منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة النقل هنا من تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية، معظم له، مقر بإمامته وفضله، وله من الإطراء لشيخ الإسلام الشيء الكثير، (انظر: مقدمة شرحه لتائية ابن تي مية وما وصف به الشيخ فيها(. وهذا التلميذ: هو إمام كبير، ع ل م من أعلام الحنابلة، وأحد أكابر أذكيائهم، ومؤلفاته من أحسن المؤلفات في الأصول واللغة والاعتقاد والفقه. وهو العلامة نجم الدين الطوفي. وتنبه: أن الطوفي معاصر للصراع في هذه المسألة، شاهد على الردود ا لمتبادلة فيها. والمفترض -بادئ الرأي- أن يميل لشيخه ابن تيمية، لأنه شيخه، وحنبلي مثله، وخصومه ليسوا حنابلة، وعامتهم أشاعرة، والطوفي حنبلي أثري ! لكن ما هكذا كان العلماء، فاقرأ وتعلم . _________________________
عدد الصفحات ٨٢منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة قال الطوفي رحمه الله تعالى، في قوله تعالى: ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه (: "احتج بها الشيخ شمس الدين الجزري شارح المنهاج في أصول الفقه على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فيما قيل عنه أنه قال : لا يستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستغاثة بالله عز وجل من خصائصه وحقوقه الخاصة به، فلا تكون لغيره، كالعبادة. وتقرير الحجة المذكورة أنه قال : ]يجب أن ينظر في حقيقة الاستغاثة: ماهي؟ وهي: الاستنصار والاستصراخ [. ثم قد وجدنا هذا الإسرائيلي استغاث بموسى واستنصره واستصرخه بنص هذه الآيات، وهي استغاثة مخلوق بمخلوق، وقد أقر موسى عليها الإسرائيلي، وقد أقر الله عز وجل موسى على ذلك، ولم ينكر محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لمانزلت هذه الآيات، أي: فكان هذا إقرارا من الله عز وجل ورسوله على استغاثة المخلوق بالمخلوق. وإذا جاز أن يستغاث بموسى؛ فبمحمد صلى الله عليه وسلم أولى؛ لأنه أفضل بإجماع .
عدد الصفحات ٨٣منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة ومما يحتج به على ذلك: حديث هاجر أم إسماعيل، حيث التمست الماء لابنها، فلم تجد، فسمعت حسا في بطن الوادي فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث . وهذا في معنى الاستغاثة منها بجبريل، وقد أقرها على ذلك، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم عليها لما حكاه عنها. ]ولأن اعتقاد التوحيد من لوازم الإسلام، فإذا رأينا مسلما يستغيث بمخلوق علمنا قطعا أنه غير مشرك لذلك المخلوق مع الله عز وجل، وإنما ذلك منه: طلب مساعدة أو توجه إلى الله ببركة ذلك المخلوق [ وإذا استصرخ الناس في موقف القيامة بالأنبياء ليشفعوا لهم في التخفيف عنهم؛ جاز استصراخهم بهم في غير ذلك المقام. وقد صنف الشيخ أبو عبدالله بن النعمان كتابا سماه: ( مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام)، واشتهر هذا الكتاب،و أجمع أهل عصره على تلقيه منه بالقبول، وإجماع أهل كل عصر حجة ]". هل انتهى كلام الطوفي الحنبلي؟ لا، وأنا فصلت بفاصل لأني شايفك وعاجنك وخابزك يا اللي بتتعجل وبتتهم العلماء
عدد الصفحات ٨٤منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة في نفسك أنهم غافلون عن ملحظك العبقري، وسذج لا يدركون أن الكلام ليس في الاستغاثة بالحي الحاضر القادر! قال الطوفي: "فإن قيل: الآية ليست في محل النزاع من وجهين : أحدهما: أن موسى حينئذ كان حيا، ونحن إنما نمنع الاستغاثة بميت.[ والثاني أن استغاثة صاحب موسى به كان في أمر يمكن موسى فعله، وهو إعانته على خصمه، وهو أمر معتاد،ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بالمخلوق فيما يختص فعله بالله عز وجل كالرحمة والمغفرة والرزق والحياة ونحو ذلك ] لي، أو ارحمني أو ارزقني، أو أحييني، أ و أعطني مالا وولدا؛لأن ذلك شرك بالإجماع [. وأجيب عن الأول بأن الاستغاثة إذا جازت بالحي؛ فبالميت المساوي فضلا عن الأفضل أولى؛ لأنه أقرب إلى الله عز وجل من الحي من وجوه : أحدها: أنه في دار الكرامة والجزاء، والحي في دار التكليف. الثاني: أن الميت تجرد عن عالم الطبيعة القاطعة عن الوصول إلى عالم الآخرة، والحي
عدد الصفحات ٨٥منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة متلبس بها. الثالث: أن الشهداء في حياتهم محجوبون، وبعد موتهم أحياء عند ربهم يرزقون . وعن الثاأن ماذكرتموه أمر مجمع عليه، معلوم عند صغير المسلمين فضلا عن كبيرهم: أن المخلوق على الإطلاق لايطلب منه، ولا ينسب إليه فعل ما اختصت القدرة الإلهية به[ ]وقد رأينا أغمار الناس وعامتهم وأبعدهم عن العلم والمعرفة يلوذون بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزيدون على أن يسألوا الشفاعة والوسلية: يارسول الله اشفع لنا، يالله ببركة نبيك اغفر لنا .. ]فصار الكلام في المسألة المفروضة فضلا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه[. ]وإذا لم يكن بد من التعريف بهذا الحكم؛ خشية أن يقع فيه أحد: فليكن بعبارة توهم نقصا في النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غضا من منصبه [، مثل أن يقال: ما استأثر الله عز وجل بالقدرة عليه؛ فلا يطلب من مخلوق على
عدد الصفحات ٨٦منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة الإطلاق، أو نحو هذا، ولا يتعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بسلب الاستغاثة عنه مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسلام عليه والرواية عنه ونحو ذلك . هذا حاصل ماوقع في هذه المسألة سؤالا وجوابا ذكرته بمعناه وزي ادات من عندي." انتهى كلام العلامة الطوفي، دون تشنج، ولا ش تم، ولا تضليل، ولا دخول في النيات، ولا تكفير، ولا وسوسة . مسألة علمية، تتناول بعلم وفهم وإنصاف، وانتهينا.
عدد الصفحات ٨٧منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة - في هذا المنشور ننقل عن عالم حنبلي كبير، وإمام من أئمة السنة (يعني: التوحيد)، وهو متوفى قبل ولادة ابن تيمية، توفي: 656 هـ. وهو الشيخ الإمام يحيى بن يوسف الصرصري رحمه الله. وهذا الرجل من أشهر مادحي النبي صلى الله عليه وسلم، والمستغيثين به، وديوانه مليء بهذا، ولو نقلنا أبياته التي فيها هذا؛ لجاءت في كتاب كبير! وقد صرح ابن تيمية -رحمه الله- أن شِعره فيه ذلك، وأنه -يعني ابن تيمية- ينكر ذلك. المنشور التاسع عن الحنابلة والاس تغاثة
عدد الصفحات ٨٨منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة لكن لا يصلح أن ترد علينا في هذا بنقل كلام ابن تيمية -أعلم أنه لا فائدة من هذا التنبيه وسترد به-؛ فإن كلامه معروف، وللأسف فما رأينا من مخالفينا ممن يرد علينا إلا بسرد كلام ابن تيمية الذي قرأناه ونعرفه، ولكنهم يردون على ما في أذهانهم لا على ما نقول، ولا يخرجون عن تقريرات ابن تيمية مهما أتيت لهم بحجج. وأكرر: ليست المشكلة في نفس الرد بتقريرات ابن تيمية، ولكنها في التعصب، وفي الرد على ما في أذهانهم لا على ما نقوله، وفي الخروج عن محل النزاع . -إذن ما وجه الاحتجاج بالصرصري؟
عدد الصفحات ٨٩منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة - أننا لا نعلم حنبليا قدح في الصرصري، أو اعترض عليه في ديوانه ذلك -غير ابن تيمية-، بل كل من ذكره يثني عليه، ويثني على ديوانه، ويصرح كبارُ أئمتنا أن ديوانه هذا سار في الناس وتلقي بالقبول. وسيأتي نقل هذا. فلو كان ما فعله شركا عندهم، أو مخالفا مخالفة واضحة للسنة والتوحيد -على أقل تقدير-؛ لأشاروا إلى ذلك حين أثنوا عليه وعلى ديوانه، كما فعلوا ذلك مع غيره . - أن ديوانه ليس فقط مسكوتا عن الطعن فيه ومعارضته، بل مصرَّح بأنه متلقى بالقبول سائر في الناس، أليس هذا إجماعا من أهل عصره ! قال ابن القيم -رحمه الله- عن الصرصري -رحمه الله-: )حسان السنة في وقته، [المتفق على قبوله]، الذي سار شعره مسيرة الشمس في الآفاق، [واتفق على قبوله الخاص والعام أي اتفاق]، 3 4
عدد الصفحات ٩٠منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة ]ولم يزل ينشد في المجامع العظام]، ]و ينكر عليه أحد من أهل الإسلام] يىيح بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري الأنصاري، [الإمام في اللغة والفقه والسنة والزهد (والتصوف)] فانظر -رحمك الله- وأنصف من نفسك: إمام في اللغة والفقه والسنة شِعره متفق على قبوله بين العام والخاص ! لم يزل ينش د في المجامع العظام لا ينكِر عليه أحد من أهل الإسلام! وهذا الشعر به عشرات الأبيات فيها استغاثة صريحة ! ثم حدثني عن أن هذا شرك مجمع عليه، ومن بدهيات التوحيد !!
عدد الصفحات ٩١منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة - وقد حكى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية -رحمهما الله- تأثره بشعر الصرصري في المديح النبوي تحديدا، حيث بكى شيخ الإسلام واشتد نحيبه. يقول ابن القيم: )وسم ع مرة شيخُ الإسلام ابنُ تيمية -قدّس الله روحه - مُنشد ا ي نشدُ أبيات يحيى الصَّرصريِّ التي أوّلهُا: "ذ ك ر الع قيق فهاج هُ ت ذكارُهُ "؛ فلمّا وصل إلى قولِه: يا م ن ث ـوى بين الجوانحِ والح ـشا منيِّ وإن بعُــــــد تْ عليّ ديــارُهُ عطف ا على قلب بحبِّـــــك ه ــــائم إن لمّ تصِـــــلْه ت صدّعتْ أعشارُهُ وارحمْ كئيب ا فيك، يقضي نحْـــب هُ
عدد الصفحات ٩٢منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة أسف ا عليك ، وما انقضت أوطارُهُ لا يســــتفيقُ من الغـــرام، وكلما حجبـــــــوك عنه ته ــتّكت أستارُهُ =اشتدَّ بكاؤه ون حيبُه، وت غيّر حالُه). - ستجد من يقول لك: ليس هذا إقرارا من ابن القيم لما في شعره من الاستغاثة! وأقول: لا تجادل هؤلاء فلا فائدة من جدالهم. بل سنقول لهم: نوافقكم أنه ليس إقرارا منه، ولسنا هنا معنيين بإقرار ابن القيم أو مخالفته، وليس هو موضع احتجاجنا. بل نحتج بما حكاه هو عن إقرار الخاص والعام، وأنه متلقى بالقبول، وما وصف به الصرصري من الإمامة في السنة وغيرها.
عدد الصفحات ٩٣منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة -وأما الحافظ ابن رجب فترجم للصرصري فقال: "الفقيه، الأديب، اللغوي، الشاعر، الزاهد، شاعر العصر، [وصاحب الديوان السائر في الناس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم]، كان حسان وقته. وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث، وحفظ الفقه واللغة. ويقال: إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بكماله. وكان يتوقد ذكاء . ]ونظمه في الغاية] ]ويقال: إن مدائحه في النبي صلى الله عليه وسلم تبلغ عشرين مجلدا] وكان صالحا، قدوة، عظيم الاجتهاد، كثير التلاوة، عفيفا، صبورا، قنوعا، محبا لطريقة الفقراء ومخالطتهم، وكان يحضر معهم السماع، ويرخص في ذلك. ]وكان شديدا في السنة، منحرفا على المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة، ومدح أهلها، وذم مخالفيها]
عدد الصفحات ٩٤منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة فانظر إلى هذه الأوصاف العظيمة، ولم يذكر ابن رجب في ترجمته أيَّ طعن في شعره، أو ذم، أو استدراك، أو إشارة إلى شيء من ذلك! ألم يكن مما يجدر به وبغيره من أئمة المذهب أن يذكروا شيئا من الذم أو التحذير أو التنقص أو الاعتراض -على أقل تقدير- على الصرصري وشعره، خصوصا حال مدحهم ديوانه ومدائحه للنبي صلى الله عليه وسلم -وهي بيت القصيد-؟! وإذا قلت : إنهم لا يذكرون في تراجم العلماء إلا المدح لهم، ولا يذكرون ما فيه ذم لهم= فأنت رجل لا تعرف كتب التراجم، ولا تعرف العلماء وطرائقهم. فانظر فيها، وستعرف بنفسك. وأما عن خاتمة هذا الإمام -نسأل الله من فضله-؛ فقال ابن رجب : )كان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، [وبشره بالموت على السنة]، ونظم في ذلك قصيدة طويلة معروفة[ .وقد حدث] ولما دخل هولاكو وجنده الكفار إلى بغداد كان الشيخ يحمى بها، فلما دخلوا عليه قاتلهم. ويقال: إنه قتل منهم بعكازه، ثم قتلوه شهيدا! -رضي الله عنه-).
عدد الصفحات ٩٥منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة قال: (وحمل إلى صرصر، فدفن بها. وزرت قبره بها حين توجهنا إلى الحجاز سنة تسع وأربعين وسبعمائة). انتهى. وأما عن نماذج من شعره -وهي كثيرة جدا كما أسلفتُ - فانظر التعليقات الثلاثة الأولى. وبالله التوفيق
عدد الصفحات ٩٦منشورات الشيخ محمد عبد الواحد الحنابلة والاستغاثة
عدد الصفحات ٩٧