عميو أمة مف الناس يسقوف ووجد مف دونيـ امرأتيف تذوداف قاؿ ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى ليما ثـ تولى إلى الظؿ ﴾"36" عمى أنو فيو حذؼ المفعوؿ بو في أربعة مواضع وىي بعد الأفعاؿ ( يسقوف ، تذوداف ، لا نسقي ، سقى ليما ) والأصؿ فييا ( يسقوف أغناميـ ، تذوداف غنميما ، لا نسقي غنمنا ، سقى ليما غنميما ) وفي ىذا الحذؼ يتـ تناسي المفعوؿ فيكد
عدد الصفحات ٩التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 10 الذىف في استخراجو ؛ وفيو أيضا جعؿ المفعوؿ عاما يشمؿ المحذوؼ وغيره فيسقوف قد تشمؿ الأغناـ وغيرىا وتذوداف قد يشمؿ أيضا أغناميما وغيرىا بؿ قد تذوداف نفسييما ، ولسنا معترضيف عمى ىذا الكلاـ ولكف النص فيو قراءة أخرى لا تقؼ ضد حديث الجرجاني ىذه المرة بؿ م عو ومع ذلؾ لـ يذكرىا ، فقد ورد أف الفعؿ يصدر قرئ بفتح الياء وضـ الداؿ (يَصدُر ) وقرئ أيضاً برفع الياء وكسر الداؿ ( يُصدِر ) "37" ومف الوضح أف بيف الفعميف فرقا واضحا في المعنى بيف أف يكوف الصدور فعلا لمرعاء بأنفسيـ وبيف أف يكوف فعلا ليـ بأغناميـ ( أي يَصدر الرعاء ويعودوف ، و يُصدِر الرعاء أغناميـ ) أي بيف أف يكوف الفعؿ لازما أو متعديا"38" ، فإذا كاف متعديا ومفعولو محذوؼ فيكوف حالو في الاستشياد بو حاؿ أقرانو مف الأفعاؿ الأربعة التي ذكرىا الجرجاني . و في قولو تعالى ﴿ أنو مف عمؿ منكـ سوءا بجيالة ثـ تاب ﴾ "39" يستشيد عمى ( إفَّ ) التي تدخؿ عمى ضمير الشأف"40" ، وعمى رغـ أف القراءات المتواترة "41"حوؿ ىذه الآية تدور حوؿ فتح وكسر اليمزة في ( اف ) فإف الجرجاني لـ يفرؽ لنا بيف المعنييف وراح يتحدث عف اتصاليا بضمير الشأف فقط والفرؽ بيف اتصاليا بو وعدمو ، ومف الواضح أف اتصاليم ا بيذا الضمير يختمؼ مف حالة إلى أخرى ؛ بيف أف ننقؿ كلاما لغيرنا أو أف نقرر فكرة ما باستعماؿ (أف ) المفتوحة عمى سبيؿ الحكاية وبيف أف نؤكد انطلاقا مف أنفسنا باستعماؿ اختيا المكسورة . 5- الآيات الواردة في كتاب أسرار البلاغة إف المشكمة التي يواجييا الجرجاني ى ي أف القراءات تنويعات لفظية تقود إلى تنويعات في المعنى ، بينما يصر ىو عمى أف الألفاظ لا يمكف أف تحتمؿ إلا معنى واحدا ، ولننتبو إلى مسألة أساس ينبني عمييا كؿ كلاـ الجرجاني : لـ يكف الجرجاني مف أنصار المفظ كما أنو لـ يكف مف أنصار المعنى ؛ عمى رغـ أف كلامو قا ئـ عمى نفي المزية عف الألفاظ وأصواتيا مما كاف يعيره البلاغيوف قبمو جؿ اىتماميـ ؛ كاف الجرجاني ب الأحرى مف أنصار معاني النحو فقط ؛ ولذا كاف يمثؿ تحولا في الرؤية مف الألفاظ وقيمتيا الجمالية نحو التراكيب وقيمتيا المنطقية . وفي ىذه الرؤية تأتي فكرتو الأساس في نظ رية النظـ فيو يرى بأف المعاني النحوية الكامنة في المؤلؼ أو الكاتب ىي التي تفرض الكممات وترتيبيا وذكرىا مف عدمو وفصميا ووصميا ؛ أي ىي التي تفرض كؿ ما يتعمؽ بالكلاـ وبنائو منذ بداية التفكير فيو وقد أسماىا المعاني النفسية التي تسبؽ الكلاـ بالفعؿ ، وفي كتابو الثاني ( أسرار البلاغة ) كاف مصراً عمى تناوؿ الموضوع
عدد الصفحات ١٠التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 11 المتعمؽ بالمفردات – أعني بو عمـ البياف - ضمف نظاـ المعاني النحوية نفسو الذي انبنى عميو كتابو الأوؿ ( الدلائؿ ) ، ولننتبو إلى أف الجرجاني لـ يؤلؼ كتابا في القسـ الثالث مف أقساـ البلاغة العربية ألا وىو البد يع ؛ واكتفى بتناولو في إشارات بسيطة ومقتضبة في أسرار البلاغة ودلائؿ الإعجاز "42" . وعمى أية حاؿ فإف كتاب الأسرار ىو الآخر مميء بالآيات القرانية التب تضـ قراءات مختمفة ولكف الجرجاني لـ يذكرىا ولـ يشر إلييا ، فإذا كاف قد أشار في الدلائؿ إلى قراءتيف قرآنيتيف ل ينصر إحداىما عمى الأخرى ؛ فإنو في الأسرار لـ يشر إلى ذلؾ أساسا ، ولذا سنتجو مباشرة نحو تناوؿ الآيات التي استشيد بيا والتي يزيد عددىا عمى ستيف آية كانت ثماف آيات منيا تحمؿ قراءات أخرى ، عمى أننا سنقتصر ىنا عمى بعض الأمثمة التي كاف فييا مساس بموضع الاستشياد فقط . ففي قولو تعالى ﴿ يَا أَي يَا الَّذِيفَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْفَ يَدَيِ المَّوِ وَرَسُولوِ ﴾"43" توجد قراءتاف الأولى بضـ التاء وكسر الداؿ مف ( تُقدِّموا ) والثانية بفتحيما ( تَقدَّموا ) "44" بينما يعتمد الجرجاني عمى قراءة واحدة فقط ويقوؿ : ( المعنى عمى أنيـ أُمِروا باتِّباع الأمر، فمما كاف المتقدِّـ بيف يدي الرَّجُؿ خارجاً عف صفة المتابع لو، ضَرَب جممة ىذا الكلاـ مَثَلاً للاتباع في الأمر، فصار النَّيي عف التقد ـ متعمّقاً باليد نيياً عف تَرْؾِ الاتباع )"45" ومف الواضح أف بيف المعنييف اختلافا واضحا عمى رغـ أنو يمكف الجمع بينيما بشكؿ مف التأويؿ ، ولكف غرضنا ىنا أف نثبت أف الجرجاني استشيد بيذا النص ليجعؿ منو مثلا لاتباع الأوامر النبوية بشكؿ عاـ بينما تقصر القراءة الأخرى الأمر عمى التقدـ أماـ الرسوؿ الكريـ صمى ا﵀ عميو وسمـ . وفي قولو تعالى ﴿ فَأَتَاىُ ـُ المَّوُ مِفْ حَيْثُ لَـ يَحْتَسِبُوا ﴾"46" قراءتاف أيضا الأولى باليمز (أتاىـ ) والثانية بالمد ( آتاىـ ) "47" ويكوف المقصود بأنو تعالى آتاىـ ما لـ يذكره بالتفصيؿ لمدلالة عمى كثرتو سواء أكاف فضلا أـ عقابا ، بينما يقصر الجرجاني المعنى عمى اليمز فيقوؿ: (وقوؿ الرجؿ: آتيؾ مف حيث لا تشعرُ، يريد أُنزؿُ بؾ المكروه، وأفعؿُ ما يكوف جزاءً لسوء صنيعِؾ، في حاؿ غَفْمةٍ منؾ، ومف حيث تأمف حُمولَو بؾ ) "48" . ولدينا أخيرا آية قرانية فييا الكثير مف القراءات ، وىي قولو تعالى ﴿ وَجَعَمُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِيفَ ىُـْ عِبَادُ الرَّحْمفِ إنَاثاً أشَيِدُوا خَمْقَيُـْ سَتُكْتَبُ شَيَادَتُيُـْ وَيُسْئَمُوف ﴾"49" ويكمف الاختلاؼ في المفظ عباد ) وفي ( أشيدوا ) ففي الأ وؿ ىناؾ قراءة (عند) بدلا مف (عباد )"50" وقراءة (عباد ) نفسيا
عدد الصفحات ١١التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 12 بالرفع والنصب "51"، وفي (أشَيدوا) بفتح اليمزة والشيف والأخرى بيم زتيف الأولى مفتوحة والثانية مضمومة مع إسكاف الشيف ( أَأُشْيدوا ) "52" ولـ يقـ الجرجاني باستعراض كؿ ىذه الخلافات في الآية القرآنية واقتصر كذكمؾ عمى قراءة واحدة "53" ، وعمى رغـ أف الجرجاني يجمب ىذه الآية شاىدا عمى معنى الجعؿ في المغة والقرآف الكريـ ولكف الآية م ميئة كما رأينا بالقراءات وكاف يمكف لمجرجاني أف يبيف أف اختلاؼ القراءات في ىذه الآية ليس مما يمكف أف يؤثر عمى فكرتو حوؿ معنى الجعؿ . 6- الآيات المتعددة القراءات وأفق التعدد في المعنى عمى رغـ التعارض الواضح بيف القراءات القرآنية وبيف نظرية النظـ ، وعمى رغـ أف الجرجاني لـ ييتـ – نتيجة لذلؾ - بالقراءات حسبما رأينا مف مسيرتنا معو ؛ فإف ىذه القراءات المتعددة تفتح إمكانية لمتعدد في المعنى ، وسوؼ نتناوليا مفكريف بما يمكف أف نفعمو معيا لنعيدىا إلى النظرية ، ومف المعموـ أف الجرجاني وضع لنظريتو أربعة أركاف أساسية وىي التقديـ والتأخير والفصؿ والوصؿ والحذؼ والفروؽ في الخبر وىي أركاف يمكف إعادة تسميتيا بعيدا عف الثنائيات التي اعتمد عمييا فتكوف : الرتبة والربط والحذؼ والاختيار . لقد أوقعت فكرة المعنى التركيبي الجرجاني ب مشكمة نفي التعدد في المعنى ولو كاف نحا نحو معنى مفيومي كامؿ لكاف تخمص مف المشكمة كميا ، وكاف عمى الجرجاني أف يتوقؼ أماـ النص القرآني خصوصا لأننا لا يمكف لنا أف نجزـ بالمراد ولا بالمعاني السابقة عمى كلامو تعالى ، وحتى لو تجاوزنا المسألة نحو الكلاـ البشري فإف الوصوؿ إلى المعنى النفسي السابؽ لمكاتب غير ممكف أبدا لأننا لا يمكف لنا بأي حاؿ أف نتحقؽ مف مراد كلامو مف خلاؿ نصوصو ؛ ثـ أف العقوؿ البشرية تختمؼ في تمقييا لمنصوص سواء أكانت بشرية أـ إليية ومف أجؿ ذلؾ نرى ىذا الكـ الكبير مف كتب الإعراب القرآني والتفاسير والتحميلات وشروح الدواويف الشعرية التي لا تنتيي لأف العقؿ البشري يتعدد بتعدد حامميو ؛ وتعدده ىذا يقود حتما إلى تعدد في المعاني . ولو نظرنا إلى قولو تعالى ﴿ وجعموا الملائكة الذيف ىـ عباد الرحمف إناثا أشيدوا خمقيـ ستكتب شيادتيـ ويسئموف ﴾"54" التي سبؽ أف مررنا عمييا في كتاب الأسرار ، ونسأؿ بص ددىا: ما الفرؽ بيف أ ف تكوف المفظة ( عباد ) أو ( عند ) ؟ مف الممكف أف نقوؿ أف القراءتيف تمنحانا توسيعا في المعنى دوف أف نفترض خمفيات ورائية ؛ مبيمة أ و غامضة بالنسبة إلينا عمى الأقؿ؛ قادت إلى استعماؿ إحداىما دوف الأخرى ، فالملائكة عباد الرحمف وىـ في الوقت نفسو عنده
عدد الصفحات ١٢التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 13 تعالى ، ومعنى عنده أي برىف أوامره تعالى ، فيو رد عمى منكري الرسالات بأف الملائكة حتى وا ف كانوا إناثا فيـ أفضؿ منكـ أييا المنكروف لأنيـ تحت أمره ينتظروف ما يريده تعالى لينفذوه مباشرة ؛ وأما التعقيب بقولو ( أشيدوا خمقيـ ) والخلاؼ فييا بيف ىمز ة واحدة لمبناء لممعموـ وىمزتيف لمبناء لممجيوؿ وبيف التعدي إلى مفعوؿ واحد أو إلى مفعوليف ؛ فيو خلاؼ لا يتعارض مع قراءة ( عند ) لأنو تعالى يريد أف يسأليـ ( أشيدتـ خمقيـ ) لتقرروا جنسيـ وفي القراءة الثانية يكوف المعنى أأشيدتكـ أو أشيدكـ أحد خمقيـ لتقرروا جنسيـ ؛ إني أنا ا﵀ الخالؽ فقط ولـ أشيدكـ خمقيـ بؿ عمى العكس أشيدتُ الملائكةَ خمقكـ أييا البشر المنكروف ، فأنتـ إذف لا تستطيعوف الحديث عف جنس ما خمقت وىـ ثانيا معي وليس معكـ في أرضكـ وىذا يعني أنيـ مستوروف لـ تروا خمقيـ ولا حاليـ الآف ، كما أنو تعالى أضافيـ إ لى الرحمف ليدلؿ عمى أنو أرحـ بيـ منكـ . وىـ في الوقت نفسو عباد لو تعالى عمى عكس المنكريف الذيف لا يعبدوف ولا يطيعوف ، واستعمؿ التنكير ليـ كي يقمؿ مف شأنيـ في مقابمو تعالى ولكي يذكر البشر بأنيـ عباد أيضا لأصناميـ فميقارنوا بيف الحاليف : بيف مف يعبد الرحمف و بيف مف يعبد غيره . وما أقصده بالمعنى المفيومي ىو ىذا بالضبط : أي أف ننتج مف الألفاظ المتعددة الممكنة معنى واحدا مفيوميا يكوف شاملا لممعاني الممكنة كميا دوف تمييز ، فالآية ىذه تدور حوؿ فكرة واحدة يكمف فييا حؿ مشكمة تعدد القراءات – مع أف تطبيؽ المعنى المفيومي عمى آية قرآنية واحدة غير ممكف إلا في تطبيقات تجريبية – وىي فكرة ( استنكار التحدث عما لا نعمـ عنو ) سواء أكاف ما نتحدث عنو ىذا مف قبيؿ التجنيس – مف الجنس - أو التحديد أو الوصؼ أو غيره مف الأفكار عما لا نراه ولـ نشيد تكوينو ، ومع ىذه الفكرة تصمح كؿ الألفاظ لتشكؿ معاني ثانوية غير مُرَكَّزٍ عمييا في الكلاـ وليذا وردتنا عدة قراءات تدور حوؿ ىذا المعنى المفيومي ولا تمسو بأي خمؿ مف قريب ولا مف بعيد ، وأنا أزعـ أف كؿ كلاـ البشر ىو عمى ىذه الشاكمة غير المحددة بدقة ما دمنا ندخؿ حضرة المغة . وعمى ىذا الأساس يمكف لنا أف ننظر إلى أركاف النظرية الأربعة مف جديد : أ – الرتبة ( التقديم والتأخير ) وىذا أوؿ باب أساس في نظرية النظـ وقد رأينا بأف الجرجاني يربط بيف رتبة المفظة في الجممة وبيف العمة التي اقتضت ذلؾ فجعؿ لكؿ لفظة رتبةً محددةً مقصودة "55" لا يمكف تغييرىا لأنيا قائمة عمى إرادة المتكمـ التي لا يمكف تغييرىا أيضاً ، وقد قمنا بأف الجرجاني لو جعؿ العمة
عدد الصفحات ١٣التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 14 افتراضية لتخمص مف المشكمة ولكنو عدىا عمة حقيقية فاصطدـ بالتعدد النابع مف تعدد القراءات القرآنية ، وقد أوقعت فكرة المعنى السياقي – النحوي والتركيبي - الجرجاني في ىذا المأزؽ و لو نحا نحو المعنى المفيومي لصار التقديـ والتأخير يمنح النص جماليات متعددة وممكنة بدلا مف قصره عمى شكؿ تقعيدي ، البلاغة فف وليست نقدا والمشكمة أف الجرجاني أراد منيا أف تكوف لا منطمقا لمفيـ بؿ منطمقا للانتاج . ويحفؿ النص القراني بقراءات متعددة يتغير فييا موق ع المفظ بيف تقديـ وتأخير ولـ يذكرىا الجرجاني في دراستو خوفا مف تعارضيا مع نظريتو كقولو تعالى ﴿ وكذلؾ زيف لكثير مف المشركيف قتؿ أولا دىـ شركاؤىـ ﴾"56" فقرأ ابف عامر ( زُ يِّ ف ) بضـ الزاي وكسر الياء بالبناء لمممجيوؿ ورفع لاـ ( قتؿ ) عمى النيابة عف الفاعؿ ونصب ( أولادىـ ) عمى المفعوؿ بالمصدر وكسر اليمزة مف ( شركائيـ ) عمى إضافة المصدر إليو فاعلا ، والمعنى أف ىناؾ مف زيف لكثير مف المشركيف قتؿ أولادىـ الذيف ىـ شركاؤىـ ، وقرأ الباقوف ( زَ يَّ ف ) بفتح الزاي والياء مبنيا لمفاعؿ المعموـ ونصب ( قتؿ ) بو ، وكسر ( أولادىـ ) عمى الإضافة ، ورفع ( شركاؤىـ ) عمى أنيا فاعؿ لمفعؿ ( زيف ) ، أي زيف شركاء المشركيف لكثير مف المشركيف قتؿ أولادىـ "57" ، ولكي ندرؾ المعنى المفيومي الذي تحدثنا عنو فالتزييف والقتؿ والمشركوف مفاىيـ موجودة في النص كيفما قمبناىا في القراءتيف ولكف الاختلاؼ سيكمف في لفظ الشركاء فمف قرأ ( زَيَّف ) عمى البناء لممعموـ جعؿ الشركاء فاعلا فيكوف المعنى زيف الشركاء قتؿ الأولاد ( زَيَّف شركاؤىـ ليـ قتؿ أولادِىـ ) ، ومف قرأ ( زُيِّف ) عمى البناء لممجيوؿ ( زُيِّف قتؿُ شركائيـ لأولادىـ ) أي أف ثمة مف زيف لممشركيف أف يقتؿ شركا ؤىـ أولادَىـ أي أولاد المشركيف ، والفرؽ إذف بيف عدّ الشركاء ىـ القتمة في قراءة البناء لممجيوؿ وبيف كونيـ مزينوف لمقتؿ فقط ، أو بيف كونيـ فاعميف لمقتؿ أو لمتزييف ، وفي كمتا الحالتيف فإف القتؿ والتزييف مف قبؿ الشركاء اشتراؾ في جريمة كبرى لا يسامح عمييا قانوف أو عرؼ ، ونحف نرى بأف تغيير الفعؿ ( زيف ) بيف البناء لممعموـ والبناء لممجيوؿ ىو الذي قاد إلى خمؽ ىاتيف القراءتيف ، ومف ثـ فإف الأخذ بالقراءتيف مما يضيؼ إلى النص اكتمالا وتوسيعا في المعنى ، لأف عدَّ الشركاء مزينيف أـ قتمة فعمييف يجعؿ منيـ مجرميف في كؿ الأحواؿ ؛ وأ، نفيـ أنيـ كانوا يقوموف بالميمتيف في آف واحد فيو أوسع لمعنى النص . ومثمو قولو تعالى ﴿ فالذيف ىاجروا وأخرجوا مف ديارىـ وأوذوا في سبيمي وقاتموا وقتموا لأكفرف عنيـ سيئاتيـ ﴾"58 "حيث قرأ ابف كثير وعامر ( وقاتموا وقُتموا ) وقرأ حمزة والكسائي
عدد الصفحات ١٤التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 15 وخمؼ ( وقُتموا وقاتموا ) "59" وحجة مف قدموا ( قاتموا ) أنيـ يجب أف يقاتموا أولا كي يقتموا بعد ذلؾ وأما حجة مف يقدـ ( قتموا ) أف بيف الفعميف واو العطؼ التي تعمؿ لممساواة والتشريؾ وأف لا فرؽ بيف تقديـ أحدىما عمى الآخر لأنيا لا تفيد الترتيب وأما فائدة ىذه القراءة الثانية فيي لإظيار أف بعضيـ يقاتؿ وبعضيـ يقتؿ فتفيد الواو التوزيع ىنا ، ويبدو لي المعنى المفيومي في ىاتيف القراءتيف واضحا فافتتاحية الآية ( ىاجروا وأخرجوا ) تشير إلى أف ىناؾ مف ىاجر طوعا وىناؾ مف أُخرج قسرا ، بؿ أف الخارج طوعا خرج قسرا أيضا لأنو أراد أف يجد لمديف الإسلامي مكانا جديدا لنشره فقد خرج المسمموف كميـ قسرا بعد ضغوط المشركيف عمييـ ، كما أف الخارج قسرا خرج طوعا لأف المشركيف خيروىـ بيف العودة إلى ديف الجاىمية وبيف اتباع الاسلاـ فاختاروا الاسلاـ ولذا فيـ خرجوا طوعا مف مكة المكرمة لأنيـ خرجوا بناء عمى اختيارى ـ ، فلا فرؽ إذف مف ناحية المعنى المفيومي بيف المقاتؿ والمقتوؿ فمف قاتؿ يمكف أف يُقتَؿ كما أف مف قُتؿ كاف قد قاتؿ بالتأكيد ، ودمج المعاني بيذا الشكؿ لا تتيحو إلا إمكانية التعدد في القراءات والمعاني . حتى القراءات الشاذة لا يمكف أف تخيفنا مف شذوذىا مادامت ي مكف أف تنصير في بوتقة المعنى المفيومي العاـ كقولو تعالى ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحؽ ﴾ "60 "والتي وردت معيا قراءة شاذة وىي قولو ﴿ وجاءت سكرة الحؽ بالموت ﴾ وقد تناوليا ابف جني في كتابو المحتسب ضمف القراءات الشاذة عمى أنيا وردت عف أبي بكر رضي ا﵀ عنو حينما جاءه الموت وقرأ بيا طمحة وسعيد بف جبير "61" ويضيؼ صاحب مناىؿ العرفاف إلييما زيف العابديف رضي ا﵀ عنو ويقوؿ عنيا بأنيا قراءة منسوخة لـ توافؽ رسـ المصحؼ العثماني ولذا لا يجوز القراءة بيا وذكر آية قرآنية أخرى تحمؿ النمط نفسو مف القراءات أعني بو نمط الرتبة وىي في ق ولو تعالى ﴿ إذا جاء نصر ا﵀ والفتح ﴾ "62" والقراءة الثانية فييا ىي ﴿ إذا جاء فتح ا﵀ والنصر ﴾ وىي منسوخة أيضا ولا توافؽ الرسـ العثماني " 63" ، وما ييمنا ىنا موقؼ الجرجاني مف قراءة كيذه عمى فرض تواترىا ؛ فما الذي سيقولو عنيا ؟ أنكتفي بأنيا منسوخة أو شاذة أـ نفعؿ كما فعؿ ابف جني في تحميؿ القراءتيف والتعرؼ عمى المعنى الذي يمكف لنا أف نستخرجو منيما ؟ قاؿ ابف جني بأف القراءتيف تقولاف المع نى نفسو ففي القراءة المتواترة ( سكرة الموت ) يكوف المعنى بأف سكرة الموت ىي التي جاءت بالحؽ إلى الميت فتكوف الباء مف (بالحؽ ) متعمقة بالفعؿ ( جاءت ) وأما في القراءة المنسوخة ( سكرة الحؽ بالموت ) فتكوف الباء متعمقة بمحذوؼ عمى أف تكوف حالا أي وجاءت سكرة الحؽ ومعيا الموت كما نقوؿ خرج بثيابو أي وثيابو عميو " 64" فيكوف المعنى واحدا
عدد الصفحات ١٥التعدُّد في المعنى بين القرَاءَات القُرآنيَّة ونَظريَّة النَّظم ........................................................... أ.م.د بيان شاكر جمعة ، د. صاحب رشيد موسى مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 16 في الحاليف بؿ أف ابف جني يجعؿ الحؽ والموت واحدا جاء كؿ منيما بصاحبو فلا فرؽ بيف القراءتيف ، ولسنا بذلؾ ندافع عف القراءة الثانية ىذه ولكننا نود القوؿ بأف التعدد في المعنى لا يخيؼ إلى درجة تضطرنا إلى اليروب منو وتلافيو بؿ عمى العكس يمكف صير الاختلافات الناجمة عف القراءات المتعددة في بوتقة واحدة واستنتاج معنى لـ نكف نعرفو لولا ورود قراءة ثانية لمنص تفتح معناه نحو التوسع . ب- الربط ( الفصل والوصل ) والمسألة نفسيا مع الفصؿ والوصؿ أو الربط بيف عناصر الجممة أو بيف الجمؿ أو بيف المقاطع فالمعنى المفيومي لا يتعمؽ بيا تعمقا أساسيا ماداـ الميـ الحصوؿ عمى معنى كمي مراد مف حديث المتكمـ ، لأف التركيز عمى الربط بيف العناصر يخضع لسياقات تواصمية بحت تدور حوؿ إيصاؿ فكرة محددة إلى سامع محدد في وقت ومكاف محدديف أيضا بينما لا يقتصر الإبداع عمى ىذه السياقات ويظؿ مفتوحا لتغيرات لا تنتيي ، ومف ىنا ضرورة البحث عف الذي يستمر في التواجد في النصوص الإبداعية عمى رغـ انتياء سياقاتيا الخاصة ؛ ومف الحري أف نطبؽ ىذا الكلاـ عمى النص القرآني أولا لأف المراد منو ليس حكرا عمى لغة أو ديف أو زمف أو مكاف بعينو بؿ ىو نص جاء لينشر فكرة في الإنسانية جمعاء . ومف الفصؿ والوصؿ قولو تعالى ﴿ وسارعوا إلى مغفرة مف ر بكـ ﴾"65" فقد قرأ نافع وابف عامر ( سارعوا ) بغير واو" 66" ومعموـ أف ىذا يناقض كلاـ الجرجاني مف استعماؿ الفصؿ في موضع الفصؿ والوصؿ في موضع الوصؿ ، لأننا عمى ىذه القراءة يجوز لنا أف نقرأ بإثبات الواو العاطفة أو أف نقرأ مع عدميا ، ما داـ المعنى لا يمكف المساس بو مف ناحية المفيوـ . ومثمو قولو تعالى ﴿ والذيف اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ﴾"67" فقرأ نافع وابف عامر الذيف ) بلا واو وقرأ ابف كثير وأبو عمرو وعاصـ وحمزة والكسائي ( والذيف ) بالواو" 68" بيف العطؼ عمى ( وآخروف مرجوف ...) في الآية السابقة وبيف القطع والابت داء مف جديد "69. " وا ذا كاف الجرجاني يرى فرقا بيف أدوات الربط ىذه ففي قولو تعالى﴿ وتوكؿ عمى العزيز الرحيـ ﴾"70" وردتنا قراءة أخرى تجعؿ الواو فاءً71" مما يجعمنا نستنتج أف لا فرؽ مف خلاؿ المعنى المفيومي بيف استعماؿ الفاء أو الواو لمربط ىنا أو في غيره مف المو اضع إذا كاف ىذا ما نريده ، فمف الممكف جعؿ الفاء في جواب الشرط ( فإف عصوؾ فقؿ إني بريء مما تعمموف ) أو أف نجعؿ الجواب ( فقؿ ) وتكوف الواو في ( وتوكؿ ) استئنافية "72" بؿ انيا يمكف أف تكوف
عدد الصفحات ١٦